رواية قلبي تحت حراستك الفصل الثاني 2 بقلم هاجر عبدالحليم

 

رواية قلبي تحت حراستك الفصل الثاني بقلم هاجر عبدالحليم


كانت هاجر تقف أمام المرآة داخل مكتبها في الشركة، تُعدّل خصلات شعرها بعصبية مكبوتة، بينما عيناها لا تزالان تحملان أثر الصدمة مما حدث في العرض قبل ساعات.
لم يكن المشهد عاديًا.
رجل يقتحم صالة عرض مغلقة، يتجاوز الحراسة دون أن يعترضه أحد، يقف بثبات وسط الكاميرات، ثم يخرج بالفنانة بين ذراعيه وكأنه بطل فيلم سينمائي.
استدارت فجأة نحو أميرة التي كانت تقف مترددة قرب الباب.
هاجر:
– "وبعدين؟"
تنهدت أميرة واقتربت خطوة.
أميرة:
– "دخل معاها عادي جدًا… والحرس بتوع الشركة نفسهم وسّعوله الطريق."
ضيّقت هاجر عينيها بعدم تصديق.
هاجر:
– "يعني إيه حرس يدخل صالة عرض؟! دي قوانين شركة… مش شارع!"
هزّت أميرة رأسها بخفوت.
أميرة:
– "دا مش مجرد حرس عادي يا مدام هاجر…"
رفعت هاجر حاجبها بسخرية.
هاجر:
– "أمال إيه؟ بطل خارق؟"
اقتربت أميرة أكثر، وخفّضت صوتها كأنها تنقل سرًا خطيرًا.
أميرة:
– "دا مقدم في مباحث أمن الدولة."
سقطت الكلمات في الغرفة كقنبلة صامتة.
تجمّدت هاجر لثوانٍ، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيها.
هاجر:
– "مباحث أمن الدولة؟ وماله بقى بموديل أزياء؟"
أميرة:
– "يمكن استلطاف… يمكن هي متعرفش إنه ظابط من الأساس… وجايز قوي يكون بيستخدمها لغرض مهني."
سارت هاجر ببطء نحو النافذة، تنظر إلى ساحة الشركة بعينين تشتعلان، لكن ليس غيرة امرأة من رجل.
بل غيرة امرأة من نفوذ.
من حماية.
من اهتمام لم يُمنح لها يومًا رغم أنها الأحق بالواجهة… على حد اعتقادها.
تحدثت بهدوء مخيف:
هاجر:
– "صوفيا دايمًا بتحب تبهر الناس… بس قلبي بيقولي إن اللي عمله دا كله مش عشانها هي… عشان يكسب ثقتها. أما نيته الحقيقية… مقدرش أجزم بيها دلوقت. هو مبهم."
صمتت لحظة، ثم التفتت بعينين أكثر حدة.
هاجر:
– "مفيش حد يدخل عالمي ويخطف الضوء مني. أنا الوجه الجديد اللي المفروض ياخدوه على أوروبا. ولو الحارس قدر يحمي فضيحتها النهارده… مش هيقدر بكرة."
ابتلعت أميرة ريقها.
أميرة:
– "تحبي أجيبلك معلومات أكتر عنه؟"
استدارت هاجر ببطء، وعيناها تلمعان بخطة بدأت تتشكل.
هاجر:
– "هاتِ كل حاجة… ماضيه… ملفاته… علاقاته… حتى نقطة ضعفه لو ليه واحدة. عايزة أعرف بيفكر إزاي… وبيخاف من إيه."
اقتربت خطوة، وهمست بنبرة ملؤها التحدي:
– "ولو هو فعلًا أمن دولة… يبقى إحنا قدام ساحة تستاهل ننزلها. واللعب مع ناس زيه… محتاج ذكاء مش قوة."
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، واثقة.
– "والذكاء… أنا بعرف أستخدمه كويس."
...
أشرقت شمس الصباح على قصر صوفيا، لكن الدفء الذي ملأ الحديقة لم يلامس قلبها.
خرجت بخطوات سريعة، وجهها جامد، وعيناها تحملان غضبًا لم تحاول حتى إخفاءه. كانت ترتدي نظارتها الشمسية رغم أن الظل يغطي الممر، وكأنها تختبئ خلفها من شيء أكبر من الضوء… أو من انكسار لا تريد لأحد أن يراه.
وقف آسر بجوار السيارة، مستقيم القامة كعادته، يراقب تحركاتها بهدوء حذر.
تقدّم ليفتح لها الباب الخلفي.
لكنها دفعته بيدها بعنف.
صوفيا بحدّة:
– "اوعى."
تجمّد للحظة، ثم أنزل يده دون تعليق.
فتحت الباب الأمامي بنفسها وجلست إلى جواره، لا خلفه كما اعتادت. أغلقت الباب بقوة ارتد صداها في الفناء.
نظر إليها جانبًا.
ملامح مشدودة.
أنفاس سريعة.
وصمت أعلى من أي صراخ.
أدار المحرك دون كلمة.
تحركت السيارة ببطء خارج القصر، والصمت بينهما ثقيل كغمامة قبل عاصفة.
لم تحتمل.
صوفيا وهي تنظر أمامها:
– "هتندم… ندم عمرك كله… على جرأة لسانك إنه يرفضني."
صوته خرج ثابتًا، بلا ارتباك.
– "مفتكرش."
التفتت إليه بعينين مشتعلة.
صوفيا:
– "إنت فارض عليا وجودك ليه؟ أنا هكلم يامن يشوفله تصرف معاك. إنت إنسان مش طبيعي أبدًا."
قبض على المقود قليلًا، لكن نبرته لم تهتز.
آسر:
– "أنا رديت باحترام وراعيت مكانتك كإنسانة ليها مشاعر قبل أي حاجة. بس هجومك ده غير عقلاني… ولو يدل على حاجة، فيدل إنك بتمشي ورا إحساسك وبتلغّي عقلك."
ضحكت بسخرية مريرة.
صوفيا:
– "آه… باحترام قوي. غير مؤهل للجواز الفترة دي… صح؟"
لم ينظر إليها، ظل مركزًا على الطريق.
– "أنا مش برفضك إنتِ."
قاطعته سريعًا، بصوت مكسور رغم حدّته:
– "أمال بترفض إيه؟ اسمي؟ وضعي؟ ولا فكرة إن واحدة زيي تبقى مراتك؟ غيرك بيعشقوا التراب اللي بمشي عليه ويتمنوا أبصلهم بس… وأنا طلبت منك إيه؟ طلبت تملكني فاهم اصلا معني الجملة دي اي؟"
شدّ نفسًا عميقًا، كأنه يقاتل نفسه قبل أن يرد.
– "برفض إني أربط حد بيا وأنا حياتي مش مستقرة. شغلي خطر. قراراتي مش دايمًا بإيدي. والجواز مسؤولية… مش اندفاع لحظة وخلاص."
التفتت إليه أخيرًا.
وفي عينيها… ظهر الجرح.
صوفيا بصوت منخفض لكن حاد:
– "أنا فرصة… لو ضيعتها عمرها ما هتجيلك تاني."
سكت.
كان يعرف.
وكانت تلك هي المشكلة.
آسر بهدوء مؤلم:
– "وانتي تستاهلي حد يقدر يديكي أمان كامل… مش نص أمان."
ابتسمت بمرارة.
– "أمان؟ إنت أصلاً وجودك كله تهديد."
توقفت السيارة عند إشارة المرور.
التقت عيناهما.
في عينيها غضب… وشيء يشبه الخذلان.
وفي عينيه رغبة مكبوتة… ورجل يجبر نفسه على التراجع خطوة وهو يريد التقدم ألفًا.
قال بصوت أخفض، صادق لأول مرة:
– "كان نفسي… يكون في بينا حاجة. ندي لبعض فرصة."
رفعت حاجبها بتحدٍ.
– "بس مش بإيدك… صح؟"
عاد ينظر للطريق.
– "مش دلوقت."
سكتت.
لكن الغلّ بداخلها لم يهدأ.
همست أخيرًا، وهي تعيد نظارتها إلى عينيها كأنها تعيد درعها:
– "جهّز نفسك بقى… للمعاملة الجديدة. دي هتبقى الأساس في كل خطوة بيني وبينك من هنا ورايح."
....
كانت السيارة تسير بثبات… في الطريق المعتاد المؤدي إلى الشركة.
نفس الإشارات.
نفس المنعطفات.
وصوفيا تراقب الطريق بعينين ضيقتين.
صوفيا بحدة:
– "اعمل حسابك مش هنروح الشركة النهارده."
لم يلتفت.
آسر:
– "أومال؟"
– "في حفلة هتبدأ كمان ساعة… ولازم أحضرها أول واحدة."
ظل صامتًا للحظة، ثم قال:
– "حفلة وبالنهار؟ غريبة دي."
– "باهر الحناوي دايمًا كدا… محدش يتوقعه أبدًا."
لم يعلّق.
مرت ثوانٍ… ثم لاحظت الاتجاه.
اللافتة التي تشير إلى مقر الشركة ظهرت أمامهم.
اتسعت عيناها.
صوفيا:
– "إنت رايح فين؟"
– "الشركة."
استدارت نحوه بغضب واضح.
– "أنا قولتلك عندي حفلة!"
– "سمعت."
– "طب ليه مكمل؟"
تنهد بهدوء.
– "عشان مقولتيليش من بدري."
ابتسمت بسخرية مستفزة.
– "ليه الاستغراب؟ أديّني قولتلك. وبعدين مش مهم أوي تكون عارف تحركاتي غير لما أنا أحس إنه مهم. غير كدا مش مطالب تسأل."
سكت لحظة… لكنه لم يغير الاتجاه.
– "واعرف كمان إنك هتكون عند البوابة. ولو رفضت صدقني مش هخضع ليك وهعمل مشكلة مش هتعرف تلمها، وهيبتك وسط الحرس بتوعك دول هتروح."
أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق.
التفت إليها ببطء.
آسر بهدوء ثقيل:
– "لما نروح… نحلّها حلال يا مدام."
– "بطل برود واتكلم معايا زي البني آدمين غير الاتجاه حالا"
نظره ثبت في عينيها.
– "وحضرتك بتحبي تكرار الكلام؟ أنا قولتلك اتجاهي معاكي في الشغل، وإنتِ بتغيريه… ودا مش هسمح بيه."
صمتت لحظة.
أكمل بصرامة واضحة:
– "عند حضرتك اختيارين.
يا إما تروحي الحفلة…
يا إما الشركة ها."
نظرت أمامها بذهول.
– "إنت مجنون ولا إيه؟ إحنا خلاص على وشك الوصول وبقولك الحفلة هو انت شارب يبني؟!"
عاد بنبرة أبرد:
– "خلاص هدخل معاكي واسحبي كلامك اللي قولتيه وف اقل من ساعة هتكوني قدام القاعة.
– "إنت بتستهبل؟"
اقترب بنظره قليلًا، وصوته انخفض درجة لكنه صار أخطر:
– "مداااام."
تغيرت نبرتها فورًا.
– "في إيه بس؟ مالك؟"
– "نرجع الشركة… ولا تروحي الحفلة؟"
ترددت لحظة… ثم قالت بسرعة:
– "لا لا… أروح."
ظل ينظر إليها ثانيتين إضافيتين، يتأكد من القرار.
ثم أدار المقود ببطء… وغيّر الاتجاه أخيرا
زفرت بضيق، ومالت برأسها للخلف تتمتم:
– "ربنا على الظالم.
..."
دخلت صوفيا الحفلة، وفجأة سمع صوت باهر وهو يقول بحنين:
– "مدام صوفيا… واحشاني موت."
اقترب منها بخطوة، ومد يده ليحضنها.
لكن آسر لم يتردد، وضع يده ليمسكه ويمنعه:
– "إي… دوس بنزين يا باشا، مش كده؟"
صوفيا بنبرة هادئة لكنها قلقة:
– "في إيه يا آسر؟ محصلش حاجة؟"
آسر رفع رأسه بثبات:
– "لا… حصل ميقربش منك."
صوفيا سكتت للحظة، ثم باهر ينظر إليها مبتسمًا:
– "الحفلة ملهاش طعم من غيرك."
صوفيا بابتسامة خفيفة:
– "ميرسي."
ثم استدار باهر ليسأل:
– "مين البيه؟"
آسر أجاب بهدوء:
– "الحارس الشخصي لمدام صوفيا."
باهر بابتسامة ودية:
– "تشرفنا… يلا يا مدام."
حاول باهر يمسك يد صوفيا، لكن آسر لاحظه فورًا:
– "مش قولنا… ايدك؟"
باهر يبتسم بسخرية:
– "دا مش من مجال شغلك."
نظر آسر إلى صوفيا باحترام، ثم أزاح نظره عن باهر، وهي مشيت أمامه بثقة، وهو يتبعها بحذر.
صوفيا بنبرة حازمة:
– "آسر هيدخل معايا… ياباهر… بعد إذنك طبعًا."
باهر بابتسامة ودية:
– "يشرف… أكيد."
...
أضاءت أضواء القاعة الكبيرة بشكل صارخ، ولكن صوفيا لم تشعر بالسطوع. كانت عينيها تبحثان عن مساحة آمنة بين الحشود، حتى لمحها باهر بابتسامة هادئة. اقترب منها بخطوات محسوبة، ثم قال بصوت مليء بالود والجدية:
– "صوفيا… أحب أعرفك بيزن بيه."
رفعت صوفيا حاجبها، نظرت إليه بنبرة سريعة:
– "طبعا أعرفه."
ابتسم باهر ومال قليلًا نحوها:
– "هو اللي لو وافقتي على العرض اللي قولتلك عليه، هيبدأ ينجحك بمجرد ما اسمك ينزل على الساحة في أوروبا. ليه طريقته."
همست صوفيا وهي تفكر للحظة:
– "فكرت يا باهر بيه… وموافقة."
نظر إليها يزن بيه بعينين تحدقان، وصوت هادئ لكنه واثق:
– "ذكية كفايا عشان تعرفي مصلحتك فين… مبروك مقدما. تسمحيلي بالرقصة دي؟"
ابتسمت صوفيا بخفة، لكن جسدها أبدى توترًا:
– "أه… طبعا."
لحظة قصيرة، قبض آسر على الكرسي بخفة، وكانت صوفيا تشعر بالخوف للحظة. تراجعت خطوة صغيرة وقالت بصوت متردد:
– "معلش… أصلي تعبانة… خليها وقت تاني."
ابتسم يزن بدهشة، وتدخل بخفة:
– "لو رقصتي معايا هتنسي نفسك مش بس تعبك."
تنهدت صوفيا، وحاولت تلطيف الجو:
– "تتعوض."
هز يزن رأسه بجدية:
– "بس… أنا مصمم."
صوفيا أغلقت عينيها للحظة:
– "صدقني… مش هينفع."
ارتجفت ملامحه للحظة، وتساءل:
– "ليه بس… ينفع تزعليني منك؟"
نظر باهر إليها بنبرة حازمة:
– "جرا أي يا صوفيا… هو يزن باشا ينفع يتقاله لا؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ونفخت الهواء من أنفها برفق:
– "أه… عادي."
وبصت ليفهم يزن، ثم قالت بلا مبالاة:
– "لا."
تقدمت نحو باب القاعة، وآسر مشى خلفها بثبات، وكأن المسافة بينهما هي حصن صغير يحميها من أي شيء، حتى من مصادفة رقص قد تغيّر مجرى المساء.
....
صوفيا نظرت إليه بعينين حادتين، وكأنها تتحداه:
– "اعمل حسابك… دا آخر يوم ليك ف الشغل معايا."
آسر لم يستطع كتم غضبه، صوته خرج حاداً ومتوتراً:
– "كل دا عشان رفضت ترقصي معاه؟"
– "لا… عشان بتحشر نفسك ف حياتي بدون وجه حق."
آسر قبض على المقود بقوة، الغيرة والتملّك يشتعلان داخله:
– "الإنسان دا هيأذيكي ياصوفيا…"
صوفيا لم تنظر له إلا قليلاً، بصوت ثابت:
– "اسمي مدام صوفيا… بلاش تتعدى حدودك معايا."
آسر زفر بحدة، كل أعصابه مشدودة:
– "مش محتاجة تقولي… بس العشم خدني."
صوفيا ضحكت بسخرية، تحديها واضح:
– "مش ف محله ع فكرة."
آسر التفت نحوها، عينيه مشتعلة:
– "انتِ ليه بتعاندي؟"
– "مش أنا… بتكلم ف الصح."
آسر شد على المقود أكثر، صوته منخفض لكنه مليء بالقوة:
– "اه… والصح عندك غير عند بقيت الناس ولا اي؟"
– "تقصد اي؟"
– "هو اي علاقتك ب باهر؟"
صوفيا ردت بسرعة، وكأنها تحمي مساحتها:
– "شغل."
آسر قلبه انقبض… مشاعر الغيرة والتملّك خنقته:
– "ايوة… من اي نوع؟"
– "ياربي بقا!" قالت وهي تحاول تجاهل التوتر.
آسر كان على وشك أن يصرخ، لكن فجأة، لمحت صوفيا حركة غير طبيعية على الطريق… سيارة تقترب بسرعة. قبل أن تفعل أي حركة، أصيب كتفه برصاصة، الألم اخترق جسده، لكنه لم يسمح بالخوف أن يسيطر.
عيناه سقطت على صوفيا، وكانت وجنتاها شاحبتين من الصدمة،.
...
جلست صوفيا على حافة الكرسي، قلبها ما زال يخفق بسرعة، وهي تلمس كتف آسر بلطف، تحرك القطن على الجرح بهدوء:
– "براحة… ع مهلك، لو تعبان بات ف الاستراحة."
آسر رفع عينه إليها، ابتسامة صغيرة تكاد لا تصل إلى عينيه:
– "تعبتي نفسك…"
صوفيا هزّت رأسها:
– "أنا… كل اللي عملته… غيرتلك ع الجرح."
نظر إليها بعمق، وكأن كلماته ثقيلة على قلبه:
– "قلبك كبير أوي."
ابتسمت بخجل:
– "ميرسي…"
آسر ضحك بخفة، ثم اهتزت شفتيه بابتسامة مستترة:
– "لا… صوفيا… مش معقول… تتكسفي كده."
ضحكت وهي تخفض رأسها:
– "بس بقا… الله."
ابتسم ببطء، وعيناه لا تفارقانها:
– "أحلى ضحكة دي ولا إيه؟"
صوفيا رفعت حاجبها، نصف مستاءة، نصف مستمتعة:
– "انت بجد… بتهزر؟"
– "وليه لأ؟" قالها بصوت منخفض، تكاد كلماتها تمس قلبها: "اللي جرا لعب عيال… ولا يشغلني."
تراجعت خطوة إلى الوراء، قلبها يرفرف:
– "كنت هتموت يا آسر…"
هز رأسه بثبات، صوته حاد ولكنه هادئ:
– "لا… اللي ضرب… كان بيهوش بس."
صوفيا اتسعت عيناها:
– "وانت… عرفت منين؟"
ابتسم بابتسامة نصف مخيفة، نصف حامية:
– "عشان نيته معروفة من حركات رجالته… يا مدام صوفيا… عرفتي ليه قولتلك ابعدي عن باهر؟… عشان هو اللي حاول يبعدني عنك."
صوفيا سكتت للحظة، تحاول استيعاب المعلومة:
– "باهر… طب ليه؟"
– "عشان يعرف… بيستفرض بيكي…" قالها آسر، وعيناه تتحركان في اتجاهها دون أن يلمسها، لكنه يملكها بنظرة واحدة، نظرة تقول أكثر مما تستطيع الكلمات أن تقول
.....
دخل آسر الجناح، والخادمة تلتفت نحوه بابتسامة خفيفة:
– "آسر باشا… الحمد لله على السلامة."
رفع رأسه، صوته منخفض لكنه ثابت:
– "المدام فوق؟"
أومأت الخادمة برأسها:
– "أيوة، يا باشا… اتفضل."
خطا آسر بخطوات هادئة نحو كرسي متحرك في زاوية الغرفة. هناك، جلست امرأة… ليست مجرد امرأة عادية، بل زوجته، حبيبته، ورفيقة حياته التي جمعته بها ظروف لم يكن يعرف أنها ستتغير بهذه الطريقة.
رفعت عيناها نحوه بابتسامة دافئة:
– "حبيبي… انت جيت… وحشتني."
اقترب منها آسر، وضع يده على وجهها برفق، قبل رأسها بخفة، ثم حملها إلى السرير، وجلس بجانبها. استلقى جسده فوق السرير قليلاً، مستسلمًا لشعور الاشتياق والحنين:
– "محتاجك… اوي." همس بصوتٍ يحمل مزيجًا من القوة والضعف في آن واحد.
ابتسمت، ولمست وجهه بحنان، كما لو أنها تحاول أن تملأ كل الفراغات التي تركتها الغياب:
..
كانت صوفيا نائمة في غرفتها، يستريح الليل حولها، وفجأة شعرت بحركة غريبة عند شباك الغرفة. ارتجف قلبها، وقامت من السرير وهي متوترة ومفزوعة، تقترب بحذر شديد من مصدر الصوت.
اقتربت ببطء، ففتحت الشباك بحذر، وما إن فتحت حتى وجدت شخصًا مقنعًا واقفًا أمامها، يمسك كتفها بإحكام، ووضع يده الأخرى على بطنها.
صوت الرجل كان هادئًا لكنه حمل تهديدًا خفيًا:
– "يزن باشا… بيسلم عليكي.وببقولك… أنا أقدر أوصلك حتي لو كنتي في بطن الحوت. فاهمة؟ والجارد اللي معاكي… مش هيقدر يعمللك حاجة."
حاولت صوفيا الصراخ أو الهروب، لكن قبل أن تتحرك، رَشَّ الرجل مخدرًا في وجهها. شعرت بالدوار يغشيها، وأغمي عليها قبل أن تهرب منه الظلال، تاركًا إياها في ظلام مفزع.
....
جلست صوفيا في غرفة المعيشة، غارقة في أفكارها، عندما اقترب آسر فجأة. نظرت إليه بتركيز، عيناها تتفحصانه بحذر:
– "كنت فين؟"
آسر تنهد بخفة وأجاب بهدوء:
– "ف البيت… هكون فين تاني؟"
صوفيا رفعت حاجبها، نبرة صوتها صارمة:
– "جاوب من غير لماضة."
آسر أكمل، مصمّمًا على الصراحة:
– "حاضر يا مدام… كان عندي ظرف مهم في البيت وكان لازم أكون هناك."
صوفيا نظرت إليه ببرود، ثم أضافت بنبرة مختلطة بين الطلب والقلق:
– "وبعد كدا بات في الاستراحة… يا آسر، لو سمحت، بلاش تبعد عن القصر ولو ساعة واحدة."
آسر حرك رأسه ببطء، صوته منخفض لكنه حاد:
– "حد ضايقك؟"
صوفيا شعرت بتوتر خفيف، حاولت التظاهر بالهدوء:
– "لا… وجودك بيطمني… مش أكتر."
آسر اقترب خطوة، عيناه لا تفارقانها، صوته مشكك:
– "مش مصدقك يا مدام."
صوفيا ابتسمت بخفة، نصف مستهترة ونصف قلقة:
– "هكدب ليه بس؟"
اقترب آسر أكثر، وأشار بيده نحو كتفها، ملاحظًا شيئًا غريبًا:
– "مين اللي اتعرضلك امبارح بالليل، يا مدام صوفيا؟"
...
وقفت صوفيا أمام مقر شركة يزن، وقلبها يخفق بسرعة، وآسر واقف جنبها كظل يحميها.
صوفيا رفعت عينيها إليه، بصوت مرتجف قليلًا:
– "أنا خايفة…"
آسر نظر إليها بثبات، صوته مليء بالثقة والصرامة:
– "ليه؟ م هو موجود جوه الشركة… ومستنيكي ع نار. فرصة تخشي وتتكلمي معاه…."
صوفيا هزّت رأسها، محاولة كتم خوفها:
– "مش جاية معايا… سكة خالص توقعاتك دي."
آسر اقترب خطوة، عينه لا تفارقها، صوته صار أكثر جدية:
– "لا… صدقي… هو عارف ب الحركة اللي عملها معاكي. هيخوفك ، ويخليكي تحت رجليه طوعًا… ده بس عشان يرحمك من اللي ممكن يعمله فيكي."
صوفيا شعرت بالقشعريرة، لكنها التفتت إليه، تبحث في عينيه عن وعد بالأمان:
– "وانت هتسيبه ياذيني؟"
آسر قبض على كتفها برفق، نظر إليها بعينين مشتعلتين بالحزم والوفاء، وصوته صار أهدأ لكن أقوى:
– "أفديكي بروحي… يامدام
....
جلست صوفيا في مكتب يزن، حاملة نفسها بثقة، وضعت رجلًا فوق الأخرى، وعيناها تتفحصانه بحدة:
– "متوقعتش إنك بتحب تلوي الدراع كده… دا شغل مش نضيف أبدًا، ومش دا اللي كنت بسمعه عنك"
يزن ابتسم ابتسامة ساخرة، وأخذ نفسًا عميقًا من سيجارته قبل أن يجيب:
– "دا رد بسيط مني… ومكنش مخصوص ليكي. دا كان تحدي بيني وبين الجارد بتاعك… اللي فاكر نفسه سد ضد أي مخلوق. قوته يمكن تنفع مع الكل… بس لما تيجي عندي حتما لازم تقف."
صوفيا ضحكت بسخرية، نبرة تحدٍ واضحة في صوتها:
– "ودا يستدعي تجيب حد أوضة نومي؟"
يزن أدار سيجارته بين أصابعه، ونظراته ثابتة:
– "بس وشرفي محلفه… ميجيش جبنك، ولا يسببلك خدش. ولو اتعورتي، قولي… ول اجلك م اخليه نافع… كل حاجة هتكون لعيونك، يامدام صوفيا."
صوفيا رفعت حاجبها، بصوت هادئ لكن حاد:
– "طلباتك إيه؟"
يزن مد يده ليخرج بطاقة صغيرة من جيبه، يضعها أمامها على المكتب:
– "مليش طلبات… بس ممكن تيجي على العنوان دا."
صوفيا نظرت إلى البطاقة، ثم رفعت عينيها:
– "مين هيكون موجود؟"
يزن ابتسم ابتسامة نصف خبيثة، نصف مغرية:
– "لما تيجي هعرفك… التفاصيل مفاجأة."
صوفيا ضحكت بخفّة، محاولة كبت توترها:
– "ولو مجتش؟"
يزن اقترب قليلًا، صوته منخفض لكنه مليء بالسلطة:
– "مش عايز أجاوبك… لأني مش بحب أخوفك باللي أقدر أعمله وأنا قاعد مكاني هنا. ولو حطيتك في دماغي، مش بس هقعدك في البيت من غير شغل… لا، هعجزك اللي باقي من عمرك. لكن لو بقيتي هادية وودّية… هعملك عقد ثانوي، امتيازاته مش هتخطر ع بالك ابدا"
صوفيا نظرت إليه بعينين تحديتين، قلبها يرفرف بين الفضول والخوف، لكنها قالت بثقة:
– "يبقى على مين القرار… أنا ولا إنت؟"
يزن ابتسم ابتسامة كاملة، تكاد تكسر كل حواجز الصمت:
– "القرار… كله ليكي، يامدام. بس افتكري، الفرص الكبيرة مش بتيجي مرتين."
....
دخلت صوفيا السيارة وهي تنهَج، تنفسها سريع، وعيونها تتفحص المكان قبل أن تقع على آسر الذي كان يجلس في المقعد بجانبها، ينتظر منها كلمة أو قرار.
نظرت إليه بعنف، وكأنها تحذر نفسها أولًا قبل أن تتحذره، ثم عاد ذهنها إلى الوراء في فلاش باك سريع:
كانت صوفيا في مكتب يزن، الجلسة الرسمية تحولت بسرعة إلى اختبار للذكاء والمقدرة. بينما كان يزن مشغولًا بالكلام، استطاعت صوفيا أن تحطّ له جهاز تصنت صغير تحت المكتب، بعيد عن أي عيون، كأنها تزرع خطوة حذرة داخل مملكته، خطوة قد تنقذها أو تفتك بها
..
في القصر، كانت صوفيا تتفقد بعض الأوراق، حين اقترب آسر بثبات:
– "امتى الميعاد؟"
نظرت إليه بعينين حادتين:
– "بكرة بالليل."
آسر أومأ برضا:
– "كويس."
صوفيا ابتسمت قليلًا، تحاول تخفيف التوتر:
– "طب شاركني أفكارك… يمكن أقدر أساعدك."
آسر نظر إليها بجدية:
– "أنتِ بالفعل ساعدتيني يا مدام."
فجأة رن تليفونها، وظهرت على الشاشة اسم باهر. رفعت السماعة:
– "الو."
صوت باهر ملؤه الحماسة والنصيحة:
– "الميعاد بقى دلوقتي… مش بكرة. ياريت تلبسي فستان سهرة يليق بالشغل، ونصيحتي… متجيش بطقم الحرس، لأنك كدا هتعادي يزن، وهتغمضي عينك وتفتحيها مش هتلاقي حد منهم… وأولهم آسر بتاعك."
صوفيا شدّت على السماعة بغضب:
– "آسر بتاعي اي اللي بتتكلم عليه؟!"
ابتسم باهر بخفة:
– "سلام يا نجمة."
وقفل المكالمة.
آسر، الذي كان واقفًا بجانبها، أومأ بحزم:
– "مستعجلين أوي ."
صوفيا رفعت حاجبها بتعجب:
– "مش فاهمة… ليه مخلتنيش أسمع زيك واكتفيت بالأخبار لنفسك؟"
آسر اقترب، صوته منخفض وحازم:
– "مش وقت الكلام دلوقتي… البسي، وأنا هاجي معاكي لوحدي… من غير م حد يشك خالص."
صوفيا توترت قليلًا:
– "طب لو شافوك؟"
آسر نظر إليها بجدية، عيناه ثابته:
– "عيب يا مدام… احنا مش عيال دا شغلي… اتفصلي وابدئي اجهزي."
...
فالشقة، دخلت صوفيا بخطوات حذرة، عينيها ترقبان كل حركة. أمامها، مجموعة من عارضات الأزياء والفنانين، والجو مشحون بالغموض.
باهر واقف عند الباب، يراقبها بعناية، وقال بصوت هادئ لكنه واضح:
– "اتفضلي."
تقدمت صوفيا، ولاحظت يزن جالسًا مع مجموعة رجال أجانب، شكلهم مختلف تمامًا، ومليء بالهيبة والسلطة.
– يزن بابتسامة مزيجها من الغطرسة والمكر: "أهي جت أخيرًا… اقعدي."
صوفيا جلست، وهي لا تزال تشعر بعدم ارتياح، قالت بعينين حادتين:
– "اقعد… أي، مش تفهمني الأول."
يزن أشار للأشخاص حوله:
– "دول الناس اللي هيخلوا اسمك يوصل للساحة العالمية… بس كل ده محتاج تعامل خاص."
صوفيا شدّت شفتيها، بصوت ثابت:
– "معنديش استثناءات."
يزن اقترب قليلاً، نبرة صوته تغلبها المكر:
– "هنا، لازم يكون عندك…."
صوفيا نهضت لتغادر، لكنه شدها بسرعة:
– "رايحة فين يا قطة؟"
ابتسمت بسخرية:
– "قطة!"
يزن مال برأسه، محلّلًا جسدها ونبرة كلامها:
– "قطة عنيفة، و بتخربش … بس شيرازي وجلدها ناعم بس لو فكرت تتمرد ع سيدها على … هتلعب في عداد عمرِها نصيحتي؟ خدي بالك."
صوفيا التفتت نحو رجل أوروبي غامض، همس الأخير في أذن يزن بعد أن غمز لها، فأومأ يزن برأسه:
– "عايزك."
صوفيا رفعت حاجبها، متحدية:
– "مش هاجي ناحيته… مش شايف نظراته عاملة ازاي؟"
يزن ابتسم، 
– "كلي عيش دا هيقبضك بالدولار."
صوفيا ردّت بنبرة حادة:
– "فاكرني شمال أنا مش للبيع. ولا ليا تمن
باااااااهر."
باهر اقترب محاولًا السيطرة على الوضع وجذبها بعنف ناحية الرجل، لكن صوفيا رفضت بحزم، ومسكت بإحدى الأشياء القريبة ورمتها أمامه ف احدثت صوت، وسط صدمة يزن وباهر.
الرجل الأوروبي اتنبه، وأشار لرجاله ب أن يأتو بها غصب، لكن صوفيا، رغم توترها، وقفت ثابتة، دموعها ورعشتها واضحة، لكنها لم تفقد سيطرتها على الموقف.
...
فمكتب يزن، صوفيا تقف ودموعها في عينيها، وصوتها يرتجف:
– "سيب إيدي… والله هبلغ عنك!"
يزن ابتسم ابتسامة مزيج من الغطرسة والتهديد:
– "أخرسي… المفروض تشكريني، الراجل ده كان ناوي يضايقك لولا إن أنا تدخلت امسكي."
صوفيا نظرت حولها بصدمة، عينها تتفقد الطاولة والملفات:
– "إيه الفلوس دي؟"
يزن أشار إليها بنبرة حادة:
– "تمنك، يا فنانة…."
صوفيا صرخت بصوت مرتجف:
– "قولتلك… مليش تمن!"
يزن اقترب بخطوة، صوته أصبح أكثر تهديدًا:
– "كده هتخليني ألجأ لأسلوب أقسى… كارت كنت محضرله، لكن أنتِ اللي أجبرتيني أستخدمه."
هو أخرج مجموعة أوراق وصور مفبركة لها، وضعها أمامها على الطاولة، محاولة تهديدها نفسيًا. صوفيا شعرت بالدوار
يزن تمالك ابتسامة ساخرة، وقال وهو يمسك بها:
– "اسم الله عليكي، يا فنانة… ألف سلامة…
...
في الشقة، كان يزن ممسك بصوفيا وهي دايخة من الصدمة، وعينيه تتلألأ بالغطرسة والتهديد. غمز لباهر الذي كان على وشك أخذها إلى غرفة الرجل، محاولًا تنفيذ مخططه القذر.
صوفيا شعرت بالهلع يسيطر عليها، قلبها يخفق بسرعة، وأرادت المقاومة، لكن الصدمة من المشهد جعلتها عاجزة عن الحركة.
فجأة، وقع خبط عنيف على الباب، تردد صدى صوته في أرجاء الغرفة، وسمع صوت تحطم الخشب. اتكسر الباب بحدة، وظهر آسر ومعه الحرس، عيونهم مليئة بالحزم والصرامة:

تعليقات