رواية خارج المكتب الفصل الثاني 2 بقلم روان ابراهيم

 





رواية خارج المكتب الفصل الثاني بقلم روان ابراهيم

"مستناش ردي وسحبني من ايدي وسط ذهولي وذهول الكل خرجنا للهوا الساقع برا القاعه وانا ماشيه وراه كنت 
بسال نفسي: اي معنى كلاموا دا؟ واي التحول الغريب اللي بقا فيه؟

كنت بحاول ألحق خطواته السريعة والواسعة، لدرجة إني كنت شبه بجري وراه والكعب العالي مكنش مساعدني نهائي.
 الهواء الساقع برا القاعة خبط في وشي فجأة، حسيت برعشة خفيفة مش بس من البرد، لكن من منظر ضهر محمود اللي كان ماشي قدامي وكأنه قنبلة موقوتة هتنفجر في أي لحظة.
 قبضته على إيدي كانت قوية، مش لدرجة الوجع، بس كانت لدرجة إن مفيش مفر.. كأنه بيثبت حاجة للكل وبيتحداني أنا شخصياً
وصلنا عند العربيه وهو قالي 

- اركبي

قالها بطريقه خلت قلبي يدق بعنف ف ركبت وانا متوتوره منوا
دور العربية وانطلق بسرعة جنونية، كنت بشوف أعمدة النور في شوارع اسكندرية بالليل وهي بتجري من قدامنا زي شريط سينما سريع. كنت ماسكة في حزام الأمان وإيدي بتترعش، حاولت أجمع شجاعتي وأبان قوية وقلت بصوت عالي عشان يعلو على صوت الموتور:

- مستر محمود... لو سمحت هدي السرعه احنا كدا هنعمل حادثه!

مردش عليا، فضل باصص قدامه وعينيه مثبتة على الطريق بتركيز مرعب، وعروق إيده اللي ماسكة الدريكسيون كانت بارزة وكأنها هتقطق. الصمت في العربية كان يخنق، مكنش فيه صوت غير أنفاسه العالية والمنتظمة بغضب، وصوت العربية وهي بتجري على الطريق السريع. 

بعد حوالي عشر دقائق من السواقة المتهورة، فرمل فجأة بقوة على جنب الطريق في مكان هادي وضلمة شوية، لولا الحزام كنت هخبط في التابلوه.
اتكلم بهدوء مرعب: 

- ممكن اعرف اي اللي كنتي ناويه تعمليه مع شادي؟؟

- وانت مالك؟؟ انت بجد مالك انا حُره اعمل اللي انا عايزاه انت ملكش اي حكم عليا نهائي كفايه اني مستحمله سنتين من القرف والتهزيق معاك انا بجد زهقت..كملت بصوت موجو...انا مش عايزه اكمل في الشغل دا كفايه إرهاق لاعصابي 

سكت.. السكوت اللي جه بعد
 جملتي كان أصعب من صوته وهو بيزعق. لمحته
 في الضلمة وهو بيغمض
 عينيه بقوة، وصوت أنفاسه كان بيعلى ويهبط وكأنه
 بيحاول يفرمل الغضب اللي
 جواه عشان ميتغاشمش
 عليا.
فتح عينيه وبص لي، النبرة
 الهادية المرعبة اختفت تماماً، وحل مكانها صوت
 مبحوح وخارج بصعوبة:
- قرف وتهزيق يا روان؟ السنتين اللي فاتوا دول كانوا قرف بالنسبة لك؟

لف بجسمه كله ناحيتي، وقرب لدرجة إن المسافة بيننا انعدمت، وعينيه بقى فيها نظرة وجع أكتر وهو بيكمل:

- أنا اللي مخليني واقف على رجلي في الشغل ده هو وجودك، لما كنت بضغط عليكي كنت ببقى عايزك أحسن واحدة، ولما كنتِ بتغيبى يوم كنت بقلب الشركة ومبستريحش غير لما أسمع صوتك وأطمن إنك بخير.. تقوليلي إرهاق لأعصابك وعايزة تمشي؟

اتوجعت من نبرته، بس العند كان عاميني:
- واللي بيحب حد أو بيخاف عليه بيعمل فيه كدة؟ بيزعقله قدام الناس ويهينه عشان اتأخر نص ساعة بسبب حادثة برا إرادته؟ ويسحبه من وسط الحفلة كأنه عامل جريمة؟
ضحكت بسخريه في آخر كلامي
 
مسك الدريكسيون بإيد والإيد التانية ضغط بيها على الكرسي ورا ضهري وكأنه بيحاصرني:
- انا عملت كدا علشان مكنتش قادر أتخيلك وانتي بترقصي معاه ضحكتك ليه خلتني اولع اكتر...معاملتك البارده معايا وعدم ردك عليا خلوني اتجنن، عمري ما عملت حاجه ليكي الا وكان ليها سبب...يمكن كنت بقسى عليكي بس دا علشان انا شايف فيكي نفسي وانا في سنك...خايف عليكي تواجهي نفس الي انا واجهتوا انا ملقتش حد يوجهني علشان كدا اتوجعت كتير بس انا مش هسمحلك توجعي نفسك بسبب طيبتك الزايده وعِندِك.

سكتِتْ الحروف كلها جوه دماغي.. الكلمات نزلت عليا زي الصدمة، جمّدت العند اللي كان ساير في عروقي وخلتني أبص له بذهول. الملامح الحادة المرعبة اللي كانت بتغلي من شوية، ظهر وراها إنسان تعبان، إنسان دارى خوفه ووجعه القديم ورا قناع المدير القاسي السنتين اللي فاتوا.

حاولت ألاقي صوتي الضايع وسط دقات قلبي اللي بقت مسموعة في هدوء العربية، بس مكنتش قادرة أنطق ولا كلمة. كلامه مكنش مجرد تحكم، ده كان اعتراف مشحون بمشاعر تقيلة أوي مكنتش مستعدة ليها.

رجع ضهره لورا وسند راسه على الكرسي وأخد نفس طويل كأنه بيريح صدره بعد ما طلع السر اللي حابسه من سنين، ودور العربية تاني من غير ما يضيف كلمة واحدة. المرة دي مشي بسرعة هادية وقاتلة، كأنه بيحاول يمد في وقت السكة، أو يستوعب الاعتراف اللي طلع منه غصب عنه في لحظة غيرة.

طول الطريق كنت باصة من الشباك، شوارع إسكندرية بالليل بقت هادية، والأسئلة بدأت تتكاثر في دماغي.. هو أنا بجد كنت ظالماه؟ وهل الخوف ده حب، ولا رغبة في حمايتي كإنتداد لشخصيته؟

العربية وقفت تحت بيتي، والصمت رجع يسيطر على المكان. كنت لسه بفتح الباب عشان أنزل وأهرب من التوتر اللي مالي الجو، بس لقيت صوته بيوقفني، نبرته كانت رجعت لهدوئها بس فيها حنية مستخبية:

- اطلعي يا روان.. وافتحي تليفونك.

نزلت وقفت على الرصيف، وبصيت للعربية وهي بتحرك وتبعد وسط ضلمة الشارع لحد ما اختفت. طلعت السلم وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني من كتر الصدمات اللي ورا بعض في يوم واحد.
 دخلت شقتي بكل هدوء عشان محدش يحس بحاجة، ودخلت أوضتي وسندت ضهري على الباب وأنا باخد نفسي بالعافية.

مشيت لحد المراية الطويلة.. نفس البنت اللي كانت واقفة من كام ساعة وبترمي بوسة في الهوا ومبسوطة بشكلها، دلوقتي واقفة مبرقة، الروچ النبيتي اتمسح شوية من التوتر، وعينيا فيها علامات استفهام ملهاش أول من آخر.
فجأة تليفوني نور في إيدي بعد ما فتحته، وجتلي رسالة منه:

- ريحي اعصابك ومتفكريش كتير...اشوفك الساعه 9 على مكتبك عندنا شغل كتير بكرا 

قفلت التليفون ورميته على السرير، وأنا باخد نفس طويل وابتسامة غريبة، دافية، أترسمت على وشي غصب عني..يمكن علشان اول مره احس أن في حاجات بدأت توضح

صحيت الصبح على رنة المنبه...كنت بفتح بالعافيه طبيعي ما انا منمتش ساعتين على بعض، كنت كل ما اغمض عيني يظهر في خيالي قمت وقفت قدام الدولاب وانا حقيقي مش في مود يسمح لي افكر في اي حاجه طلعت بنطلون اسود فورمال وشميز ابيض ساده رفعت شعري كحكه منظمه حطيت ليب جلاس ونزلت.

وصلت قدام باب الشركة والساعة كانت 8:50 دقيقة.. يعني قبل الميعاد بعشر دقائق كاملة. أول ما رجلي عتبت صالة الاستقبال، حسيت بنظرات الموظفين كلها اتصوبت عليا.. الهمس بدأ، والبنات في الحسابات بيبصوا لبعض ويتوشوشوا. طبعاً.. ما هم شافوا "هولاكو" وهو بيسحبني امبارح من الحفلة كأني عاملة مصيبه!.
طنشت لاني حقيقي مكنتش في مود يسمح لي باي جدال او نقاش حتى

حطيت شنطتي على المكتب وقعدت، وبصيت في ساعة الموبايل.. كانت 8:59.
دقيقة واحدة.. دقيقة واحدة ويوصل، أو يمكن هو جوه أصلاً؟ 
الفون بتاع المكتب رن رديت برسميه
 
- صباح الخير، قسم الإدارة، مع حضرتك روان

جالي صوتوا الهادي عكس عصبية امبارح تماما! 
- روان تعالي 

قالها ونبرته كانت هادية بس فيها ثقل يخلي الواحد يقلق. قفل الخط من غير ما يستنى ردي، وأنا فضلت ماسكة السماعة لثواني باصة لها بذهول. التحول بتاعه ده بيوترني أكتر من عصبيته، بحسه زي الهدوء اللي قبل العاصفة.

قفلت السماعة وأنا باخد نفس طويل عشان أهدي ضربات قلبي اللي بدأت تزيد غصب عني. قمت بسرعة، أخدت الفولدرات والملفات المطلوبة، وظبطت الشميز الأبيض بتاعي ورفعت راسي.. مش عايزة أبان مهزوزة قدامه ولا قدام الموظفين اللي بره.

مشيت في الممر بخطوات سريعة وواثقة لحد ما وصلت قدام باب مكتبه. وقفت ثانية، بلعت ريقي، وخبطت خبطتين خفاف..
سمعت صوته من جوه:

- ادخل.

فتحت الباب ودخلت. المكتب كان غرقان في السكون، والستائر الكبيرة كانت مفتوحة ومخلية نور الشمس مالي المكان. محمود كان قاعد ورا مكتبه الخشب الكبير، لابس قميص أسود فورمال ومرفع كمامه لحد نص دراعه، وساند ضهره لورا وعينيه مركزة في اللاب توب قدامه بكل هيبة.

أول ما دخلت وقفت قدام المكتب، رفع عينه وبص لي. نظراته امتدت من الكحكة المنظمة اللي لمة شعري، للشميز الأبيض، لحد البنطلون الفورمال الأسود.. نظرة سريعة وخاطفةنزل عينه للملفات اللي في إيدي ورجع ساند ضهره لورا بكل برود، وكأن الضعف والوجع اللي شوفتهم في عينيه امبارح بالليل في العربية اتمسحوا وبقوا مجرد سراب.

حطيت الفولدرات قدامه على المكتب، وحاولت أخلي صوتي طالع جاف وثابت على قد ما أقدر:

- الملفات اللي طلبتها يا فندم.

سحب الملفات من غير ما يفتحها، وفضل باصصلي بنظرة هادية ومركّزة خلتني أتحفز تلقائياً مستنية هجومه أو تعليقه على امبارح، بس هو فاجأني لما شبك صوابع إيده الاتنين فوق المكتب وقال بنبرة واطية ومبحوحة:

- منمتيش كويس صح؟

السؤال خطفني للحظة، وحسيت إن قناع البرود اللي كنت بحاول ألبسه بدأ يتشقق. رفعت راسي ورفعت حاجبي بعناد:

- أظن ده ملوش علاقة بالشغل يا مستر محمود.. حضرتك طلبت الملفات وهي قدامك دلوقتي، في حاجة تانية مطلوبة مني؟

متنرفزش..بالعكس ظهرت ابتسامه خفيفه على وشوا وهو بيسند ضهروا وبيرجع بالكرسي لورا وهو بيتكلم بثقه بتخليني اشيط

- عارفه كل مادا بتثبتيلي أن وجهة نظري فيكي صح...و انك عيله صغيره بتحب تعاند وخلاص لكن لو اتسابت لوحدها تغرق 

خلص كلاموا وهو بيقوم من على الكرسي وبيقرب مني رفعت صوبعي وانا بتكلم وحاسه أن وشي كلوا احمر من الغيظ

- مسمحلكش

نزل صوبعي وهو بيضحك
- نزلي صوباعك دا كدا بس
 
اتكلمت بذهول 
- هو حضرتك كويس

تعليقات