رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثلاثون
وصل جواد بالسيارة أخيرًا، وأوقفها أمام البوابة الحديدية للفيلا بعصبية مكتومة، بينما ظل الصمت الثقيل يسيطر على الأجواء بينه وبين رنيم طوال الطريق. كان الصمت بينهما خانقًا بصورة مؤلمة، وكأن كل واحد منهما يحمل بداخله كلمات لو خرجت لتحولت إلى شجار جديد. جلست رنيم بجواره بملامح متجهمة، تنظر أمامها بشرود وغضب دفين، بينما كان جواد يقبض على عجلة القيادة بضيق واضح بعدما استنزفت أعصابه تمامًا منذ أن خرج بها من شقتها بالقوة.
وأخيرًا، التفت إليها بنفاد صبر وقال:
"انزلي يلا!"
رمقته رنيم بنظرة ممتلئة بالضيق والاستفزاز، ثم ترجلت من السيارة بعنف، وأغلقت الباب بقوة جعلت صوته يتردد في المكان، قبل أن تقف أمام البوابة بصمت متعمد، وكأنها تتحداه أن يقوم بالباقي بنفسه.
رفع جواد عينيه إلى الأعلى بضيق، ثم زفر زفرة طويلة يحاول بها التحكم في أعصابه، وترجل من السيارة بدوره واتجه نحو البوابة، فتحها بعصبية ثم ابتعد عنها قليلًا حتى يسمح لها بالدخول، فتحركت رنيم إلى الداخل بتذمر واضح، بينما أغلق هو البوابة خلفها واتجه نحو الباب الداخلي، فتحه ثم رفع صوته قائلًا:
"بابا، أنا جيت ومعايا رنيم."
ثم التفت إليها وقال بلهجة آمرة: "أدخلي."
ما إن خطت رنيم إلى الداخل حتى تجمدت خطواتها فجأة، واتسعت عيناها بصدمة واضحة وهي ترى ترنيم تقف أمامها مباشرة، تنظر إليها وكأنها غير مصدقة أنها تراها بالفعل. رفعت ترنيم يدها إلى وجهها بذهول وسعادة خالصة، ثم قالت بصوت مرتجف من فرحتها:
"ا انتي هنا بجد؟"
لكن رنيم تراجعت للخلف فورًا وكأن قربها يؤلمها، وقالت بصوت مختنق يحمل وجعًا قديمًا وغضبًا متراكمًا:
"ابعدي عني متلمسنيش، وبعدين انا لو عليا مكنتش عايزة ادخل في مكان انتي فيه، بس أعمل أيه البيه جررني وراه من غير ما افهم فيه ايه."
تألم قلب ترنيم من طريقتها ونظرتها القاسية، لكنها حاولت ألا تُظهر ذلك، واكتفت بابتسامة صغيرة مليئة بالشوق وهي تقول:
"مش مهم قولي اللي انتي عايزاه، المهم انك قدام عيني دلوقتي."
وفي تلك اللحظة، جاء صوت غريب من الخلف، هادئًا لكنه يحمل حزمًا واضحًا:
"ادخلي يا رنيم."
التفتت إليه رنيم بنظرة ضيق وقالت:
"عايز مني ايه؟"
أجابها بهدوء متعمد:
"ادخلي طيب وانا هقولك عايزك ليه."
تحركت إلى الداخل على مضض، وكأن كل خطوة تخطوها تثقل روحها أكثر، حتى وقفت في منتصف الصالة وقالت بنفاد صبر واضح:
"اديني دخلت اهو، قولي بقى عايز ايه؟"
اقترب منها غريب بهدوء، ثم أمسك يدها برفق وأجلسها على الأريكة، وجلس بجوارها، قبل أن يلتفت إلى ترنيم قائلًا بحنان:
"ممكن يا حبيبتي تسبينا شويه لوحدنا، ولما أخلص كلام معاها، هسيبك تقعدي معاها براحتك."
ظلت ترنيم تنظر إلى رنيم نظرة طويلة موجوعة، وكأنها تحاول أن تجد بداخل عينيها ولو ذرة لين أو حنين، ثم أومأت برأسها بصمت واتجهت نحو غرفتها بخطوات بطيئة.
ظل غريب يتابعها بعينيه حتى اختفت تمامًا، ثم التفت إلى جواد وقال:
"اقعد يا جواد."
أومأ جواد برأسه وجلس على المقعد المقابل لهم، بينما عاد غريب ينظر إلى رنيم مطولًا، وكأنه يدرس ملامحها المرتبكة بعناية، قبل أن يتحدث أخيرًا بنبرة هادئة تخفي خلفها الكثير من القلق:
"رنيم، أنا عايز اسألك سؤال وتجاوبيني بصراحه، لأن اجابتك هيتوقف عليها حاجات كتير أوي."
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وكأنها تهرب من نظراته، ثم قالت بصوت مختنق:
"اعتقد مش هفيدك بحاجة، علشان اللي ما بينا مش مشترك."
ابتسم غريب بهدوء محاولًا امتصاص توترها وقال:
"اسمعي السؤال الاول وبعد كده قرري."
التفتت إليه أخيرًا بضيق، ثم أومأت برأسها بالموافقة.
عندها سألها مباشرة:
"شاهين ليه صلة بمريم بنت خالة مامتك الله يرحمها؟"
في اللحظة نفسها، اهتز جفنها بتوتر واضح، وشعرت وكأن السؤال أصابها في نقطة ضعفها مباشرة، لكنها سرعان ما حاولت التماسك وقالت:
"ل لا طبعًا، مافيش أي صلة ما بينهم، ولا يعرفها اصلا."
أرجع غريب ظهره للخلف وهو يراقب ارتباكها بعين دقيقة، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل اختناقًا وغضبًا مكبوتًا:
"في التسجيل اللي كان في المحكمة، اخوكي ذكر اسم مريم كذا مرة، وقال لشاهين جمله أنا متأكد منها، قاله ما أنت عارف كل حاجه، ما انت معانا، يقصد ايه بكلامه ده؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بأن أنفاسها بدأت تضيق، لكنها قالت بتوتر واضح:
"م معرفش، م مكنتش مركزة وقتها في الكلام."
زفر غريب بضيق محاولًا التحكم في أعصابه، ثم قال بنبرة غاضبة اختلط فيها الخوف بالقلق:
"رنيم قبل ما تساعديه وتداري الحقيقه، عايزك تفتكري مين اللي خطفكم، مين اللي قتل ابوكي وامك؟ عايزك تعرفي أن الست دي معنى انها عايشه لحد دلوقتي ومختفيه، أنها بتدبر حاجة كبيره وخطر، ممكن تتأذى فيها عمتك أو جواهر، أو حتى انتي، قوليلي الحقيقه ساعديني اوصلها، واحميكم من شرها."
ساد الصمت للحظات، بينما أخذ عقلها يدور بعنف بين كلماته وبين خوفها على شاهين. كانت تعلم أن كلام غريب منطقي، بل مرعب، لكن فكرة أن يتورط شاهين أو يُحاسب على شيء لم يفعله كانت تخنقها. رغم غضبها منه، ورغم الجرح الذي سببه لها، ما زالت تخاف عليه بصورة تعجز عن إنكارها.
أخذت نفسًا عميقًا محاولة السيطرة على ارتجافها، ثم قالت:
"زي ما قلتلك أنا معرفش حاجة عنها، وشاهين ملهوش أي صلة بيها، عايز تدور عليها، دور عليها بعيد عننا."
ظل غريب ينظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول اختراق ما تخفيه داخلها، ثم قال بصوت مثقل بالألم:
"زمان، رغم العداوة اللي كانت بيني أنا وابوكي، لما طلبت منه يساعدني نوقع مريم واللي معاها مترددتش لحظة واحده، وافق على طول وساعدني وضحى بعمره قصاد إنقاذك انتي وترنيم، الست اللي بتحميها علشان خاطر خايفه على شاهين، دي ايديها كلها دم أهلك، انتي بتتستري على شيطانه يا رنيم."
اهتزت عيناها بعنف مع كل كلمة نطق بها، وشعرت للحظة أن الأرض تميد تحت قدميها، وكأن جدران المكان تضيق عليها تدريجيًا. الألم داخلها كان ينهشها بلا رحمة، لكن عنادها وخوفها على شاهين كانا أقوى من اعتراف قد يدمر كل شيء.
نهضت فجأة بغضب وقالت بانفعال واضح:
"قلتلك معرفش.. معرفش حاجه، وارجوك محدش منكم ليه دعوة بحياتي."
استقام غريب واقفًا أمامها، ونظر مباشرة داخل عينيها بنظرة قوية جعلت الرهبة تتسلل إلى داخلها رغم ثباته، ثم قال:
"هعتبرك صادقة مع أن قادر اشوف كدبك في عيونك، بس متفكريش أن هسيبك تواجهي مصيرك قصاد واحده زي دي لوحدك، ابوكي مات وهو بيساعدني، وانا من واجبي، أحمي بنته واحافظ عليها حتى من نفسها، حتى لو أنتي رفضي ده، وده فعلاً اللي انا بعمله معاكي من سنين، ياريت تسمعي الكلام وتخلي جواد يرجعك تاني شقتك."
نظرت إليه بتوتر شديد، ثم أومأت برأسها بالموافقة بصمت تام، وكأنها استنزفت تمامًا ولم يعد لديها طاقة للمواجهة.
أشار غريب إلى جواد بعينيه، فتحرك الأخير فورًا وخرج معها إلى الخارج، ثم صعدا إلى السيارة وتحرك بها عائدًا نحو منزلها.
ظل غريب واقفًا مكانه يتابع السيارة بعينين مثقلتين بالقلق حتى اختفت تمامًا من أمامه، ثم تنهد بضيق وتحرك نحو غرفته.
وما إن رأته ترنيم حتى نهضت سريعًا من مكانها وقالت بلهفة واضحة:
"خلصتوا؟ أروح أنا بقى اقعد معاها شويه؟"
اقترب منها غريب بهدوء، أمسك يدها وقبلها بحب، ثم قال:
"رنيم روحت، جواد راح يوصلها."
هبط الحزن فورًا على ملامحها، وقالت بصوت مختنق موجوع:
"ليه يا غريب؟ انت مش قلتلي هتسيبني اقعد معاها شويه لما تخلصوا كلامكم؟"
أجلسها على السرير برفق، ثم كوب وجهها بين يديه وقال بحنان:
"مكانش هينفع يا قلبي انا عايز كلامي يفضل فى راسها من غير تشويش، ولو كانت شافتك كانت هتتعصب و تعاند معايا."
زفرت ترنيم بضيق وأومأت برأسها بحزن صامت، بينما كان قلبها يتألم من المسافة التي أصبحت تفصلها عن رنيم.
اقترب غريب منها وقبل مقدمة رأسها بحنو، ثم قال ووجهه ما زال قريبًا منها:
"علشان خاطري متزعليش يا نور عيوني، بكره ربنا يهديها وتشوف الحقيقه كاملة وتجيلك برجليها."
اهتز صوتها بالألم وهي تقول:
"اللي وجعني يا غريب، الصورة اللي شيفاني بيها، أنا عمري ما حاولة اخده منهم، بالعكس أنا لما عرفت بوجودهم انسحبت وقربتهم لبعض."
بمجرد أن أنهت كلماتها، أغلق غريب عينيه بضيق شديد، واشتد فكه بقوة حتى برز صدغه من شدة الغضب والألم المختلطين داخله. كان الماضي ما زال قادرًا على تمزيقه مهما حاول تجاوزه.
لاحظت ترنيم حالته فورًا، فاقتربت منه سريعًا، ثم وضعت قبلة خفيفة على شفتيه وهمست بحنان:
"انسى يا غريب علشان خاطري، أنا دلوقتي معاك انت وام لاولادك."
شعر بأنفاسها الدافئة تلامس وجهه، ففتح عينيه ببطء، وكأن قربها وحده قادر على إطفاء كل النيران المشتعلة داخله. ابتسم لها بحب خالص، ثم اقترب منها وقبلها بعشق، لكنها أبعدته برفق وهي تبتسم قائلة:
"مش دلوقتي، لما جواد يرجع واعشيه."
ضحك بخفوت، ثم جذبها داخل أحضانه بقوة، وضمها إليه وكأنه يستمد منها طمأنينته الوحيدة، قبل أن يقبل رأسها ويقول بصوت ممتلئ بالعشق:
"بعشقك يا ترنيم، وكل يوم بيعدي حبك في قلبي بيكبر أكتر، ربنا يخليكي ليا يا أجمل حاجه في دنيتي."
لفت ذراعيها حول خصره، وتمسكت به وكأنها تجد أمانها الوحيد بين ذراعيه، ثم همست بحب خالص:
"وأنا بحبك أوي يا غريب."
****************************
في صباح يوم جديد، كان الصمت يلف الشقة بثقل خانق، وكأن الليل لم يغادر المكان بعد، بل ترك خلفه بقايا خوف ووجع عالقين في الجدران. كانت رنيم غارقة في نوم مضطرب، تتقلب بين كوابيس الماضي ووجع الحاضر، حتى انتفض جسدها بعنف على صوت الطرقات المتتالية فوق باب الشقة، طرقات قوية متلاحقة كأن صاحبها يوشك أن يقتلع الباب من مكانه.
فتحت عينيها بفزع، وأنفاسها تتسارع دون وعي، بينما ظل قلبها يخفق بعنف داخل صدرها. نهضت سريعًا من فوق الفراش، وتحركت بخطوات متعثرة نحو الخارج، وما إن وصلت إلى الباب وفتحته حتى اندفع شاهين إلى الداخل كالإعصار، بعينين تشتعلان غضبًا وغيرة بصورة مخيفة، حتى بدا وكأنه فقد السيطرة على نفسه بالكامل.
تقدم نحوها مباشرة، وصوته خرج خشنًا حادًا وهو يقول بنبرة غاضبة مغلفة بغيرة قاتلة:
"روحتي معاه فين امبارح؟"
ارتجف جسدها من اندفاعه العنيف، لكنها سرعان ما تماسكت، وضغطت على أسنانها بقوة محاولة أن تبدو أكثر ثباتًا مما تشعر به، بينما حاولت سحب ذراعها من قبضته القاسية وهي تقول بغضب:
"ملكش فيه، وسيب دراعي يا شاهين."
لكن قبضته اشتدت أكثر، حتى شعرت بالألم يخترق عظامها، واقترب منها بعينين سوداويتين بالغضب وهو يقول بصوت مخيف:
"رودي عليا، احسنلك يا رنيم."
ظهرت ملامح الألم بوضوح فوق وجهها، إلا أنها أصرت على التحدي، ورفعت رأسها نحوه بعناد رغم ارتجاف قلبها:
"انت عايز مني ايه؟ مش انت متجوز وعندك عيله وعايش حياتك، ابعد عني وسيبني فى حالي أنا بقى."
كلماتها كانت كمن يسكب الزيت فوق نار مشتعلة بالفعل. اقترب منها أكثر حتى أصبحت أنفاسه الحارقة تضرب وجهها مباشرة، ونظر إليها بنظرة جعلت الرعشة تسري في أوصالها رغمًا عنها، ثم قال من بين أسنانه بنبرة مخيفة:
"بلاش تخرجيني عن شعوري يا رنيم، ردي على أمي، روحتي معاه فين أمبارح؟"
اختنق صوتها رغم محاولتها للثبات، وأجابت بصعوبة:
"روحت عندهم الفيلا، ايه عندك مانع؟"
وفجأة أفلت ذراعها بعنف وكأن لمسها صار يحرقه، ثم مرر يده داخل شعره بعصبية واضحة، يدور في المكان بخطوات متوترة، كأن حربًا كاملة تدور داخله. كان يحاول أن يهدأ، أن يسيطر على ذلك الوحش الذي يستيقظ بداخله كلما شعر أنها تبتعد عنه، لكن الأمر أصبح يفوق احتماله.
استدار إليها مجددًا، وعيناه تعصفان بمزيج مؤلم من الغضب والوجع والعجز، وقال بنفاذ صبر:
"ليه مصره تشوفي الوش التاني، ليه مش قادرة تتخيلي أن الوش ده مش هتستحملي، أنا بحاول امنع ده أن يحصل، بس افعالك كلها، فوق طاقة أحتمالي، عارف انك زعلانه ومن حقك، بس اديني فرصه واحده بس اقولك الحقيقه، اشرحلك الظروف اللي وصلتني لكده."
ثم اقترب منها خطوة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن نظراته غاضبة فقط، بل موجوعة بطريقة كسرت شيئًا بداخلها. كان يبدو وكأنه رجل يقف على حافة الانهيار، يتمسك بها كآخر شيءٍ يبقيه حيًا.
خرج صوته مختنقًا وهو يقول:
"أنا إنسان عاش الدنيا بيجازف فيها حتى بعمره، شاف حاجات تهد جبل، واتحملتها، ومستعد اتحمل كل حاجه، الا خسارتك انتي يا رنيم، انتي بالنسبالي النور اللي ظهر وسط عتمة حياتي، انتي الراحة بعد الشقى، أنتي الضحكه الحلوة بعد الدمعه، انتي قوتي وقت ضعفي، علشان كده مستعد أعمل أي حاجة مستحيل تتخيليها، لو فكرتي تحرميني منك وتبعدي عني، فاهمه يا رنيم."
تسمرت مكانها وهي تنظر إليه، ترى ذلك الضعف النادر بعينيه، ترى رجلاً يستجديها بصمته قبل كلماته، رجلاً يخاف خسارتها أكثر من خوفه من أي شيءٍ آخر. للحظة شعرت أن قلبها يلين رغماً عنها، وأن تلك الجدران التي بنتها حول نفسها بدأت تتشقق تحت وطأة احتياجه الواضح لها.
لكنها انتفضت داخليًا فور أن لمحت تلك النظرة المظلمة بعينيه، النظرة التي تتحول كلما تحدث عن فكرة ابتعادها عنه، نظرة رجلٍ قد يحرق العالم كله إذا شعر أنها ستتركه.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت التمسك ببقايا قوتها، ثم قالت بصوتٍ مهتز قليلًا رغم محاولتها إخفاء ذلك:
"على فكرة بقى مش لوحدك اللي عاش حياة صعبه، أنا كمان أتعذبت وطفولتي أتدمرت والسبب امك، شوفت مشاهد بتجيلي كوابيس لحد دلوقتي وانا نايمه، ولما ظهرت انت فكرتك العوض اللي هيطبطب على قلبي، ويعوضني عن كل اللي شفته، بس اكتشفت انك انت قلم تاني اكتر قسوة من كل حاجة شفتها في حياتي، اكتشفت انك كداب ومخادع وحبك كان مجرد وهم قلبي نسجه علشان يتحامى فيه، انت اكبر غلطة في حياتي، وانا قررت اصلحها."
كانت كلماتها تخرج كالسكاكين، لكنها في الحقيقة كانت تمزقها هي أيضًا. شعرت وكأنها تنتزع قلبها بيديها وهي تدفعه بعيدًا عنها، لكنها كانت خائفة، خائفة أن تكرر حياة والدتها، أن تصبح نسخة أخرى من امرأة سلبت رجلًا من عائلته، خائفة من ذلك الحب الذي يبتلعها بالكامل حتى يفقدها نفسها.
أما شاهين، فقد ظل ينظر إليها للحظات طويلة بصمت موجوع، ثم ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة منكسرة، ابتسامة رجل يتلقى طعنة ممن يحب، لكنه لا يملك إلا أن يعشق الألم نفسه لأنه صادر عنها.
وقال بصوت خافت اختلط فيه العشق بالعذاب:
"وانتي عذابي الحلو، اللي ناره جنتي يا رنيم."
أنهى كلماته، ثم استدار وغادر سريعًا قبل أن تفضحه أكثر تلك الهزيمة التي تشتعل داخل عينيه.
بقيت رنيم واقفة مكانها تحدق في أثره، عاجزة حتى عن التنفس بصورة طبيعية. كان قلبها يضرب بعنف داخل صدرها، وكأنه يريد أن يتمرد عليها ويركض خلفه، يريد أن يحتضنه، أن يمنعه من الرحيل، أن يخبره أنها رغم كل شيء، ما زالت تحبه حد الوجع.
ولم تشعر إلا والدموع تهبط فوق خديها بصمت مرير.
هزت رأسها بعنف، ترفض هذا الضعف، ترفض ذلك القلب الذي يخونها كلما اقترب منها شاهين، وكأنها عادت طفلة صغيرة ترى ماضيها يعاد أمامها من جديد.
رأت بعيني خيالها نظرات والدها الحزينة بسبب فراق ترنيم عنه، تذكرت حديثه القديم الذي لم تكن تفهمه وقتها، خوفه المجنون من أن تتركه المرأة التي أحبها، ضعفه الذي كان ينهار أمام عشقها.
وفجأة شعرت أن كل شيء يطبق فوق صدرها دفعة واحدة.
لم تعد قادرة على الاحتمال.
انهارت على الأرض، تضم نفسها بذراعيها، ثم خرجت منها صرخة موجوعة مزقت سكون المكان، صرخة امرأة تحمل داخلها سنوات من الخوف والقهر والحب المستحيل، أشياء لم تستطع يومًا أن تتحدث عنها، لكنها الآن تحترق بها بالكامل.
****************************
تسللت أشعة الصباح بهدوء إلى الغرفة، تنعكس فوق الأثاث بلون دافئ، بينما كان جواد غارقًا في نوم عميق، ممددًا فوق الفراش بلا اكتراث، وكأن العالم بأكمله لا يعنيه في تلك اللحظة. لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا، إذ دوى صوت جواهر الغاضب داخل الغرفة وهي تقف أمامه عاقدة ذراعيها، تنظر إليه بغيظ واضح:
"انت لسه نايم كل ده؟ اصحى فؤق ورانا حاجات كتير لسه هنشتريها."
تحرك بتململ فوق الفراش، وأخفى وجهه أكثر داخل الوسادة كطفل يرفض الاستيقاظ، ثم قال بصوت ناعس متحشرج:
"بطلي صداع على الصبح يا جواهر وسبيني أنام شوية."
زفرت بضيق، ثم اقتربت وجلست بجواره على حافة السرير، تنظر إليه بنفاد صبر واضح وهي تقول:
"اومال ايه بقى مستعجل على الجواز وعايز تحدد الميعاد فى أقرب وقت؟ واحنا لسه محجزناش حتى القاعه ولا اشترينا الفرش، عايز تتجوز ليه بقى إن شاءالله طالما هتقضيها نوم؟"
فتح عينيه بصعوبة بالغة، ثم التفت إليها ببطء، وعيناه لا تزالان تحملان أثر النعاس، لكنه رغم ذلك قال بنبرة وقحة جعلت ملامحها تتجمد:
"تحبي اقولك عايز اتجوز ليه؟ ولا تحطي لسانك جوه بؤقك وتهدي شوية؟"
شهقت جواهر بصدمة، واتسعت عيناها سريعًا، بينما وضعت يدها فوق فمها بعدم تصديق.
أما هو فرفع أحد حاجبيه بسخرية، واستند بذراعه خلف رأسه وهو يقول ببرود مستفز:
"اتصدمتي ليه كده؟ هو أنا قلت حاجه لسه؟"
اقتربت منه قليلًا وهي تقول بقلق:
"ايه اللي في وشك ده؟ انت اتخانقت مع حد بعد ما سبتني امبارح؟"
اعتدل في جلسته أخيرًا، وتحولت ملامحه إلى الضيق وهو يتذكر ما حدث، ثم قال بنبرة مستاءة:
"اتخانقت أنا والزفت اللي أسمه شاهين، ولولا بنت خالك وقفت في النص كان زماني شارب من دمه."
عقدت ما بين حاجبيها بدهشة، وقد بدا الأمر غير منطقي تمامًا بالنسبة لها، ثم قالت باستغراب:
"انت وشاهين؟ وبنت خالي! انت روحت بليل عند رنيم؟"
أومأ برأسه بضيق، ثم قال موضحًا:
"أيوه امبارح لما كنت معاكي وبابا اتصل بيا، كان عايزني اروح اجيبها ليه، وطبعا انتي عارفه بنت خالك مستفزة ازاي، خرجتني عن شعوري، اخدها بالغصب وتدخل اللي اسمه شاهين ده ومسكنا فى بعض."
ظلت تنظر إليه للحظات تحاول استيعاب الأمر، قبل أن تقول بعدم فهم:
"أونكل غريب عايز رنيم! غريبه دي، وكان عايزها ليه؟"
لوح بيده بنفاد صبر، وكأنه لا يريد الخوض في ذلك الحديث أكثر، ثم قال:
"خليكي في حالك يا حشريه، انتي مالك، وبعدين شايف أن أثر البوسه راح من عندك خلاص، ما تيجي نعيد اللحظة بتاعة امبارح."
انتفضت جواهر من مكانها فورًا، وابتعدت عنه بسرعة وكأن كلماته أحرقتها، ثم أشارت إليه بتحذير وهي تقول:
"انت عارف لو مبطلتش قلة ادب هقول لخالتوا ترنيم تلمك وتعيد تربيتك من أول وجديد."
انفجر جواد ضاحكًا بصوتٍ عالٍ، ضحكة رجولية مليئة بالمشاكسة، ثم قال بوقاحة زادت احمرار وجهها:
"خالتك ترنيم زمانها مفكرة أن ابنها دلوقتي عامل معاكي الواجب، وفرحانه كمان."
اتسعت عيناها بصدمة، واحمر وجهها بالكامل حتى كادت تختنق من الخجل، ثم قالت بتلعثم:
"ا اقسم بالله انت واحد قليل الادب، ايه حصلك يا ابن ضرغام؟ مكنتش كده الاول اخلاقك بقت في ذمة الله، ده انا الاول كنت اجرئ منك يا راجل."
ابتسم ابتسامة واسعة، ثم نهض من فوق السرير واقترب منها بخطوات بطيئة متعمدة، حتى أحاط خصرها بذراعه وجذبها إليه برفق، بينما همس قرب أذنها بصوت منخفض أربك أنفاسها:
"علشان الاول كنتي حبيبتي بس، مكانش ينفع يحصل ما بينا اي تجاوزات، كنت بحافظ عليكي لحد ما تبقى مراتي حلالي، إنما دلوقتي، انتي مراتي واعمل معاكي اللي انا عايزة، كله بالحلال، وطبعا عارف حدودي كويس، لحد الفرح وتكمل العلاقة ونجيب ولاد وبنات يكونوا كلهم شبهك."
ارتجف قلبها بعنف من قربه وطريقته، وشعرت بحرارة أنفاسه تربكها بصورة واضحة، خاصة حين مال برأسه ببطء وكأنه ينوي تقبيلها، لكنها وضعت يدها سريعًا فوق شفتيه تمنعه، رغم ابتسامتها المرتبكة وهي تقول:
"طيب ممكن تجهز بقى علشان نجهز بيتنا اللي هنكون فيه براحتنا."
تأملها للحظة بعينين مليئتين بالعشق، ثم أمسك يدها وقبلها بحب حقيقي قبل أن يبتسم لها ابتسامة أذابت ما تبقى من مقاومتها:
"نجهز منجهزش ليه."
ثم اقترب منها أكثر ووضع قبلة خفيفة فوق خدها، قبل أن يبتعد عنها بغمزة مشاكسة جعلت قلبها ينتفض داخل صدرها بعنف، واتجه بعدها نحو المرحاض.
أما جواهر، فظلت واقفة مكانها لثوانٍ طويلة، تحاول استيعاب تأثيره الغريب عليها، قبل أن ترتسم فوق شفتيها ابتسامة صغيرة مليئة بالسعادة، ثم جلست فوق الأريكة تنتظر خروجه وقلبها لا يزال يرقص داخل صدرها كطفلة وقعت في الحب لأول مرة.
****************************
جلس غريب خلف مقود سيارته، يقودها في طريقه إلى الشركة بينما كانت ملامحه متجهمة على غير عادته، وعقله غارقًا في دوامة لا تنتهي من التفكير. منذ حديثه مع رنيم بالأمس وهو يشعر أن شيئًا ثقيلًا يقترب، شيئًا مظلمًا يحمل رائحة الماضي بكل ما فيه من دم وخيانة وخراب.
كان الطريق شبه خالي، وصوت المحرك وحده يملأ الصمت داخل السيارة، إلى أن ظهرت أمامه فجأة سيارة سوداء قطعت طريقه بعنف، مما اضطره للضغط بقوة على المكابح، فتوقفت السيارة بصوت احتكاكٍ حاد اخترق سكون المكان.
اشتعل الغضب داخل عينيه فورًا، وكاد يترجل من السيارة لينهي الأمر بعنف، لكن ما إن وقعت عيناه على المرأة التي بدأت تنزل من السيارة بالمقعد المتحرك حتى تجمد للحظة كاملة، واتسعت عيناه بصدمة ممزوجة باشمئزاز دفين.
كانت مريم. رجالها يحيطون بها كالحراس، يحملون مقعدها المتحرك بحذر وينزلونها من السيارة، بينما كانت تجلس فوقه بكامل هدوئها، كأنها جاءت لموعد عادي، لا لمواجهة رجل يحمل لها كراهية تكفي لإحراق العالم.
فتح غريب باب سيارته بعنف وترجل سريعًا، ثم اقترب منها بخطوات ثقيلة ونظراته مشتعلة بالغضب، حتى وقف أمامها مباشرة وقال بصوت مليء بالاحتقار:
"والله زمان يا مريم الكلب، اخيرا خرجتي من جحرك."
ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة باردة مليئة بالشر، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة مستفزة:
"وحشتني يا غروبتي."
مجرد سماعه لذلك اللقب القديم جعل العروق تبرز بعنقه من شدة الغضب، وضغط على أسنانه بقوة حتى كادت تتحطم، ثم قال بتهديد واضح:
"أنا مش عارف أنتي إزاي عايشه لحد دلوقتي؟ بس اوعدك موتك على أيدي والمرادي هتأكد بنفسي انك موتي بجد."
لكنها لم تخف.. بل تعالت ضحكاتها بصورة مريبة، ضحكات امرأة فقدت كل ما يجعل البشر طبيعيين، ثم قالت باستفزاز أشد:
"أخص عليك يا غروبتي، عايز تخلص من مراتك، طيب ده انا عيشت العمر ده كله مافيش غيرك في قلبي."
تحرك نحوها ببطء خطير، بعينين سوداويتين جعلتا رجالها يتحركون فورًا ليقفوا أمامها ويحجبوا الطريق عنه. توقف غريب للحظة، ثم ابتسم بسخرية قاتلة وهو ينظر إليهم بازدراء:
"جايبه شوية خرفان تتحامي فيهم مني، ما انتي عارفه غريب ضرغام يا مريم، لو عايز اوصلك، محدش هيقدر يوقفني ويمنعني."
ظلت تنظر إليه بثبات، ثم رفعت يدها بإشارة هادئة، ليتنحى رجالها جانبًا فورًا. بعدها حركت مقعدها بنفسها مقتربة منه أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما لا تذكر، ثم قالت بصوت منخفض يشبه فحيح الأفاعي:
"وانت برضه عارف مريم يا غريب، عمري ما خوفت من حد، وعندي سلاح أقوى مليون مره من الرجاله دي، عندي دماغ تدمر العالم كله وأنا قاعده في مكاني."
ثم مالت بجسدها نحوه أكثر، وهمست قربه ببرود مرعب:
"وأولهم، ترنيم وولادك."
تراجعت بعدها للخلف وهي تنظر إليه بابتسامة مستفزة، لكن تلك الكلمات كانت كفيلة بإشعال الجحيم داخله.
في لحظة واحدة انقلب وجه غريب بالكامل، واختفت كل ذرة تعقل من عينيه، ثم انقض عليها كوحش انفلت من قيوده، وأطبق يده بقوة هائلة حول عنقها حتى شهقت مختنقة، بينما قال بصوت غاضب اهتز له المكان:
"أسم مراتي وولادي ميجيش على لسانك القذر ده، وأبقى فكري بس تقربي من حد يخصني، وهخليكي بدل ما تكوني قاعده مشلولة هدفنك في قبرك حيه فاااهمه."
بدأت مريم تسعل بعنف، ووجهها يميل إلى الاحمرار من شدة الاختناق، بينما اندفع رجالها سريعًا نحوه محاولين إبعاده عنها. أمسكوه بصعوبة، لكنه دفعهم بقوة هائلة جعلتهم يتراجعون للخلف مترنحين، فقد كان الغضب داخله أكبر من أن يسيطر عليه أحد.
أما مريم، فظلت تسعل لثوانٍ وهي تحاول استعادة أنفاسها، ثم رفعت عينيها إليه مجددًا، والغريب أنها رغم اختناقها، كانت تبتسم.
ابتسامة امرأة تستمتع بإشعال النار داخل قلبه.
ثم قالت بهدوء متعمد أرعبه أكثر من أي صراخ:
"انا فعلا قربت يا غريب وقلبك هيتحرق عليهم واحد وراه التاني."
تجمد للحظة وهو ينظر إليها، وشعور ثقيل بالخطر بدأ يضغط فوق صدره، لكنه لم يظهر ذلك، بل ظل يحدق بها بنظرات مليئة بالقتل.
أما هي، فتحركت بمقعدها نحو السيارة، وقام رجالها بإعادتها إليها، ثم أغلق الباب وتحركت السيارة مبتعدة ببطء، بينما كانت لا تزال تنظر إليه من خلف الزجاج الداكن بعينين تحملان وعيدًا مرعبًا.
ظل غريب واقفًا مكانه للحظات، وصدره يعلو ويهبط بعنف، قبل أن يركل سيارته بكل قوته، حتى دوى صوت الضربة في المكان، ثم رفع عينيه ناحية الطريق الذي اختفت فيه سيارتها، ونار الانتقام تشتعل داخله بصورة مخيفة.
**************************
جلست رنيم على المقعد القريب من النافذة، تضم كفيها فوق ساقيها في محاولة يائسة منها لتتماسك، بينما كانت الفوضى تعصف داخل صدرها بلا رحمة.
عيناها معلقتان في الفراغ، لكن عقلها لم يتوقف لحظة واحدة عن استعادة كلمات شاهين، نبرته المختنقة، نظرته التي كانت تحمل ذلك الألم القاسي الذي أصاب قلبها رغم عنها.
كانت تحاول بكل قوتها أن تقنع نفسها بأنها تكرهه، بأن ما بينهما انتهى، لكن قلبها اللعين كان يخونها في كل مرة، يرتجف خوفًا عليه بدلًا من أن يبتعد عنه.
تنهدت ببطء وأغلقت عينيها، لكن قبل أن تستسلم لدوامة أفكارها، دوى جرس الباب في أرجاء الشقة.
انتفض جسدها بخفة، ثم نهضت ببطء وكأن التعب يسكن عظامها، واتجهت نحو الباب بخطوات مثقلة.
فتحت الباب دون اهتمام حقيقي بمن الطارق، لكنها تجمدت مكانها فور أن وقعت عيناها على تلك الصغيرة الواقفة أمامها.
كانت ميا تنظر خلفها بتوتر واضح، وكأنها تخشى أن يراها أحد، ثم رفعت عينيها نحوها وقالت بصوت خافت لكنه مهذب:
"أنا ميا شاهين، وكنت حابه أتكلم معاكي شوية؟"
انعقد حاجبا رنيم بدهشة حقيقية، وظلت للحظات تحدق بها دون رد، غير مستوعبة أن ابنة شاهين نفسها تقف الآن على باب منزلها.
لكن شيئًا ما في ملامح الطفلة، في براءتها المرتبكة، جعل قسوة قلبها تلين رغماً عنها، فاومأت برأسها بهدوء وابتعدت جانبًا لتفسح لها الطريق.
دخلت ميا إلى الداخل بخطوات حذرة، وأغلقت الباب خلفها، ثم استدارت تنظر إليها بابتسامة صغيرة متوترة وقالت:
"أنا عارفه انك مستغربه من وجودي هنا، بس أنا جايه أتكلم معاكي شويه علشان بابي صعبان عليا اوي وهو حزين بسببك."
شعرت رنيم بانقباضة حادة داخل صدرها فور سماعها لكلمة "بابي".
تجهمت ملامحها قليلًا، وكأنها تحاول الهروب من ذلك الشعور المؤلم الذي ضرب قلبها، ثم قالت بصوت مختنق حاولت أن تجعله ثابتًا:
"طبعا تنوري يا حبيبتي في أي وقت بس ممكن بلاش نتكلم في موضوع بابي ده؟"
تحركت ميا نحو الأريكة وجلست فوقها بثقة هادئة لا تناسب عمرها، ثم رفعت عينيها إليها وقالت ببساطة صادقة:
"بس انا موجوده هنا علشان نتكلم في الموضوع ده اصلا."
تنهدت رنيم بعمق، ثم اقتربت منها وجلست بجوارها، محاولة التهرب من ذلك الحديث الذي تعلم جيدًا أنه سيضعفها أكثر، وقالت بلطف:
"احنا ممكن نكون اصحاب، نتكلم في أي حاجة عادي بس بلاش الموضوع ده بليز."
لكن ميا أمسكت يدها سريعًا، وكأنها تخشى أن تهرب منها الفرصة، ثم قالت بحزن واضح:
"بابي بيحبك بجد، بيتعذب بسببك، أنا طلبت منه أن اجي أتكلم معاكي، بس هو قالي لا، وقالي أنه هيحاول معاكي علشان تسامحيه، بس الصراحه مقدرتش اسمع الكلام، وجتلك برضه، بابي طيب اوي والله ويستاهل يكون مبسوط وسعيد."
ارتجفت أنفاس رنيم بعنف، وشعرت بحرارة الدموع تلسع عينيها بقوة.
أغمضت عينيها سريعًا حتى لا تنفضح أمام الطفلة، ثم قالت بصوت مبحوح بالكاد خرج:
"أنتي إزاي مش غيرانه مني على بابي؟ وجايه تكلميني اسامحه عادي جدا كده؟ أنا فاكرة وانا صغيره عنك بكتير بابا كان بيحب واحده تانيه، لحد دلوقتي مش قادره اتقبلها علشان شاركتني أنا وماما في قلبه."
ابتسمت ميا ابتسامة هادئة، تحمل نضجًا موجعًا أكبر من عمرها بكثير، ثم قالت بكل بساطة:
"علشان أنا اهم حاجه عندي سعادة بابي، ايًا كان مع مين، وعلشان شايفه بابي بيحبك قد ايه، جيت أتكلم معاكي تسامحيه."
وهنا.. شعرت رنيم وكأن الكلمات صفعتها بقوة.
توقفت أنفاسها للحظة، واتسعت عيناها بشرود مؤلم وهي تحدق بتلك الطفلة الصغيرة التي استطاعت بجملة واحدة فقط أن تفتح جرحًا قديمًا ظلت تهرب منه لسنوات.
سعادة والدها.. مع من كانت؟
هل فكرت يومًا في ذلك؟
هل سألت نفسها يومًا عما كان يشعر به والدها حين عاش ممزقًا بين قلبه وواجباته؟
هل كانت أنانية إلى هذا الحد؟
هل انشغلت بألمها وألم والدتها فقط، دون أن تحاول ولو مرة أن ترى ضعفه هو الآخر؟
بدأت صور الماضي تتزاحم داخل عقلها بعنف، نظرات والدها المنهكة، حزنه الصامت، ذلك الاشتياق الذي كانت تراه في عينيه كلما ذكرت ترنيم أمامه.
لأول مرة تشعر أنها ربما ظلمته.. ولأول مرة تفهمه.
ظلت غارقة في دوامة أفكارها حتى انتبهت على صوت ميا وهي تقول بقلق:
"ساكته ليه؟ زعلتي من كلامي؟"
انتبهت لها رنيم سريعًا، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة، وهزت رأسها نفيًا وقالت بحنان صادق:
"لا خالص مزعلتش منك، انتي جميله اوي، و ماشاءالله ناضجه جدا وسابقة سنك، أنا حبيتك اوي."
أشرقت ملامح ميا بسعادة طفولية، ثم قالت بلهفة بريئة:
"شكرا، ها قولتي ايه هتسامحي بابي وتديله فرصه تانيه؟"
نظرت إليها رنيم طويلًا، وكأنها ترى داخل عينيها نسخة صغيرة من شاهين، نفس الرجاء، نفس الخوف من الخسارة، ثم قالت بهدوء متعب:
"قرارات زي دي مينفعش تتاخد كده، بس اوعدك أني هفكر في كلامك."
ابتسمت ميا فورًا بسعادة حقيقية، ثم قالت بسرعة وكأنها تتذكر أمرًا مهمًا:
"اوك، بس بلاش تقولي لبابي أن انا جيت ليكي."
اومأت رنيم برأسها بخفة وقالت بابتسامة صغيرة:
"طبعا مش هقوله متقلقيش، قوليلي بقى، عندك كام سنه؟"
اجابتها ميا بحماس طفولي:
"عندي اتناشر سنه، وكمان كام شهر هقفل تلاتشر."
ضحكت رنيم بخفة لأول مرة منذ وقت طويل، ثم قالت بحب:
"العمر كله يا قمر."
استقامت ميا واقفة وهي ترتب ملابسها الصغيرة، ثم قالت بتوتر خفيف:
"أنا لازم امشي بقى قبل ما مامي ترجع البيت."
أومأت لها رنيم وهي تشعر بشيء دافئ يتحرك داخل قلبها، ثم قالت بلطف:
"ماشي يا حبيبتي، هستناكي تيجي تقعدي معايا."
استدارت ميا نحوها قبل أن تغادر، ثم سألتها بحيرة بريئة:
"تحبي انادي عليكي بأيه؟ اسمك ولا طنط ولا أبله؟"
ابتسمت رنيم رغم ألمها، ثم قالت بخفوت دافئ:
"بما انك بالعقليه دي وبقينا اصحاب، يبقى خليها بأسمي، رنيم."
اتسعت ابتسامة ميا فورًا وقالت بحماس:
"اوك يا رنيم، باي."
ثم فتحت الباب بحذر، وأخرجت رأسها أولًا تنظر يمينًا ويسارًا بخوف مضحك، قبل أن تلوح لها بيدها سريعًا وتغادر راكضة نحو شقتها.
ظلت رنيم واقفة مكانها تحدق في الباب المغلق، بينما ترتسم على شفتيها ابتسامة حزينة مثقلة بالمشاعر.
ثم أطلقت زفرة طويلة موجوعة، وعادت بخطوات بطيئة إلى الداخل، تغلق الباب خلفها، بينما كلمات تلك الطفلة ما تزال تتردد داخل قلبها بقسوة لم تستطع مقاومتها.
**************************
عند شاهين...
عندما خرج من عند رنيم، صعد إلى سيارته وكأنه يهرب من شيء يطارده داخل صدره، لا من حوله. ظل يقود لفترة طويلة دون أن يشعر بالطريق، حتى وصل إلى مكان خالٍ تمامًا، يلفه السكون من كل اتجاه. أوقف السيارة بعنف، ثم ترجل منها ببطء وأسند جسده على مقدمتها المعدنية الباردة، وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يحدق في الفراغ أمامه بعينين شاردتين.
لم يكن يرى شيئًا في الحقيقة، فكل ما كان يملأ رأسه هو كلمات رنيم، صوتها الغاضب، نظرتها المكسورة، والطريقة التي قالت بها إنها تعتبره أكبر غلطة في حياتها.
شعر وكأن الكلمات مازالت تقال الآن داخل أذنه، وكل مرة يعيدها عقله كان قلبه ينتفض بعنف أكبر، خاصة حين يتخيل فكرة ابتعادها عنه فعلًا.
وفي لحظة، انفجر صارخًا بكل ما يملك من ألم، صرخة خرجت من أعماقه كرجل يتمزق ببطء ويحاول للمرة الأولى في حياته أن يتمسك بشيء يخاف خسارته.
هبط بجسده تدريجيًا حتى جلس على الأرض، وأسند ظهره على السيارة خلفه، ثم ضم ساقيه إلى صدره بحركة لا تشبهه أبدًا، لكنها جعلته يبدو كطفل ضائع وسط غابة موحشة، لا يعرف أين يذهب ولا كيف ينجو.
حينها فقط بدأت الذكريات تتسلل إلى رأسه دون استئذان، تتلاحق أمام عينيه كأنها مشاهد قديمة تعرض من جديد...
فلاش باااك...
كان شاهين طفلًا في العاشرة من عمره، يجلس داخل إحدى دور الرعاية الاجتماعية وصدره يعلو ويهبط بعنف بعد شجار حاد مع أحد الأطفال. كانت نظراته حادة بشكل مخيف، ممتلئة بغضب لا يليق بطفل في مثل سنه.
انفتح الباب بعنف، ودخل أحد المسؤولين ممسكًا بعصاه الخشبية، ثم صاح فيه بغضب:
"انت هتبطل البلطجه اللي فيك دي امتى؟ كل شوية تضرب حد وتكسر حاجه فيه، انت لدرجاتي بقيت تحب التأديب."
رفع شاهين عينيه المحمرتين من شدة الغضب ونظر له بعناد واضح، ثم قال بصوت طفولي خشن:
"وانتوا مش تعرفوا اللي التاني عملوا الاول؟ ولا أنا الحيطه المايله هنا كل شوية تأديب حتى لو مظلوم."
اقترب الرجل منه بعصبية، وهبط بالعصا على جسده بقوة، ثم قال بازدراء:
"اهو لسانك ده اللي جايب ليك الكافيه، اومال لو مكنتش ابن حرام ومش معروف ليك أهل كنت عملت ايه؟"
في تلك اللحظة، اشتعل الغضب داخل شاهين أكثر، فنهض من مكانه بسرعة واقترب منه بعينين مشتعلة:
"لم لسان امك بدل ما اقطعهولك."
لم يحتمل الرجل رده، فانهال عليه بالضرب بلا رحمة.
حاول شاهين المقاومة في البداية، لكن جسده الصغير لم يعد قادرًا على التحمل، فسقط على الأرض بينما بدأت آثار الضربات تترك بقعًا زرقاء فوق جلده.
بكى وقتها بحرقة، بكاء طفل لا يفهم لماذا يعاقب طوال الوقت، ولا يعرف ما الذنب الذي ارتكبه ليعيش حياة كهذه.
مرت الأيام بعد ذلك ثقيلة وقاسية، ما بين عنف شاهين وعقابه المستمر. ومع الوقت، بدأ يفقد إحساسه الطبيعي بالحياة. لم يعد يشبه الأطفال من حوله، وكأن السنوات مرت فوق عمره الصغير وتركته أكبر بكثير مما ينبغي.
وفي أحد الأيام، كان يجلس أعلى سطح دار الرعاية، يراقب السماء بصمت بارد، حين سمع أحدهم يناديه من الأسفل. نظر إليه بضيق وقال:
"ها؟ تأديب النهاردة هيكون ايه؟ منع من الاكل ولا ضرب ولا حبس وتكتيف؟"
رد الرجل هذه المرة بحماس واضح:
"أنزل ياض شكلك اتفتح ليك طاقة القدر، فيه حد هنا بيقول يعرف اهلك مين، وبيقول انك ابن عيله كبيره أوي وغنيه."
ابتسم شاهين بسخرية باهتة وقال: "مبقاش يفرق معايا، هيفيد بأيه بعد اللي شفته في المكان ده؟"
تنهد الرجل بنفاذ صبر وقال:
"يالا انزل انت لسه في بدايه عمرك، فيه غيرك هنا يتمنى يظهر ليهم أهل حتى لو فقرا وانت ظهرك اهل وكمان غنيه ومعاها على قلبها قد كده."
زفر شاهين بضيق، ثم قفز من الأعلى وتحرك معه نحو مكتب الإدارة.
وحين دخل، وجد فتاة شابة لا يتجاوز عمرها الخامسة والعشرين تجلس هناك. كانت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالتوتر واللهفة، بينما نظر لها هو بلا اهتمام وقال:
"خير؟ عايزين مني ايه؟"
اقتربت منه ببطء شديد، ومدت يدها نحو وجهه بحنان مرتعش، لكنه ابتعد فورًا وقال بغضب:
"ابعدي ايدك عني."
خرج الجميع من المكتب وتركوهما بمفردهما.
ظلت تنظر إليه بألم واضح، ثم قالت بصوت مرتجف:
"ش شاهين كبرت وبقيت نسخه من ابوك."
قطب حاجبيه بضيق وقال بسخرية:
"شاهين مين؟ انتي عبيطه ولا أيه؟ ومين ده اللي شبه ابوه هو أنا أعرفه هو مين اصلا؟"
ابتسمت وسط دموعها وقالت:
"انت شاهين أنا سميتك كده يوم ما ولدتك."
رفع حاجبيه بعدم اقتناع وقال بتهكم:
"مين دي اللي ولدتني، بقي انتي امي انا طيب ازاي؟"
أمسكت يده برفق وأجلسته على الأريكة، ثم جلست بجواره وقالت بصوت مكسور:
"أنا امك يا شاهين، بس لما حملت فيك كنت لسه طفله مقفلتش الخمستاشر سنه ابوك ضحك عليا ولما أهله عرفوا اني حامل منه رموني أنا واللي في بطني في الشارع، مكانش ليا مكان اروح فيه واحنا أفقر فرع في عيلتنا، ولو أهلي عرفوا كانوا قتلوني، هربت وبقيت من الشارع ده لشارع ده لحد ما ولدتك مبقتش عارفه اعمل ايه، كنت هتبهدل بيك وكنت هتموت مني من برد الشارع، قررت احطك قدام باب الملجأ ده قولت هنا هتكون في امان ولما أكبر وانت تكبر هرجعك تاني ليا، ناخد حقنا من اللي عمل فينا كده، ولما لاقيت نفسي قادرة أواجه عيلة الرواي جيت ارجعك تاني لحضني."
ظل يستمع إليها بوجه جامد خالٍ من أي تعبير، ثم قال بتهكم:
"قولتي هنا هكون في أمان؟ يا زين ما أختارتي الصراحه، وايه عرفك أن انا ابنك؟ ما فيه كتير هنا محدش يعرف ليهم أهل وفي نفس سني؟"
ابتسمت له بحنان مؤلم وقالت:
"قلبي قالي انك انت شاهين ابني، ده غير الشبه، انت نسخه من ابوك، وكمان التاريخ اللي حطيتك فيه قدام الباب هنا، مافيش غيرك اللي جه هنا في اليوم ده، يعني انا متأكدة انك ابني."
استقام بجسده وتحرك بعيدًا عنها، ثم نظر لها ببرود وقال:
"تمام أنا ابنك مع ان شكلك ميديش انك أم خالص، ايه المطلوب دلوقتي؟"
نهضت من مكانها واقتربت منه وقالت:
"هتيجي تعيش معايا لحد ما تقدر تواجه أهل ابوك وتجيب حقي وحقك، وتخليهم يعترفوا بيك، هو اصلا معندهوش ولاد ولا هيكون عنده، يعني انت هتكون الوريث الوحيد لعيلة الرواي."
ضيق عينيه بعدم فهم وقال:
"عيله الرواي؟ هما دول عيلة أبويا؟"
اومأت برأسها وقالت:
"أيوه هما."
ساد الصمت للحظات، قبل أن تتغير نظرات شاهين تمامًا.
اختفى الألم من عينيه، وحل مكانه شيء أكثر قسوة وظلامًا.
نظر أمامه بتوعد وقال:
"مبقاش أنا شاهين الرواي، لو مكنتش دفعتهم تمن كل ضربة عصايه نزلت على جسمي، هخليه يعيش عدد الليالي اللي عشتها من غير أكل، هكتفه وأحبسه في اوضه مفيهاش حتى لمبة واحده ومليانه حشرات مقرفه تعدي من عليه بالايام، كل لحظة وجع عشتها هعيشها ليه."
ارتسمت ابتسامة شر على وجه مريم، وأمسكت يده بقوة، بينما رد لها النظرة نفسها، نظرة طفل امتلأ قلبه بالحقد قبل أن يعرف معنى الحياة.
ثم غادرا المكان معًا، لتبدأ رحلة طويلة من الكراهية والانتقام، رحلة صنعت من ذلك الطفل رجلًا لا يعرف سوى القسوة.
باااك...
عاد شاهين إلى واقعه ببطء، بينما كانت دموعه تنهمر دون توقف.
لم تكن دموع ضعف، بل دموع رجل رأى طفولته الممزقة كاملة أمامه من جديد، وشعر أن جرحه القديم مازال ينزف بنفس القوة، وكأن السنوات لم تمر عليه أبدًا.
