رواية لاجلها الفصل الخاتمة 2
على ضفاف شلالات الفيوم المُبهرة، حيث يتدفق الماء بهديرٍ عذب يغسل هموم القلوب، جلس عطوة يتأمل ذلك المشهد البديع وسعادةٌ غامرة تفيض من عينية وتملأ قلبه الصغير. كان يحمل ابنته الجميلة في حجره، يلاعبها برقةٍ وخوفٍ أبوي، بينما جلست زوجته نورا بجواره، وعينها لا تغفل عن ابنهما الصغير الذي كان يركض مرحاً، يركل كرته الملونة حولهم في مساحة العشب الخضراء.
تعالى صوت نورا الهادئ وهي تنبه الصغير بحرص الأم:
- "يا واد سيب الكورة والعب هنا.. إياك تبعد عن عينينا، العب جريب مننا!"
اطمأنت على ولدها، ثم التفتت بوجهها المشرق نحو عطوة، الذي عاد يسرح ببصره في المياه المتدفقة. كان يتأمل الشلالات، لكن عقله كان يستعرض شريط حياته؛ كيف تاب الله عليه ونشل نفسه من القاع، وكيف استطاع أن يبني هذا البيت الدافئ وسط عائلته الجديدة-أهل زوجته-الذين احتضنوه بقلوبٍ بيضاء، ولم يعايروه يوماً بماضيه.
أدرك عطوة في قناعة نفسه حقيقةً هامة؛ أينعم هناك عدد كبير من أهل زوجته "طريقهم لا يصلح له" بعد التوبة، لكنه اكتفى بالقلة المحترمة الصالحة منهم.. فما حال عائلتها إلا كحال الدنيا؛ فيها الصالح و الطالح، وهو قد رزقه الله بأجمل ما في هذه الدنيا: زوجة صالحة وأطفال كالملائكة، ورضا يملأ الروح برغم ضيق الحال وقلة المادة مع غلاء المعيشة الذي يزداد يوما عن يوم.
- "سرحت في إيه يا عطوة؟"
جاءها سؤاله العذب، لتخطف انتباهه كعادتها دائماً، وتقطع حبل أفكاره بابتسامتها التي يرى فيها رزقه الحقيقي.
التفت إليها وعيناه تلمعان بمحبة صادقة، وقال بصوت خفيض يخرج من أعماق قلبه:
- "سرحان في كرم ربنا يا نورا.... انا واحد مكنش له امل في اي مستقبل عدل ولا حتى بسعى لحياة زينة زي باقي الخلق، طول عمري وحيد وكنت حاسس اني هكمب كدة، لكن ربنا كان عنده تدبير مختلف، ما هو يا اما انا عملت حاجة زينة من غير ما ادرى، يا هي دعوة من امي الغبانة الغريبة قبل ما تموت وربنا استجاب ليها
عقب نورا:
ـ — "يمكن دي ويمكن دي يا عطوة، لكن الأهم هو إن ربنا مطلع وشايف اللي جوانا.. لولا إنك زين من جواك وعندك نية صافية، مكنش حط قدامك الفرصة دي، وأنت طلعت شاطر ولقطتها ونشلت نفسك من الضياع"
قالتها نورا بنبرة تقطر حناناً وفخراً، وهي تضع يدها الدافئة فوق يده التي تحضن ابنتهما. التمعت عيناه ببريق متأثر، وتابع وهو ينظر إلى طفله الذي يضحك في البعيد مع كرته:
— "الحمد لله يا نورا.. رغم أن الظروف المادية معدتش زي الاول ، والدنيا عمالة تضيق وتصعب يوماً عن يوم،.. بس انا لما ببص لوشك ووشوش العيال، وبفتكر اللمة الزينة دي.. بحس إني ملكت الدنيا ومفيش حاجة ناقصاني واصل."
ابتسمت نورا بصفاء، وربتت على كتفه بقوة تدعمه في مشوار كفاحه، ثم همست بأصدق دعوة يشتهيها قلبه:
— "ربنا يخليك ليا ولولادك يا عطوة، ويديمك سندنا وأماننا في الدنيا دي..
........................
في منزل حمزة القناوي، الذي أصبح المقر الدائم للأسرة الصغيرة المكونة من رب البيت وزوجته وأطفالهما-الذين كانوا يلهون في ذلك الوقت بالخارج-استغلت مزيونة تلك الفرصة الذهبية لترتيب المنزل بعناية، قبل أن يعود زوجها العزيز من عمله.
عدة سنوات مرت على ذلك الرابط المقدس الذي جمع بينهما، سنواتٌ قضتها معه وكأنها ولدت من جديد؛ فبعد أعوامٍ طُمرت فيها شخصيتها وعاشت كالميتة، بُعثت روحها مجدداً على يديه. في الماضي، لم يكن يربطها بالدنيا سوى حلم تبنيه لمستقبل ابنتها، أما الآن.. فهي تعيش حلمها الخاص مع زوجٍ يعشقها، وأطفالٍ يخرجونها عن طورها الهادئ بمعظم أوقات اليوم، ومع ذلك تستمتع بالتجربة؛ تجربة رعايتهم وتربيتهم، رُغم أنها تشك أحياناً في نجاح التربية نظراً لما تقابله يومياً من أفعالٍ ومقالب تصدر عنهم، أبعد ما تكون عن طبيعتها الهادئة!
وقعت عيناها بالصدفة على إحدى المرايا المثبتة على الحائط، وبردة فعلٍ معتادة، تأملت نفسها قليلاً. لاحظت تلك الكيلوغرامات الزائدة التي طرأت على جسدها مؤخراً، فشعرت بضيقٍ طفيف، لكن سرعان ما تلاشى هذا الإحساس وتلاشى معه الضيق وهي تتذكر إطراءات زوجها الدائمة وغزله بقوامها "الملفوف". ابتسمت برضا، ثم عادت إلى رشدها وهي تتذكر وعداً قطعته على نفسها منذ قرابة العام، وتمتمت بحسم:
- "لازم أعمل رجيم من يوم السبت إن شاء الله.. عشان أبدأ الأسبوع من أوله، المرة دي لازم أنفذ وما أنساش واصل!"
وهكذا، بعد أن أرضت ضميرها قليلاً بهذا الوعد المتجدد، عادت لتستأنف عملها، ولكنها-للأسف-لم تكد تبدأ حتى قطع خيط انسجامها صراخٌ مألوف تحفظ مصدره ونبرته جيداً، وتعرف أنه لا يصح التهاون فيه أبدًا:
- "يا ماماااا.. يا ماما الحقيني!"
انتفضت مزيونة من مكانها، وركضت إلى خارج المنزل نحو الصغار الثلاثة المتجمعين أسفل شجرة التين العتيقة وبجوار الأشجار التي زُرعت حديثاً مع بناء البيت، لتتحول تلك البقعة الغالية إلى ما يشبه واحة من الهدوء والصفاء.. غير أن ذلك الصفاء تلاشى تماماً في هذه اللحظة مع صراخ المشتبكين!
وصلت مزيونة لتفك ذلك الاشتباك اليومي المعتاد بين الندّين الصغيرين: تالا ومؤيد.
صاحت بهما وهي تحاول الفصل بينهما:
- "بس عاد أنت وهي! بتعملوا إيه بس؟!"
بدأت المهمة الصعبة التي تواجهها مزيونة يومياً؛ حيث كان كفّ مؤيد الصغير يقبض بقوة على خصلات شعر ابنتها، بينما كفّ ابنتها مغروسة بعناد في خدّ مؤيد المكتنز قليلاً. حاولت ملاطفة الصغير أولاً ليرخي قبضته:
- "سيبها يا حبيبي.. سيب شعرها هيطلع في يدك!"
رد مؤيد بعناد طفولي وهو يشد بقوة أكبر:
- "والله ما هسيب غير لما تسيب هي الأول!"
التفتت مزيونة لابنتها توبخها وهي تحاول تسليك أصابعها:
- "يا بت حلي يدك دي عن خده، اللحم هيطلع في يدك!.. يا بت مالك متبتة فيه كدة ليه؟ يخرب بيتك!"
أخيراً، نجحت في تفرقة الاثنين بصعوبة ودون أن يؤذي أحدهما الآخر، ولكن "آثار الجريمة" كانت مطبوعة بوضوح على وجهيهما.
وقفت ابنتها تلهث بانفعال، وعيناها تحبسان دمعة كبرياء عنيدة، وهي تتأهب للهجوم عليه للمرة الثانية. أما مؤيد، فحدث ولا حرج؛ ورغم محاولاته البائسة لإظهار التماسك المزيف، إلا أن خده الأحمر كان عبارة عن "معزوفة صارخة" بحجم الخدوش التي تركتها تلك التي تدعي البراءة الآن!
لوت مزيونة فمها بقلة حيلة وهي تفحص وجه الصغير:
- "يا حبيبي يا ولدي.. كدة برضو يا تالا؟ خليتي خد حبيبك مؤيد شوارع! هان عليكي يا بت؟"
جأرت تالا بصوتها الصغير الرفيع ترفض الاتهام:
- "هو اللي قطع شعري الأول يا ماما.. هو واد عفش!"
هتف مؤيد مقاطعاً مدافعاً عن نفسه:
- "كدابة! هي اللي قطعت خدي الأول يا ماما!"
هنا، تدخلت تاليا التي كانت تتخذ موقعاً آمناً بعيداً عن أطراف الشجار، لتضع بصمتها في الوقت المناسب وتزيد من حنق والدتها، فقالت لمؤيد بتصويب سمج:
- "ما اسمهاش ماما.. اسمها تيتا يا مؤيد!"
التفتت إليها مزيونة بإجهاد ونفاد صبر، وأشارت إليها بسبابتها:
- "اسكتي أنتِ يا أختي وخليكي في المصاصة اللي ما بتطلعش من خشمك دي.. هتشليني ببرودك!"
ثم توقفت فجأة، واستدركت بشك وهي تضيق عينيها نحوها:
- "بس عارفة يا تاليا.. لو طلعت ليكي يد في العركة دي، وربنا لتاخدي نصيبك مني أنا الأول!"
احتجت تاليا بمظلومية مصطنعة لم تؤثر في مزيونة بتاتاً:
- "طب وأنا مالي يا ماما؟ كل مرة ترمي عليا السبب!"
لم تعرها مزيونة انتباهاً، بل كانت تسحب تالا ومؤيد نحو المنزل لتنظيفهما وإطفاء نيران غضبهما بالمياه الباردة كالعادة، ثم أشارت نحو تلك "الرائقة" ذات الشخصية العجيبة كي تتبعهما، قائلة بنبرة تحمل يقيناً بألاعيبها:
- "وهفضل أقولها طول الوقت عشان عارفاكي سوسة! نفسي بس أطب عليكي غلطة واحدة.. اخلصي ياللا تعالي عشان أشطفك معاهم. وإياكِ تاني مرة تقولي له 'ستّه'، مؤيد ولدي يا بت وأنا أمه.. فاهمة ولا لاه؟"
تبعتها تاليا بتذمر طفولي وهي تضرب الأرض بقدمها بقلة حيلة:
- "كل مرة تقولي أمه أمه.. يعني هو عنده اتنين أمهات وأنا لا؟!"
غلبت مزيونة ضحكتها أمام منطق الصغيرة البريء، فالتفتت إليها تؤكد عليها وهي تتوقع ردها التالي:
- "أيوة.. وإن كان عاجبك عاد!"
لوت تاليا شفاهها بوعيد طفولي:
- "طب والله لأقول لبابا!"
ردت مزيونة بثقة وهي تدفعها لداخل العتبة:
- "قولي.. وريني هيعملي إيه!"
......................................
- "أيوة كدة تمام يا خليفة.. ثبّت عليها بقى، لا تعلي ولا توطي!"
هتفت اعتماد بتلك الكلمات وهي تقف على مقربة منه، تضع يدها في وسطها وتوجه زوجها بعين الخبير. أما خليفة فكان يتصبب عرقاً وهو يربط الحبال المتينة للمرجوحة في جذع شجرة ضخمة من الأشجار العديدة التي تزين حديقة المنزل الكبير.
كان يصنعها بيده وبعناية فائقة، مخصوصاً لتناسب حجم ابنه الصغير-آخر العنقود وأصغر إخوته-الذي كان يقف بجوارهما، يثبّت عينيه اللامعتين على الحبال بلهفة طفولية، منتظراً اللحظة التي يطلق فيها والده سراح المرجوحة ليتطاير بها في الهواء.
التفت خليفة نحو زوجته، ومسح جبهته بظهر يده وهو يبتسم برضا، قائلاً بنبرة يملؤها حنان الأبوة برغم تعبه:
- "أهو يا ستي، ثبّتناها على العيار المظبوط.. لا هتعلي بيه ولا توطي، عشان الواد يمرجح براحته وما يقعش واصل. مبسوط يا بطل؟"
صَفَّقَ الصغير فرحاً، وقفز في مكانه وهو يمد ذراعيه الصغيرتين لوالده، يرجوه بعينين تلمعان بهجة أن يرفعه ويضعه داخلها.
فَوْراً نفذ خليفة رغبته، فانحنى وحمله برفق ليجلسه في قلب المرجوحة، ثم دفعه بيده خفيفاً لتبدأ في التأرجح. انطلقت من حنجرة الصغير ضحكة مقهقهة بمرح طفولي خالص، دغدغت أصداؤها قلوب والديه؛ فهذا الصغير هو ثمرة الحب والرباط المقدس الذي جمع بينهما، والنور الذي أضاء أيامهما.
خرج صوت خليفة جهوراً ومرحاً وهو يخاطب الصغير ويغمز لزوجته:
- "أها يا سيدي.. ولا تقول لي جنى ولا منة، ولا واحدة فيهم أصلاً هتعرف تقعد فيها! المرجيحة دي معمولة مخصوص وماركة باسم إياد باشا!"
ابتسمت اعتماد بامتنانٍ وعاطفة جياشة تملأ صدرها، ونظرت إلى طفلها قائلة بحنان:
- "قول له ربنا يخليك لينا يا بابا وما يحرمناش منك واصل.. مع إن يا أبو إياد آخرها سنتين بالكتير، وبعدها هتبقى صغيرة عليه هو كمان لما يكبر."
التفت إليها خليفة، وارتسمت على وجهه ضحكة مشاكسة وهو يغمز لها بطرف عينه قائلاً:
- "ما هو ده المقصود يا أم إياد! عشان لما تصغر عليه، تنفع أخوه اللي جاي وراه.. ولا إنتي ناسية الأمانة اللي جاية في السكة؟!"
ضحكت اعتماد، ووضعت يدها على بطنها بحركةٍ لا إرادية تنمُّ عن اعتزازها وحبها للجنين الجديد الذي ينبض في أحشائها. رُغم أنه أتى دون تخطيطٍ مسبق، بل وكان غرضها الأساسي هو تأجيل فكرة الحمل حتى يكبر ابنها إياد ويتمتع بالرعاية والاهتمام الكاملين، إلا أن قدر الله سبحانه كان أجمل؛ فقد أتى هذا الغرس الجديد ليقرّ عينيها، فلم تعد تملك الآن إلا الحمد والثناء على نعم ربنا وعظيم كرمه.
استعادت شريط ذكرياتها وهي تتابع تأرجح إياد؛ فبعد أن رضيت بقلبٍ صافٍ بتربية بنات زوجها، واحتضنتهنَّ كأمٍ حقيقية، ها هو الله يكافئها ويرزقها من صُلب زوجها الحبيب؛ فبدل الطفل الواحد رزقها باثنين، وربما أكثر في القادم من الأيام.. فالله وحده هو عالم الغيب، وموزع الأرزاق برحمته
قطع لحظة الصفاء بينهما نداءٌ ساخر بصوتٍ جهوري مألوف لصاحبته، التي وقفت عاقدة ذراعيها عند مدخل الحديقة:
— "سيادة الحليوة والأستاذة الفاضلة مراته.. مش وقت مِحن وحب دلوك، ورانا عزومة يا بوارد!"
ضحك خليفة صامتاً وهزّ رأسه بقلة حيلة، وهو يشخص ببصره نحو شقيقته المشاكسة "منى" الواقفة عند عتبة المنزل بطلتها المعهودة. أما اعتماد، فقد غطت وجهها بكفها من فرط الخجل، والتفتت تهمس لزوجها بنبرة ضاحكة:
— "مفيش فايدة واصل في أختك منى دي.. عاملة زي الردار يا خليفة، ما بتفوتهاش فايتة!"
رد عليها خليفة بنبرة ضاحكة وهو يشير بسبابتها نحو عتبة الباب:
— "لاه.. دي مش لوحديها، دي هي وجوزها اللي واقف هو كمان وراها! ماشي يا منصور.. مش بعيد يكون هو اللي مسلطها عليا أصلاً!"
نظرت اعتماد نحو ما يشير زوجها، لتنتبه بالفعل إلى منصور، زوج منى، الذي كان واقفاً خلفها يحمل طفلهما الجديد بين ذراعيه، ويرسل إليهما نظراتٍ ضاحكة تملؤها التسلية، وقد اتسعت ابتسامته مع توجيه الرد إليه من خليفة الذي صاح بهما:
— "أنا بعمل مرجيحة للواد يا محروسة يا أم ضمير سوّ أنتِ وجوزك.. مش بنعمل حاجة غلط واصل!"
رفع منصور يده الممسكة بطرف الغطاء المحيط بطفله، وهتف برياء طفولي مدافعاً عن نفسه ومؤيداً لزوجته:
— "أها! طب وأنا مالي يا بوي؟ دايماً تدخلوني في أي إشكال يا عم خليفة! أنا مالي ومالكم عاد؟!"
التفتت إليه منى وغمزت له، ثم قالت برأس مرفوع تزيد من غيظ شقيقها:
— "سيبك منه يا أبو العيال.. هو بس تلاقيه مضايق عشان دايماً إحنا كاشفينه وضابطين راداره!"
— "وَه! شوف المرة وعمايلها!"
هتفت بها اعتماد بذهول ضاحك من تحالفهما السريع، ثم التفتت إلى زوجها لتأخذ قرار الانسحاب السريع قبل أن يتطور الموقف:
— "أنا رايحة أشوف الطبيخ اللي ورايا في المطبخ يا خليفة.. قبل أختك دي ما تلم باقي البيت الكبير علينا وتعملها زفة!"
ضحك خليفة في أثرها وهو يراها تلوذ بالفرار، تاركاً إياها تواجه مصيرها المحتوم مع منى التي تلقفتها عند الباب فوراً، لتواصل مشاكسة زوجته المعهودة. كان يعجبه كثيراً خجل اعتماد المفرط وعجزها عن الرد على لسان منى السليط، فهو يرى في هذا الحياء أنوثتها التي خطفت قلبه.
لكنه سرعان ما نفض الضحكة عن وجهه، وحلّت مكانها ملامح القلق الأبوي؛ فالآن لابد أن يطمئن على ابنتيه منة وجنى، فقد تأخرتا كثيراً عن ميعاد رجوعهما المعتاد من منزل والدتهما هالة التي انتقلت للعيش في المدينة منذ فترة، وقد استقرت أمورها تماماً وهدأت عواصف حياتها القديمة مع زوجها الحالي.. ذلك الرجل الصارم القوي الذي استطاع باحتوائه وحزمه أن يروض اندفاعها، ويمنحها الاستقرار الذي طالما بحثت عنه
......................
— "خلاويص؟"
— "لسة!"
— "أجيب البوليس؟"
— "لسة!"
تلك الكلمات البسيطة كانت تخرج بنبرة مرحة من فم ذلك الرجل الصارم الحازم (كمال)، وهو يجلس في صالة منزله، ضاغطاً بكفيه بقوة على عينيه إذعاناً لطلب صغيره الماكر، الذي كان يتخفى منه في تلك اللحظات باحثاً عن ركن سري.
— "خلاويص؟"
— "أجيب البوليس؟"
— "أيوة!"
تمتم الصغير بالكلمة الأخيرة بصوت خفيض ومكتوم للغاية حتى لا ينفضح أمره. في تلك اللحظة، رفع الأب كفيه عن عينيه، ونهض ببطء وهو يتصنع الحيرة والبحث الجاد عن ذلك الثعلب الصغير، ملتفاً حول الأثاث وهو يقول بصوت مسموع:
— "يااااه.. يا رب، الواد ده راح فين بس؟
— "يعني يا ربي أجيب البوليس يدور عليه.. وأنا أصلاً البوليس؟! دي تبقى فضيحة!"
قالها كمال بنبرة مسرحية ضاحكة، فصادفته على الفور ضحكة مرحة مكتومة آتية من أسفل طاولة الطعام الكبيرة. لمح طرف ثوبه الصغير وظله المتخفي، وعرف صاحبه يقيناً، ولكنه استمر في مجاراة اللعبة بخبث الأب. تقدم بخطوات بطيئة وئيدة، حتى وقف أعلى الطاولة تماماً، ثم بدأ يطرق على سطحها الخشبي بأصابعه الطويلة ببطء متصنعاً اليأس:
— "وبعدين في الحيرة دي بس؟ أنت فين يا بني ريح قلبي بقى.. اظهر وبان وخليك جدع!"
مرة أخرى، أتاه الرد بضحكة طفولية رنانة دغدغت قلب الضابط الصارم، فزمّ فمه للحظات متظاهراً بالاستسلام وابتعد خطوة لكي يخدعه، ثم انحنى فجأة كلمح البصر لينقضّ عليه ويخرجه من تحت الطاولة محتضناً إياه:
— "قفشتك!"
وانطلقت ضحكات الصغير البريئة تجلجل في أرجاء الردهة، وتملأ البيت بهجة وحياة، حتى وصلت أصداؤها إلى داخل غرفة الفتيات؛ حيث كانت والدتهما هالة في ذلك الوقت تجلس وتصفف شعر إحداهما بعناية.
عدوى الضحك وصلت إلى الثلاث؛ فعلقت منة—التي كانت والدتها تُنهي تصفيف شعرها—مبديةً انبهارها الشديد بزوج والدتها (كمال)، قائلةً وهي تنظر نحو الباب:
— "والله يا ماما عمو كمال ده عجيب! برة في الشارع الناس بتضرب له تعظيم سلام، وهيبة وضابط شديد.. ولا يمكن حد يصدق منظره دلوك وهو بيجري ويلعب مع ابنه كأنه عيل صغير زيه!"
اكتفت هالة بابتسامة رضا هادئة تزين وجهها، قبل أن تتدخل ابنتها الثانية جنى، والتي كانت قد انتهت من تبديل ملابسها وتمدد رجليها على المقعد بملل، منتظرةً أن تنتهي أختها لتغادرا معاً. فقالت بنبرة تحمل بعض اللؤم والغمز:
— "عادي يا ستي خليه زي أبوكي خليفة، اللي هيتجنن على 'إياد' الصغير وعامل له مرجيحة مخصوص، وكأنه مخلفش بنات قبله واصل!"
تلك الكلمات المسمومة قطعت ضحكة منة فجأة، وحلّ مكانها الصمت والوجوم. أما هالة، فقد تلاشت ابتسامتها تماماً، ونظرت إلى ابنتها جنى بعدم رضا، ووبختها بنبرة حازمة لتوجه تفكيرها نحو الصواب:
— " إيه الكلام العفش ده يا جنا؟ واصل ما حباش أسمع منكم السيرة دي تاني! أبوكم خليفة راجل طيب وعادل، واللي بيعمله مع أخوكم الصغير ده طبيعي جداً.. ولا نسيتي إنه عمل معاكم كدة وأكتر وإنتوا صغار؟ أبوكم كان وما زال أحن من أي حد عليكم، وما يفرقش بينكم أبدًا!"
ولكن جنى لم تتراجع، بل واصلت لؤمها وعنادها الصعيدي وهي ترفع حاجبيها قائلة بنبرة تحمل الكثير من التذاكي:
— "اممم.. طبعاً منكرش إنه كان وما زال مفيش أحن منه علينا، بس برضك ده مينفيش إن حبه لواد اعتماد زيادة شوية.. عشان بيحبها هي كمان!"
أرسلت إليها هالة نظرة يائسة عبر انعكاس وجهها في المرآة، متمنيةً لو أن الصغيرة تصمت، قبل أن تتحفها ابنتها بجملة أخرى أشد وطأة:
— "مش كان الأولى إنه يحبك أنتِ؟ ولا هي اعتماد دي تيجي حتى في نص حلاوتك أصلاً!"
إلى هنا وقد فاض الكيل بنفس هالة، فتركت فرشة الشعر من يدها بعنف، والتفتت إليها بكامل جسدها بحزمٍ شديد قائلة:
— "الحب مفيهوش أحلى ولا أوحش يا عين أمك! الحب نصيب!"
أخذت نَفساً عميقاً لتُهدئ من روعها، وتابعت وعيناها تثبُتان في عيني ابنتها لتغرس فيهما درساً للزمن:
— "كان نصيبنا أنا وأبوكي نتجوز ونقعد مع بعض فترة عشان أنتوا تيجوا على الدنيا، وبعدها نتفرق وكل واحد يشوف نصيبه مع اللي يستاهله ويريحه. بلاش تبقى دي نظرتك الضيقة للدنيا.. هو ربنا ألف قلبه وحب غيري، وأنا ربنا رزقني باللي يحبني وأحبه ويشيلني في عيونه. إياكِ يا جنى أسمع كلامكِ ده تاني واصل في حق اعتماد، لو كنتِ بتحبي أمكِ بجد يا حبيبتي
ـ مَنْ يسمعها الآن لا يمكنه أن يصدق أن تلك السيدة الحكيمة هي نفسها "هالة" القديمة؛ هالة التي كانت ذات يوم تحمل في جوفها شرور العالم كله، ينهش الحقد والكره قلبها لكل المحبين، وتتحرك بنية الانتقام من كل يدٍ تمتد بالخير.
سبحان مغير الأحوال! كيف دارت بها الأيام حتى أصبحت هي نفسها واحدة من هؤلاء المحبين، ووجدت رجلاً انتشلها من مستنقع السواد وجعلها تعيش في ذلك العالم الجميل الدافئ. ورغم طبعه الشديد الحازم، وجنونه وغيرته القاتلة في بعض الأحيان، إلا أنه يعشقها بصدق.. وهذا العشق وحده كان كافياً ووافياً لتتحمل منه أي شيء وكل شيء بوجهٍ باش وقلبٍ راضٍ.
— "فهمتي يا حبيبتي أنا قصدي إيه؟"
أنهت هالة سؤالها وهي تتطلع في عيني ابنتها بنظرة حانية، تنتظر منها إشارة استيعاب تمحو قلقها.
وكان الرد من جنى أن اهتزت رقبتها بحركة خفيفة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة، بالكاد تظهر لتعلن عن اقتناعها العسير بكلام والدتها. فرغم عنادها، إلا أن نبرة أمها الصادقة والحازمة اخترقت حصون غيورتها الطفولية، وجعلتها تؤثر الصمت احتراماً لها.
تنهدت هالة بارتياح، ثم ربتت على كتف منة وجنى قائلة:
— "ربنا يهديكِ يا بنتي ويصلح بالِك.. يلا عاد، مش عاوزين تأخير أكتر من كدة، زمان عمكم كمال برة خلص اللعب مع الواد ومستنينا عشان يوصلكم."
خرجن الثلاثة بعد لحظات قليلة، ليجدن كمال واقفاً في منتصف الردهة، يعيد ضبط هندامه بوقاره المعهود بعد أن أنهى جولة لعبه الشرسة مع صغيره، الذي كان يجلس على الأريكة المجاورة يلهث بابتسامة نصر طفولية.
التفت كمال نحوهن فور خروجهن، وتفحص الساعة في معصمه، ثم قال بنبرته الحازمة التي تحمل في طياتها دفئاً أبوياً:
— "ما شاء الله.. اتأخرنا على ميعادنا ساعتين كاملين! ربنا يستر وخليفة ما يقلبش عليا.. أنا بقول نكمل باقي اليوم هنا، وبكرة إن شاء الله أروحكم.. ها يا بنات إيه رأيكم؟ وإنتوا لابسين ومجهزين كدة، نخرج كلنا نتفسح؟"
اعتلى الحماس وجهي منة وجنى في تعبير صارخ بالموافقة، والتمعت عيونهما بفرحة عارمة، إلا أن الرد جاء مباغتاً بالرفض القاطع من والدتهما التي خرجت خلفهما:
— "المرة الجاية مش المرة دي يا كمال.. مش عايزاهم يتأخروا على دروسهم، وكمان عشان ما يزعلش أبوهم منهم.. ولا إيه يا بنات؟"
وجهت كلامها الأخير نحوهما بنظرة حاسمة تجبرهما على موافقتها رغماً عنهما، ليرتسم الإحباط فوراً ويلون صفحة وجهيهما. تحركت الفتاتان بقلة حيلة نحو الباب للمغادرة، وتابعهما كمال بوقاره المعهود.
غابوا جميعاً للحظات، واعتقدت هالة أنهم قد غادروا البناية بالفعل وانتهى الأمر. تنهدت بارتياح وتوجهت نحو صغيرها كي ترفعه وتهمّ بأخذه للحمام، إلا أنها شعرت فجأة بصفعة قوية ومشاكسة عليها من الخلف!
تجمدت هالة في مكانها، والتفتت برأسها مذهولة نحو ذلك المجنون؛ فهي الأعلم بلمسته وجرأته التي لا تتغير. طالعته فاغرة فاها بصدمة، وازدادت دهشتها حين باغتها بقبلة قوية طبعها على وجنتها، وهو يقول بمرح وهمس لعوب:
— "فهمت البنات برة إني نسيت التليفون وطالع أجيبه.. بس أنا جاي بنفسي أنبهك إني ممكن أتأخر في الشغل النهاردة، ولازم تستنيني صاحية.. ماشي يا جميل؟ سلام بقى!"
وأنهى كلماته بقبلة خطيرة أخرى على وجنتها الثانية، ليركض بعدها مغادراً الشقة وهو يضحك بملء فمه، تاركاً خلفه زوجته تتنفس الصعداء بخدود مشتعلة حمراء، تبتسم بقلب ينبض حباً لذلك الرجل الصارم الذي يتحول معها إلى عاشق مجنون
........................
وفي داخل المحافظة، حيث يقع مقر الشركة الهندسية الصغيرة التي تم تأسيسها منذ سنواتٍ قليلة، كان العمل يسير بدقة كتروس ساعةٍ مضبوطة. يدير الشركة كبير العائلة حمزة القناوي، ويساعده في الإدارة معاذ، إلى جانب زوجته الشابة التي تخرجت حديثاً في هذه السنة، وتخوض الآن فترة تدريبها العملي تحت إمرته المباشرة.
كانت تعمل بهمةٍ ونشاط، تملأ المكتب حيوية، رغبةً منها في إثبات جدارتها. ولكن هذا النشاط لم يكن يعصمها من الوقوع في بعض أخطاء البدايات؛ الأخطاء التي كان زوجها يتلقفها بصدرٍ رحب ولكن بحزم مهني، فلا يتوانى عن توجيهها وتصحيح مسارها أولاً بأول، ليتداخل في مشهدهما وقار "المهندس المعلم" مع حنان "الزوج الداعم".
ولكن هذا الحزم المهني لم يكن يعصمها من التذمر، الذي بدوره كان يفقد الزوج صبره أحياناً؛ لوت شفتيها بضيق وهي تغلق الملف بقوة وهتفت:
- "تاني يا معاذ؟ دي المرة التانية اللي أراجع فيها الدوسيه الهباب ده وإنت تطلع فيه أخطاء برضو! أنا كدة مش هخلص واصل!"
برق الشرار من عيني معاذ، والتفت إليها بنبرة حادة وصوت خفيض حاول كتمانه داخل حدود مكتبهما:
- "عنك ما خلصتي! ما تعصبنيش يا ليلى أنا كمان ورايا هم ما يتلم.. ما تخلينيش أندم إني مطول بالي عليكي!"
فتحت عينيها على وسعهما، ووقفت تضرب بيدها على طرف المكتب وهي تهتف بصدمة ممزوجة بعتاب:
- "مطول بالك؟! يعني أنا بقيت حمل تقيل عليك يا معاذ؟!"
أمام صدمتها التي يراها "مفتعلة"، زفر معاذ بقلة حيلة ودفع بقلم الحبر من يده ليستقر بعنف على سطح المكتب الزجاجي. ناظرها وهو يرفع حاجباً بنفاد صبر شديد، ويعض على شفته السفلية بغيظ يكاد ينطق. هذه الفاتنة التي يذوب فيها عشقاً خارج حدود العمل، والتي يُضرب بها المثل في العقل والذكاء وسط العائلة، حين تمر عليها "لحظة العناد" تلك، تجعله يود لو يخنقها بيديه!
أما هي، فلم تتراجع خطوة للوراء، بل وقفت تبادله النظرات بتحدٍّ وعناد صعيدي أصيل. سادت بينهما "حرب نظرات" صامتة وحامية، كادت أن تشعل الغرفة، لولا أن قطعها صوت هادر من ذلك الذي قدم من مكتبه المجاور ينتقدهم:
ـ - "طول الوقت رط وخناق! نفسي في مرة واحدة أدخل ألاقيكم شغالين بهدوء.. يعني أنا غلطان إني وظفتكم معايا؟ أرفدك يا معاذ إنت ومرتك عشان أستريح منكم إنتوا الجوز؟ ما هو مش معنى أن انا محتاج لكم عشان ده مجالكم يبقى اتحمل بقى بلاويكم
كان هذا صوت حمزة الهادر الذي اقتحم الغرفة، واقفاً عند الباب بوقاره المعهود، عاقداً يديه خلف ظهره وهو ينظر إليهما بقلة حيلة.
أول الرد كان من ليلى، التي انتفضت تهتف بنبرة دفاعية مستنكرة:
- "وَه! طب وأنا مالي يا عم حمزة؟ عملت إيه دلوك كمان؟ إنت سمعت صوتي دلوك؟!"
تهكم معاذ وهو يضرب كفاً بكف، والتفت إليها يرد بسخرية لاذعة:
- "لاه.. سمع صوتي أنا وبس! أصلي كنت واقف في المكتب بكلم نفسي!"
عضت ليلى على شفتها تكبح ابتسامتها بصعوبة حتى لا تضيع هيبة "العناد"، وأشاحت برأسها عنه سريعاً، ملتفتة نحو حمزة الذي علق ساخراً هو الآخر من مناقرتهما التي لا تنتهي:
- "مفيش فايدة واصل.. تتجوزوا، تخلفوا، تبقوا جدود حتى، برضك هتفضلوا على حالكم ده بعقلكم الصغير! المهم.. خلوني في اللي جاي أبلغكم بيه."
لمعت عينا معاذ بالفضول، وتقدم خطوة نحوه يسأله باهتمام:
- "هو إيه اللي جاي تبلغنا بيه؟ خير إن شاء الله؟"
تحدث حمزة من بين أسنانِه بنبرة جادة وحاسمة، يجيب شقيقه وزوجته اللذين يعملان معه في الشركة ويتابعانه بترقب:
— "جايلي ضيف مهم تبع عملية جديدة هندخلها.. واحتمال كبير أطلع معاه بنفسي دلوك عشان أشوف الموقع على الطبيعة."
همّ معاذ أن يفاتحه في الأسئلة ويستفسر عن تفاصيل تلك الصفقة الجديدة، لكن سبقه رنين هاتف حمزة القوي. التقط حمزة الهاتف واستقبل الاتصال دون تردد فور رؤيته لاسم المتصل، لتتحول ملامحه الصارمة فجأة إلى فيضٍ من الحنان، واستدار يتحرك عائداً إلى مكتبه الخاص دون أن يكمل لهما باقي التفاصيل، واضعاً الهاتف على أذنه وهو يقول بنبرة دافئة هزت أركان وقاره:
— "ألوو.. يا قلب بابا! وعين بابا من جوة.. وحشتيني يا بت عاد!"
أشرق وجه حمزة وانارت ملامحه وهو يستمع إلى نبرة الدلال الفياضة في كل كلمة تلقيها صغيرته، التي ما إن تأتيها الفرصة بخطف الهاتف في غفلة من الجميع وتنفرد به، حتى تبدأ سيل اتصالاتها الذي لا ينتهي هي وشقيقتها الأخرى. ورغم انشغاله الدائم وضغوط العمل التي تثقل كاهله، إلا أنه لا ينزعج أبداً من رنينهن، حتى وإن قاطعنه في وسط أهم اجتماعاته؛ فصوتهما العذب هو ملاذه الآمن وهدنة قلبه من وعثاء الدنيا.
في تلك اللحظات، كانت الصغيرة تصبّ شكواها الطفولية بحماس ضد والدتها، وحمزة يستمع إليها بابتسامة واسعة وصدر رحب يتسع للكون كله، متمتماً بعبارات التدليل والوعيد المازح لأمها. حتى إذا ما التقطت الصغيرة أنفاسها وتوقفت عن الكلام، طلب منها بحنو:
— "طب هاتي يا قلب بابا، اديني مامتكِ خليني اشوفها على الحكاية دي."
امتثلت الصغيرة وناولت الهاتف لوالدتها (مزيونة)، التي سرعان ما وضعت السماعة على أذنها وهي تجاري لعبة ابنتها المشاكسة، ورغم عتبها الخفيف من تدليله الزائد لهن، إلا أن نبرتها كانت تفيض بالحب والاشتياق وهي تقول
— "ألو يا حمزة.. ؟ أكيد الست تاليا مقصرتش عاد، وأكيد جابت اللوم كله عليا إني ظلماها وهي بريئة يا عيني!"
قالتها مزيونة بنبرة متهكمة حانقة، فجاءها رده ببساطة بردت نارها وزادت من حنقتها:
— "ده أكيد طبعاً."
لوت شفتيها بضيق ووجهت له اللوم على الفور:
— "أكيد يا حمزة؟ وأنت صدقتها عاد! بنتك دي..."
قاطعها حمزة بضحكة خافتة محذراً:
— "بس بس.. كفاية متكمليش، عشان مايوصلهاش الكلام وتزعل منكِ، وتدخلوا في حرب تانية أنا مش قدها."
انتبهت مزيونة بالفعل، فالتفتت بطرف عينيها لتجد الصغيرة تاليا واقفة عند عتبة الباب، تتابع المكالمة بترقب شديد وعينين صقريتين، مما جعل الأم تعتدل في جلستها وتعود إلى الهاتف بنبرة أهدأ وأكثر خفوتاً:
— "طب أعمل إيه أنا دلوك؟ بصراحة متغاظة، ولسة دمي حامي بعد عركة العيال.. أنا هديتهم بالعافية وراضيتهم، لكن دي..."
توقفت للحظة، ثم همست بصوت بالكاد يصل إلى مسامعه:
— "أعمل معاها إيه بس يا حمزة؟ البت دي هتطير برج من دماغي!"
ضحك حمزة بملء فيه ليهدئ من روع زوجته قائلاً بحكمة الأب الفخور:
— "يا ستي ولا تعملي أي حاجة.. تاليا مخها ذكي وواعية، لا هي مندفعة وعصبية زي 'مؤيد'، ولا عاطفية وهبلة زي 'تالا'.. أنا بصراحة عجباني دماغها الساكتة دي رغم أنها بلوة مسيحة وفاهمها كويس. سيبكِ أنتِ من شغل العيال ده عاد.. ممكن أعرف عاملة إيه النهاردة؟ ولا الأحسن من الوكل.. أنتِ لابسة إيه دلوك؟"
استطاع بنبرته اللعوبة وخفة ظله المعهودة أن يزرع البسمة فوراً على محياها، فتبدد ضيقها لتجيبه بمشاكسة صعيدية مرتدة:
— "بخصوص الوكل.. فإحنا معزومين كلنا ع الغدا في البيت الكبير يا جميل،.. أما بخصوص اللبس، فاخليك في شغلك وموقعك أحسن يا مراهق أنت!"
ضرب حمزة جبهته بكفه بتذكر وهتف بصدمة:
— "آه صحيح! أنا كنت ناسي واصل عزومة البيت الكبير دي.. الشغل لحس دماغي! بس برضك تخرجيش من الموضوع.. عايز أعرف أنتِ لابسة إيه دلوك؟ ع الجسم اللي بقى كيرفي ده، أكيد لابسة البيجاما وهتاكل منكِ حتة!"
— "وَه! شوف الراجل وعمايله!"
تمتمت مزيونة بالكلمات وعيناها تلمعان ببريق السعادة، وانطلقت في ضحك متواصل، تتبادل معه المزاح بجرأة ولطف بعد أن تأكدت من انصراف ابنتها وتواريها عن الأنظار.
وفي تلك الأثناء خارج الغرفة، وتحديداً في ردهة الشركة الاستقبالية، دلف ذلك الضيف الغريب. وقف بطوله المهيب وبنيته القوية التي تفرض احترامها في المكان، ورغم تواضع الحُلّة التي كان يرتديها دون تكلف أو مبالغة، إلا أن وسامته اللافتة وجديته الصارمة جعلتا الاثنين ينتبهان له فوراً؛ معاذ وزوجته اللذان قطعا حديثهما والتفتا إليه بفضول.
تقدم الرجل بخطوات ثابتة ونبرة صوت رخيمة، ليعرّف عن نفسه بوقار:
— "السلام عليكم.. أنا يوسف إبراهيم القاضي، وليا ميعاد سابق مع رئيس الشركة، الأستاذ حمزة القناوي."
تفتكروا مين ده؟
خمنوا
