رواية ارض الدوم الفصل الثامن والعشرون
[ صافرات إنذار]
نظر حوله بتعجب لا يبصر سوى ظلامًا وبقايا نور متسرب من النافذة التي تقبع في ركن غرفته، نهض بتعب شديد وقد شعر أن عظام جسده قد طُحنت بالكامل من نومته على الأريكة طوال هذه الفترة .
حدق بالفراش حيث استقر الظلام يتحسس هيئتها، لكنه لم يرى شيئًا، لم يفكر في التوجه لها وازعاجها، بل فقط تحرك خارج الغرفة يحاول أن يبعد وجع عظامه عنه ويتحرك بشكل طبيعي .
هبط الدرج وقد قرر الخروج للتنفس والجلوس أسفل الشجرة في الخارج، على الأقل يرتب ما قاله مسلم في رأسه ويزنه بشكل صحيح .
لكن في طريقه قرر المرور على المطبخ ليحمل معه قارورة مياه وقد شعر بجفاف في حلقه، دخل لا يبصر شيء من ظلام المكان يبحث بعيونه عن مكان الإضاءة وقد كانت مرات قليلة التي يقرر بها دخول المطبخ، لذا لا يدرك المكان و....
توقفت أفكاره حينما أبصر جسدًا يجلس ارضًا في أحد الأركان ويهتز بشكل غريب، ضيق ما بين حاجبيها بتعجب يتحرك صوب الجسد يحاول معرفة صاحبه يردد بتخمين :
_ نورهان ؟
لكن في اللحظة التي وصل بها للجسد أبصر انتفاضته للخلف ليتعجب ويتحرك بسرعة يتحسس الجدار بشكل هيستري وكل ما دار في عقله أن أحدهم أُصيب بسوء، ربما حرق أو جرح أو...
كانت افتراضات تلاشت بكاملها في اللحظة التي انتشر بها الضوء في المكان وبدد كامل افكاره، ليحل محلها رعب وفزع .
اتسعت عيونه وهو يبصر جسدها في الركن وحولها الكثير من الأطعمة ويبدو عليها ...يبدو عليها ..
لا يعلم كان لا يعلم ما الذي حدث لا يفهم ما يرى في هذه اللحظة، فقط تحدث بصوت خافت متعجب :
_ ساڤينا ؟
وساڤا فقط ضمت جسدها بعيدًا عنه وهي تخفي وجهها تحاول ألا تنظر له، وهو فقط لا يفهم ما يحدث يتحرك صوبها يجلس على بُعد صغير منها على ركبتيه يراقب الطعام حولها بصدمة، يهمس بصوت خرج مهتزًا :
_ أنتِ...هو ...تحبي اجيب ليكِ أكل معين ؟ لسه جعانة ؟
وساڤا كان هذا آخر سؤال قد تتوقع خروجه منه، رفعت عيونها له تحدق فيه بأعين حمراء ووجه شاحب غريب والطعام موزعًا هنا وهناك بشكل مثير للشفقة .
حاولت الحديث بنبرة عادية، حاولت وتقسم أنها بذلت كل ذرة تماسك لتفعل، تمد يدها تجمع ما أفسدته وقد كانت هذه هي آخر صورة قد ترغب لأحمد أن يراها بها، الخزي والمقت لذاتها ارتفعوا في حلقها متسببين في مرارة جعلتها تغص وهي تردد :
_ أنا...بس ... آسفة مكنتش ... أنت أطلع وأنا هلم كل ده واجي وراك .
وأحمد يتابع حركاتها بصدمة يدرك أن هذه ليست حركات عادية، بحاول فهم ما يحدث :
_ طيب أنتِ كويسة، شبعتي طيب ؟! اجيبلك حاجة تانية بتحبيها ؟
رفعت ساڤا عيونها له وقد تجمد جسدها تراقبه بأعين غائرة في الحزن، وقد بدأت الدموع تتساقط من عيونها، ثواني قبل أن ينتفض جسدها بعيدًا عنه بسرعة وقد شعرت برغبة مرعبة في التقيئ وقد امتلئ جسدها بطعام لا يحتاجه حتى بعد أيام من نفورها .
وأحمد شعر بتوقف قلبه رعبًا يراقب ابتعادها بهذا الشكل يركض خلفها مرتعبًا حتى وصل للغرفة ليبصرها تدخل المرحاض وتغلقه خلفها بقوة وهو أخذ ثواني قبل أن ينتفض كامل جسده على الصوت الذي خرج من المرحاض بعد ثانية واحدة ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت كلمات قليلة ألقاها وطفق يراقبهم ويراقب مردود كلماته، ينتظر منهم إشارة توحي أنه أصاب الهدف، لكن يبدو أن هدفه لم يسكن سوى شباك رايانا .
فمسلم نظر له ببرود شديد يخفي صدمته تحت نظراته مبتسمًا بسمة باردة للغاية، ثم مد يده يدفع بها عز من أمامهم ومن ثم سحب يد رايانا بهدوء مرددًا :
- ربنا يرحمه يارب.
كانت كلمة بسيطة نطق بها متحركًا مع رايانا التي تجمدت في أرضها للداخل، لكن عز الدين لم يتقبل أن ينتهي الأمر بهذا الشكل وبهذه البساطة .
- أنت بتقول ايه ؟! بقولك ابوها قتل جدك .
- لما يبقى يقتل جدك أنت ابقى اتحمق ليه كده، متدخلش في حياتي.
وكان هذا اغرب رد قد يتوقع عز الدين استقباله في هذه اللحظة، ومسلم لم يهتم حتى بالنظر خلفه ليبصر وجهه .
فقط تحرك بملامح جامدة وجسد مشتد بغضب صوب الداخل مع رايانا التي التزمت الصمت بشكل غريب تخشى التحدث، وماذا ستقول ؟
آسفة لأن ابي كان السبب بشكل ما في مقتل جدك ؟
سقطت دموعها وقد رأت الحياة استكثرت عليها ساعات السعادة فباغتتها بأيام التعاسة فورًا .
مسحت دموعها بسرعة بمجرد أن خطت للمنزل تبصر والدها والجميع في البهو تردد بصوت خافت لمسلم :
_ مسلم أنا مش ...
_ اهدي يا رايانا وروحي نامي .
سقطت دموع رايانا بقوة تهمس بصوت متقطع والخوف يملئ قلبها أن يجاور حبها في صدره كرهًا وانتقامًا وهي تعلم أن مسلم لم يكن بذلك الهين الذي يظهر به معها :
_ مسلم والله ما كنت اعرف أنا والله ما كنت ....
ومسلم بصعوبة رسم بسمة على فمه يحاول أن يهدئها يدرك أن لا ذنب لها في كل ما يحدث حولها، يربت عليها وقبل التحدث بكلمة تدخلت شيما وهي تردد بخوف :
_ فيه ايه يا ولاد، حصل حاجة ولا ايه ؟
كانت كلماتها مرتابة خائفة، لتستدير لها رايانا بأعين باكية تراقبها بحزن، سرعان ما تحول لغضب حينما أبصرت وجه والدها الذي كان يجلس كعادته، لا يفعل شيء سوى أن يزيد من همومها واحزانها، لا يساهم في حياتها سوى بالمشاكل والهموم .
_ أنت ايه ...بجد أنت....
تقطعت كلماتها بسبب البكاء وقد كانت هذه المرة الأولى التي تتحدث لوالدها بهذه النبرة المشمئزة وكأنها تكره حتى النظر له .
ووالدها لم يفهم ما يحدث وما دخله الآن في شجارها مع مسلم، بينما الأخير حاول التدخل يرفض أن تقحم نفسها في أي شيء بينه وبين عائلتها، منذ اللحظة الأولى التي دخل بها المنزل يطالبهم بها .
وهي أصبحت تنتمي له، لا لهم، لا يمسها سوءهم ولا تحمل وزرهم .
أمسك يدها بسرعة قبل التحرك يهمس بهدوء ولطف :
_ رايانا خلاص متدخليش نـ
لكن رايانا كانت كما لو أنها تنتظر هذه اللحظة تجذب يدها من يد مسلم بقوة تصرخ بصوت مقهور :
_ أنت ايه بجد مش بيهون عليك تشوفني فرحانة، مش قادر تعيش وانا مرتاحة، يا اخي حرام عليك من وقت ما وعيت على الدنيا وأنت بس مش بتزيد غير في همومي ومشاكلي .
نظر لها والدها بصدمة وعيون متساءلة لا يفهم ما تشير له، وهي فقط توقفت أمامه تردد بكلمات متقطعة وصوت باكي وصرخات تخرج من بين كلماتها وهي تلوح بيدها في وجهه بعصبية وهيسترية :
_ من صغري وأنت عمرك ما حسستني يوم إني ليا ضهر، ليا سند، سايبني للي يسوى وميسواش يلطش فيا وبتقف تتفرج، يا أخي ده أنت كنت بتسيبني لاخوك وابنك يضربوا فيا وتقف تتفرج .
أشارت على شيما وهي تصرخ بقهر وحسرة :
- شيما ....اللي لا من لحمها ولا دمها، الست اللي لا تعبت فيا ولا يربطني بيها غير لقب مرات ابويا، كانت تجري تحوشهم عني، وأنت.. أنت...
صرخت وهي تدفعه للخلف باكية :
_ وأنـــــت ...أنــــت ايه ؟ كنت بتتفرج عليهم وتستنى يخلصوا ضرب عشان تقولهم لا والله مينفعش كده ازاي ترفعوا ايديكم على بنتي قدامي .
سقطت دموعها تتنفس بصعوبة تحاول التحدث من بين شقاتها :
_ عمري ...عمري يا بابا ...ولا بابا ايه ..عمري يا بارو ما جيت ليك اشتكي من حد واخدت حقي، كأنك كنت مستكتر عليا حد ...حد يحترمني، كل ده ليه ؟ ليه تحملني ذنب موتـــها؟
صمتت تتنفس بصوت مرتفع وقد شعرت أنها على وشك الانهيار ومسلم يتابع من بعيد بغضب يتركها لتفرغ تراكمات الزمان التي تحملها طوال هذا الوقت .
بكت وهي تشير لنفسها تتوسله أن ينفي أي من افكارها، يتحجج بأي شيء ليهون عليها وجعها:
_ ده أنا...كنت ...كنت بشوفك أحسن راجل وأنا صغيرة، كنت ببص ليك كأن مفيش حد زيك وأنت بس ... أنت بس مش شايف غير اني سبب في موت أمي، أنا مالي .. أنا مـــــالـــي، يا اخي يا ريتني كنت أنا اللي موت وريحتك مني .
اندفع مسلم بسرعة يجذبها لاحضانه وقد اكتفى من الأمر وهي فقط تبكي بين أحضانه وتصرخ بكلمات عدة لم يميز منها عزيز سوى ما حاول أن يخفي قديما .
_ وفي الاخر يوم ما الاقي اللي يحميني تطلع مرحمتوش هو وعيلته كمان، لا وكمان قتلت جده، قتلت انسان ؟
ضمها مسلم وهو يدفن وجهها في صدره، يربت عليها بقوة رافضًا أن تكمل ما يحدث، ينظر صوب عزيز الذي كان يبدو في هذه اللحظة كما لو أنه صخرة فقط يراقبهم بجمود مرعب .
لا يحرك ساكنًا ولا ينطق بكلمة واحدة .
لذا سحبها مسلم بهدوء شديد وتحرك بها من أمام الجميع تاركًا الحرب على وشك البدء في الاسفل حينما استدارت الجدة صوب عزيز تراقبه ثواني وقبل أن يستوعب أحدهم شيء كانت صفعتها تهبط بقوة على وجهه وهي تهمس بغضب :
_ عوض الله عليا في عيالي، عوض الله عليا في خلفي يا ريتكم تموتوا ونخلص، أخاف الناس ميفتكروش ليا ولابوك غير خلفكم، أخاف الناس تنسى كل خير ابوك عمله ومتفتكرش غير أنكم شايلين اسمه ...
بصقت ارضًا وهي تتحرك بعيدًا عنه تكره حتى النظر لوجهه وهو ظل ثابتًا لا يتحرك ولا يتحدث بكلمة ولا يبدي أي ردة فعل ...
ولم يتبقى سوى شيما التي نظرت له ثواني قبل أن تقول بحسرة :
_ أحمد ربنا إني باقية على بنتك وأمك الست الطيبة وإلا مكنتش كملت معاك يوم واحد يا عزيز، يا خسارة ...
ومن ثم رحلت وهو فقط ظل واقفًا مكانه يراقب الفراغ حوله دون أي حركة تصدر منه، فقط جمود وفراغ وكره لذاته ولكل ما يحيط به ...
ــــــــــــــــــــــــ
كانت تجلس في المرحاض تجبر نفسها على التقيؤ بعد كل هذا الطعام الذي دسته في فمها، تبكي من بين شهقاتها، ومشهد صدمة أحمد يعاد أمامها لدرجة أنها فكرت أن تدفن جسدها في المرحاض ولا تخرج له .
لكن طرق أحمد العنيف على الباب وصراخه باسمها جعل ذلك مستحيلًا، لم تكد تعتدل في جلستها حتى انتفض جسدها للخلف تصرخ برعب وهي تبصر الباب وقد تحطم تحت وطأة جسد أحمد، الذي حتى لم ينتظر أن تستوعب ما يحدث حولها، يتحرك صوبها يجذبها بسرعة صوبه ينظر لجسدها يبحث عن أي شيء يوحي أنها أذت نفسها..
وهي نست البكاء تحدق في وجهه بصدمة كبيرة والدموع ما تزال عالقة في رموشها، وقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يقطع بها أحدهم انهيارها .
_ أنت عايزة تتلبسي يعني ؟! ونعيش مع عفاريتك ؟
- ايه ؟
_ بتعيطي في الحمام ليه يا متخلفة أنتِ، تعالي اخرجي عيطي برة
ولم يمنح لها فرصة التفكير حتى في كلماته وهو يجذبها معه للخارج وهي تلحق به بخطوات شبه مهرولة، وهو ما يزال يتحدث بجدية وغيظ شديد .
_ بعدين مش فاهم لما أنتِ جعانة مصحتنيش ليه انزل اجيب ليكِ أكل بدل المعلبات اللي متتاكلش دي ؟
كانت تحدق في وجهه لا تفهم ما يحدث معه، هل يعقل أن لم ينتبه لحالتها ولم يعلم ما يحدث معها ؟ أو الاضطراب الذي تحياه ؟
وفي ثواني دعت الله أن تصدق هذه الأفكار، هي لا تريد أن يقترب حتى من هذا الجزء منها .
ابتسم أحمد بحنان وهو يربت على رأسها:
_ تحبي تاكلي ايه هروح اشتري ليكِ من عند عم رجب ؟
رفعت عيونها له بصدمة تحاول أن تتحدث بكلمة وهو فقط ابتسم لها بحنان يشجعها على طلب ما تريد، ورغم أنها لم تكن ترغب حتى بالحديث عن الطعام في هذه الثانية بعدما قاطع هو محاولة تخلص جسدها من الأكل الذي تناولته، إلا أن شعور أن يهتم بك أحدهم طغى على نظراتها .
شعرت برغبة عميقة في طلب شيء منه فقط كي تحيا ذلك الشعور الذي يرتشفه الآخرون حينما يهتم بهم أحدهم.
ابتسمت بسمة مترددة ثم قالت بصوت خافت :
_ هو ...ممكن ...فيه عصير خوخ عند عم رجب يعني ..
_ اسمه ايه ؟
_ها ؟
_ عصير الخوف يا ساڤينا اسمه ايه ؟
رمشت وهي لا تعلم ما يجب قوله فهي لا تعلم أي شيء، وقد كانت فقط تتحدث بدون وعي :
_ مش فاكرة أنا بس عارفة شكل العبوة و...خلاص انسى و..
قاطعها ببسمة واسعة :
- طب تلبسي وتيجي نروح سوا ؟
اتسعت عيونها بصدمة وهي تحاول إدراك ما يقصد وهو أكمل ببسمة واسعة :
_ وبالمرة نتمشى سوا، الدنيا دلوقتي هتبقى هادية في القرية عادة .
التمعت عيون ساڤا فجأة وقد بدا أنها نست أمر موجة القيئ أو الاضطراب أو الشفقة على الذات التي كانت على وشك الغرق بها بعدما تعذب نفسها في المرحاض لساعات وساعات حتى تهلك كامل طاقتها الجسدية .
_ بجد !؟
- ايوة بجد، يلا روحي اجهزي هستناكِ تحت نجيب كل اللي تحبيه ونخبيه من يحيى في الاوضة هنا .
اتسعت بسمة ساڤا بسعادة وهي تضمه بقوة قبل أن تركض تسحب ثيابها من الخزينة دون وعي بما حدث أو ما فعلت .
وهو فقط يراقبها ببسمة واسعة وصدمة، يتحرك خارج الغرفة وبسمة واسعة غبية ترتسم على فمه فقط لأنها بالخطأ منحته عناقًا .
صحيح الرجال مساكين ...
وفجأة تلاشت بسمته حينما تذكر المشهد الذي أبصرها به، اغمض عيونه بقوة يحاول الهدوء هو ليس احمقًا ليجهل ما كانت تحاول فعله داخل المرحاض، كانت تحاول التقيئ .
الامتناع عن الطعام لأيام إلا من لقيمات قليلة، ومن ثم تناول كميات كبيرة من الطعام دون أن يكون الجسد في حاجة فعليه لها، واخيرًا محاولة اجبار ذاتها على التقيئ .
كان هذا واضحًا مشيرًا لما تعاني منه، وهو ليس احمقًا ليتجاهل كل هذا، زوجته تنهار بصمت أمامه..
تنفس بصوت مرتفع يخرج هاتفه يبحث بشكل سريع عن الأعراض ليجد اسباب اضطراب الطعام وكيفية علاجه، أخذ يمرر أصابعه بشكل سريع قبل أن ينتفض جسده ويخفي الهاتف في جيبه حينما سمع صوتها :
_ انا خلصت .
ابتسم يستدير لها يراقبها بلطف شديد ومن ثم مد يده لها :
_ طيب يلا بينا نشوف هنعمل ايه .
_ هنعمل ايه ؟
_ اللي تحبيه... هنعمله.
ـــــــــ
_ أنت غبي ؟ غبــــــي روحت قولتله ايه يا حيوان ؟
تجاهل عز الدين كلمات والده لا يهتم بشيء سوى بأن بطاقته الأخيرة حُرقت دون نتيجة، النيران داخل صدره كانت قادرة على حرق مدينة بأكملها، خسرها، خسر المرأة الوحيدة التي تمناها منذ أن اشتد عوده، المرأة الوحيدة التي حلم بها .
تزوج مرتين وسيتزوج الثالثة لأجل أعمالهم، لكن لا امرأة في حياته استطاعت أن تجعله ينساها، أن يتجاهل عيونها وعنفوانها، خسرها .
خسر رايانا ...
_ روحت اديت ليهم دليل ضدنا وقاعدلي بكل برود، أنت عايز تشلني ؟!
رفع عز عيونه لوالده ببرود شديد قبل أن يردد بصوت خافت دون اهتمام :
_ أنا بلغت عن عمي بس مقولتش ليهم حاجة، بعدين تخاف ليه عمي هو اللي ...
قاطعه والده بعنف في اللحظة التي انقض فيها عليه يجذبه من ثيابه يصرخ في وجهه :
_ أنت ياض يا ابن ال *** طينة اهلك ايه ؟ طالع غبي مبتفهمش لامك كده ليه ؟ أنت اديتهم دليل لو مشيوا وراه هيعرفوا حاجات المفروض ميعرفوهاش اساسا، مفكرهم عبط زي عمك هتلبسهم العمة ويسكتوا !
تنفس عز الدين بغضب وهو يحاول ابعاد يد والده :
_ هيعملوا ايه يعني ؟
_ ما هي دي المصيبة، دي المصيبة يا حيوان، أننا منعرفش بيفكروا ازاي وممكن يعملوا ايه ؟ دي تبقى مصيبة لو حد فيهم بس فكر ...
صمت لا يود الوصول لهذه النتيجة في أفكاره، سيتدمرون إذا فقط وصلوا لبداية الطريق الذي يختفون خلفه سيضيع كل شيء منهم، ووقتها سيكون ابسط ما سيحدث لهم أن يسقطوا بين يدي مسلم .
_ أنا مش فاهم أنت قلقان كده ليه ؟ ما على طول جدودهم كانوا بيحاولوا وعمرهم ما نجحوا خليهم يحاولوا .
ابتسم معتز يلقي بجسده على الأريكة جوار ولده ينظر أمامه بصدمة كبيرة وقد كان نصف جسده اليمين ما يزال ينبض بالوجع من بعد تلك الرصاصة .
_ طب عبيط لو مفكر إن العيال دي زي حليم وفرج، فرج اللي كنا فاكرين نابه ازرق وبنخاف منه، طلع عيل جنبهم .
نظر له عز الدين وكأنه يرفض هذه المبالغة في حقهم :
_ طب هتعمل ايه هتبلغ الناس الكبيرة ؟
_ عشان يخلصوا علينا بقى طالما مبقاش لينا لازمة، انا هتصرف من ناحيتي .
_ هتعمل ايه ؟
صمت وغامت عيونه :
_ هخلص عليهم ...
ـــــــــــــــــــ
_ احسن ؟
ختم كلماته وهو ما يزال يربت على خصلاتها بلطف شديد وهي ساكنة بين أحضانه صامتة بشكل غريب، لم يتحدث كلمة واحدة منذ دخلوا للغرفة وهي فقط استغلت حالة الصمت هذه تتنفس بصوت خافت وبشكل رتيب حتى قالت بصوت متقطع .
_ مسلم .
_ نعم ؟
سقطت دموعها تهتف بنبرة باكية :
_ أنا آسفة يا مسلم، حقك عليا والله العظيم مـ...
توقفت عن الحديث حينما اعتدل يضعها أمامه وهي ما تزال تبكي يراقبها بحب، ثم مسح عيونها يقول بلطف شديد :
_ نتفق اتفاق ؟
نظرت له ولم تبدي أي ردة فعل لتتسع بسمته أكثر:
_ يبقى نتفق باذن الله .
شهقت شهقة حزينة لها بقايا بكاء قاطعه هو، ليتنهد مسلم بغيظ شديد وكم ود لو قام بخنق ذلك الوسخ بعد ما فعل .
_ أنا وأنتِ برة كل ده يا فروشكا، ملناش دعوة بيهم، بمشاكلهم بحساباتهم، ملناش دعوة بأي حاجة، ولو حد منهم غلط احنا مش هنشيل غلطه لأن...
صمت يذوب في عيونها لثواني حتى نسي ما كان على وشك قوله، لولا أن أدرك أنه توقف في نصف حواره، يبلل شفتيه يكمل بجدية شديد :
_ أنتِ مش بتنتمي لأي حد غيري، زي ما انا مش بنتمي لأي حد غيرك .
نظرت له بأعين حزينة فابتسم يقبل عيونها بحب :
_ يعني لو حد غلط ملناش دعوة، طول ما الغلط مش مننا شخصيا، ووقت ما تغلطي أنتِ شخصيًا أنا اللي هجيلك اعتذرلك لو تحبي بس متعيطيش .
هنا وانفجرت رايانا في بكاء حاد ليجذبها هو لاحضانه يتنفس بصوت مرتفع يربت عليها وهي منهار تهزي بكلمات كثيرة كعادتها حين الانهيار، وهو صدره كان يتسع لها ولجميع احزانها وافراحها .
فقط يجلس هناك يرتشف كل ما تمنحه إياه بطيب نفس، ولو كان مرًا كالعلقم .
وبعد دقائق طويلة هدأت أخيرًا وسحبها هو للنوم يغطيها مقبلًا رأسها بحنان، يربت عليها بحب ومن ثم تحرك بعيدًا عن الفراش يخرج من الغرفة بأكملها في اللحظة التي انقلبت كامل ملامحه بشكل غريب .
تحرك على درجات المنزل يبحث بعيونه عن والدها، ليجده ما يزال ثابتًا في مكانه فابتسم بسمة غريبة وكأنه للتو تحول .
تحرك صوبه بهدوء شديد حتى جلس أمامه بهدوء يميل للامام يضم كفيه لبعضهما البعض، يطيل النظر في وجهه قبل أن يتحدث بهدوء :
_ اتمنى تكون سعيد يا بارو .
رفع عزيز عيونه لمسلم بعد دقيقة يحدق فيه بجمود وبرود .
ومسلم لم يتوقف ولم يتوقع منه ردًا :
_ تعرف إني ممكن بضغطة زرار اجيب تاريخك الاسود أنت واخوك ؟ واضيعكم، بس مش هعمل كده، مش عشانكم والعياذ بالله، عشان مقبلش في المستقبل عيالي يتعايروا بيكم .
صمت وقد تلاشت بسمته قبل أن ينتفض من مكانه بشكل مرعب صوب عزيز يدفع على الأريكة خلفه وقد وجد عزيز فجأة سكين يتوسط رقبته وصوت مسلم يهتف بفحيح :
_ أنت واخوك والحيلة ابنه متعرفوش عني حاجة، ودور المتربي اللي ماشي أوزعه عليكم ده وكرمي إني سايبكم عايشين ده بس عشان رايانا اكيد مش هتكون سعيدة لما جوزها يقتل عيلتها.
كان عزيز يتنفس بصعوبة وخوف من ملامح مسلم، والأخير يميل عليه محذرًا :
_ من الاول يا عزيز، عايز اعرف اللي حصل من الأول، من أول رجل نجست أرض أجدادي لغاية دلوقتي، احكي كل حاجة وسيبني افكرلك ازاي ممكن اخرجك منها، بدل ما اجيب أنا اللي عايزه وهغرزك فيه حتى لو ملكش أي ذنب .
ارتجف جسد عزيز وقد شعر بالخوف وربما في لحظة أخرى كان سيتغلب عليه خوفه من القادم أكثر من خوفه من الموت على يد مسلم، لكن ما حدث منذ ثواني ونظرات الجميع له، أخبرته أنه لم يعد هناك أي فائدة منه حيًا، إذن ليريح الجميع قبل موته على الأقل.
ابتسم بسمة صغيرة يحاول أن يجعل يده ثابتة وهو يدفع مسلم عنه وقد تحدث للمرة الأولى منذ أيام طوال :
_ هقولك ...هقولك كل حاجة، بس اوعدني متدخلش رايانا في أي موضوع وكمان اوعدني ...اوعدني أنك تاخد بالك منها لأنهم هيحاولوا يأذوني فيها .
ابتعد مسلم عنه ببطء شيئًا فشيء حتى تركه يراقبه بعيون ضيقة :
_ هما ؟ هما مين ؟
ابتلع عزيز ريقه وهو ينظر ارضًا وقد اتخذ قراره، مسلم لن يقتله وهذا ما يعلمه ويظهر في عيون الأخير رغم كل الشر الذي يسكن فيه، لكنه يدرك أنه لن يحزن رايانا بهذه الطريقة .
_ هما ...الناس اللي ....ساعدونا عشان ناخد الأرض باللي فيها زمان .
جلس مسلم أمامه بهدوء ينتظر بكل الصبر أن ينتهي الرجل من سرد ما يريد ليقرر ما سيفعله مستقبلًا .
وعزيز شرد في ذلك اليوم :
_ اللي حصل ده ...حصل ايام والدي وعمي، عمي هو ...هو اللي دخلهم بينا من غير ما ابويا يعرف لأنه كان رافض وده كلفه حياته .
_ مين اللي بتتكلم عنهم ؟
_ وائل باشا واللي معاه .
تعجب مسلم ولم يفهم ما يقول هذا الرجل، لكنه صمت يمنحه كامل الحرية ليكمل حديثه، لكن يبدو أن عزيز لم يكن ينتوي أن يكمل الحديث في هذه اللحظة، ليحفزه بصوت حاد بعض الشيء :
_ وائل باشا مين، قول اسم كامل او معلومات عنه أو لو عندك ليه صورة مثلا .
نفى عزيز برأسه يبتلع ريقه :
_ معرفش غير إن اسمه وائل عبدالصمد ومن القاهرة وعنده فيلا على طريق اسكندرية الصحراوي، وهو ده اللي بنتعامل معاه من سنين عشان الأرض اصل كل فترة بيظهر واحد جديد .
رفع عيونه صوب مسلم الذي كان كما لو أنه بدون كل ما يقال في هذه اللحظة :
_ وايه تاني، ايه حوار الأرض اللي مزروعة قنب في أول البلد ؟
رفع له عزيز عيونه بصدمة كبيرة ولم يصدق أن مسلم وصل لهذه النقطة، والأخير ابتسم بسمة واسعة :
_ هو وائل برضو اللي ممشيها ؟
_ مش وائل بس، الموضوع أكبر من كده وائل ده زيه زي أي حد بيجي يمسك المشروع كل فترة .
وكلمة ساخرة خرجت من فم مسلم :
_ مشروع ؟
_ الأرض اللي مزروعة دي أكبر مشروع الناس دي بتشتغل بيه، موافقتنا كان ليها مقابل إن الأرض تكون لينا ولينا جزء من الأرباح كل كام شهر .
اغمض مسلم عيونه بقوة يمسح وجهه، الآن فقط أدرك جيدًا لماذا لم تنجح أي محاولة لجده أو فرج والذي كان ذو بأس وله الكثير من المعارف .
كان الأمر اكبر من مجموعة من الغجر .
_ طب وورق ملكية الأرض ؟
نظر له عزيز بترقب فأكمل مسلم بهدوء شديد :
_ فين ورق ملكية أرض جدي ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ قولت ايه ؟ انا قولت ايه ؟
قلبت نورهان عيونها وهي تحاول أن تدعي انشغالًا وهميًا بما أمامها، تتجاهل وجود يحيى الذي يحوم حولها منذ ساعات، تحديدًا منذ استيقظت وابصرها شاردة من النافذة في حاتم الذي كان يجلس أمام الملحق ..
_ يحيى فكك مني بقى عشان مش ناقصة .
اقترب يحيى يجذبها من ثوبها بغيظ :
_ يعني أنتِ يا مهزقة الولد يجري واركِ تديه بالجزمة، يديكِ بالجزمة تجري وراه، ايه يابت شغل الهبل ده .
استدارت له نورهان تضرب الطاولة بغضب :
_ يحيى احترم نفسك واعرف أنت بتكلم مين بالظبط ؟
_ أنتِ يا متخلفة حافظة مش فاهمة ؟؟ الجمل دي بتتقال لما تكوني بنت وزير، بعدين معلش يعني أنا مكدبتش أنتِ متخلفة وأنا متشرفش بيكِ في عيلتي بس مضطر لغاية ما نبلي المتخلف اللي واقف برة بيبصلك ده بيكِ ونخلص منك ونلبسك فيه زي الشايب.
ختم حديثه يشير للنافذة لتستدير نورهان صوب النافذة بسرعة لتجد أن حاتم كان شاردًا بها، وبمجرد أن أبصرها تنظر صوبه استدار بسرعة كبيرة يدعي تأملًا باللاشيء .
ويحيى في الخلف ضرب كف بالآخر:
_ والله العظيم اتنين متخلفين، أنتم الاتنين مينفعش تتجوزوا حد غير بعضكم مش عشان لايقين على بعض، لا عشان متبلوش اتنين غيركم بيكم .
نظرت له نورهان ثواني قبل أن تبعد عيونها بتردد لا تفهم ما يحدث معها، هي لم ...لم تكن تفكر بالأمر قبلًا لا تنكر أنها أُعجبت به، لكن إعجاب بشخصيته ليس إلا، ما الذي يحدث الآن لها، ولِمَ لا تستطيع نزع فكرة العيش معه من رأسها ؟
هل أدركت نفسها أنها تشتاق لأن تعامل كـ... كأنثى ؟
_ نورهان اسمعي عشان أنا جبت اخري منك، أنتِ اكتر واحدة عارفة مصلحة نفسك، فكري فيها واوزنيها، وشوفي يا ترى هتقدري تكملي حياتك كده لوحدك، ولا هتحتاجي حد يسندك طول الطريق، ولو احتجتي حد، هل الحد ده ممكن يكون حاتم ولا غيره ؟
صمت وكأنه يتأكد أن كلماته قد دخلت عقلها الغبي واستقرت في مكان صالح لتخزين الأفكار بعيدًا عن ذلك الجزء الذي يلقي بكامل أفكارها في سلة المهملات.
وهي رفعت عيونها له، ليبتسم لها مربتًا على كتفها بحب وكاد يتحرك لولا أن أبصر نظرات حاتم الجانبية لهم، اتسعت بسمته بقوة ودون مقدمات جذبها بين أحضانه بقوة جعلت الأخيرة تتسع عيونها بصدمة لكنها رغم ذلك ربتت على ظهره بريبة .
وهو ابتسم بسمة واسعة ما يزال ينظر من النافذة لوجه حاتم الذي اسود وهو يراقبه بغيظ شديد، ليس لأن أخاها يعانقها، بل لأنه يدرك أن ذلك الحقير يستفزه فقط .
فجأة انتفض جسد نورهان بصدمة حينما سمعت صوت تحطيم بالخلف، ابتعدت عن يحيى وهي تنظر من النافذة لتبصر حاتم يراقب الكوب الزجاجي محطم ارضًا ببسمة صغيرة وقد أدى المهمة المطلوبة منه .
لكن حينما انتبه لنظراتهم أدعى الصدمة يضع يده أعلى رأسه:
_ أخد الشر وراح الحمدلله أنها جات بيه ولا جات بغيره .
ختم حديثه وهو يستدير بنظراته صوب يحيى الذي راقبه ببسمة واسعة، اتسعت أكثر وأكثر وهو يجيبه باستفزاز :
_ بعد الشر عنك يا حبيبي .
اشتعلت نظرات حاتم أكثر، وقد أدركت نورهان ما يفعل لتنظر له بتحذير وغيظ :
_ يحيى بطل رخامة عليه .
امتص يحيى شفتيه بسخرية لاذعة:
_ يا حنينة .
- يحيى ..
_ هغور يا ستي أنا هروح اشوف المدام طالما محدش طايقني غيرها كده .
_ الله يكون في عونها والله .
_ عاجبني فيكم أنكم كلكم مفكرين إني هعاملها نفس المعاملة اللي بعاملها لاشكالكم دي .
زفر وهو يخرج من المكان محذرًا :
_ خلصي يلا وكفاية بصبصة أنا براقبكم .
حملت أول شيء قابلته أمامها تلقيه عليه ليركض بسرعة خارج المكان بأكمله وهو يسب بصوت مرتفع ناقمًا من الجميع معددًا اسباب كونهم لا يصلحون عائلة لشخص بمثل روعته .
وهي فقط تابعت رحيله تتنفس بغيظ شديد قبل أن تستدير تتنفس بصوت مرتفع مغمضة عيونها وحينما فتحتها ابصرته أمامها يحدق فيها بنظرات غريبة .
جعلتها تتعجب وهي ترفع حاجبها بتساءل، لكنه فقط ابتسم لها بسمة غريبة، يهز رأسه هزة خفيفة لم تفهم معناها، ثم قال بهدوء :
_ عسى صباحك سعيد آنسة ..
رمشت وهي تراقبه يتحرك في المكان أمامها وكأنه يبحث عن شيء، وفي الواقع هو كان يتظاهر أنه أضاع شيئًا فقط حتى يبقى أمامها أطول فترة ممكنة .
_ أنا مش آنسة .
رفع عيونه لها بنظرة حادة تعجبتها ولم تكد تستفسر عما يريد حتى تساءل بجدية :
_ شو شايفك وافقتي هلأ على العريس .
_ عريس ؟
_ مو كأنه قولتيلي إن الموضوع مش شخصي معي وانك رافضتيه للزواج ككل ؟ شو غير رأي عروستنا يا ترى ؟
_ أنت بتقول ايه ؟ عريس ايه ؟!
انقلب فمه بضيق شديد وهو يردد :
_ عريس الغفلة اللي مستنيكِ تكملي عدتك حتى يتزوجك .
فتحت فمها لتنفي الأمر، لكنه لم يكن يمنحها الفرصة يلوح بيده في الهواء :
_ الله يرزقك بابن الحلال يا رب، بس بعد هيك لا تضلك تحكي حكي ما بتقصديه .
كان يتحدث وكأنه يخشى أن يمنحها فرصة الحديث فتؤكد الخبر، رغم أن صوت عقلاني داخله يخبره أن الخبر كان فقط مجرد كلمات سخيفة من يحيى ليستفزه كعادته .
نورهان فقط تتابعه ولا تدري ما يجب عليها قوله، هل تنفي الأمر، أم تؤكده وتكذب، أم فقط تصمت ؟
وبغير وهي اختارت أن تصمت وهي تهز رأسها بهدوء شديد :
_ هتفطر معانا أعمل حسابك ؟
رمقها طويلًا بغيظ قبل أن يرفع يده في الهواء :
- يا الله رحمتك بيا .
ومن ثم رحل وهو يتحدث لنفسه تاركًا إياها تتابعها مبتسمة بسمة غير واعية سرعان ما تحولت لضحكة صاخبة.
واتضح في النهاية أن يحيى بالفعل خبير بالعلاقات .
ــــــــــــــــــــــــــ
طرق الباب بقوة وهو ينتظر الرد ليأتيه من الداخل بسرعة وقد سمع صوتها يقترب من الباب تهتف بكل رقة ولطف :
_ ثواني حاضر .
رفع حاجبه وبمجرد أن أبصر وجهها حتى التوى ثغره بغيظ شديد :
_ هو بس سؤال، هو مفيش غيرك في البيت ده يفتح الباب ؟ مشغلينك بواب ؟
تراجعت كارا للخلف بتوتر تحاول الحديث بصوت خافت :
_ اهلا ..اهلا يا يحيى .
_ اهلا يا ختي، فين ابوكِ ؟
رمشت بعدم فهم من طريقته في الحديث، ترفع عيونها له بعدما كانت شاردة في الأرض بخجل :
_ ليه ؟ حصل حاجة ؟
_ اه بصي يا بنت الحلال من اولها كده عشان تعرفي تعيشي معايا، انا موتي وسمي الست الفضولية اللي تفضل تسأل في الرايحة والجاية، ليه وعشان ايه وامتى وفين، مش بحب الفضول خالص من أي حد .
صمت وهو يرى نظرات الصدمة والشحوب بدأ يظهر على وجهها فأطلق ضحكة صغيرة وهو يستند على إطار الباب جواره يميل برأسه قليلًا بلطف :
_ أي حد غيرك، لو تحبي كل يوم اعملك تقرير عملت ايه وهعمل ايه، انا موافق، عندي كام كارا ؟
اترجفت يد كارا التي كانت تمسك إطار الباب وتراجعت للخلف بتوتر وخجل تخفي بسمتها وقد بدأ الاحمرار يزحف لوجهها مرة ثانية بعد شحوبها .
_ هو ...بابا جوا مع جدو عشان كانوا ماشيين بعد ساعتين .
ابتسم لها بحب يردد بلطف :
_ ماشي قوليلهم اني برة جاي اشوفهم .
هز رأسها وكادت تركض من أمامه، لولا أنه أوقفها يردد بصوت خافت لطيف :
_ ميا كارا ...
توقفت اقدام كارا ونظرت له بعدم فهم :
_ ميا مين ؟
ابتسم لها بسمة صغيرة ومن ثم اعتدل، يتجاهل سؤالها يخرج من جيب بنطاله قطعتين من الحلوى التي لاحظ أنها تحبها، يمد يده بها :
_ بتحبيها ؟
حولت كارا عيونها صوب الحلوى ليشرق وجهها بقوة وهو كان يراقبها باهتمام شديد يود فقط التأكد أن هذا ما تحبه هي، وحينما مدت يدها تأخذ منه الحلوى بسعادة ورفعت عيونها له شعر بأنه ذاب لثواني في نظراتها ولم تصل له كلمة من كلماتها .
كانت تتحدث كلمات كثيرة لم يصل منه شيء سوى أنه فقط أبصر بسمتها الواسعة وهي تضم الحلوى لصدرها وتتحرك للداخل بسرعة وهو ظل واقفًا أمام الباب شاردًا يحاول العودة لعقله، حتى سمع صوتًا من الداخل يناديه .
فزفر بصوت مرتفع يتحرك بسرعة وهو يهتف بسعادة كبيرة وكأنه يخفي خلف صوته ارتجاف قلبه .
_ جدي حبيبي عامل ايه ؟
رفع الرجل عيونه صوب يحيى ببسمة واسعة :
_ الحمدلله يا بني بخير تعالى اقعد كويس أنك جيت كنت هبعت ليك اشوفك قبل ما امشي .
_ تمشي ؟ تمشي ليه حد من الغجر دول داسلك على طرف ؟
نظر له محفوظ بحاجب مرفوع والجد ضحك فقط ليمرر كلمات هذا الشاب الذي لا يفكر تقريبًا فيما ينطق .
_ لا يا بني متقلقش كل الناس هنا كويسة محدش عملي حاجة.
- محظوظ والله اول واحد يفلت منهم .
ضحك الجد أكثر وهو يربت عليه ومن ثم مال على يحيى يتحدث بجدية وكأنه يلقي عليه وصايا :
_ يحيى يا ابني كارا أمانة في رقبتك لغاية تروح بيتك وتبقى على اسمك .
كان يشدد على كلماته وهو ينظر ليحيى الذي اعتدل في جلسته وقد انمحت أي ملامح للمزاح عن وجهه :
_ كارا في عيوني يا جدي .
_ وأنا واثق فيك يا بني، انا هرجع مع العيلة عشان مصالحنا لأننا طولنا اوي، وبإذن الله لما تتيسر ظروفك أنت واخواتك كلمنا عشان نعملكم اكبر فرح، ربنا يوفقكم يارب .
_ ايوة يا جدي ادعيلنا كتير ربنا ينصرنا على شوية الغجر دول ونرجع الأرض ونطردهم منها ونخلص .
_ باذن الله يابني حقكم يرجع من عين التخين .
_ اللهم امين يارب .
كان محفوظ يتابع ما يحدث بتشنج وعدم فهم، كان الاثنان يتبادلان الدعوات حول تدمير حياتهم وبيوتهم في منزله وأمامه.
لكنه لم يعلق حينما سمع الجد يردد بجدية :
_ أنا كنت جاي وناوي مرجعش غير بكارا أو لما اتأكد أنها في بيت ابن الحلال، بس أنا واثق فيك يا بني وواثق أنك واهلك قد كلمتكم.
_ يا جدي والله لو عايز اتصل بابويا دلوقتي ونجيب مأذون نخلص انا موافق .
اتسعت عيون كارا والتي كانت تتخذ ركنًا بعيدًا تردد بصدمة :
_ نخلص .
والرفض جاء من الجد :
_ لا يابني ميرضنيش تضيعوا فرحتكم كده، خدوا وقتكم وظبطوا ظروفكم وكلمونا هجيب الكل ونيجي نفرح ليكم .
اتسعت بسمة يحيى وهو يحرك عيونه بهدوء صوب كارا يحدق فيها ببسمة واسعة :
_ قريب يا جدي ..قريب اوي باذن الله .
ـــــــــــــــــــــــ
_ من امتى وهو كده وليه محدش قالي ؟
ختم مسلم حديثه وهو يميل على عيسى يقبل جبينه بحنان، ويربت عليه بلطف شديد، وقد كان الأخير لا يعي بشيء حوله وقد بدا أن الحمى باغتته بلا مقدمات .
_ محتاج اخده معايا على اقرب مستشفى من هنا .
اقتربت منه رايانا وهي تهمس بصوت خافت تحاول أن تهون الأمر عليه وتقلل من قلقه الواضح في هذه اللحظة والذي كان كبيرًا للغاية:
_ مسلم فيه مستشفى هنا ممكن ....
_ لا مش حابب اروح المكان ده، انا هاخده لأي مستشفى قريبة من القرية دي .
زفر أحمد بغيظ وهو يدفع كتف مسلم بضيق من تصرفاته :
- متستهبلش يا مسلم واتنيل روح المستشفى اللي هنا، اللي فيها برضو دكاترة مش نجارين، أنت لو استنيت تاخده لمكان تاني ممكن تعبه يزيد .
نظر مسلم صوب عيسى بتردد ورايانا خلفه تربت على كتفه بحنان تواسيه بصمت .
في اللحظة التي دخل بها يحيى المكان وتعجب تجمع الكل حول عيسى، اقترب يحمل بين يديه قرطاسًا من الطعمية الساخنة ينغز كتفه :
- قوم يا عيسى جبتلك طعمية سخنة .
لكن عيسى لم يتحرك قيد أنملة فقط تأوه بصوت مسموع، وقد بدا أنه يعاني لفتح عيونه .
رفع يحيى عيونه للجميع بعدم فهم :
_ هو ماله كده ؟
تحدث أحمد بهدوء :
_ نور الصبح دخلت تصحيه لقيته زي ما انت شايف جسمه مولع وشكل عنده حمى .
اتسعت عيون يحيى يلقي ما بيده على الطاولة جواره، ثم جلس على الأرض يميل محاولًا تحسس جبهة شقيقه هاتفًا :
_ عيسى مالك يالا اكلت ايه من ورايا ؟
زفر مسلم بصوت مرتفع :
_ أكل ايه بس يا يحيى الولد تعبان ومش شايف من الحمى .
_ ايوة ما هو اكيد رمرم من ورايا .
نظر له مسلم بغيظ شديد، ثم مال وحمل عيسى بين يديه يتحرك خارج المكان وخلفه رايانا بسرعة كبيرة:
_ هاخده للمستشفى هنا يمكن حد فيهم يقدر يساعد .
ومن ثم تحرك تاركًا الجميع ويحيى يقف مصدومًا قبل أن ينتفض ويلحق بهم بسرعة وهو يصرخ :
_ استنى يا مسلم، هاجي معاك ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يتحرك مع ولده داخل الأرض وهو ينظر حوله وكأنه يتأكد أن كل شيء بخير، ومن ثم تحدث بهدوء :
_ ها خلصت الحوار اللي قولتلك عليه ؟
ابتسم عز الدين بسمة صغيرة وقد كانت ملامحه ما تزال تحمل قليلًا من غصب الليلة السابقة، لم يتخطى بعد هزيمته النكراء أمام مسلم، رجل غريب جاء أرضهم وسلبه المرأة التي يحب .
_ ايوة باذن الله .
توقفت اقدام معتز ينظر لولده بشكل مرتاب وكأنه لا يصدق أنه سيفعل شيئًا صحيحًا في النهاية :
- عز الدين أنا جبت اخري من غبائك، الموضوع ده لو محصلش وكمل زي ما أنا قولتلك صدقيني مش هعديها ليك .
نظر له عز الدين بغضب وما يزال جزء داخلي يحمل والده كل ما خسره، هو السبب في كل شيء تقريبًا، لكن رغم ذلك ابتلع ريقه، يبتلع غصته بضيق :
_ لا متقلقش كل حاجة متظبطة والناس بس مستنية الوقت المناسب عشان تنفذ .
هز له معتز رأسه ومن ثم نظر أمامه للأرض مبتسمًا بسمة صغيرة يمني نفسه بحصاد قريب وأرباح وفيرة هذا الشهر .
في اللحظة ذاتها التي سمع صوت أحد الرجال يتحرك داخل الارض، استدار له ببرود شديد ولم يكد يتساءل عن سبب وجوده في هذه المنطقة في هذا الوقت ليبصر رعب الشاب الذي ملئ وجهه يهتف برعب :
_ الحكومة ...الحكومة نزلت البلد وقالبة الدنيا يا بارو وجايين على هنا .
اتسعت عيون معتز بصدمة كبيرة ينظر صوب عز الدين الذي تجمد جسده بالأرض وكأن أحدهم ربطه بها وقد فقد قدرته على التحرك .
فتح معتز فمه يتساءل بصدمة :
_ أنت بتقول ايه ؟ حكومة ايه ووصلت امتى وازاي معنديش خبر غير دلوقتي ؟ أنتم اتجننتوا ؟
ويبدو أن وصول الشرطة كان اسرع من وصول الإجابة له، إذ فجأة وجد نفسه محاطًا بعدد كبير مرعب من رجال الشرطة والجميع وقد أصبح الوضع أمامه كما لو أنه سقط في المصيدة التي احيكت له.
وفي ثواني أدرك أن حفيد المريدي قد فعلها .
اشتدت ملامح بغضب شديد ينظر صوب الشرطي الذي اقترب منه بملامح جادة عنيفة يحرك نظراته في المكان حوله قبل أن تستقر على عز الدين ثواني ومن ثم نظر لمعتز :
_ مين صاحب الأرض دي ؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ اهدي هو هيكون بخير إن شاء الله .
_ انا خايفة عليه اوي، عيسى ده ...
صمتت نورهان وهي تتنفس بصوت طبيعي من بين صوتها الباكي :
_ عيسى ده مش اخونا، ده ابننا، من صغرنا واحنا كلنا بنعتبره ابننا، اطيب قلب فينا واكتر واحد قلبه على الكل، غصب عني بخاف عليه .
ربتت عليها ساڤا بحنان شديد وهي ترى الترابط بينهم وتمنت في أعماق قلبها أن تنال يومًا ما مكانًا بينهم تنعم به بكل هذه المشاعر .
أبصرت بطرف عيونها أحمد الذي هبط الدرج وهو يردد بجدية في هاتفه :
_ بجد وصلوا ؟ طيب طيب أنا جاي ..
نظر له الجميع وهو أول شيء نظر له كان هي، وقد بدا أن عيونه انجذبت نحوها دون شعور، ابتسم بسمة حنونة لها جعلتها تراقبه بشرود قبل أن تبعد عيونها عنه بخجل تدعي انشغالًا بكوب الماء أمامها.
أما عنه فابتسم بحنان قبل أن ينظر صوب نورهان التي لم تكن تعي ما يحدث :
_ نورهان انا خارج لموضوع كده ومش هتأخر، حاتم في الملحق برة لو فيه حاجة بلغوه ماشي .
وارتجف جسدها من اسمه تهز رأسها موافقة على حديثه :
_ خير حصل حاجة ؟!
ابتسم بسعادة كبيرة وقد ظهر ذلك واضحًا في عيونه قبل شفاهه :
_ لا بس تقدري تقولي أنه خلاص قربت يا نور .
نظر لهاتفه قبل أن يرمي كلماته مقتضبة ويرحل بسرعة تاركًا الاثنين ينظرون لاثره، واحدة بأمل والأخرى بوجل .
ـــــــــــــــــــــــ
كان رحيل احمد في هذه اللحظة بمثابة إشارة لهم ليتحركوا، بعدما تأكدوا من خروج آخر رجل من المنزل، نظر الجميع لبعضهم البعض بصمت وتحركوا بهدوء لخلف المنزل، حيث كانت بعض الخردة متجمعة .
اوامر عز الدين تدفعهم صوب غايتهم، كانت النساء نقطة ضعف لهم، وهو سيحسن استغلال هذه النقطة وقد فشلت كل طرقه ليجبرهم على ما يريد.
توقف أحد الرجال وهو يشير للآخر بالتحرك صوب النافذة الخلفية وتحطيمها .
وبالفعل اقترب الرجل من النافذة الخلفية للمنزل والتي كانت توصله لأحد غرفة الطابق الارضي، رفع العصا التي يحملها وضرب بها الزجاج بقوة ليتحطم بصوت مرتفع رن داخل المنزل .
وقبل أن يمنحوا حتى فتات الزجاج فرصة الاستقرار ارضًا كانت الأجساد تندفع داخل المنزل بسرعة كبيرة .
في اللحظة ذاتها التي انتبهت نورهان لصوت تحطيم بعدما تركتها ساڤا وصعدت لتحضر لها شيئًا .
انتفض جسدها برعب وهي تنظر بريبة للغرفة التي خرج منها الصوت وقبل التحرك خطوة واحدة أبصرت أجساد رجال متشحة بالاسود تخفي الوجوه خلف اللثام تندفع للبهو، ولم يكن منها سوى أن أطلقت صرخة مرتفعة في البهو قوطعت في منتصفها حينما انقض عليها أحد الرجال يكمم فمها ..
اتسعت عيونها برعب شديد وهي تحاول الإفلات منهم، تحارب وتحاول، لكن كان فارق الأجساد والضخامة له عاملًا قويًا في تقييد حركتها بالكامل .
بكت وهي تصرخ صرخات مكتومة قبل أن تجد جسدها يُرفع على كتف أحد الرجال يتحرك بها بسرعة من نفس الطريق الذي جاءوا منه .
في اللحظة ذاتها التي هبطت ساڤا بسرعة ورعب بسبب صرخات نورهان :
_ نورهان فيه ايه ؟
لكن فجأة تجمدت بارضها وهي تبصر ما يحدث .
والرجال صدموا من وجود امرأة أخرى
ومن ثم كانت لحظة صمت طويلة، لم يقطعها سوى صرخة مرتفعة رجت المنزل. ...
