رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل السابع والعشرون 27 بقلم نورهان ال عشري


 رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني  ( هل من سبيل للغفران) الفصل السابع والعشرون 


رسالة لن تصل إلى صاحبها:

" بكامل إنكساري، وبكل ما أوتيت من أسفٍ مرير. أبوح لك اليوم بما عجزت إرادتي عن كتمانه: 

أنا لازلتُ أتنفسك…

 لقد أحرقني الفِراق، و أضناني الألم، و ذبحني الشوق، لكن حبكِ لم يغادر كما فعلت، بل تغلغل في أعماقي كوشمٍ أبدي تجدر في جسدي و كأنه عقِد مع دمي حلفاً قويًا لا ينفصم إلا بإنفصال الروح عن الجسد. وأنا التي ظننت بأن البُعد يقتل العشق، فإذا به يميتني و يُحييك في داخلي. 

أشتاقك.. أشتاقك بقدر كل لحظات الألم التي عايشها قلبي في بعدك وبعدد كل دمعةٍ جرت من عيني وأنا أبكي لوعة غيابك غارقة في لحظاتٍ يذبحني فيها الحنين، فيقودني قسراً إلى رداءٍ يحمل رائحتك كنت قد خبأته ذات ليلة بين أشيائي الثمينة، لأظل أتنفس بقايا رائحتك العالقة به بنهم غريق يتشبث بآخر أنفاس الحياة، فحُبك كان بمثابة جمر ظنه الفِراق رمادًا، فما زادته رياح البُعد إلا اشتعالًا..

وأخيراً أفتقدك… أفتقدك بالرغم من الجراح النازفة و الآلام التي لا تهدأ ولا يسكُن أنينها، افتقدك بالرغم من أنني أعلم بأنك لن تسمع صرخات روحي و ذلك لأن لي كبرياءً صارم سيشنقُ هذه الكلمات على أعتاب شفتي قبل أن تصل إليك. كبرياءً يقف بيننا كجلادٍ يُحصي أنفاسي، و يحفظ كرامتي النازفة ويمنعني من الارتماء في بين  ذراعي من ذبح الطمأنينة بصدري. 

أعلم جيدًا أن الشوق هوان وأن بوحي هذا يُعد انتحار، لكنه انتحار صامت هاديء ليس له ضجيج؛ فهذه الحروف لن تُغادر عتمة صدري، ولن تُبصرها عينيك أبداً، و أعلم أيضًا أنني سأموت ذات يوم بحُمى الفقد وسأدفن بيدي جثة اشتياقي تحت نُصب كبريائي العنيد، لتبقى أنت في غيابك سالمًا، وأبقى أنا في صمودي مُحطمة.

نورهان العشري ✍🏻 

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

ـ خير يا خالد في ايه؟ 

هكذا تحدث كمال بقلق وهو يرى خالد الذي كانت  الغضب يظهر جليًا في ملامحه و عينيه و نبرته حين قال:

ـ خير! هو أنتوا وراكوا خير؟! ولا اللي يشوفكوا يعرف خير؟

صُدِم كمال من حديث خالد و كذلك عمر لتطوف عينيه فوق كُلًا من رحيم الذي لا يقل غضبه عن غضب خالد، و هيام التي بدا وأنها بكت كثيرًا و بجانبها غنى التي كانت لاتزال تبكي، و أخيرًا جابر الذي كانت ملامحه متجهمة ليهتف كمال بخوف:

ـ ياسر فين؟ 

و هتف عمر من الخلف مرتعبًا:

ـ و يزيد؟ حد منهم جراله حاجة؟ 

لم يكد يُنهي جملته حتى خرج يزيد من الغرفة و بجانبه مجموعة من الأطباء ليقترب خالد منه قائلًا بقلق:

ـ ياسر عامل ايه؟ 

يزيد بتعب:

ـ كويس متقلقش. الرصاصة جت في كتفه زي ما قولتلك، والحمد لله مجتش في منطقة حيوية من جسمه..

تحدث رحيم بغضب ساخر:

ـ المرة الچاية هتاچي يا دكتور متجلجش… 

زفر خالد حانقًا قبل أن يقول بجفاء:

ـ أجل الكلام دا دلوقتي يا رحيم. دخل مراته تشوفه و تطمن عليه، و بعدين نبقى ندخل احنا. 

كانت كل ذرة بها ترتعب منذ أن رأته يسقط غارقاً في دمائه لم يكن ما تشعر به مجرد خوفًا عابرًا، بل هو ذعرًا حقيقيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى،  في تلك اللحظة حين رأته غارقًا في دمائه صرخت بقوة و كأنها أرادت أن تهتز الأرض لمصيبتها، ثم هدأت و كأن حبال الصلة بينها وبين العالم الخارجي قد انقطعت، و اخفتت الأصوات حولها حتى تحولت إلى طنين مبهم، وبدت الوجوه والحركات كفيلم سينمائي قديم يعرض بلا صوت.

دخلت في حالة من الإنكار الصارم رافضة تصديق ما تراه حتى أن رئتيها بدت رافضة أن تتنفس، فكثُرت تنهيداتها وكأنها تتوسل إلى الهواء ألا يخذلها هو الآخر. كانت الخسارة هنا ليست مجرد غياب لشخص عزيز، بل هي عملية بتر للروح حيث تقف على حافة الهاوية تشاهد نصفها الآخر وهو يسقط مدركة أنها إذا فقدته، فلن يتبقى منها سوى شبح لإمرأة أحياها العشق و قتلها الغياب..

ـ غنى. قومي ادخلي عشان تطمني على ياسر.. 

تزاحمت اللهفة في عينيها دون أن تفصح شفاهها عن شيء فقط نصبت عودها و توجهت بخطوات مرتجفة إلى داخل الغرفة، لتقع عينيها على ياسر الذي كان يجلس فوق السرير و ذراعه مضمد بالكامل و مُعلق في رقبته، و ما أن رآها حتى اعتدل في جلسته وهو يهتف بلهفة:

ـ غنى..

خرجت الحروف مرتجفة هامسة من بين شفتيها و كأنها غير مصدقة أنها تراه حيًا أمامها:

ـ ياسر.. 

لاحظ حالتها، فهب من مكانه متوجهًا إليها دون الالتفات إلى ألمه وهو يقول بنبرة عاشقة:

ـ أنا كويس يا روح قلب ياسر..

وكأن جملته بثت الحياة بجسدها لتتعالي شهقاتها وهي تهتف بلوعة:

ـ ياااااسر…

لم تكمل جملتها كان قد حاوط خصرها ليحملها بيده السليمة و يعانقها بكل ما أوتي من عشق، فهذا الذعر المرتسم على ملامحها والألم الذي يتساقط من عينيها و رجفة جسدها بهذه الطريقة بين يديه جميعها أشياء جعلته يكاد يُجن حتى يمحوها و يُعيد الصفاء إلى ملامحها مرة أخرى، فتوجه بها إلى السرير ليجلس وهي بين ذراعيه يهدهدها كطفل صغير، يديه تحنو، و شفتيه تغازل و كلماته تطمئن روحها المُعذبة:

ـ ايه كل الدموع دي يا غُريبة قلبي؟ 

غنى بهمس:

ـ مش مصدقة انك قدامي. شكلك وانت غرقان في دمك….

قاطع حديثها بطريقة خطفت أنفاسها حين هوى يرتشف حزنها مع رحيقها العذب، وكأنه يؤكد وجوده بجانبها بالأفعال ولكنه كان مـراعيًا لحالتها ليتراجع عنها وهو يقول بنبرة عابثة:

ـ وأدي إثبات واضح و صريح اني هنا قدامك، و يارب يكون لسه عندك شك. عشان أأكدلك المرة دي بإثبات لا يقبل الشك..

نجح في رسم البسمة فوق شفتيها التي تشققت بفعل البكاء، ليهتف ياسر مُهللًا:

ـ اللهم صل عالنبي. دانا جرحي طاب من الضحكة يا جدعان..

أخجلتها كلماته فأخفضت رأسها وهي تقول بارتباك:

ـ ياسر بطل كلامك دا…

ياسر بتحسر:

ـ والله ياسر غلبان. مش في أيده حاجة غير الكلام في الوقت الحالي. بدراع واحد و في المستشفى، و كفار قريش مستنيني بره. 

رفعت غنى رأسها وهي تقول بلهفة:

ـ أيوا صح. دول كانوا هيتجننوا عليك. يدوب يزيد كلمهم لقيناهم جم و خالد قالب الدنيا عشان يعرف مين عمل كدا ؟ هو مين عمل كدا يا ياسر؟ 

ضيق ياسر عينيه قبل أن يقول بنبرة متوعدة:

ـ هعرف، و هخليه يدفع تمن اللي عمله دا غالي أوي..

هبت غنى من مكانها و هتفت بانفعال:

ـ بس انا عارفة.

صُدم ياسر من حديثها وقال مُستفهمًا:

ـ يعني ايه عارفة؟ 

غنى بلوعة:

ـ هو أنا أغمي عليا ليه لما عرفت اللي عملتوه في رأفت؟ عشان عارفة أن عنايات و الزفت جوزها مش هيستكتوا. أكيد هيعرفوا الملعوب اللي عملتوه و هياخدوا تاره، و أدي اللي حسبته لقيته..

ياسر بحدة:

ـ ما يتحرقوا ولا يولعوا بجاز. هو أنا هخاف منهم! ولا الخربوش دا هيأثر معايا؟ اتأكد بس أنهم ورا اللي حصل وانا و عزة جلالة الله هخليهم يحصلوه ابنهم.

جن جنونها، فهتفت بانفعال:

ـ أنت بتقول اي يا ياسر؟ بدل ما تندم على اللي أنت عملته؟ 

ياسر بقسوة:

ـ نعم ياختي ! أنتِ اتهبلتي في عقلك ؟ اندم على أيه ؟ اندم اني جبتلك حقك من ابن ال**** هو و أمه؟

غنى بحدة:

ـ أنا مطلبتش منك دا. حقي عند ربنا هو اللي هيجبهولي منهم. أنا كل اللي عايزاه منك انك تحافظ على نفسك عشان أنا مقدرش اعيش لحظة من غيرك. أنا قلبي كان هيقف لما شوفتك واقع و غرقان في دمك..

كان الغضب يتراقص في مقلتيه و لم يعد يحتمل سماع اي شيء في هذا الأمر لذا قال بنبرة آمرة:

ـ غنى. اعمليلك قفلة عشان مش طلباكي، و لو رجع بيا الزمن حتى لو كان فيها موتي هعمل كدا.

أعماها الخوف و الغضب في هذه اللحظة لتصرخ بصوت عالٍ تخطى حدود المسموح:

ـ يبقى مش هعيش معاك لحظة واحدة لو هتفضل تفكر بالطريقة دي… 

في هذه اللحظة دخلت هيام لتستمع إلى حديثها الذي اغضبها بقوة مما جعلها تقول بحدة 

ـ و أيه السم اللي بيخرج من بقك دا يا ست غنى ؟ دا كلام تقوليه لجوزك اللي لسه واخد طلقة في كتفه؟!

أما عنه، فقد تجمدت ملامحه من فرط الصدمة و اطفأ الألم بريق عينيه حين سمع كلماتها التي مزقت أحشاؤه من الداخل، و بالرغم من كل هذا الألم إلا أن لهجته كانت باردة كالصقيع حين قال:

ـ هو أنتِ حطالي شروط عشان تكملي معايا؟!

تهدلت أكتافها بتعب وحاولت أن تقمع عبراتها و تمحو الرجفة من نبرتها حين قالت:

ـ سميها زي ما تسميها. بس أنت عارف كويس اوي أني ممكن أروح معاك النار معنديش مشكلة. لكن انك تحط نفسك في وش المدفع مش هسمحلك. انك تعرض نفسك للخطر و تخليني احس الاحساس المرعب اللي حسيته النهاردة دا تاني يبقى لا، و ألف لا يا ياسر…

كان تبريرًا مقبولًا أن احتكم العقل و القلب ولكن هناك من سمم الأول و جرح الثاني حين قال:

ـ أصيلة والله يا غنى. بدل ما تاخدي جوزك في حضنك و تطبطبي على جرحه واقفة تعلي صوتك عليه، و تشرطي كمان…. 

استدرارت غنى إلى هيام بحدة ليصرخ ياسر بنبرة أفزعتها:

ـ يزيد…

دلف يزيد إلى الداخل ليكمل ياسر بنبرة قاسية وهو ينظر إلى غنى:

ـ وصلها البيت… 

توسعت عينيها بصدمة من حديثه كما تألم قلبها بشدة لقسوته و عدم تفهمه لخوفها عليه ليتلبسها شيطان الغضب و التفتت موجهة حديثها إلى يزيد:

ـ وديني على بيت أهلي يا يزيد…

غادرت و خلفها يزيد الذي غضب بقوة مما حدث ولكنه لم يُعلِق ليكز ياسر علي أسنانه و أحكم قبضته بقوة من جملتها التي استقرت في منتصف قلبه لتقترب هيام منه وهي تربت فوق صدره بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ والله ما أنت مزعل نفسك. جرحك لسه حي يا قلب أختك.

ياسر بنبرة غاضبة حد الألم:

ـ أنتِ مش سمعاها بتقول ايه؟ 

هيام بلهفة:

ـ متاخدش على كلامها. دي عيلة هبلة و عايزة قرصة ودن تعدلها. اسمع مني الدلع و الحنية أوقات كتير بيجيبوا نتايج عكسية. أنت شوية تشد و شوية ترخي. تقوم هي تفهم أن مش معنى انك بتحبها. انك ضعيف قدامها. لاااا. كدا تركب و تدلدل رجليها..

في هذه اللحظة دلف خالد الى الغرفة، و من خلفه كُلًا من رحيم و عمر و كمال ليقول الأول باهتمام:

ـ عامل ايه دلوقتي ؟ 

ياسر باقتضاب:

ـ الحمد لله أحسن.

اطمئن رحيم على حالته قائلًا:

ـ حمد لله على سلامتك يا واد عمي. طمني عليك..

ياسر بجمود:

ـ الله يسلمك يا رحيم أنا كويس..

تحدث عمر أيضًا:

ـ ألف سلامة يا ياسر. شدة وتزول يا ريس

ياسر باختصار:

ـ الله يسلمك يا كمال..

كان حديثهم قد وصل إلى مسامع الجميع في الخارج مما جعل كمال يقول بجفاء:

ـ ما صوتك ملعلع أهو اومال قالقنا عليك ليه؟ 

هيام بعتب:

ـ الملافظ سعد يا كمال. دا يا حبة عيني وشه أصفر لمونة ازاي؟ 

كان خالد قد سمع حديثها الذي ذكره بشقيقته، فشعر بالغضب منها مما جعله يقول بنبرة جافة:

ـ جوزك بره و شكله مرهق و تعبان يالا روحي معاه واحنا هنجيب ياسر و نيجي وراكوا..

هيام برفض قاطع:

ـ لا طبعًا يا خالد. أروح فين و أسيبه؟ 

قاطعها رحيم بحدة:

ـ هو احنا مش ماليين عينك ولا اي يا هيام؟ ما تسمعي الكلمة، و زي ما خالد جالك هنروحوا لحد الدار. 

خالد بنبرة خشنة:

ـ يالا يا هيام.. عشان أنا لا عندي وقت ولا خُلق للكلام الكتير…

حاوطها ياسر بذراعه السليمة وقبل أعلى رأسها وهو يقول بنبرة لينة بعض الشئ:

ـ يالا يا حبيبتي. روحي من الحاج جابر وأنا هرجع معاهم، و مش هنتأخر متقلقيش..

أضطرت للإذعان في نهاية الأمر و غادرت مغلقة الباب خلفها ليبدأ خالد بالحديث حين قال بتقريع:

ـ بالله عليك انت شخص مسئول؟

ياسر بنفاذ صبر:

ـ انا عملت ايه يا خالد؟ 

خالد بحدة:

ـ قول معملتش ايه؟ هو أحنا يا بني آدم مش متفقين أن محدش في العيلة كلها هيمشي من غير الحراسة ؟ ايه اللي خلاك تمنعهم يأمنوا البيت..

ياسر بحنق:

ـ هو البيت دا في التجمع يا ياسر؟ دا في حارة. يعني وجود حرس و بودي جاردات هيلفت الانتباه، و مش بعيد الناس كلها تقف تتفرج..

صاح رحيم مُعنفًا:

ـ يتفرچوا ولا يتحرجوا. عاچبك اللي حوصول ده ؟ افرض كانت الرصاصة چت في.نافوخك ولا في صدرك جصفت عمرك ؟ كنت هتروح لابوك تجوله ايه؟

أيده خالد مُضيفًا:

ـ ولا مراتك اللي كان هيجرالها حاجة من الخوف والرعب عليك. دا كلام بزمتك؟!

حين أتى على ذكرها اهتاجت جيوش شوقه و غضبه في آنٍ واحد ليهتف بانفعال:

ـ ماهي الهانم اللي كان هيجرالها حاجة من الخوف غضبت وراحت عند أهلها أول ما اطمنت عليا…

تفرقت أنظار الرجال ليتدخل عمر قائلًا بجمود:

ـ بلاش ترمي دماغك للشيطان و تخلي كلمة تجيبك و كلمة توديك يا ياسر. عشان محدش هيندم غيرك..

ياسر بحدة:

ـ أنا مش هندم عشان مجتش عليها يا عمر. لكن هي هتندم عشان أنا ميتلويش دراعي..

لم يستطِع كمال الصمت أكثر بل تدخل قائلًا بجفاء:

ـ طيب بما أنك شايف انك مش غلطان، فخليني اتكلم معاك بصراحة. البنت عندها حق تخاف عليك و كلام هيام ليك صدقني غلط في غلط. أنا يمكن معرف غنى بس شوفت هي قد أيه بتحبك.

ياسر بصرامة:

ـ هيام مقالتش غير الصح. يمكن طريقتي معاها هي اللي خلتها تفكر أنها ممكن تلوي دراعي وانا عشان بحبها هقبل بأي حاجة تقولها. 

كمال بنفاذ صبر:

ـ كلام هيام دا مكانه الوحيد هو الزبالة. على فكرة يا ياسر. هيام واضح جدًا أنها بتغير من غنى، و عشان تبقى في الصورة لما اتحبست وروحنالها أنا وآسيا احنا دخلنا لقينا هيام مبهدلة غنى و شوية و كانت هتضربها و سمعتها أسوأ كلام ممكن حد يسمعه، ولولا أننا وصلنا في الوقت المناسب منعرفش كان الموضوع هيوصل معاها لأيه،و اتهمتها أنها السبب في اللي حصلك. معرفش انت عندك علم بالموضوع دا ولا لا. بس كان لازم أقولك.

بهتت ملامح ياسر من الصدمة ليتدخل خالد في الحديث قائلًا:

ـ واضح إنك متعرفش و أن غنى مقالتش، و دا لو ليه معنى، فهو أن البنت دي بنت ناس و بتحبك حتى لو غلطت و قالت كلام في لحظة انفعال كان مفروض تحتوي الموقف، و متسمحش لحد يملى دماغك من ناحية مراتك..

سانده رحيم هو الآخر قائلًا:

ـ صوح الحديت ده يا واد عمي. افصل بين التنين عشان ترتاح و تروج دماغك. الحريم مشاكلهم كتير مفضيينش احنا.

تحول غضبه إلى بقعة آخرى وهو يتخيل ما حدث ولكن خالد لم يُمهله الوقت إذ قال بنبرة خشنة:

ـ و دلوقتي خلينا نتكلم في المهم. إيه قصة ضرب النار دي! و حوارك مع اللي اسمه عبد الحفيظ الصباغ دا؟ 

ياسر باستفهام:

ـ هو أنت عرفت منين حوار عبد الحفيظ الصباغ دا؟ 

خالد بنفاذ صبر:

ـ واحد اتصل على يزيد وقاله قول لأخوك اني مش هسكت غير لما أموته زي ما اتسبب في موت ابني، ويزيد قالنا ان الراجل دا اسمه عبد الحفيظ الصباغ. أية قصته دا بقى؟!

تحمحم ياسر قبل أن يقول بنبرة ذات مغزى:

ـ دا موضوع حساس يا خالد. هبقى احكيهولك بعدين..

زفر خالد بغضب قبل أن يقول باختصار:

ـ يالا عشان نروحك..

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] 🩵

★★★★★★★★★

تجمدت الدماء بأوردتها حين رأت تلك المربية وهي تعامل الطفل معاملة سيئة وتحاول أن تجعله ينام بالقوة وهي تهتف حانقة:

ـ نم أيها الطفل الغبي، لقد سئمت منك، و سئمت من بكائك اللعين هذا. هي نم أو مت لا اهتم..

في خضم انفعالها و بكاء الصغير لم تستمع إلى صوت الباب الذي انفتح و أطلت منه آسيا التي اقتربت تدفعها بقوة وهي تصرخ بانفعال:

ـ ماذا تفعلين أيتها الحقيرة؟ هل هكذا تتعاملين مع طفلٍ صغير؟ 

سقطت المربية أرضاً وهي تنتفض من شدة الفزع، حين رأت آسيا التي أمسكت بها وهي تعنف ذلك الصغير البريء الذي كان وجهه مُحمرًا من شدة البكاء لتحمله آسيا بين أحضانها وهي تهدهده بلُطف تحاول تهدئته وقد كان الطفل ينظر إليها وهو يبكي و كأنه يشكو لها الشعور المرعب الذي عايشه مع تلك العديمة الإحساس لتضمه آسيا إلى صدرها وهي تحاول طمأنته، فقد كان تصرفًا عفويًا تجاه طفل شاهدته يُعنف بطريقة غير آدمية، في هذه اللحظة لم تتذكر ابن من يكون ؟ ولا كونه ثمرة خيانتها الموجعة، بل كادت أن تفتك بهذه الفتاة الملقاة أرضًا ترتجف من الرعب الذي تجلى في نبرتها وهي تحاول تبرير فعلتها:

ـ سيدتي. لقد. لقد فهمتي الأمر بشكلٍ خاطئ، لم أكُن أعنفه. كنت. كنت أحاول أن اجعله ينام..

لم تدعها آسيا تُكمِل حديثها بل صرخت في وجهها بقوة:

ـ اخرسي. أيتها الكاذبة اللعينة، و تجرؤين إلى الكذب أمامي! ماهذه الوقاحة؟ هيا اغربي عن وجهي واعلمي أنها المرة الأخيرة التي ستضعين يدك عليه. هيا اغربي…

هبت الفتاة مذعورة لتندفع إلى الخارج بينما آسيا تبدلت نظراتها وهي تنظر إلى عيني الطفل الجميلة التي تغلفها طبقة كريستالية من العبرات لتحاول آسيا محوها بلُطف تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ خلاص مشيت. خليك راجل بقى و بطل عياط.. دا أنت وتيدي يعني جايب الاحساس دا كله منين؟ 

أنهت حديثها و ابتسمت ليبتسم الطفل أيضًا، فأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بنبرة يخالطها مرارة الخذلان:

ـ فرحان عشان لقيت حد يدافع عنك. أنا كمان جه عليا وقت كان نفسي ألاقي حد يدافع عني. بس للأسف في كل مرة كنت بلاقي نفسي لوحدي. لحد ما اتعلمت ادافع عن نفسي..

ابتسامة مريرة ارتسمت على شفتيها وهي تتابع:

ـ طبعًا مش كل مرة بعرف أخد حقي. بس أديني بعافر، و ربنا بيكرم يعني… 

كان الطفل يبدو و كأنه يستمع إلى حديثها باهتمام وهو ينظر إلى داخل عينيها لتبدأ هي في هدهدته و عينيها تشتبك مع عينيه في لحظات بثته حنانًا يحتاجه و استمدت منه راحة نفسية تحتاجها، و في هذه اللحظة قررت أن لا تنظر إلى أبعد من وجه الطفل، لن تنظر إلى صلته بهذا الرجل ولن تراه بعد الآن رمزًا لخيانتها، فما ذنب الطفل المسكين كونها أحبت ذلك الخائن؟ 

بدأ الطفل يخلد إلى النوم رويداً رويدًا حتى أغمض عينيه أخيرًا، وفي هذه الأثناء سمعت صوت أقدام في الخارج، فارتجف جسدها، و كأنها ترتكب جرمًا كبيرًا، فاقتربت لتضع الطفل في سريره، تزامنًا مع انفتاح الباب بقوة افزعت الطفل الذي انتفض باكيًا لتشهق آسيا بفزع هي الآخرى وهي تشاهد كمال الذي  كانت ملامحه متصلبة، و عيناه كانت كجمرتين متقدتين تقطران شرراً أحرق كل ما تبقى من هدوء في داخلها. لم يكن غضباً عابراً، بل كان سيلًا جارفاً يوشك أن يلتهمها لتتراجع خطوة إلى الخلف وقد تجمدت الدماء في عروقها، و تسارعت أنفاسها وانقبض صدرها بضيق، كأنها تقف أمام وحشٍ حطم قفصه للتو، و هيبدو أنها ستكون فريسته، ولكنها أبت أن تدع الخوف يكبلها و خاصةً حين سمعت صوت تلك المربية الحمقاء تهتف بانفعال:

ـ أرأيت يا سيد كمال؟ أنها تعامله معاملة سيئة، ولهذا طردتني. حتى لا أخبرك بفعلتها النكراء…

توسعت عيني آسيا من إدعاءات تلك الحقيرة، فلم تشعر بنفسها سوى وهي تقترب منها وتحاول صفعها وهي تصرخ بحدة:

ـ ماهذا الهراء الذي تتفوهين به أيتها الساقطة ؟ 

المربية بذُعر:

ـ ابتعدي عني..

نالت المربية صفعة لم تكن قوية من يد آسيا لأن كمال تدخل ليقف بالممنتصف، وهو يهتف بحدة:

ـ آسيا خلاص وقفي الجنان دا..

قاومته آسيا وهي تريد من النيل من هذه الفتاة الكاذبة لتهتف بحنق:

ـ سأقوم بقطع لسانك الكاذب هذا… تعالي إلى هنا..

حاوط كمال خصرها بيد و بالآخرى كان يحاول تخليص خصلات شعر آنا من بين يديها وهو يصرخ بصرامة:

ـ آسيا قولتلك خلاص بقى…

تلاشت كل ذرة هدوء تمتلكها، فقامت بجذب نفسها من بين يديه وهي تلتفت ناظرة إليه بغضب و عينيها تتوهج بغضب يكلله عبرات غزيرة اهتزت بها جفونها لتصرخ بنبرة مُلتاعة:

ـ بلا آسيا بلا زفت اوعى ايدك دي من عليا. الحيوانة دي أنا دخلت عليها لقيتها بتضرب الولد وبتحاول تنيمه بالعافية عشان كدا طردتها. لكن تصدق أنا غلطانه، مفروض كنت سبتها تبهدل فيه عشان تعرف قد ايه انت شخص مستهتر و متستهلش أصلًا أن حد يبص في وشك ولا يعبرك..

تدحرجت العبرات من بين مقلتيها بغزارة تزامنًا مع انهائها الحديث لتستدير تنوي المغادرة، ولكن يداه أوقفتها وهو يقول بلهفة:

ـ آسيا استني..

نزعت يدها من بين قبضته وهي تصرخ باكية:

ـ اوعى كدا سيبني..

كاد أن يذهب خلفها إلا أن يد آنا أوقفته والتي هتفت بضعفٍ كاذب:

ـ سيد كمال رجاءً لا تصدق إدعائها. هي من أساءت معاملة الطفل و تريد إلصاق التهمة بي. 

قاطعها كمال حين زمجر بشراسة أفزعتها:

ـ اخرسي، و احملي حقائبك و غادري  في الحال، و أقسم أنني لو رأيتكِ هنا في الصباح، فسأجعلك طعامًا لكلابي..

تراجعت الفتاة مذعورة بينما اندفع هو تجاه غرفة آسيا التي كانت تقف في الحمام أمام انعكاسها في المرآة وهي تصرخ بتوبيخ:

ـ شاطرة يا آسيا هانم. بهدلتي نفسك وقللتي منها وحطيتي كرامتك تحت رجليه. تستحقي كل اللي يجرالك. عشان مهزقة و حيوانة و بتسمعي كلام قلبك الغبي. 

قامت بحمل أحد الزجاجات الموضوعة فوق الرف الجانبي و قذفتها بعُنف في المرآة لتتحطم و تحدث صوتًا عاليًا وهي تصيح بقهر:

ـ غبية يا آسيا. غبية و ستين غبية..

هوى قلبه بين ضلوعه حين سمع صوت زجاج يتحطم، واخترقت كلماتها المُعذبة أذنيه كخنجرٍ مسموم. في تلك اللحظة الخاطفة، تلاشت كل تلك الحصون الشاهقة التي شيدها بينهما عبر شهور من الجفاء، و البعد، وانهارت كبيتٍ من الرمال وخسر وجعه معركته أمام خوفه الجارف عليها. فبالرغم من كل الألم الذي يتجرعه بسببها، إلا أن رُعبه عليها هزم كبرياءه في لمح البصر. و مزقت صرخاتها أحشاءه وكأنها تفتك بأوتار روحه، فلم يعد يرى أو يسمع سوى طيفها الخائف؛ وبلا وعي، هرول إليها بجسدٍ ينتفض، ساقطاً في فخ حب عجزت كل الحواجز عن قتله ليراها تقف أمام المرآة تنتفض ألمًا و تتهادى عبراتها تحفر وديان الألم فوق خديها و أمامها زجاجٍ متناثر تمامًا كحالها ليهمس بأنفاس مقطوعة:

ـ حصل ايه؟ 

انصبت جميع مشاعرها في بوتقة الغضب، و انتفض كبريائها الذي أبى أن يمنحه شرف رؤيتها وهي في هذه الحالة لتهتف بشراسة:

ـ محصلش. أخرج بره.

زمجر كمال مُحذرًا:

ـ أنا ميتقاليش كدا.

صاحت بانفعال:

ـ أنا أقول اللي أنا عايزاه. أخرج..

توقف عقله عن التفكير، و تخدرت جوارحه وهو يرى شتاتها، وهذا الألم الطاغي الذي يذبح بدمٍ باردٍ وهج الياقوت عينيها الذي لطالما تاه في سحرهما.، وفجأة وتهاوت جميع الحواجز التي كانت تقطع طريق الوصل بينهما كقصورٍ من ورق. لتغمره عاطفة قوية ألغت عقله وهزمته شر هزيمة أمام هذا الضعف الطاغي الذي تسرب إلى داخله وهو يرى رجفتها و شعورها العارم بالخزي مما حدث،و بلا تفكير، مد يده وانتزعها من بين شتاتها بقوة مفرطة، ليغمدها في أعماق صدره، ويزرعها عنوةٍ إلى جوار قلبه. كان عناقاً عنيفاً في لهفته، و احتواءً مطلقاً أعلن فيه استسلامه الكامل، مضحياً بكبريائه تحت أقدام خوفه عليها، في لقطةٍ أذهلت روحها المنهكة و جعلتها لثوان عاجزة عن الحركة، فهي غارقة بين يديه و جسده الضخم يطبق عليها فيحتويها كليًا، و رائحته التي كانت تعشقها تحتل أنفها كحقيقة تتنفسها وليس سرابًا كما كان يحدث أثناء غيابه، و لكن.. يبقى الكبرياء يقظًا حينما يغيب العقل، فهناك جراحًا لا زالت تنزف بغزارة و آخرى تلوثت بقيح الخيانة

ـ ابعد عني و متقربش مني… 

هكذا تحدثت بنبرة مهترئة تعج بالألم لتقابلها نبرته المُعذبة، وهو يقول بقوة:

ـ هقرب وقت ما أحب. 

حاولت دفعه وهي تقول بنبرة مُتحشرجة:

ـ مش هسمحلك.

شدد من احتوائها وهو يقول بنبرة طابعها الصرامة:

ـ مش هاخد اذنك أصلًا. 

شعرت بالتعب و الإرهاق يجتاح جسدها كليًا لتحاول استرداد أنفاسها التي سلبها قربه، و إذا بها تشعر بأنفاسه المحرورة تمر فوق ساحة عنقها ليصل إلى أذنها وهو يقول بصوتٍ أجش:

ـ أنا وأنتِ محتاجين الحضن دا أوي…

بكت بقوة، وهي تحاول استرداد ثباتها لتهتف بألم:

ـ أنا مش محتاجة منك حاجة…

عنادها قائلًا بنبرة تحترق قهرًا:

ـ بس انا محتاج. 

تراجع عنها ينظر إلى عينيها وهو يقول بنبرة مُعذبة:

ـ أنا محتاج اعرف أنا بتعامل مع مين؟ محتاج اعرف أنتِ زي مانا شايفك ولا لا؟ 

أسند جبهته فوق خاصتها وهو يقول بنبرة تتضور وجعًا:

ـ أنتِ جنة ولا نار؟ أنا تعبت… 

كانت عيناه مرآة مشروخة، تعكس بوضوح مرير تفاصيل العذاب، والقهر، وحيرة روحٍ تائهة في مجاهل الألم. أما ملامحه فكانت كلوحةٍ لون الوجع تفاصيلها، فيها حزنٌ يصرخ مستجدياً الرحمة، حزنٌ ارتد صداه في أعماقها ليؤلمها هي الأخرى. تألمتْ من أجله بقوةٍ هزت أركانها وهي تراه بهذا الهوان والشتات.. ولكن، بالرغم من هذا السيل الجارف من الشفقة التي كادت تذيب صدرها، كان قلبها يقف كجدارٍ من جليد ونار؛ جليد لا يُزيبه العشق، ونار لا يُطفئها النسيان، فخيانته محفورةً في أعماق قلبها كشفراتٍ حادة كلما مالت تجاهه متعاطفة، انغرست تلك الشفرات في صدرها لتُذكرها بطعنة تنزف بسخاء داخلها ، فظلّت مُعلقة بين سياط الوجع عليه، وسياط القهر منه لتهمس بنبرة جريحة:

ـ جنة أو نار. خلاص مبقتش تفرق. أنت دبحت كل المشاعر اللي كانت جوايا ليك لما اترميت في حضن واحدة تانية غيري، و خلفت منها. 

لأول مرة لم ينفعل ولم يصرخ، بل هتف بنبرة متألمة:

ـ و أنتِ مخونتيش ثقتي فيكِ يا آسيا؟ مكذبتيش عليا وقولتيلي انك روحتيله عشان هو اللي شهد على وجعك الليلة دي؟ 

آسيا باندفاع:

ـ مكذبتش. والله ما كذبت. يمكن خنت ثقتك لما روحت، و كنت غبية و كرهي لميرهان ضللني. بس عمري ما خنتك ولا حتى بمشاعري…

وضعته الكلمات بين شقي الرحى، وبات عقله يتحرك بعنف بين جحيمين. يرى بعينيه صدقها، ويستشعر كمّ الألم الذي يعتصِر تفاصيلها، ولأول مرة تكن أمامه مكشوفة إلى هذا الحد، عارية من أي زيف أو قناع. بينما هو يقف في منتصف المسافة تماماً، ممزقاً بين روايتين. إحداهما سمعها بأذنيه وصارت كمسامير دُقت في وعيه، و الآخرى تراها عيناه الآن وتنبض بالصدق والوجع. باتت حيرته كحبل مشنقة يلتف حول عنقه؛ فكل فكرة تهاجمه تمحي ما قبلها، مما جعله ينوي بتر هذا التخبط، والتأكد من كل شيء حدث ليضع حداً لمعركته الطاحنة. مد أناملة يمحي عبراتها قبل أن يقول يقول بوعيد:

ـ  عارفة يا آسيا. لو طلع اللي بتقوليه دا صحيح؟ أنا هفتح أبواب جهنم على الكل، و مش هسمي على حد..

انصهر جسدها تحت وطأة الخوف من حديثه، وقد شعرت بأن هناك الكثير مما تخفيه هذه النظرات لتهمس بنبرة خافتة:

ـ تقصد ايه؟ 

تراجع عنها وهو يحاول كبح جماح مشاعره الضارية تجاهها بالإضافة إلى يأسه و غضبه ليقول بنبرة جافة:

ـ أنا طردت آنا، و بكرة هشوف حد تاني غيرها..

أنهى جملته وغادر تاركًا خلفه تلك التي تكالبت عليها جميع مخاوفها و أوجاعها دفعةٍ واحدة لترتمي فوق مخدعها تحتضن وسادتها التي احتضنت عبراتها طوال الليل..

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ 🩵

★★★★★★★★★

رن هاتفها، فدب الذُعر في قلبها، وقد قررت بأنها لن تُجيب، فيكفي هذه المعاناة التي تعيشها و القلق الذي يخيم على حياتها خوفاً من انفضاح أمر تواصلها مع والدها لتقوم بغلق الصوت وهي تضع رأسها بين يديها ليصل إلى سمعها صوت رسالة نصية حالما وقعت عينيها على حروفها حتى تجمدت الدماء في أوردتها و تزاحمت أنفاسها حين قرأتها مرة أخرى

" أمك چاري و نفسها تسمع صوتك.."

هبت نجاة من مكانها وهي لا تصدق ما تراه إلى أن رن الهاتف مرة آخرى، فأجابت بلهفة:

ـ أما…

جاءها صوت بدرية المرتجف على الطرف الأخر:

ـ إيوا يا ضي كيفك يا بتي؟ 

ضي! استغربت حين نادتها والدتها بهذا الاسم بدلًا عن نجاة، فقد كان نجاة هو اسمها الحقيقي كما أخبرتها لما نادتها باسمها المزيف، ولكنها لم تطيل التفكير بل هتفت بنبرة مُلتاعة:

ـ أني هتچنن عليكِ ياما. فوتيني لحالي ليه؟ جلبي كان بيغلي من القلق عليكِ. 

بدرية بتحفظ:

ـ أجمدي يا بتي، اني زينة طمنيني عنيكِ.

كان الجمود و التحفظ في نبرتها وجهًا آخر للخذلان الذي نال من قلبها، و بقوة، ألم تشعر والدتها بالقلق عليها بعد أن زوجتها لرجل غريب؟ ألم يُلِح عليها قلبها يومًا بالسؤال عنها؟ 

تساقطت عبراتها من بين مآقيها تنعي شيئًا بقلبها قد انكسر، لتقول بنبرة هادئة و كأن أحدهم نثر المياة على وهج مشاعرها:

ـ أني زينة.. نحمد ربنا.. كنتِ فين المدة اللي فاتت دي؟ 

بدرية بجمود:

ـ في الدنيا.

نجاة بعتب:

ـ والدنيا دي مفكرتكيش انك حداكي بنت حتى تفكري تسألي عنيها؟ 

لم تهتز نبرة بدرية، فقد كان كل تركيزها على عيني الشيطان الماثل أمامها مما جعلها تقول بجفاء:

ـ خلاص ماني اطمنت عليكِ. جوليلي چوزك عامل معاكِ ايه؟

نجاة بتحسر:

ـ أحسن من الدنيا.. على الأجل شايفني بني آدمة…

قالت جملتها الأخيرة بنبرة خافتة لم تصل إلى بدرية التي زجرها رحيم في كتفها لتهتف بتلعثُم:

ـ بجولك يا ضي. إني يا بتي غلطت. غلطت في حكك لما فكرت أن رحيم الوتيدي هو اللي هيحميكي. بس. بس كنت غلطانه..

تنبهت نجاة لحديثها وقالت باستفهام:

ـ يعني أيه الحديت ده؟ 

ابتلعت بدرية ريقها وهي تتحدث بارتباك:

ـ فاكرة ولد الحرام اللي طلع عليكِ في الچبل، و كان عايز…

قاطعتها نجاة قائلة بلهفة:

ـ فاكرة..

ـ هو. هو رحيم الوتيدي، و اللي عرفته بعد أكده. أنه. أنه مش أول مرة يعملها. ده. ده عِمل أكده كتير جوي، و ياما جتل بنته كتير، في نفس المكان بعد ما خد غرضه منيهم.

انتفض جسد نجاة و ضربته الرجفة كصاعقة لتجعل الكلمات تهتز فوق شفتيها وهي تقول:

ـ بتقولي ايه ياما؟ 

بدرية بتوتر:

ـ ده كمان. مبيخلفش، و ، وهو اللي جتل مرته. متصدجيش وش الملاك اللي لابسه. و الحديت اللي بيملى راسك بيه. ده. ده كمان بيكره أبوكي كره العمى، و عايز. عايز يكرهِك، و أني جولتلك جبل سابج.. فاكرة؟ فاكرة يا نچاة.جولتلك ايه على أبوكي؟ أنه راچل زين، و أنه….

جذب رماح الهاتف من يدها حين شعر بأنها تكذب، فهي لم تكن لتتحدث عنه بالخير أبدًا لذا بدأ هو بالحديث قائلًا:

ـ وعدتك هخليكي تسمعي صوتك أمك، و نفذت وعدي، و أديكي سمعتي منيها حجيجة الراچل دا. لازمن يا بتي تساعديني أخد حجنا منيه….

شعرت بأن قلبها على وشك التوقف من فرط الصدمة و الألم، و الحيرة لتقول بأنفاس مقطوعة:

ـ أنت عايز مني ايه؟ 

رماح بنبرة أتقن تزييف الضعف بها:

ـ عايز بتي توبجى في ضهري. بتي اللي اتحرمت منيها عمر بحاله، وهي اللي بجيالي من الدنيا.. چدك و عمك يرتاحوا في قبرهم، عشان بتهم مش هتسكت و هتوجف جدام عدوهم، و مهتخافش واصل..

شعرت بباب الغرفة يُفتح، فهمست بخفوت:

ـ أني هجفل دلوق…

أغلقت الهاتف و استدارت إلى الجهة الأخرى تمحو عبراتها و تحاول الظهور و كأن كل شيء على ما يُرام، ثم التفتت لتجد رحيم يدلف إلى الداخل وهو يقول بنبرته الغليظة:

ـ السلام عليكم..

نجاة بنبرة متحشرجة:

ـ عليكم السلام ورحمه الله وبركاته. 

خلع رحيم عباءته وهو يقول بجمود:

ـ عاملة ايه النهاردة ؟! 

نجاة بتوتر لا تعلم من أي جهة يتسلل إلى داخلها:

ـ أني زينة والحمدلله. 

اومأ برأسه قبل أن يتحمحم قائلًا بجفاء:

ـ صافية شيعت الخدامة تجولك اني عايزاكي. لو مش وراكي حاجة مهمة روحي شوفيها. 

لا تعلم لما تشعر بالخوف من هذه المرأة، أو لنقل فإن نظراتها ثاقبة بدرجة تبعث الرهبة في نفسها وخاصةً وهي بهذا الوضع لذا أجابته بتوتر:

ـ هتكون عيزاني في أيه يعني؟ 

لم يُعجبه حديثها مما جعله يتحدث بنبرة حادة بعض الشيء:

ـ لما تروحي أكيد هتعرِفي. 

أجفلتها نبرته مما جعلها تقول بخفوت:

ـ هبجى أروح حاضر..

كان يقف وقفته المعتادة واضعًا يديه خلف ظهره ثم ضيق عينيه وهو يناظرها قبل أن يقول بخشونة:

ـ قربي مني…

ضربت حفنة من الوخزات الموترة سائر جسدها وبدأت قدميها بالإرتخاء وهي تقف على بعد خطوات منه تخشى أن يرى هذا الألم في عينيها و هذا التخبط الذي يكتنفها لذا حاولت الهرب من بين براثنه قائلة بتلعثم:

ـ ماني. ماني جريبة أهو. 

ارتفع أحد حاجبيه وهو ينظر إلى المسافة التي تفصلهم ليقرر محوها هو قائلًا:

ـ خلاص أقرب اني..

ما إن رأت خطاه تتقدم نحوها، حتى ارتدت إلى الخلف بجسدٍ يحكمه الخوف و ليست الإرادة. لتتعثر خطوها المتعجلة بالحائط الصلب خلفها، وكأنها بلغت نهاية المفر و هناك انحبس العالم في صدرها الذي أخذ يعلو ويهبط في تموجات صاخبة، بينما تلاطمت أنفاسها الحبيسة بين أضلعها كطيورٍ مذعورة تضرب جدران قفصها، مُحدثةً ألم قوي تئن لا الروح، ويجعلها تبدو كمن قطع أميالاً من الركض فراراً من شبح شخص تعرف أنه حين يقسو سيكون الهلاك مصيرها.

لم يقترب فحسب بل اقترب حتى صارت أنفاسه هي أكسجينها، فصارت شفاهها ترتجف بقوة مما جعله يمد يده و يلامس خدها بحنو وهو يقول بنبرة عميقة:

ـ للدرچادي خايفة مني؟ 

حاولت أخراج الكلمات من بين شفتيها بصعوبة بالغة حين قالت:

ـ لا. لاه، و أني، و أني هخاف. منيك ليه؟ 

رحيم بنبرة عميقة يشوبها بحة رجولية مميزة:

ـ عيونك الحلوين بيهربوا، و شفايفك بيرچفوا، و چسمك بينتفض. افسِر دا بأيه؟ 

هربت بعينيها من عينيه التي تعريان تخبطها و لوعتها و خوفها لتقول بتعب:

ـ مش لازم كل حاچة يكون ليها تفسير..

رحيم بجمود:

ـ كل حاچة في الدنيا ليها سبب…

ضاقت ذرعًا من هذا الضغط، فقد كان رأسها على وشك الإنشطار إلى نصفين في هذه اللحظة، فهتفت بنفاذ صبر:

ـ جولت مفيش حاچة.

شعر بأنها تحت ضغط كبير لذا قرر أن يسلك طريق آخر معها ليمد يده و يُعيد رأسها في مواجهته مرة أخرى وهو يقول بصوتٍ أجش:

ـ عِندك حج. ملهاش لازمة الأسباب دلوق. خلينا اللول نمحي الخوف اللي في عنيكِ دا، و بعدين نوبجى نشوف بعد أكده..

كان يتحدث و يداه تلتف حول خصرها مما جعل المشاعر تتزاحم في صدرها ليخرج صوتها لاهثًا حين قالت:

ـ هتِعمل ايه؟ 

رحيم وهو يدنو منها أكثر:

ـ هطمنك على طريجتي….

همست بخوفٍ حقيقي:

ـ رحيم…

رحيم بنبرة عميقة تعج بالمشاعر:

ـ رحيم عاشجك يا نچاة… كنت مفكِر اني عشجت جبلك، بس اللي حاسة وياكي. محستوش مع حُرمة جبلك. أنتِ أول عشج يدوجه رحيم، و مش هفرِط فيكِ لو الدنيا اتهدت

غيبت كلماته عقلها عن الوعي لثوانٍ تاهت فيها بين امواج مشاعرها المُتلاطمة، فاستغل هو تلك الفجوة الزمنية ليدنو منها، متلهفاً ليروي ظمأ روحه من فيض قربها، ويسكب في قلبها من عشقه الضاري ترياقاً يمحو مرارة الخوف. و في لحظةٍ واحدة انقشع عن تفكيرها كل وجع، فكيف لا تفعل وهي بين يدي رجلٍ مثله يملك في هيبته سر الطمأنينة؟ رجلٌ في حضوره يخشاه الخوف و يفر منه القلق. استطاع أن يغمرها بأمانٍ دافئ عانق روحها كرداءٍ أبدي لا ينفصل عنها.

 معه فقط ينكمش الذعر ويتلاشى، كأنه لم يجد له شبراً واحداً يتسع له في حضرة عشقه الجارف.

اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي 🩵

★★★★★★★★★

ـ صباح الخير يا خالو.

هكذا تحدثت هايدي إلى خالد وهي تدلف إلى غرفة المكتب لتجد الأخير ينظر إليها بجمود جعل القلق يتصاعد إلى عقلها، ولكنها التزمت الهدوء قدر الإمكان ليتحدث خالد باختصار:

ـ اقعدي..

اطاعته في صمت ليبدأ خالد حديثه من بطريقة كانت صادمة بالنسبة إليها:

ـ كنتِ فين امبارح؟

بهتت ملامحه، و امتقع لونها من استفهامه، ولكنها لم تأخذ وقت للتفكير إذ حاولت التصرف حين اسبلت عينيها بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ هو حضرتك عرفت اللي حصل ؟ 

خالد باختصار:

ـ اللي هو ايه بالظبط؟

حاولت التحلي بالهدوء و الثبات حين قالت:

ـ اللي شاهي عملته فيا، ولولا مصطفى صاحب عمر كان موجود في المكان كانت بهدلتني… 

خالد بجفاء:

ـ و مصطفى صاحب عمر كان بيعمل ايه في المكان؟ 

زحف التوتر الى نبرتها حين قالت:

ـ معرفش. هو أنا. كنت بفطر و لقيته جه سلم عليا و سألني عن حالة بابا. ماهو متابع معاه، و يدوب ملحقناش لقينا شاهي داخلة علينا و قالت كلام سخيف جدًا و مش بس كدا دي كمان حاولت تضربني لولا أنا لحقت نفسي و مصطفى كتفها لحد ما مشيت..

تجهمت ملامح خالد وكذلك نبرته حين قال:

ـ و بعد كدا حصل اية؟ 

وصل إلى نقطة مرعبة بالنسبة إليها، و خاصةً وهي ترى ملامحه المتجهمة، و لكنها يجب أن تتخطى هذا الأمر بذكاء لتقول بنبرة زيفت بها الاندهاش:

ـ أبيه هو حضرتك بتراقبني؟ 

زمجر خالد بنبرة خشنة أرعدتها:

ـ أنتِ أيه علاقتك برؤوف ابن عم آسيا؟!

رجفة قوية ضربت سائر جسدها حين سمعت حديثه و نبرته المرعبة لتتزاحم أنفاسها بداخلها، فبللت حلقها الجاف قبل أن تقول بتلعثُم:

ـ رؤ. رؤوف معرفة قديمة، و نعرف بعض يعني…

خالد بتهكم قاس:

ـ رؤوف معرفة قديمة، فتركبي معاه عربيته عادي! ونعم التربية والله.

ميرهان باندفاع:

ـ هو حضرتك ليه بتكلمني كدا؟ على فكرة مامي عارفة….

صاح خالد بشراسة:

ـ مامي و زفت. اسمعي أما أقولك. اللي حصل دا ميتكررش تاني عشان لو حصل هقطم رقبتك أنتِ و مامي، سمعتي؟!

كان جسدها يرتجف بقوة، فلم تستطِع الحديث من فرط الخوف فقط اومأت برأسها بالموافقة ليُتابع خالد بتحذير:

ـ وخلي بالك أنا عيني عليكِ في كل مكان، واي حاجة هشوفها متعجبنيش متلوميش في نفسك..

في هذه اللحظة دلفت نبيلة إلى الداخل وهي تقول بلهفة:

ـ في ايه يا خالد؟ صوتك واصل لحد بابا القصر بره. حصل ايه؟

اندفعت ميرهان إلى أحضان والدتها تبكي و تنتحب ليقول خالد بحدة:

ـ أنتِ كنتِ عارفة الهانم كانت راكبة عربية مين امبارح؟

ميرهان بلهفة:

ـ مش أنتِ كنتِ عارفة ان رؤوف وصلني…

تفهمت نبيلة نظرة ميرهان لتقول بتوتر:

ـ اه. هايدي قالتلي أنها قابلته صدفة و وصلها. إيه المشكلة؟

 كاد أن يُجن من مدى اللامُبالاة التي تتحدث لها ليصيح  بشراسة افزعتهم:

ـ نعم! يك أوه. أنتِ مجنونة ولا كبرتي خرفتي؟ بنتك تركب عربية مع واحد غريب ليه؟ و مش اي واحد دا ليه قصة مع الزفتة التانية و بسببها اتخرب بيت أخوكي. إيه مبقاش عندك نظر؟! 

اجفلتها طريقته التي لأول مرة تصل إلى هذه الحد من التوبيخ، ولكنها تعرف جيدًا أنه حين يصل إلى هذه المرحلة من الغضب، فمن التعقل ألا تجادله مما جعلها تقول بلهفة:

ـ أنا عارفة أنه غلط،و قولتلها بس هايدي لسه صغيرة و أنا بوجهها. مفيش داعي لكل الانفعال و التجريح دا..

خالد بنبرة حادة كالسيف:

ـ حافظي على بنتك يا نبيلة، و قدامك أهو لو عرفت انها قابلت اللي اسمه رؤوف دا هكسر دماغها قدامك…..

نبيلة بلهفة:

ـ حاضر يا خالد. متقلقش من الموضوع دا…

خالد بجفاء:

ـ خديها من وشي…

خرجت نبيلة و معها هايدي غافلين عن ميرهان التي تمكن منها الغضب حالما سمعت اسمه يقترن بهايدي لتقبض على يدها بعُنف حتى انغرزت أظافرها في راحة كفها لتساقط منه الدماء بينما هي في عالمٍ آخر لتهمس بوعيد:

ـ بقى بتضحكي عليا و بتقابليه من ورايا؟! أما وريتك يا هايدي…

ـ ادخلي يا هانم وقوليلي ايه حكاية رؤوف دا كمان؟ مش دا ابن عم الزفتة اللي اسمها آسيا؟  ايه كلكوا بقيتوا بترمرموا؟! دا موسم ولاد الخدامين ولا ايه؟

هكذا تحدثت نبيلة بحدة مع هايدي التي ضيقت عينيها بخُبث تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ دا بدل ما تشكريني اني بجيبلك اخبار محدش لسه يعرفها..

نبيلة باستفهام:

ـ أخبار ايه دي بقى؟ 

ميرهان بابتسامة صفراء:

ـ خالو كمال. اتجوز بره، وخلف ولد، ورجع مصر و معاه ابنه، و رجع بنت الخدامة مراته تاني عشان تربيله الولد.

شهقت نبيلة بعُنف من فرط الصدمة التي كادت أن تجعلها تسقط أرضًا لولا المقعد الذي احتضن جسدها لتهمس دون وعي:

ـ كمال خلف ولد… ازاي؟ مش معقول… بقى أنا بحارب هنا عشان ميجيش حد ياخد كل حاجة مننا، يقول ييجي الغبي دا و يهدلي كل حاجة. لاااا. لاااا. مش هيحصل…

رفعت رأسها لتجد نفسها وحيدة في الغرفة مما جعلها تتوجه إلى هاتفها وتقول بالاتصال برقم ما لم تتطرق لطلبه منذ سنوات، وما أن جاءها الرد حتى هتفت بشر:

ـ يظهر أن مكتوبلنا طريقنا يتلاقى تاني…

اللَّهُمَّ يا باسط اليدين بالعطايا، افتح لنا أبواب رزقك، ويسّر لنا أسباب فضلك، واجعلنا من أغنى خلقك بك، وأفقرهم إليك" 🩵

★★★★★★★★★★

ـ صباح الورد على وردتي الحلوة…

هكذا تحدثت أشجان بحنو وهي تنظر إلى رنا التي كانت تضع اغراضها داخل حقيبة سفر، فاستدارت تنظر إلى أشجان بعُجالة وهي تجيبها قائلة:

ـ صباح النور…

قطبت أشجان حاجبيها وهي تقول باستفهام:

ـ هو أنتِ بتحطي هدومك في الشنطة ليه يا رنا؟ أنتِ مسافرة ولا ايه؟ 

رنا بحماس وهي مسترسلة بوضع أشيائها في الحقيبة:

ـ أه. هسافر في الويد إند دهب مع صحابي..

أشجان بذهول:

ـ نعم! ازاي دا؟ بابا عارف الكلام دا…

توقفت رنا عما كانت تفعله و أجابتها بهدوء:

ـ خالتو زينة قالتلي أنها هتقوله، و هيوافق…

أشجان باستنكار:

ـ والله؟! و هي خالتو زينة ضمنت موافقة بابا ازاي بقى؟ 

ـ معرفش. بس هي قالت هتقنعه..

هكذا تحدثت رنا لتقول أشجان بنبرة حازمة:

ـ طب يا رنا وقفي اللي بتعمليه دا و خلينا نتكلم…

رنا بنبرة جافة بعض الشيء:

ـ تقدري تتكلمي وانا بجهز حاجاتي أنا سمعاكِ…

حاولت أشجان التحلي بفضيلة الصبر حين قالت:

ـ يا رنا يا حبيبتي انا مش عايزة أضايقك. بس موضوع السفر دا استحالة بابا هيوافق عليه. مينفعش أصلًا.

رنا بصدمة:

ـ حضرتك بتقولي ايه؟ ليه مش هيوافق وليه مينفعش؟

أشجان بهدوء:

ـ عشان مفيش بنوته في سنك ينفع تسافر لوحدها و تبات كمان..

رنا بلهفة:

ـ سهيلة هتكون معايا و همس و لمار، و اصحابي كلهم مسافرين معايا….

أشجان بعتب:

ـ أنا كام مرة قولتلك اني عايزة أشوف سهيلة و اقعد معاها، و كمان باقي أصحابك. مش مفروض اشوفهم و اتعرف عليهم عشان أقدر اعرف اذا كانوا فعلا ناس كويسين

صاحت رنا بانفعال:

ـ مش مهم حضرتك تشوفيهم. أنا عرفاهم وهما اصحابي، و كمان خالتو زينة شافت سهيلة، و بعدين هو أنا المفروض اختار أصحابي من وجهة نظر حضرتك ؟! يعني لو عجبوكي أصاحبهم و لو لا ابعد عنهم…

شعرت أشجان بضيق الفتاة لتقترب منها تحاول أن تربت فوق كتفها وهي تقول بحنو:

ـ يا رنا يا حبيبتي. الموضوع مش كدا خالص أنا..

تفاجئت من نفور الفتاة و تراجعها للخلف مما جعل الصدمة تخيم على ملامح أشجان التي قالت بحُزن:

ـ رنا يا حبيبتي انتِ مش ملاحظة أن الفترة اللي فاتت احنا بعدنا أوي عن بعض فيها؟

اندفعت الكلمات من شفتي رنا بنبرة حادة:

ـ عشام حضرتك بتعملي كل حاجة تضايقني، و مش عيزاني أصاحب حد ولا استمتع بحياتي، و بتخلي بابا يزعل مني، و بتخليه يعترض على كل حاجة بتفرحني. حتى لو أنتِ مقتنعة بدا. اللي أنتِ بتقوليه دا ممكن يكون هو الصح عندكوا في الحارة لكن هنا عندنا مش صح. 

اخترقت إهانتها صميم قلب أشجان التي تصلبت ملامحها لوهلة قبل أن يجتاحها حزنًا عميق جعل رنا تشعر بالندم لما تفوهت به و خاصةً حين قالت:

ـ الصح يا رنا يا حبيبتي مالوش علاقة بالمكان اللي أنتِ عايشة فيه، الصح صح في كل وقت و كل مكان، و لو مفكرة أن خوفي عليكِ دا معناه اني عايزة امنعك من انك تعيشي حياتك بالعكس. أنا بعتبرك بنتي. بخاف عليكِ من النسمة. بترعب عليكِ من الفتن اللي ماليه المجتمع و النفوس الوحشة اللي محوطانا. مقصدش أبدًا اخنقك أو اضايقك، و مع ذلك حقك عليا.

كانت الفتاة ممزقة بين مشاعرها تجاه أشجان و بين هذه السموم التي لوثت عقلها، فأخذت تُعاد مقتطفات من حديث سهيلة على مسامعها:

ـ أنا متحمسة للرحلة دي و  مجهزة بروجرام خرافي. هنعمل حاجات مجنونة و هنقضي كل الوقت سوى.. هننبسط لدرجة أنك هتقولي مش عايزة ارجع..

ـ بس انا خايفة خالتو متقدرش تقنع بابا. بفكر أقول لماما أشجان تقنعه هي

سهيلة بنبرة مسمومة:

ـ أولًا أشجان دي مش ممتك.دي مرات باباكي، و عمر مرات الأب مابتحب ولاد جوزها. لكن بنوتي الحلوة عشان بريئة و رقيقة مفكرة أنها يا حرام بتحبك، وهي كل اللي بتعمله تمثيل عشان تكسب باباكي..

ـ سهيلة أنتِ بتقولي ايه؟ 

سهيلة بنبرة خبيثة:

ـ بقول الحقيقة. دي عايزة تخنقك. بجد يا رنا اسمعي كلامي. دي مابتحبكيش. اصلا لو دورتي على اكتر حد بيحبك و بيخاف عليكِ هيكون أنا، و الدليل اني مبسمحش انك تعملي حاجة غلط او تقربي من البنات وانا عارفة أن سلوكهم مش هيعجبك..

عادت رنا للنظر إلى أشجان المجروحة القلب لتحاول ألا تتأثر و جعلت نبرتها جافة حين قالت:

ـ حضرتك مش ماما عشان تحبيني بالطريقة دي، و مش مضطرة تقولي كدا عشان أنا عارفة كويس اوي مين بيحبني ومين لا. ياريت تبطلي تضايقيني و تدخلي في حياتي و أرجوكي بلاش توتري علاقتي ببابا…

لم تعد تملك القدرة على الصمود أكثر لتتدافع العبرات من مقلتيها وهي تقول بعدم تصديق:

ـ أنا مذهولة. بجد مش عارفة أقولك ايه..

أنهت حديثها وغاردت بقلب مفطور وحين كانت في طريقها إلى غرفتها شاهدت زينة التي كانت تدلف إلى غرفة المكتب ليشتعل رأسها بالغيرة، مما جعلها تغير خطتها و تهبط درجات السُلم وعبراتها تفرش الخطى أسفلها لتقرر محوها قبل أن تدلف إلى داخل الغرفة لتستمع إلى حديثه مع زينة التي قالت باهتمام:

ـ مالك يا خالد في ايه؟ 

خالد بنفاذ صبر:

ـ قرفان…

زينة بحنو:

ـ ليه بس كدا؟ 

خالد بملل:

ـ انسي. قولي كنتِ عايزة أيه؟ 

زينة باهتمام:

ـ مش حاسة انك في مود اني اتكلم معاك في حاجة. بس أنا موجودة لو حابب انت تحكيلي على حاجة…

ـ الحقيقة يا زينة الحكاوي دي تخصني أنا….

هكذا تحدثت أشجان وهي تدلف إلى داخل الغرفة ترسم على وجهها ابتسامة صفراء لم تصل إلى عينيها لتناظرها زينة بسخط قبل أن تتجاهلها و تتوجه بالحديث إلى خالد قائلة:

ـ واضح يا خالد ان مفيش في البيت اي خصوصية تخليني اتكلم معاك براحتي. عشان كدا هجيلك الشركة.

لم يكُن ينقصه ما يحدث الآن، و على الرغم من غضبه منها إلا أنه لم يستطِع أن يخذلنا أبدًا لذا هتف بنفاذ صبر:

ـ هو أنتِ بتتكلمي في حاجة بتهدد الأمن القومي يا زينة وانا مش واخد بالي؟ ما تقولي اللي عندك.. 

زينة بغضب من كلماته التي تعرف جيدًا ما السبب خلفها:

ـ معلش أنت عارف ان طول عمري حدودية و ماحبش اتكلم في اللي يخصني قدام حد غريب..

أطلق خالد زفرة حارة قبل أن يقول بجفاء:

ـ زي ما تحبي. اتفضلي شوفي وراكي أي..

غادرت زينة وهي ترغي و تزبد من فرط الغضب لتهتف أشجان بسخط:

ـ هي ليه طول الوقت بتحسسني أن بينكوا أسرار و مينفعش أني أعرفها ؟!

خالد بجفاء وهو يقلب في صفحات الورق أمامه:

ـ ابقي اسأليها..

أشجان بانفعال:

ـ هو أنا ممكن اعرف انت بتكلمني كدا ليه؟ 

خالد بحدة افزعتها:

ـ عشان انتِ بقى يخرج منك ردود أفعال بتضايقني و مع ذلك بحاول اتجاهلها عشان مزعلكيش..

ـ اللي هي أيه ردود الأفعال دي؟ عشان دخلت قطعت عليكوا حديثكوا الشيق و الهانم عماله تتوددلك!

هكذا هتفت بحدة، فزمجر خالد بقسوة افزعتها:

ـ أشجان… بلاش تتجاوزي في الكلام عشان متزعليش مني…

أشجان بألم:

ـ أنا مبتجاوزش. بس اكيد أنت شايف أسلوبها عامل ازاي؟ 

خالد بحدة:

ـ ما تولع. هو أنتِ شيفاني عيل صغير قدامك؟

أشجان بانفعال:

ـ لا مش شيفاك كدا. و اللي مضايقني انك أكيد ملاحظ…

خالد بنبرة خشنة:

ـ زينة متجرؤش تتجاوز حدودها معايا، و كمان هي شخص مهم جدًا بالنسبة لرنا، ولازم تفهمي دا، و مع ذلك قبل ما اسمحلها تقعد هنا سألتك.

اغتاظت من حديثه الذي كان يحمل الكثير من الصواب لذا هتفت حانقة:

ـ طب بخصوص رنا بقى، فاحنا في مشكلة وحضرتك مش شايف اللي بيحصل..

خالد بسخرية مريرة:

ـ أهلًا. اللي هي ايه بقى؟ 

أشجان بنبرة جريحة:

ـ رنا أسلوبها متغير معايا و بتعاملني كاني غريبة عنها لا مش كأني دي بتعاملني فعلًا على اني مجرد مراتك. أنا حاسة أن في حد بيوقع بيني وبينها و بيزود الفجوة بيننا.

صاح خالد بسخرية غاضبة:

ـ والله! و أنتِ عرفتي كدا لوحدك؟ طب حلو اوي. ما هو دا تحديدًا اللي قولتهولك و قولتلك كمان أني هعتمد عليكِ اعتماد كلي و جزئي في موضوع رنا دا. حضرتك عملتي ايه بقى؟!

اغضبتها لهجته و شعورها بالعجز حيال كل ما يحدث معها لتهتف بانفعال:

ـ المفروض اني اعمل ايه؟ 

خالد بقسوة لأول مرة تنال نصيبها منها:

ـ تعملي الصح. مفروض تشوفي ايه اللي بيحصل من ورا ضهرك و توقفيه، وتحاولي تصلحي علاقتك معاها. رنا مفيش أطيب منها. طفلة كلمة بتجيبها و كلمة بتوديها. 

أشجان باندفاع:

ـ مبقتش كدا..

خالد بنبرة باردة كنصل السكين الحاد:

ـ لا هي كدا. ومش عايز ازعلك واقولك ان اللي قدر يوقع بينك وبينها دا شخص عارف هو بيعمل ايه و محدد هدفه كويس و شغال عليه لكن انتِ لا.

باغتتها كلماته و آلمتها للحد الذي جعل أنفاسها تضيق مما جعل لهجتها تخبو كنيران أطفأ وهجها المياة المُثلجة:

ـ قصدك تقول أنه أذكى مني صح ؟

كان ينظر إليها بجمود وفي صدره ركام من المعارك الصامتة التي لا يعلم عنها أحد، حملٌ ثقيل ينوء به كتف رجلٍ واحد، ولكنه كان يسير به طوال الطريق دون أن يستند أو يشتكي. كل جدار تصدّع في حياته كان يرممه بدمائه، وكل صفعة من الأيام كان يتلقاها بوجهٍ صلب لا يلين، حتى باتت روحه كأرضٍ خربتها الحروب. صامدة لكنها مهشمة من الداخل. في تلك اللحظة بالذات، وخلف قناع القسوة والجفاء الذي يرتديه، كان يتأهب للانهيار، يتوق سراً لزاوية آمنة يُلقي فيها أسلحته، ولـ يدٍ دافئة تمتد إليه دون دون حديث، و كتفٍ يضع عليه رأسه المثقل بالخيبات ويسمح لنفسه ولو لمرة واحدة أن يتعب، دون أن يُحاسبه أحد على تعبه. زفر بقوة قبل أن يقول بجفاء:

ـ قصدي قولته بصراحة. أنتِ حابة تفهمي حاجة معينة افهميها.

أشجان باستفهام جريح:

ـ يعني ايه يا خالد؟ 

نصب عوده الفارع وهو يتوجه إليها وقد كان هناك تناقض موحش بين هيبة جسده الفارع والانكسار الذي يحتل عينيه. الخشونة في صوته لم تكن سوى قناعٍ لقلبٍ ينزف ببطء، فالحزن الذي يجيش به لم يكن عادياً، بل كان وجع الخيبة فيمن استثناه من كل سوء في هذا العالم. التقت نظراتهما، فكانت عيناه تقصان عليها حكاية ليلٍ طويل من السهر والتفكير وضيق الصدر بسببها. عاتبها بمرارة تذبح الوجدان، وكأن كل حرف خشن يرميه نحوها هو صرخة استغاثة صامتة من رجلٍ أوجعته خيبته فيها، رجلٍ كان يرى فيها الملجأ، فضنت عليه بالرحمة:

ـ يعني لما الموضوع بيكون له علاقة بيكِ أنا عندي استعداد اهد الدنيا و أحط الكل تحت رجلي عشان خاطرك. أنا كمان محتاج اشوف منك انك بتعملي اي حاجة عشاني.

أوجعتها كلماته و ثقل ما تحمل داخلها لتهتف بألم:

ـ مش لازم أقولك أنا بتحمل ايه عشانك..

اكتظت نبرته بالغضب حين قال:

ـ و تتحملي ليه؟ مش متجوزة راجل لو عندك مشكلة تيجي تقوليله؟ 

ـ أشجان باندفاع:

أنت بتحصر الموضوع في زون غير اللي انا اقصدها. 

خالد بسخرية مريرة:

ـ عشان أنتِ مبتقوليش اللي تقصديه بصراحة..

ضاقت ذرعًا من هذا الجدال الذي يقودها إلى طريق مليء بالشوك الذي لن تتحمل ألمه لتهتف بنبرة مُلتاعة:

ـ مش كل حاجة ينفع تتقال. في حاجات مينفعش اقولها وانا معنديش عليها دليل. عشان خالد الوتيدي بجلالة قدره. راجل عملي، و عنده الكلمة بحساب و واحد زائد واحد يساوي اتنين.

اهتاجت اوداجه غضباً و ارهقته الحيرة والمراوغة لذا هتف بقسوة:

ـ معرفش انتِ بتتكلمي عن ايه لأنك كالعادة بتلفي و تدوري لكن صح انتِ عندك حق، والمفروض حضرتك يا حرم خالد الوتيدي يكون عندك القدرة انك تسعي و تدوري ورا اللي محتاجاه و توجدي دليلك بنفسك. 

لم تعد تحتمل كل هذا الضغط لتصرخ بانفعال:

ـ أنا تعبت بجد، و حاسة أن طول الوقت بجري لما نفسي اتقطع..

ضيق عينيه بصدمة من حديثها، و ارتسمت ابتسامة ساخرة بعيدة كل البعد عن المرح ليقول باستنكار:

ـ نفسك اتقطع؟! ااااه، وهو دا بقى السبب انك خدتي حبوب منع الحمل عشان متخلفيش مني؟ 

قال جملته الأخيرة بسخرية مريرة لتقول بجفاء لا يشبه ما يجيش بنظراتها من ألم:

ـ تقدر تعتبره كدا…

اومأ برأسه و تجهمت ملامحه و اسودت عينيه بغضب مقيت قبل أن يقول بنبرة باردة يشوبها عدم الاهتمام:

ـ حلو. أنا اعتبرته كدا فعلاً. طيب شوفي عايزة ترتاحي ازاي وانا معاكِ؟ 

آلمها جفاءه وطريقته التي توحي بعدم الاهتمام بما تعايشه لتتكالب عليها جميع اوجاعها و مخاوفها لتهتف بقسوة لم يعهدها منها ولم يتوقعها أبدًا:

ـ أنا محتاجة ابعد شوية. هاخد الولاد وأروح اقعد عند سوزي كام يوم! 

في هذه اللحظة كان طوله الفارع يبدو كحصنٍ يوشك على التهاوي؛ لم تكن الخشونة في صوته رغبة في القسوة، بل كانت رجفة حزنٍ يحاول إخفاءها. كانت نظراته تفيض بوجعٍ مكتوم، وجع الشخص الذي تلقى الطعنة ممن ظنّه أمانه. عاتبها بعينين تلمعان بانكسارٍ مرير، وكأن كلماته الخشنة كانت تخرج من حنجرةٍ يملأها البكاء المتحجر. كان عتابه يحمل سؤالاً واحداً لم ينطقه لسانه لكنه استقر في صميم روحها: 'كيف طاوعك قلبكِ أن تفعلي هذا بي؟ وكيف هان عليكِ حزني؟' لقد كان مجروحًا منها لدرجة أنه لم يعد يملك طاقة للمداراة، فخرجت حروفه محملة بمرارة الخذلان.

ـ إيه دا؟ ايه اللي سمعته دلوقتي دا؟ 

أشجان بنبرة جريحة:

ـ اللي سمعته يا خالد. محتاجة اخد نفسي و أرتاح من كل الضغط دا، لو سمحت سيبني أروح..

لم تكد تُكمل جملتها حتى تفاجئت منه يجلب هاتفه و يقول باتصال لتسمعه بعد لحظات يقول بنبرة آمرة و انفاس متلاحقة:

ـ عم عبدو جهز العربية هتوصل الولاد عند مدام سوزان..

توقعت منه عناقاً يلم الشتات، أو رفضاً قاطعاً يزلزل رغبتها في الغياب، وربما صرخة اعتراضٍ مدوية تليق بحجم الألم، ولا تدري أنها أنها بقرار رحيلها هذا قد ذبحته من الوريد إلى الوريد، وتخلت عنه في منتصف الطريق بلا رحمة.

​تساقطت العبرات بغزارة من عينيها، مالحة، حارقة، وخاصةً حين رأته يتراجع ببطء ليأخذ مقعده، محنياً كشجرة ضربتها العاصفة على حين غرة، ثم انكب ينظر إلى الأوراق المتناثرة أمامه بجفاءٍ مصطنع، ​والحقيقة المريرة أنه لم يكن يتجاهلها، بل كان يلوذ بـ الصمت كدرعٍ أخير، محاولاً بكل ما أوتي من كبرياء جريح أن يخفي كم الألم الضاري الذي يكاد يفتك بصدره. كانت تلك الأوراق أمامه مجرد ستار يخفي خلفه نزيف روحه، وجداراً واهياً يتكيء خلفه كي لا تلمح عيناها بريق الهزيمة في عينيه، أو تسمع شهقة الانكسار التي تختنق في جوفه في هذه اللحظة

ـ يالا عشان متتأخريش. عم عبدو مستنيكي بره..

هكذا تحدث بنبرة خشنة دون أن يرفع عينيه تجاهها، فقد كان في هذه اللحظة يتوق إلى أن تغادر من الغرفة ليتمكن من التنفيس عن هذا الغضب المقيت الذي يجتاح أوردته و تلك الآلام التي تكاد تفتك بروحه ليأتيه صوتها المُعذب وهي تقول:

ـ ماشي يا خالد. همشي… 

ما أن سمع صوت اغلاق الباب حتى قام بإلقاء جهاز الحاسوب في الحائط ليتناثر إلى أشلاء كما تناثر قلبه تماماً، ولم يكتفي بذلك بل و حمل المقعد الخاص به ليُلقيه في أحد النوافذ، فتحطم الزجاج و كذلك هو. ليشعر بالإختناق مما جعله يقوم بفك رابطة عنقه و أزرار قميصه ليحاول تنظيم أنفاسه وهو يهمس بهسيس خشن:

ـ امشي. امشي..

كانت الكلمات تذبحه وهو ينطقها ولكم ود الصُراخ حتى يستطيع التنفيس عن كل ما يجيش بصدره ولكنه لا يملك تلك الرفاهية.

رن هاتفه فحاول سحب أنفاسه وهو يتوجه إلى الهاتف ليقوم بالإجابة على عابد الذي قال بعملية:

ـ خالد بيه جبتلك المعلومات اللي طلبتها عن أمين عبد السلام

خالد باختصار:

ـ سامعك..

ـ الحقيقة يا فندم في حاجة غريبة أوي و مش مفهومة. أمين دا شارك رجل اعمال لبناني تقيل اوي و فجأة بقى عنده بدل المصنع اتنين وتلاته. أنا معرفش ازاي دا حصل.  بس اللي عرفته انه بقى مسنود جدًا و له علاقات كتير، وووو 

خالد بحدة:

ـ و أيه ؟ كمل..

عابد بتوضيح:

ـ هيدخل قصادنا في مناقصة الخشب اللي داخلينها الشهر الجاي.

تشرست معالم خالد و تشنجت عضلات وجهه كما اسودت معالمه ليُزمجر بشراسة:

ـ أنا شامم ريحة قذارة في الموضوع، و لازم أعرف جاية منين.. اسمع اللي هقولهولك و نفذه بالحرف.

عابد باحترام:

ـ سامعك يا فندم.

خالد بخشونة:

ـ قبل أي حاجة عايزك تكثف الحراسة اللى عند البيت و المخبز بتوع مدام سوزان. عايز في كل متر حراسة، و مش اي حراسة. حتى تحت الأرض لو لزم الأمر. أنا مش عايز غلطة. مش عايز غلطة واحدة يا عابد سامع..

عابد بطاعة:

ـ اعتبروا حصل يا فندم.

خالد بوعيد:

ـ بخصوص الكلب دا تسمعني كويس. عشان عايز القلم المرادي يكون منه للقبر…

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا" 🩵 

★★★★★★★★★★

مرت ثلاثة أيام طويلة على الجميع و خاصةً هو ذلك الذي لم يكُن ينام الليل من فرط الألم و التفكير كالقوارض يأكل عقله ولا يجد حل او حتى طرف خيط يمكن أن يعتبره بداية لطريق عودتهم لذا توجه إلى الشخص الوحيد اللذي يعرف أنه سيساعده، فقام بطرق لعب المخبز ليجد سوزان التي كانت. تقرأ ما تيسر من أيات الذكر الحكيم، وحين رأته ابتسمت بلُطف ثم أغلقت المصحف لترحب به قائلة:

ـ اهلًا يا دكتور عمر. اتفضل..

كان عمر يقف أمامها بأكتاف مُتهدلة وجسد رغم ضخامته وبنيانه الفارع بات واهناً كأن نسمة هواء عابرة يمكنها أن تسقطه؛ فالألم ما إن يحتل القلب حتى يمتص منه الحياة شيئاً فشيئاً، ويترك المرء هيكلاً شاخصاً بلا روح.

توجه إليها و​كأنه يجر خيبته خلفه، بعد أن فعل الوجع به ما لم تفعله السنوات. نمت ذقنه بكثافة عشوائية، واختلطت خصلات شعره الطويل الذي طاله الإهمال بنبتٍ من الشيب المبكر، ليغزوه الكِبر  على غير أوان. و انطفأ بريق الحياة في عينيه، وارتسمت على ملامحه تجاعيد حفرها السهر والكمد، حتى بدا وكأن الأحزان قد اختصرت عمره في أيام، محولة هذا الشاب الصلب إلى كهلٍ أعيته الحياة. يسير في ركام نفسه شيخاً مكسوراً يسكن جسد رجلٍ ثلاثيني، و قد اشفقت سوزان على حالته كثيرًا و خاصةً حين قال بنبرة متعبة:

ـ بقالي كتير بلف. مش عارف أروح لمين ولا اتكلم مع مين؟ حاسس ان الدنيا جردتني من كل حاجة بملكها، و في الآخر لقيت رجلي جيباني على هنا.

سوزان بنبرة ودودة يشوبها المرح:

ـ على أساس انك مش طول الليل قاعد قدام البيت؟

عمر بابتسامة وجع:

ـ فعلًا أنا طول الليل قاعد في العربية قدام البيت. طب هروح فين؟ مفيش مكان قادر ارتاح فيه وأحس أنه بيتي، فجيت أقعد قدام بيتها.

سوزان بحنو:

ـ هون على نفسك ياعمر. كل حاجة في الدنيا ليها حل.

عمر بتعب:

ـ بحاول الله اهون على نفسي و افكر في حلول. بس مش عارف ومش لاقي.. عقلي مبيبطلش تفكير. مفيش حاجة زمان كنت بحب اعملها أو كانت بتفرحني حاسس اني عايز اعملها دلوقتي. 

زفر بقوة قبل أن يقول بألم:

ـ عارفة؟ عمومًا احساس الخسارة شيء صعب. بس لما تكتشف انها مش مجرد خسارة عادية دانا خسرت الإنسانة الوحيدة اللي حسستني بطعم الحياة. الإنسانة الوحيدة اللي قلبي دقلها، و الغريب اني لما بدأت اعرف دا كانت هي ضاعت من ايديا…

تألمت لأجله و طرفت العبرات عينيها لتقول بتأثر:

ـ أنا حاسة بيك جدًا. الخسارة دي صعبة و خصوصا لو خسرت اغلى حد عندك في الدنيا. بس أنت لسه فيها، و تقدر تداوي الجرح اللي اتسببت فيه..

عمر بألم:

ـ طب ازاي؟ عايز بس طرف خيط يمشيني على الطريق الصح. أنا جوايا احساس وحش جدًا بالكره لكل حاجة حواليا حتى اسم عيلتي. بقول لنفسي يمكن لو مكنتش عمر الوتيدي كان ممكن اقابل شروق في أي مكان عادي.  تعجبني و أعجبها تحبني وأحبها و اتجوزها زي كل الناس العادية..

سوزان بتعقل:

ـ مين قالك أن الناس العادية بيحصل معاهم كدا أو حياتهم بتكون بالسلاسة دي؟ انت ممكن فعلًا تقابلها و تحبها وهي تحبك بس النصيب يفرقكوا. يحط بينكوا الف عائق. زي ان ظروفك مش سامحه تتجوز وهي أهلها يجوزوها لواحد مش عايزاه و تنتهي القصة نهاية مأساوية مفيش مهرب واحد منها. لكن أنت حالك أحسن بكتير. أنت واقف على أرض صلبة. عارف انها بتحبك بس موجوعة منك، و دا العائق الوحيد اللي بينكوا. شطارتك انك تحاول تتخطاه

عمر بلهفة:

ـ حاولت…

سوزان بنبرة حانية:

ـ حاولت تاني. اكسب قلبها من جديد. تخيل انكوا لسه متقابلين في مكان عادي، وهي عجبتك و انت عجبتها. بس هي تقيلة، و مش هتسلم بسهولة هتعمل ايه بقى وقتها ؟

شرح للحظات قبل أن يقول بحالمية:

ـ هخطفها لمكان بعيد عن عيون الناس، و هفضل اقولها بحبك و مقدرش اعيش من غيرك لحد ما توافق إننا نكون لبعض؟

سوزان بتقريع:

ـ هو أنت يا ابني متطرف ليه كدا؟ يعني لا تكرفها و تكرهها في عيشتها لا تخطفها و تمرمطنا معاكوا! في اختراع اسمه وسط ممرش عليك ؟!

عمر باستنكار:

ـ مش أنتِ اللي قولتي تخيل؟ اديني تخيلت..

نهرته سوزان قائلة:

ـ لامتتخيلش تاني. تخيلاتك زي الزفت. إحنا نفكر بعقل عشان شروق عاقلة و رزينة، و عايزة تشوف بعينيها انك بتحبها و غير انك بتحبها انك عمرك ما هتغدر بيها تاني. شروق عايزة تطمن من ناحيتك…

عمر بلهفة:

ـ أنا نفسي ألاقي طريقة اوصلها بيها اني أقسم بالله عندي استعداد أفديها بروحي..

سوزان بهدوء:

ـ هتلاقي بدل الطريقة ألف. بس بالعقل و الحكمة..

صاح عمر باندفاع:

ـ حلو اوي دا لقيتها.  أنا هخلي حد يضربني بالنار قدامها، فتعرف تاني بحبها.. 

سوزان بذهول:

ـ يا ابني انا ست صاحبة عيا و مريضة ضغط. أنت جاي تنقطني؟!

ـ ليه بس؟ 

ـ ليه ايه؟ أنت متفكرش تاني أحسن.

عمر بانفعال:

ـ يعني ايه خلاص كدا؟ 

سوزان بنفاذ صبر:

ـ لا مش خلاص. أنت بس تتوضى و تصلي ركعتين بنية أن ربنا يهديلك دماغك بدل الشياطين اللي ركباك أحسن ما البنت تضيع منك خالص. ألا قولي هو أنت بتصلي يا عمر؟ 

قالت سؤالها الأخير بفضول، فأحنى عمر رأسه بخجل كان غريباً كليا عليه ليُجيبها بحرج:

ـ بصراحة يعني. بقطع. 

سوزان بعتب:

ـ و عايز حياتك تتحسن؟ 

زفر بتعب لتُتابع بنبرة حانية ولكنها قوية:

ـ طول ما انت مبتديش ربنا حقه اوعى تستنى خير. ربنا مش لازمة صلاة حد لكن إحنا لازمنا أننا نرضي ربنا و نتقرب منه و نرفع ايدينا و نقوله يارب أجبر كسرنا، و ارحم ضعفنا وقلة حيلتنا و ارزقنا من حيث لا نحتسب. أنت كعمر تقدر ترفع ايدك لربنا دلوقتي وتقول الدعاء دا؟ اوحتى تطلب من ربنا أنه يهديلك شروق..

عمر بإذعان:

ـ لا

سوزان بنُصح:

ـ عشان حاسس انك مقصر في حق ربنا ملكش عين تقول يارب. لكن لو بتدي ربنا حقه هتلاقي لسانك على طول بيطلب العون من ربنا..

عمر باستفهام:

ـ طيب هو أنا ينفع اصلي عشان اطلب من ربنا أن حياتي تتعدل كدا مش هبقى بتقرب من ربنا عشان سبب ؟ 

سوزان بابتسامة دافئة:

ـ وماله! هو ربنا بيختبرنا و بيبتلينا ليه؟ مش عشان نلجأله و نجري عليه؟ مش عيب انك تقرب من ربنا عشان محتاجه لكن العيب أن بعد ما ربنا ينعم عليك باللي كنت عايزه تقوم انت تنسى تشكره و ترجع تهمل عبادته تاني، وتقول خلاص ماهو اللي أنا عايزه حصل. 

جعلت الأمر يبدو سهلًا حتى أنه شعر بموجة من الراحة تتسلل إلى قلبه بعد أن أعطته كل هذه الطاقة و أنارت الطريق أمامه لكي يبدأ حياته بالنحو الصحيح ليقول بصدق:

ـ تعرفي أن كلامك مريح أوي ؟

سوزان بنبرة ودودة:

ـ الراحة اللي بجد هي القرب من ربنا. يااااه الدنيا و مافيها، و يمكن اللي حصلك دا عشان تفوق يا ابني لنفسك و تلحق اللي فاتك و تعيد حساباتك في علاقتك بربنا، و وقتها اطلب منه المستحيل ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ صدق الله العظيم 

سورة إبراهيم: الآية رقم (20).

أخذ نفسًا عميقًا حتى ارتوى صدره ليقول بابتسامة رضا و امتنان:

ـ أنا مش عارف اشكرك ازاي؟ أنتِ نورتيلي طريقي اللي كان كله ضلمه. حقيقي أنا مش لاقي كلام أقوله.

سوزان بحب:

ـ قول لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله 

عمر بنبرة هادئة:

ـ لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله.

سوزان بابتسامة جميلة:

ـ عايزة أشوف من عمر اللي يخليني ليا عين أقول لشروق انك تستحق فرصة تانية. 

عمر بصدق:

ـ اوعدك. بس بشرط ؟!

قطبت سوزان جبينها وهي تقول:

ـ شرط ايه؟ 

عمر بنبرة مُتحشرجة من فرط التأثُر:

ـ تعتبري من النهاردة أن عندك ابن لما تضيق بيه الدنيا هيجري عليكِ يشكيلك و مش عايز منك حاجة غير انك تطبطبي عليه و تقوليله اطمن، كل حاجة هتبقى كويسة…

أغرورقت عينيها بالعبرات، فهي تعلم أنه يملك أسوأ أم في هذا العالم لذا مدت يدها لتربت بلُطف فوق كفيه وهي تقول بنبرة حانية:

ـ اطمن. كل حاجة أن شاء الله هتبقى كويسة..

كان له ما أراد ليقوم باحتضان كفيها بقوة وهو يقول بنبرة مُتحشرجة، فالعبرات كان في طريقها إليه:

ـ يا بختهم بيكِ. 

سوزان بابتسامة دافئة:

ـ ما أنت خلاص بقيت منهم… 

لم يكن التأثر من جانب هؤلاء الاثنين فقط، فقد كان خلف الجدار تحديدًا في غرفة الخبز هناك من يرتجف جسده من فرط التأثر و الألم معًا ولكنها كانت تحاول ألا تُصدر صوتًا، فيعرف أنها سمعت حديثهم، ولكن في الحقيقة حين رأت سيارته تقف على الطريق العام أمام سور المخبز شعرت بأنه سيأتي إلى سوزان طالبًا العون، وقد صح ظنها، ولكم أرادت في هذه اللحظة احتضانه بقوة و الربت بلُطف فوق ظهره و إخباره أن كل شيء سيكون بخير، ولكنها كانت أمنية بعيد المنال، فطريقهم معًا لازال طويلاً مليء بالأشواك..

اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ". 🩵

★★★★★★★★

كانت تحتضن جسدها و تبكي بحرقة كما اعتادت أن تفعل طوال الثلاث أيام المنصرمة، فقد تركها دون خبر او اتصال او حتى سؤال! لم تكن تتخيل أن يطاوعه قلبه على تركها كل هذا الوقت، ولكنه فعل! و هي الآخرى أبت كرامتها عليها الاتصال به، فقد كانت تطمئن عليه من يزيد و هي تمطره بوابل من التحذيرات حتى لا يخبره أنها تطمئن عليه. 

ـ طب وبعدين يا مرزوق؟ الجدع دا سايبها ولا سائل فيها اديله تلت أيام. مش واجب تكلمه بردو و تسأله في ايه؟ و سايب مراته ليه؟ 

هكذا تحدثت صابرين إلى مرزوق الذي عنفها قائلاً:

ـ أنتِ اتجنيتي يا ولية؟ بدل ما هو اللي يكلمني علشان يصالحها أروح أنا اكلمه؟ 

صابرين بلهفة:

ـ مش القصد. بس ميرضيش ربنا بعد ما خد ورثه و بقى هيسكن في قصر يرميلنا البت. مع اني واثقة أن كل دا من تخطيط اللي ما تتسمى هيام. 

مرزوق بضيق:

ـ بنتك طول عمرها حظها قليل. هنقول ايه بس؟ أنا هقوم اريح ساعتين قبل صلاة المغرب وهروح أصلي في الجامع اللي بيصلي فيه جابر. يمكن يكلمني في حاجة. 

صابرين بلهفة:

ـ أن شالله ياخويا. ربنا يفك عقدته..

مرت نصف ساعة وهي جالسة تشاهد التلفاز و تقوم بتقطيع الخضروات لتسمع جرس الباب يرن، فتوجهت لمعرفة من الطارق، فإذا بها تجد إمرأة ترتدي النقاب و تتشح بالسواد، فلم يظهر منها سوى سواد عينيها المرعب مما جعلها تقول باستفهام:

ـ أهلًا ياختي. أنتِ مين و عايزة أيه؟ 

دلفت المرأة إلى الداخل لتغلق الباب خلفها ثم قامت برفع النقاب لتشهق صابرين بعُنف وهي ترى عنايات التي كان الشر يقطر من نظراتها و نبرتها حين قالت:

ـ أنتِ عارفة أنا مين كويس. أما جاية ليه بقى، فعشان أخد روح المحروسة بنتك…

تعليقات