رواية ترانيم في درب الهوى الجزء الثاني (اقدار محترقة نار لا تنطفئ) الفصل الثالث والثلاثون
تراجعت رنيم بجسدها المرتجف إلى الخلف فوق الفراش، حتى التصق ظهرها برأس السرير، بينما كانت أنفاسها تتلاحق بعنف وكأن الهواء لم يعد يكفي رئتيها. قلبها كان يرتطم داخل صدرها بجنون، كطائر مذعور يحاول الهرب من قفص مغلق، وعيناها معلقتان به بخوف حقيقي لم تستطع إخفاءه مهما حاولت التماسك. ارتعش صوتها بصعوبة وهي تقول:
"شاهين بلاش جنان، صدقني هتندم على اللي عايز تعمله ده."
لكن ملامحه لم تحمل أي ذرة هدوء. الغضب كان يشتعل داخله بصورة مخيفة، يلتهم ما تبقى من اتزانه. أنفاسه ثقيلة متقطعة، وعيناه مظلمتان بشرارة جنونية لم ترها فيه من قبل. نزع قميصه بعصبية حادة وألقاه أرضًا، ثم رفع بصره إليها بنظرة جعلت الدم يتجمد داخل عروقها، وقال بصوت منخفض لكنه مرعب:
"انتي بتاعتي أنا، واللي هيحصل ده، هثبت ملكيتي فيكي."
وفي لحظة اندفع نحوها بلا وعي، وكأنه فقد السيطرة على نفسه بالكامل. قبض على ساقيها بعنف وجذبها نحوه حتى تمددت فوق السرير تحت صرختها المرتعبة، ثم انقض عليها كإعصار هائج، بينما كانت الغيرة والغضب قد أطفآ آخر صوت للعقل داخله، فلم يعد يسمع بكاءها ولا توسلاتها المرتعشة بأن يبتعد عنها.
كانت تدفعه بيديها المرتجفتين بكل ما تملك من ضعف، وأنفاسها تتكسر داخل صدرها من شدة الرعب، حتى اقتربت من أذنه وهمست بصوت منكسر يحمل وجعًا حقيقيًا:
"بلاش تعمل كده، ارجوك يا شاهين مش عايزه اكرهك."
ومع كل كلمة كانت تشعر بأن الهواء يختفي تدريجيًا من حولها، صدرها يعلو ويهبط بسرعة مرعبة، وأنفاسها تختنق أكثر فأكثر.
وفجأة.. توقف.
ابتعد عنها مباشرة وكأن صوتها أعاده للحظة إلى وعيه. نظر إليها بصدمة، ليشعر بقلبه يتمزق وهو يراها بهذه الحالة المنهارة بسببه.
وضعت يدها فوق صدرها وهي تسعل بعنف، حتى شعرت وكأن روحها تُنتزع منها ببطء. رفعت عينيها إليه بضعف شديد، ثم بدأت تستسلم تدريجيًا لذلك الظلام الذي يبتلعها.
اتسعت عينا شاهين بصدمة حقيقية، وجلس بجوارها بسرعة، سحبها إلى أحضانه وهو يربت على وجهها بيد مرتعشة وقال بذعر واضح:
"رنيم يا رنيم ردي عليا ارجوكي أنا اسف والله العظيم اسف ردي عليا ارجوكي."
لكنها لم تستجب.. كانت ساكنة بصورة مرعبة بين ذراعيه.
نهض فجأة واتجه إلى التسريحة بخطوات مرتبكة، التقط زجاجة العطر وعاد إليها سريعًا، ثم بدأ يحركها أسفل أنفها، إلا أن أنفاسه انحبست عندما لمح لون بشرتها يميل تدريجيًا إلى الأزرق، وكأن شيئًا يخنقها ببطء ويسحق أنفاسها.
تراجع للخلف برعب، ثم أمسك هاتفه بسرعة وأجرى اتصالًا بجواهر، ينتظر الرد وكأن عمره متوقف على تلك الثواني. وما إن سمع صوتها حتى قال بتوتر مذعور:
"جواهر رنيم قاطعه النفس ومش بترد عليا ولون وشها بدأ يزرق، فيه علاج ولا حاجه بتخده؟"
اتسعت عينا جواهر بصدمة وقالت بسرعة:
"رنيم مريضة حساسية صدر، وبتحصل ليها الحالة دي لما تخاف ولا تعيط كتير أو تتعصب، دور في شنتطها هتلاقي البخاخه بتاعتها، حاول تديها ليها لحد ما ابعتلها خالتوا ترنيم هي الوحيدة اللي متابعه حالتها."
أغلق الخط فورًا، ثم نظر إلى رنيم بخوف حقيقي لم يعرفه من قبل. خرج من الغرفة مسرعًا، يبحث بعشوائية داخل حقيبتها حتى وجد ما أخبرته عنه، فألقى الحقيبة أرضًا بعنف وعاد إليها راكضًا.
جلس بجوارها، رفع رأسها إلى صدره محاولًا إعطاءها الدواء، لكن ارتباكه شل حركته تمامًا، لم يعرف كيف يستخدمه، وكأنه فقد القدرة على التفكير.
أجرى اتصالًا آخر بجواهر وهو يقول بصوت متوتر يكاد يختنق:
"البتاعة دي بتشتغل ازاي مش عارف؟"
ردت عليه بصوت مختنق:
"ربع ساعه بالكتير وخالتوا ترنيم هتكون عندكم وهتحط الجهاز ليها وانا بلبس اهو وجايه أنا وجواد."
أنهى المكالمة ونهض سريعًا، التقط قميصه وارتداه بعجلة ويداه لا تتوقفان عن الارتجاف، ثم عاد وجلس بجوارها مرة أخرى.
ضمها إلى صدره بقوة وكأنه يخشى أن تخطف منه، وقبل رأسها بأسف حقيقي، بينما هربت دمعة ساخنة من عينه وسقطت فوق وجهها، ثم قال بصوت مختنق موجوع:
"أنا آسف يا رنيم أنا بعشقك، وحبي ليكي وغيرتي عليكي هي اللي وصلتني أعمل كده، بس والله العظيم ما كنت هكمل، أنا مستحيل اذيكي أنا كنت بحاول اخوفك مش اكتر علشان متسمحيش لاي راجل غيري يقرب منك، حقك عليا، انتي عمري كله، انتي الوحيدة اللي خطفتي قلبي، وخلتيني اكون اسير لعيونك، بترجاكي فتحي عيونك، متحرمنيش منهم."
ظل يتحدث إليها بانهيار، بينما هي لا تشعر بشيء، ساكنة داخل أحضانه بصورة كانت تقتله رعبًا، فضمها أكثر إليه وكأنه يخشى أن تتبخر من بين يديه.
ومرت الدقائق عليه كأنها دهر كامل.. حتى دوى جرس الباب أخيرًا.
نهض شاهين بسرعة جنونية واتجه للخارج، وما إن فتح الباب حتى اندفعت ترنيم إلى الداخل بعينين مذعورتين تبحثان عن رنيم، بينما كان وجهها شاحبًا من شدة الخوف.
أشار شاهين سريعًا ناحية الغرفة وقال:
"الاوضه اللى قصادك على طول دي."
تحركت ترنيم فورًا نحو الغرفة، اقتربت من رنيم وجلست بجوارها بسرعة، أمسكت يدها تتحسس نبضها، ثم مررت يدها على وجهها بخوف حقيقي قبل أن تنهض وتتجه إلى خزانة الملابس.
فتحتها بسرعة وأخرجت جهاز التنفس، ثم عادت إلى السرير، وضعته بجوارها وفتحت حقيبة يدها، أخرجت زجاجة صغيرة وأفرغتها داخل الجهاز، ثم وضعت الماسك على فم رنيم وثبتته جيدًا.
بعدها أخرجت حقنة وبدأت تملؤها بالعقار الطبي، ثم أمسكت يد رنيم وغرزتها بها، قبل أن تعود لمراقبتها بعينين يقتلهما القلق.
أما شاهين...
فعندما دخلت ترنيم الغرفة، كاد يلحق بها، لكن يد غريب أوقفته فجأة وهو يقول بنبرة رجولية حادة:
"انت رايح فين؟ مينفعش تدخل معاها وهي بتكشف عليها."
أنزل شاهين يده بعنف ونظر له بغضب مشتعل، لكنه كان في حالة لا تسمح له بالشجار. ابتعد بخطوات متوترة، ثم وقف أمام باب الغرفة يتحرك بقلق وعجز.
تكلم غريب بتحذير واضح:
"لو اتضح أن اللي حصل لرنيم ده انت السبب فيه، مش هرحمك يا شاهين."
رفع شاهين عينيه إليه بنظرة قاتلة وقال بحدة:
"انت مش هتخاف عليها اكتر مني، اطلع انت منها وملكش فيه."
اقترب غريب منه، ثم حرك إصبعه أمام وجهه بتحذير وقال من بين أسنانه:
"لا ليا فيه، اوعى تكون مفكر أن البنت وحيده وملهاش أهل، وتقدر تستفرد بيها؟ لا فؤق احنا أهلها وفي ضهرها ويوم ما تفكر تيجي عليها ولا تأذيها هتلاقينا احنا اللي واقفين في وشك فاهم."
ارتسمت ابتسامة ساخرة غاضبة فوق شفتي شاهين وقال بتهكم:
"وانت بقى اهلها بصفتك ايه، جوز حبيبت ابوها؟ ولا بصفتك راجل مافيا سابقا؟"
قبض غريب على ياقة قميصه بعنف وقال:
"لا واضح اوي أن امك عرفتك كل حاجه عن الماضي، ويا ترى بقى امك قالتلك كل حاجه؟ ولا ظهرتلك نص الصورة بس مش الصورة كامله؟"
تجمد شاهين للحظة من الصدمة، لكنه تماسك سريعًا وقال بحدة:
"لا انا عارف كل حاجه وعارف قذارتك زمان، بس مش وقته الكلام ده اطمن الاول على رنيم وبعد كده لينا كلام مع بعض، يا غريب ضرغام."
ثم أبعد يده عنه بعنف.
نظر له غريب طويلًا بنظرة تحمل وعيدًا صامتًا، قبل أن يلتزم الصمت مؤقتًا حتى يطمئنوا على رنيم.
وفي تلك اللحظة دوى جرس الباب بعنف داخل أجواء الشقة المشحونة، فتحرك شاهين نحوه بخطوات سريعة متوترة، وما إن فتح الباب حتى اندفع جواد عليه كالاعصار، لتستقبله قبضته القوية مباشرة دون أي مقدمات، وهو يهتف بصوت جهوري مشتعل بالغضب:
"عملت فيها ايه؟ اقسم بالله ما هحلك يا شاهين."
ترنح شاهين للخلف قليلًا تحت قوة اللكمة، لكن غضبه انفجر فورًا، فانقض عليه يرد له الضربات بعنف مماثل، وتحولت اللحظة إلى اشتباك حاد امتلأ بالغضب والاحتقان.
ركض غريب نحوهما سريعًا، وتمكن بصعوبة من الإمساك بجواد الذي كان يحاول الفتك بشاهين، ثم صرخ بغضب حاد:
"اهدا يا جواد مش وقته، نطمن الاول عليها."
لكن جواد كان خارج السيطرة تمامًا، عينيه تقدحان شررًا وهو يحرك إصبعه بتحذير نحو شاهين:
"اقسم بالله لو حصل ليها حاجه هقتلك يا شاهين."
ورغم الفوضى التي تعصف داخله، ارتسمت فوق شفتي شاهين ابتسامة مستفزة باردة، ثم قال بسخرية لاذعة:
"بلاش تعمل نفسك راجل أوي بدل ما أقل منك قدام مراتك."
اشتعل وجه جواد أكثر، وحاول الإفلات من يد والده بعنف وهو يهتف:
"سبني عليه يا بابا، ده حلال فيه القتل."
تقدمت جواهر بخطوات غاضبة وهي تنظر إليهم بصدمة وعدم تصديق، ثم قالت بانفعال حاد:
"ده وقته بذمتكم؟ البت مرميه جوه قاطعه النفس وانتوا هنا ماسكين في خناق بعض."
ثم اتجهت سريعًا نحو غرفة رنيم، لكنها توقفت فجأة عندما وصلها صوت شاهين القلق من خلفها:
"جواهر طمنيني عليها عاملة ايه دلوقتي."
التفتت إليه للحظة، فرأت الرعب الحقيقي داخل عينيه، فاكتفت بإيماءة صغيرة قبل أن تدخل الغرفة وتغلق الباب خلفها.
داخل الغرفة...
كانت الأجواء هادئة بصورة ثقيلة، لا يقطعها سوى صوت جهاز التنفس المنتظم وأنفاس رنيم المتعبة.
اقتربت جواهر من السرير ونظرت إلى رنيم بقلق واضح، ثم سألت ترنيم بصوت منخفض:
"رنيم عامله ايه دلوقتي يا خالتو؟"
نظرت ترنيم إلى رنيم بعينين يغمرهما الحزن وقالت بهدوء مرهق:
"النفس بدأ يهدا الحمدالله، وشويه وهتفوق."
جلست جواهر بجوارها من الجهة الأخرى، ثم مررت يدها بحنان فوق شعر رنيم وقالت بصوت مليء باللهفة:
"فؤقي يا حبيبتي، طمني قلبنا عليكي."
مرت عدة دقائق بدت طويلة ومتوترة، قبل أن يتحرك جفن رنيم أخيرًا بحركة خفيفة، فتنفست ترنيم براحة واضحة وقالت بابتسامة مرتجفة:
"الحمدالله بدأت تفؤق."
أمسكت جواهر يدها وربتت عليها بحنو وهي تقول:
"ألف سلامه عليكي يا حبيبتي، كنا هنتجنن عليكي."
فتحت رنيم عينيها ببطء شديد، كان وعيها يعود إليها بتشوش مؤلم. شعرت بشيء يغطي وجهها، فرفعت يدها بضعف تتحسسه لتدرك أنه جهاز تنفس.
أدارت رأسها نحو جواهر تنظر لها باستغراب، ثم التفتت للجهة الأخرى.
وفور أن وقعت عيناها على ترنيم، تجمدت ملامحها وتغضن وجهها بضيق واضح.
عادت تنظر إلى جواهر، ثم أبعدت الماسك عن فمها وسألت بصوت متعب مشوش:
"هو ايه اللي حصل؟ وانتوا هنا بتعملوا ايه؟"
أجابتها جواهر بهدوء محاولة طمأنتها:
"معرفش ايه اللي حصل لاقيت شاهين بيتصل بيا وبيقولي أنك تعبانه ومش عارفه تخدي نفسك، وبعدها أنا اتصلت بخالتوا ترنيم، وجينا على طول عليكي."
وفور أن تذكرت ما حدث...
هبطت دمعة موجوعة من عينيها دون إرادة، لكنها مسحتها سريعًا قبل أن تلاحظها جواهر، إلا أن صوت ترنيم جاء هادئًا يحمل عتابًا خائفًا:
"أنا كذا مره اقولك اول ما تحسي بنفسك بدأ يتكتم خدي البخاخه على طول، متوصليش نفسك للحاله دي."
أغمضت رنيم عينيها بضيق، وكأن كلماتها زادت اختناقها، ثم قالت بحدة باردة:
"وانتي مالك، اخدها ولا مخدهاش، اموت ولا اروح في ستين داهيه، ابعدي عني ومالكيش دعوه بيا."
تنهدت جواهر بنفاذ صبر وقالت بلوم:
"يا بنتي اهدي شويه، ده بدل ما تشكريها على اللي عملته معاكي وانقذت حياتك."
اعتدلت رنيم في جلستها بعصبية، ثم نزعت الماسك من فوق وجهها بعنف وهي تقول بغضب مكبوت:
"محدش طلب منها تنقذ حياتي، كل اللي بطلبه منها تبعدي عني وتسيبني في حالي."
استقامت ترنيم بجسدها تنظر إليها بعينين تمتلئان بالحنان والألم معًا، ثم قالت بهدوء عميق:
"متحاوليش يا رنيم مش هبعد عنك حتى لو أنتي اللي طلبتي ده، انتي امانه في رقبتي، هحافظ عليكي واحميكي، لآخر يوم في عمري، عايزه لما اقابل وجه كريم، واقابل ابوكي، اقدر ابص في عينه اطمنه أن اديت رسالتي معاكي لاخر لحظه في عمري."
وكأن ذكر والدها أشعل شيئًا مؤلمًا داخلها.. صرخت رنيم فجأة بانفعال حاد:
"متجبيش سيرة بابا على لسانك، كفايه انانيه بقى، راعي أنه أبويا اللي أتحرمت منه بسببك."
اهتزت ملامح ترنيم بقوة، وانهمرت دموعها أخيرًا وهي تقول بصوت مختنق موجوع:
"أنا عمري ما كنت انانيه يا رنيم، أنا بعد عنه واتعذبت علشان خاطركم، علشان مبقاش اخد راجل من مراته وبنته، انا لو انانيه، كان زماني عايشه معاه هو الحياة اللي رسمناها مع بعض من ساعة ما واعية على الدنيا، أنا لو انانيه كنت انتي اول واحده هكرها علشان شاركتيني في قلبه وفي حبه، علشان اخدي الدلع اللي كان حقي، كنت أنا طفلته الوحيده اللي بيدللها، وجيتي شاركتي ده معايا، إنما لا، معملتش كده، حبيتك من قلبي كأنك حته مني، لهفتي عليكي وخوفي عليكي مش مجرد تمثيل يا رنيم، ده حب بجد انتي عندي زي أروى وجواد حتى عيالي عمرهم ما شافوكي غير انك اخت ليهم، رغم سوء معاملتك ليهم، علشان أنا ربيتهم أن ليهم اخت تالته اللي هو انتي، على طول بالي مشغول عليكي، أنا مش بقول كده، علشان منتظره منك تردي ليا الجميل ولا انك تضربي ليا تعظيم سلام، ولا احسسك بكرمي عليكي، لا يا رنيم، أنا بقولك كده علشان نفسي تشفيني امك بجد مش مجرد عدوة ولا ست كانت عايزه تاخد ابوكي منكم، وبرضه مش هييأس، وهفضل احميكي وفي ضهرك حتى لو رفضي ده."
ثم نظرت إليها طويلًا بعينين يغمرهما الأسى، وقالت بصوت خافت:
"أنا همشي واتمنى انك بلاش تهملي في نفسك تاني، ولو حسيتي بأي أعراض لضيق النفس خدي البخاخه وكلميني على طول."
ثم استدارت وغادرت الغرفة بهدوء، وأغلقت الباب خلفها.
تابعتها جواهر بنظرة لوم، وقبل أن تتحدث، دوى صوت جواد الغاضب من الخارج وهو يهتف باسمها لتغادر معهم.
انتفضت واقفة بسرعة وقالت على عجل:
"أنا همشي وهبقى اكلمك فون اطمن عليكي، واعرف ايه اللي حصل وصلك للحالة دي."
ثم قبلت خدها سريعًا وغادرت هي الأخرى.
ساد الصمت داخل الغرفة...
نظرت رنيم إلى الباب بملامح مرهقة وحزينة، لكن عينيها اتسعتا قليلًا عندما انفتح الباب مجددًا وظهر شاهين من خلفه.
أغلقت عينيها فورًا وكأن مجرد رؤيته يؤلمها، ثم قالت بصوت مختنق:
"أنت بتعمل ايه هنا؟ اطلع بره مش عايزه اشوفك."
دخل إلى الداخل ببطء، وصوته هذه المرة كان مثقلًا بالاختناق:
"طمنيني عليكي، عامله ايه دلوقتي؟"
ضحكت بمرارة موجوعة قبل أن تقول بصوت مرتعش:
"أنا بكرهك يا شاهين، انت عايز تدبحني بأيدك، وترجع بعد كده وتسألني عامله ايه."
كلماتها سقطت عليه كصفعة قوية مزقت حالة الجنون التي كانت تسيطر عليه منذ قليل.
مرر يده داخل شعره بعنف، ثم نظر إليها بانفعال مشتعل وقال:
"انتي عايزه ايه بالظبط؟ مبقتش فاهمك، شويه تقوليلي بحبك وشويه تقوليلي بكرهك، شويه تكوني هاديه وشويه تتعصبي وتعاندي وتخرجيني عن شعوري، انتي اللي وصلتيني لكده."
انكمشت رنيم فوق السرير، تضم ساقيها إلى صدرها كأنها تحاول الاحتماء بنفسها منه، بينما جسدها يرتجف بعنف، ودموعها تنهمر بلا توقف.
حتى شهقاتها أصبحت مؤلمة لصدرها.
خرج صوتها متقطعًا من بين بكائها:
"اطلع بره يا شاهين، مش عايزه اشوفك ولا اسمع صوتك."
أغمض عينيه بقوة يحاول السيطرة على غضبه، لكن قلبه انقبض بعنف وهو يراها بهذه الحالة بسببه.
اقترب منها هذه المرة ببطء حذر، ثم جلس على حافة السرير وقد تبدلت ملامحه قليلًا بندم واضح، وقال بصوت منخفض مبحوح:
"أنا آسف."
هزت رأسها بعنف ودموعها تتساقط أكثر:
"وانا مش متقبله أسفك يا شاهين، اطلع بره قلتلك."
ابتلع الغصة العالقة بحلقه، ثم قال بصوت متعب وكأن الكلام يخرج منه بصعوبة:
"يا رنيم انتي اللي غلطانه، أنا اتصلت بيكي كتير ومردتيش عليا قلقت عليكي، وفي الاخر اتفاجاء انك جايه مع راجل في عربيته وقريب منك بالشكل ده، قوليلي أنه عقل هيستحمل يشوف حبيبته في المنظر ده؟ وبعد محاولات كتير وأنا بتصل بيكي ومش بتردي، اتعصبت غصب عني، غيرتي حرقت قلبي ولغت عقلي، عمت عيوني عن أي حاجة وداني اتسدت، كل اللي شايفه قصادي هو المشهد ده، عارف ان عصبيتي وحشه وكنت هعمل حاجه صعبه اندم عليها، بس حبك اقوى من أي شئ فؤقني في اللحظة الأخيرة، ارجوكي سامحيني يا رنيم."
كانت تستمع إليه ووجهها مخبأ بين ذراعيها، تبكي بصمت موجوع، بينما شعور الخذلان ينهش قلبها بعنف.
وبعد لحظات طويلة رفعت رأسها قليلًا وقالت بصوت بالكاد خرج من بين شهقاتها:
"بترجاك اطلع بره يا شاهين، أنا دلوقتي مش شايفه ولا سامعه، غير الوحش المخيف، نظرتك المرعبه، لمستك المقرفه، اطلع بره وكفايه لحد كده."
انعقد حاجباه بقوة، ونظر إليها بعدم استيعاب قبل أن يقول ببطء خطير:
"يعني ايه كفايه لحد كده؟ تقصدي أيه؟"
مسحت دموعها بعنف بكم ملابسها وقالت بنبرة مهزوزة:
"يعني كفايه لحد كده، لا عايزه اعرفك ولا ليك دعوة بيا."
في لحظة اشتعلت عيناه بصورة مخيفة، وضغط على أسنانه بقوة حتى برز فكه، ثم قال بتحذير مرعب:
"تاااني يا رنيم؟ السيرة دي بتجنني، بتخليني أفقد اعصابي."
ثم اقترب منها فجأة حتى أصبح أمامها مباشرة، وانحنى قليلًا نحوها، بينما كانت عيناه مثبتتين داخل عينيها بنظرة جعلت الرعشة تسري داخل أوصالها، وقال بصوت خافت يحمل تهديدًا صريحًا:
"انتي مش هتكوني لحد غيري، حتى لو حكمت اقتل أي حد يقرب منك، أنا هفضل زي ضلك بعد كده، وأي راجل هيبصلك بعينه هفقعهاله، هيمد أيده يسلم عليكي هقطعهاله، هيفكر فيكي مجرد تفكير، همحيه من على وش الأرض، انتي بتاعتي أنا، ملكيه خاصه بشاهين الرواي، ومش هحلك غير بموت حد فينا، فاهمه."
أنهى كلماته وهو يتنفس بعنف، ثم استدار فجأة وكأنه يهرب من نفسه قبل أن يفقد السيطرة مجددًا، وغادر الشقة بخطوات متوترة غاضبة.
ظلت رنيم تحدق نحو الباب للحظات طويلة، حتى دوى صوت إغلاقه القاسي داخل المكان.. وعندها فقط انهارت بالكامل.
رفعت يدها المرتجفة إلى وجهها، ثم أجهشت بالبكاء بألم خنق روحها كلها.
***************************
عند مريم...
كانت الصالة غارقة في هدوء ثقيل، لا يُسمع به سوى صوت عقارب الساعة وحركة المقعد المتحرك الخافتة. جلست مريم في منتصف المكان بهدوء مخيف، ملامحها جامدة لكن عينيها كانتا تلمعان بشر دفين، وكأن عقلها لا يتوقف عن نسج الخطط والمؤامرات.
رفعت هاتفها ببطء، ثم أجرت اتصالًا بأماليا وانتظرت الرد، وما إن وصلها صوتها المختنق حتى ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها وتكلمت بتساؤل يحمل استهزاء واضح:
"مال صوتك يا اختي؟ شكلك موكوسه ومعرفتيش تعملي حاجة."
وصلها صوت أماليا مرتبكًا ومشحونًا بالاختناق، وكأنها على وشك البكاء، ثم قالت:
"عملت كل اللي انتي قلتيلي عليه، ولما المفعول اشتغل وحاولة أقرب منه بعدني عنه، وجرى عليها وسابني، وكمان لما رجع واجهني وعرف اني حاطه ليه حاجه في العصير."
اتسعت ابتسامة مريم أكثر، لكنها كانت ابتسامة باردة مرعبة، ثم قالت بنبرة مليئة بالخبث:
"علشان عبيطه وهبله، مافيش ولا مرة فشلت الخطة دي الا معاكي، عموماً خليكي وراه، متييأسيش، وكده كده اليومين الجاين هيجري على حضنك انتي، بس عالله تفلحي المرادي."
تغيرت نبرة أماليا فورًا، وكأن كلمات مريم أعادت إليها الأمل من جديد، فقالت بحماس وسعادة واضحة:
"تيجي ليا الفرصه بس وانا هخليه ينسى الدنيا كلها في حضني."
أسندت مريم ظهرها إلى المقعد، ثم نظرت أمامها بعينين مليئتين بالتوعد وكأنها ترى النهاية التي خططت لها منذ سنوات، وقالت بثقة مظلمة:
"الفرصة هتجيلك متقلقيش، أول خطوة تمت والباقي سهل، يلا هسيبك ورايا حاجات مهمة."
أغلقت الخط ببطء، ثم أنزلت الهاتف إلى حجرها وظلت تنظر أمامها لثوانٍ طويلة، قبل أن ترتسم على وجهها ابتسامة شر خالصة وقالت بصوت منخفض يحمل نشوة الانتصار:
"كده الخيوط كلها بقت تحت ايدي، وبحركهم زي ما انا عايزة، لحد ما تيجي اللحظة اللي صبرت عليها كتير."
لكنها لم تكن تعلم أن هناك من سمع كل شيء...
في الخلف، كان مروان يقف متجمداً مكانه خلف الجدار، وقد وصلته كلماتها كاملة دون أن تشعر بوجوده. انعقدت ملامحه تدريجيًا، بينما بدأ الخوف يتسلل إلى قلبه لأول مرة بهذه الصورة.
لم تكن مجرد شكوك بعد الآن، والدته بالفعل تخطط لشيء خطير يخص شاهين.
ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر ببرودة تسري في أطرافه وهو يستوعب ما سمعه للتو، ثم تراجع للخلف بحذر شديد قبل أن تراه، وتحرك سريعًا خارج المكان وقلبه ينبض بعنف، بينما عقله يغرق في ألف سؤال وخوف.
****************************
في صباح يوم جديد، كانت رنيم ما تزال جالسة فوق فراشها بعينين مرهقتين ووجه شاحب أنهكه البكاء والسهر. لم يزرها النوم طوال الليل، وكأن عقلها عاقبها بأن يعيد عليها كل ما حدث بالأمس مرة تلو الأخرى دون رحمة. كانت كلما أغمضت عينيها ترى نظرة شاهين المخيفة وهي تلتهمها بعنف، وتشعر بلمسته القاسية التي افتقدت تمامًا ذلك الحنان الذي كانت تذوب فيه دائمًا، وكأنه في تلك اللحظة لم يكن الرجل الذي أحبته، بل شخص آخر لا تعرفه، اندفع نحوها كصياد ينقض على فريسته بلا شفقة. أما نبرته الأخيرة فقد ظلت تتردد داخل أذنها طوال الليل، تزرع في قلبها خوفًا وقلقًا لم تستطع التخلص منه مهما حاولت.
ظلت غارقة في دوامة أفكارها المؤلمة حتى قطع صمت الغرفة صوت هاتفها معلنًا عن اتصال جديد. تحركت ببطء وكأن جسدها أثقلته الليلة الماضية، ثم انحنت تلتقط حقيبة يدها الملقاة أرضًا منذ الأمس، وأخرجت الهاتف منها لتجد اسم عمر يظهر على الشاشة. زفرت بضيق قبل أن تجيب، محاولة إخراج صوتها طبيعيًا رغم الاختناق الذي يملأها:
"السلام عليكم، خير يا استاذ عمر؟ متصل بيا بدري اوي كده ليه؟"
جاءها صوته غاضبًا ومشحونًا بانفعال واضح:
"طمنيني عليكي، الهمجي ده عملك حاجه؟ اذاكي ولا قرب منك؟"
أغمضت عينيها بضيق وهي تشعر بانقباض غريب داخل صدرها بسبب طريقته في الحديث عن شاهين، ثم قالت بصوت مختنق تحاول تبريره رغمًا عنها:
"أنا عارفه ان اللي حصلك امبارح انت ملكش ذنب فيه، بس شاهين مش همجي، هو عصبي شويه مش اكتر."
وما إن خرجت الكلمات من فمها حتى شعرت بالضيق من نفسها. حتى بعد كل ما فعله بها، ما تزال تدافع عنه دون وعي.
لكن عمر لم يهدأ، بل ازدادت نبرته غضبًا وهو يقول:
"لا همجي، وحقي أنا مش هسيبه، وزي ما اخدني على خوانه وضربني، انا هردها ليه بنفس طريقته."
ارتجف قلبها خوفًا من أن يشتعل الصدام بينهما أكثر، فقالت بسرعة محاولة إنهاء الأمر:
"استاذ عمر، هو كان سوء فهم، وانا فهمته خلاص."
صمت للحظات قبل أن يسألها مباشرة بنبرة أثقلتها:
"انتوا فيه ما بينكم حاجه؟"
توترت ملامحها فورًا، ثم ردت بضيق واضح:
"حضرتك مصمم، تسألني على حاجات شخصيه، بعد اذنك الكلام في حدود العمل بس، ولتاني مرة بعتذر لحضرتك على سوء الفهم اللي حصل امبارح."
زفر عمر بضيق محاولًا تهدئة نفسه، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
"تمام، عموما أنا شويه ورايح الشركه عندك علشان نمضي العقود."
انعقد حاجباها بدهشة حقيقية وقالت باستغراب:
"عقود!! أنا قولت بعد اللي حصل امبارح، هتصرف نظر عننا."
رد عليها سريعًا موضحًا:
"ده شغل ملهوش دعوة بأي حاجه شخصيه، وبعدين مشكلتي مش معاكي، مشكلتي معاه هو وانا هعرف اتصرف معاه كويس اوي."
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تلتقط التهديد الواضح المختبئ خلف كلماته، ثم قالت بسرعة:
"استاذ عمر أنا لازم اقفل علشان متأخرش على الشركة."
لكن صوته أوقفها قبل أن تغلق المكالمة:
"اجي اخدك بالعربيه، علشان عربيتك متعطله من امبارح؟"
انتفض قلبها فورًا، وردت برفض قاطع وهي تشعر أن الأمر سيزيد المشاكل أكثر:
"لا لا شكرا، أرجوك مش عايزه مشاكل، أنا هركب تاكسي."
ثم أغلقت معه الخط وهي تشعر بعدم ارتياح يضغط فوق صدرها.
نهضت بعدها ببطء واتجهت إلى المرحاض، أخذت حمامًا دافئًا طويلًا علّه يخفف عنها شيئًا من توترها، ثم ارتدت بورنس الاستحمام وخرجت إلى غرفتها وهي تجفف خصلات شعرها المبللة، لكنها توقفت فجأة مكانها وتجمدت أنفاسها عندما وقعت عيناها على شاهين الجالس فوق الأريكة بكل هدوء، يضع قدمًا فوق الأخرى وكأنه داخل منزله.
اتسعت عيناها بصدمة وابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بتوتر واضح:
"ا انت دخلت هنا ازاي؟"
رفع عينيه إليها ببطء، تتنقل نظرته من أعلى جسدها إلى أسفله بطريقة أربكتها بشدة، ثم قال بهدوء مستفز:
"بالمفتاح!."
نهض بعدها وتحرك نحوها بخطوات ثابتة حتى وقف أمامها مباشرة، ثم أمسك خصلة من شعرها المبلل وأخذ يحركها بين أصابعه وهو يهمس بصوت منخفض أربك دقات قلبها:
"اتعودي على كده كتير علشان مفتاح الشقه هيفضل معايا على طول، وانا اللي هوصلك لاي مكان هتروحي، وهجيبك لحد بيتك لما تخلصي."
نظرت إليه بضيق واضح وقالت بصوت مختنق:
"ليه بقى إن شاءالله؟ وصي عليا؟ ولا تكونش جوزي وانا معرفش؟"
ما إن أنهت كلماتها حتى أحاط خصرها بذراعه وضغط عليه بقوة، ثم اقترب من وجهها لدرجة جعلتها تشعر بحرارة أنفاسه تلامس بشرتها، وقال بنبرة متحكمة لا تقبل النقاش:
"آه وصي عليكي، وقريب اوي هبقى جوزك، برضاكي أو غصب عنك."
حاولت دفعه بعيدًا عنها وهي تقول بحدة:
"بتحلم يا شاهين، أنا مش ليك وعمري ما هكون ملكك."
لكن ابتسامته ازدادت ثقة وهو يجيبها بهدوء مستفز:
"بكره نشوف يا صغنن."
ثم طبع قبلة سريعة فوق خدها وابتعد عنها قبل أن يقول ببساطة:
"هطلع أعمل اتنين شاي واستناكي بره لحد ما تلبسي هدومك."
وغادر الغرفة تاركًا إياها متسمرة مكانها تراقب الباب بعد خروجه.
أطلقت نفسًا عميقًا محاولة استعادة هدوئها، لكنها فشلت تمامًا. قربه منها، طريقته المسيطرة، أنفاسه الساخنة التي لامست وجهها.. كل ذلك أربكها بصورة أزعجتها بشدة. تحركت نحو المرآة تنظر إلى انعكاسها، لتشعر بالخجل فجأة عندما استوعبت أنها كانت تقف أمامه بذلك المظهر. احمرت وجنتاها دون إرادة منها، فزفرت بضيق محاولة طرد تأثيره عنها، ثم اتجهت إلى خزانة ملابسها وأخرجت ما سترتديه.
وبعد أن انتهت من تبديل ملابسها ومشطت شعرها بعناية، خرجت من الغرفة لتجده ما يزال جالسًا فوق الأريكة ينتظرها، وأمامه كوبان من الشاي.
وقفت أمامه مباشرة، وعقدت ذراعيها أمام صدرها قبل أن تقول بنبرة ممتلئة بالاختناق والغضب:
"ممكن لو سمحت بلاش طريقتك دي معايا؟ بلاش تبقى محاصرني بطريقة تخنق، يعني ايه مفتاح شقتي يفضل معاك، وليه توصلني وترجعني وكأني طفلة صغيره، انت واحد غيرك المفروض يختفي من حياتي خالص، يعني في الاول حاولة تدمرني في شغلي، أونكل حسام مات بسببك، كنت هكون مجرمة بسببك، وبعد كده اكتشفت أن امك تبقى مريم الست اللي قتلت بابا وماما، وبعد ده كله قلت اديك فرصه وحبيتك واعترفت بحبي ليك واتفاجئ فجأة انك متجوز وعندك بنتين، وبعدها حاولة تقرب مني بطريقة مقززة وبعدها جاي وانت محطوط ليك منشط على اساس أنا الصدر الحنين وهسمحلك تقرب مني وتريح نفسك، وآخرها امبارح بليل حاولة تعتدي عليا، ودلوقتي جاي بكل استفزاز تقولي مفتاح شقتي هيبقى معاك، وانك هتمشي ورايا زي ضلي، وتقولي هتبقى جوزي قريب برضايا أو غصب عني، أنت جايب البجاحه دي منين؟ لا بجد انت إزاي عندك كمية الاستفزاز دي؟"
كان يستمع إليها بهدوء غريب، يراقب انفعالها بعينين ممتلئتين بعشق مجنون، وكأن غضبها نفسه يعجبه. وما إن انتهت حتى اعتدل بجسده، ثم مال نحوها حتى أصبح بمستوى وجهها وقال بصوت هادئ أربكها أكثر:
"حاسبي نفسك انتي قبل ما تحاسبيني، محدش قالك اخطفي قلبي، لدرجة اني بقيت مجنون حبك واسير لعيونك، انا مقاتل في محراب عينيكي، ولو رموشك دبحتني بسيفها، هكون شهيد في حب عيونك."
ثم أمسك كوب الشاي ووضعه بين يديها قائلًا ببساطة:
"يلا اشربي الشاي بتاعك علشان ننزل."
وعاد يجلس فوق الأريكة وكأن شيئًا لم يحدث، بينما ابتسامته المستفزة لا تفارق وجهه.
ظلت تنظر إليه بعدم فهم، تشعر بمشاعر متناقضة تعبث داخلها بعنف، بين الغضب والعشق والاستفزاز وحتى تلك السعادة الصغيرة التي تكره الاعتراف بها. ثم قالت بنفاذ صبر:
"انت مستفز اوي يا شاهين، وبارد ودمك تقيل، بكرهك."
تعالت ضحكته الرجولية الهادئة، ثم قال بثقة مريحة لأعصابها ومستفزة لها في الوقت ذاته:
"بس انا بحبك، وده يكفيني علشان أتمسك بيكي، وأفضل اعشقك في الباقي من عمري."
تذمرت بغضب طفولي وهي تصرخ بصوت مكتوم:
"باااارد."
ثم تركت الكوب واتجهت نحو الباب وخرجت سريعًا.
ابتسم شاهين على طريقتها المحببة لقلبه، ثم نهض وتحرك خلفها مباشرة.
دلفا إلى المصعد وسط صمت ثقيل، حتى انفتح الباب في الأسفل، فخرجت رنيم بسرعة ولوحت بيدها لسيارة أجرة، لكن قبل أن تتوقف السيارة اقترب شاهين منها وأمسك ذراعها، ثم أجبرها على التحرك معه نحو سيارته.
فتح الباب ودفعها إلى الداخل، ثم أغلقه واتجه إلى الجهة الأخرى وصعد خلف المقود.
التفتت إليه بغضب مشتعل وقالت:
"انت ايه يا اخي؟ جبله معندكش دم، مش عايزاك مش عايزه يجمعنا مكان سوى."
أدار السيارة ثم نظر إليها قبل أن ينطلق بها وقال بنبرة هادئة تحمل تحذيرًا واضحًا:
"خدي بالك أنا مطول بالي عليكي على قد ما أقدر، بس خفي علشان مش واثق أني هفضل محافظ على هدوئي ده كتير."
عقدت ذراعيها أمام صدرها بغضب، ثم أدارت وجهها نحو نافذة السيارة بصمت متذمر.
أما هو، فاكتفى بابتسامة خافتة على حركاتها، ثم انطلق بالسيارة متجهًا نحو الشركة.
*************************
عند جواد...
كان مستلقيًا فوق الفراش وعيناه مغمضتان، لكنه لم يكن نائمًا بقدر ما كان غارقًا داخل غضبه. ملامحه كانت متجهمة بصورة غير معتادة، وفكه مشدود بقوة حتى بدت أعصابه على وشك الانفجار. منذ ليلة الأمس والنار مشتعلة داخله، تلتهم هدوءه وعقله بلا رحمة.
في تلك اللحظة، أعلن هاتفه عن وجود اتصال جديد.
فتح عينيه بضيق ومد يده يلتقط الهاتف بملامح متحفزة، وما إن رأى اسم جواهر حتى ازدادت تعبيراته قتامة، لكنه لم يرد عليها. تجاهل الاتصال تمامًا وألقى الهاتف بجواره بعصبية، إلا أنه تفاجأ بصوتها يخرج من خلفه مباشرة:
"ده انت قاصد بقى متردش عليا؟ نفسي أفهم انت زعلان ليه مني من امبارح؟"
أغمض عينيه بقوة وكأن صوتها زاد النار المشتعلة داخله، ثم قال بصوت مختنق بالغضب:
"جووواهر امشي احسنلك."
جلست بجواره فوق السرير وهي تنظر إليه بضيق وقلق في آنٍ واحد، ثم قالت بإصرار:
"لا مش همشي يا جواد غير لما تقولي فيه ايه مالك."
استدار إليها فجأة بعصبية حادة، ونظر لها بنظرة قاتمة أخافتها قبل أن يقول بحدة:
"بلاش تعصبيني اكتر ما انا، غوري من وشي دلوقتي، بدل ما امدي ايدك عليكي."
اتسعت عيناها بصدمة حقيقية، وكأنها لم تصدق ما سمعته للتو، ثم قالت بصوت مهتز:
"اغور! وتمد ايدك عليا؟ انت اتجننت شكلك يا جواد، انت طول عمرك بتتعصب عليا بس عمرك ما غلط فيا ولا فكرت تمد ايدك عليا، ايه حصل لكل ده."
نهض من فوق الفراش بعنف وكأن غضبه لم يعد يحتمل البقاء داخله، ثم قال بصوت مرتفع مليء بالقهر:
"لما تستغفليني، وتعتبريني مش راجل، يبقى اكسرك رقبتك كمان."
نهضت بسرعة ووقفت أمامه تنظر إليه بعدم فهم حقيقي، وقالت بتوتر:
"استغفلك؟! ما تتكلم على طول وفهمني فيه ايه؟"
اقترب منها فجأة وأمسك ذراعها بقوة جعلتها تتألم، ثم قال من بين أسنانه بغضب مشتعل:
"شاهين جاب رقمك امبارح مني؟"
ارتبكت نظراتها فورًا، وشعرت بقلبها يهبط داخل صدرها، ثم قالت بتلعثم واضح:
"م معرفش، ه هو كلمني من يومين علشان رنيم زعلانه منه وعايزني اكلمها تسامحه، بس والله العظيم ما أعرف جاب رقمي منين."
ازدادت قبضته حول ذراعها حتى تأوهت بألم، بينما خرج صوته أكثر خشونة وحدة:
"يعني كلمك مره تاني قبل كده كمان، وانا المغفل اللي مستغفلاه ونايم على ودانه، ولما كلمك مجتيش قلتيلي ليه؟ ولا لاقيتي نفسك عملتيها قبل كده مع وحيد وفكرتي معرفش، قولتي، ده عبيط واهبل ومش حاسس بنفسه."
شهقت بصدمة واتسعت عيناها بقوة وهي تهمس بعدم استيعاب:
"ا انت عرفت؟"
ابتعد عنها بعنف وكأنه لم يعد يحتمل قربها، ثم قال بغضب ممزوج بوجع حقيقي:
"اه عرفت لما وراني محادثات ما بينك انتي وهو وكأن فيه ما بينكم حاجه، بس انا علشان بحبك وواثق فيكي مصدقتش كلامه وضربته، بس كلامه وجعني مش علشان شكيت فيكي، بس علشان انتي مش شيفاني راجل، بتداري عليا ومتاكده أن لما أعرف هسامحك علشان بحبك، وده اللي حصل فعلا لما خرجتي من السجن مردتش افتح في القديم وقولت اكيد عندها أسبابها اللي تخليها متقولش ليك، إنما ايه مبررك أن تداري عليا أن شاهين كلمك؟ مافيش سبب يقنعني انك تعملي كده من ورايا، أنا مصدوم فيكي بجد."
كانت دموعها تنهمر بغزارة وهي تستمع إليه، تشعر بأن كلماته تطعنها واحدة تلو الأخرى، ثم حركت رأسها بسرعة بالرفض وقالت بصوت مرتجف:
"اقسم بالله انا خفت اقولك على وحيد بس خوف عليك انت عارفه انك وقتها هتتهور وممكن ترتكب جريمه، إنما مكنتش اقصد اي حاجه تانيه صدقني، أما شاهين، أنا كنت مفكره أن الموضوع عادي بيحب اختي وبيكلمني علشان أصالحهم على بعض، شفت أن الموضوع ميستحقش أن أحكي ليك."
لكن كلماتها لم تهدئه، بل انفجر بها أكثر وهو يصرخ بغضب:
"هو ايه اللي ميستحقش؟ انتي بتكلمي راجل غريب في التليفون أيا كان عايز ايه، ترضيها انتي على نفسك؟"
اشتعل الغضب داخلها فورًا، وكأن اتهامه لها أعاد فتح جروح حاولت نسيانها بصعوبة، فنظرت إليه بوجع وغضب في الوقت ذاته وقالت بصوت مرتفع:
"اه يا جواد رضيت بيها قبل كده، بس خيانتك ليا، قبلت أن اشوف في حضنك واحده غيري، قبلت أن اشوفك في شقة واحده وعلى سريرها، وفي الاخر اتسجنت بسبب قرفك ده، وبعد كل ده سامحتك وبتعامل معاك عادي، وانت جاي تلومني على مكالمة بريئه المقصود منها قلبين تانين خالص، عموما أنت حر أعمل اللي عايزه وشوف قرارك ايه وبلغني بي."
وما إن أنهت كلماتها حتى استدارت سريعًا واتجهت نحو الباب، بينما دموعها تنهمر دون توقف، ثم خرجت من الغرفة وصفقت الباب خلفها بعنف.
ظل جواد واقفًا مكانه يحدق في أثرها بوجه مشتعل بالغضب والاختناق، ثم مرر يده داخل شعره بعنف وأطلق زفرة قوية محملة بكل النار التي تلتهم صدره.
