رواية اربعة في واحد الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم فاطمه عبد ربه


 رواية اربعة في واحد الفصل السادس والثلاثون 

تقدم هشام من ثلاثتهم عندما كانوا ينتظرونه في ذلك المقهى الذي يعتادون الجلوس فيه، كان قد جاء هشام ليشرح لثلاثتهم آخر مادة سيمتحنونها كانت صعبة وحتى أحمد تعثر في بعض الأجزاء التي لم يفهمها.

فور جلوسه أمامهم كان قد توجه برأسه لقيس وسخر "أهلا يا عطيات "

وبالرغم من تلقيبه له باسم أنتوي لكنه ضحك ولم يعترض.

طيب مش فاهمين إيه بالظبط؟" تساءل وهو ينظر لثلاثتهم فأجابه أحمد "الفصل الثاني من الباب الرابع، مش فاهمه "

ثم أجاب أدهم "يص بقى الباب الرابع كله مش فاهمة الصراحة."

تعلقت أعينهم على قيس الذي رفع كتفيه وأجاب "الكتاب كلم "

نعم يا روح أمك هشرحلك الكتاب كله إزاي أنا!"

"والله مش مشكلتي أنت مش هتتعين معيد والمفروض متشرح كل ده؟"

بس مش ليلة الامتحان "

"ما إحنا قدامنا لحد بكرة إحنا نطلع على شقتي ونيات هناك ونطلع على الجامعة على طول"

حرك هشام عينيه لأحمد و ادهم فوجدهما موافقان على هذا الاقتراح، فقلب عينيه وأخرج هاتفه على مضض وهو ينهض ليقول طب هقول لبابا، أنا ما بيتش برا البيت قبل كدا".

بعد ساعة كانوا جميعا في شقة قيس حيث رمى أدهم بجسده على السرير ورفع عينيه للسقف. وجلس أحمد على الأريكة بينما غاب قيس في المرحاض ووقف هشام يتفحص الكتاب في يده.

هذا حتى حرك أحمد عينيه نحو مسدس المياه الذي كان بجانبه على الأريكة ...

النقطه وتفحصه قليلا قبل أن ترتسم ابتسامة ماكرة على وجهه عندما أدرك أنه مسدس مياه. ويهدوء كان قد صوب فوهة المسدس نحو هشام، ولم يلبث أن ضربه في ظهره فالتفت له الآخر بدون فهم حتى وجده يمسك بذلك المسدس، وكان سيفتح فمه ليصيح عليه بأن يتوقف عن

حركات الأطفال تلك لكن أحمد سبقه برشه على وجهه.

والا، بطل هبل، خلينا تخلص الزفت عندنا مذاكرة" تذمر وفوجئ بأحمد يضحك ويرشه من جديد

استدار لهما أدهم ليشاهد فوجد أحمد يرشه في وجهه هو الآخر، وقبل أن يصبح هشام من جديد كان أحمد قد بدأ برشه للمرة الثالثة، فقد أعصابه وتقدم منه وانتزع منه المسدس بعنف، ثم بدأ برشه في وجهه هو الآخر وهو يصبح "طب أهو .... عشان تعرف إنها حركة غلسة يا

غلس "

هذا حتى ظهر قيس بمسدس مياه اخر ورش هشام في قفاه فاستدار له ليجده يضحك ويصيح"حركة غلسة فعلا"

"أنا عايز مسدس أنا كمان ماليش دعوة " تذمر أدهم وهو ينهض لهم فحك قيس عنقه وأردف "المحل بتاع اللعب بعد شارعين من هنا، تعالوا ننزل نجيب"

"آه يلا ننزل نجيب مسدسين كمان عشان يبقوا أربعة." قال أحمد فوقف هشام ينظر لهم بدون تصديق ننزل فين! إحنا هنلعب ؟ إحنا عندنا امتحان بكرة والمفروض نذاكر

"ما إحنا هتلعب شوية وبعدين نذاكر عادي " أضاف قيس فوافقه أدهم "بالظبط كدا."

بدأ هشام يغير رأيه قليلا وحرك أنظاره نحو ثلاثتهم، الثلاثة موافقون ويريدون هذا وهو بالفعل

قد انتهى من مذاكرة كل شيء ولا يوجد ما يضره.

"ماشي، بس بعدها هنقعد نذاكر؟"

تمام " وافقه فيس وأحاط بعنقه ثم سحبه للخارج.

وصلوا إلى ذلك المتجر، كان دخولهم كجماعة لذلك المكان المخصص للأطفال مريبا بالكامل توجهت لهما إحدى الفنيات اللاتي يعملن في المتجر لتسأل بأدب "حضراتكم عايزين حاجة معينة ؟ "

اه، عايزين مسدسات ماية " أجابها قيس فقطبت جبينها باستغراب قليلا لكنها تداركت الموقف "كبيرة ولا صغيرة ؟ "

كبيرة، بصي أنا كنت واخد مسدسين من هنا عايز زيهم " أردف قيس وتحرك معها ليرى أين هي تلك المسدسات، بينما توجه أدهم لقسم الدباديب ولحقت به فتاة أخرى

"بكام دبدوب الباندا ده؟" تساءل وهو يشير إلى ذلك الدب الكبير فأجابته الفتاة باستغراب "خمسمية جنيه يا فندم "

"وديدوب دورا؟"

"ميتين جنيه "

" اشمعني ؟ ما هما نفس الحجم ؟!"

عادي يا فندم والله ما أعرفش، هي الأسعار كدا!"

ممكن عشان دورا رخمة وما حدش بيشتريها ؟ "

سقط فك الفتاة ونظرت له بعدم استيعاب ثم ابتسمت ابتسامة مزيفة وهي تجيب "جايز يا

فندم".

كان أحمد قد توجه نحو قسم مساحيق التجميل فلحق به هشام متهكما "طب لا مؤاخذة أنت رايح تشتري ميك أب لمين ؟!"

"أهو يتفرج، البت داليا كانت عاملة لاف على درجة روج في صورة على الفيسبوك وشكلها عاجباها .. هشوفها."

اصطدمت الفتاة التي تقف في قسم أدوات التجميل بشابان أمامها

"إزيك؟ يقولك إيه يا جميل .. عايز درجة روج اللي هي نبيتي دموي كدا."

نظرت الفتاة حولها بريبة لكونها ليست معتادة على قدوم أي شاب لذلك القسم تحديدا، لا سيما إن كان يسأل عن طلاء شفاة!

بينما أمال هشام على أحمد وهمس له "يخربيتك !"

ده لمين يا فندم؟" تساءلت الفتاة بفضول فنظر أحمد إلى هشام وأجاب "أكيد مش ليا، بصي،

هي نفس لون بشرة هشام كدل"

جحظت أعين هشام وشعر بالغيظ يتملكه فتركه وذهب يبحث عن قيس الذي وجده يمسك بمسدسان ويصيح "يا عيال، فيه مسدسات خرز ومسدسات ماية، بس الخرز ممكن يجي في

عينينا، نجيب الماية أحسن ؟"

كانت الثلاثة فتيات حرفيا لا يستوعبون ما يحدث هنا فواحد يبحث عن مسدسات أطفال والآخر يسأل عن الدباديب، والثالث يجرب طلاء الشفاة على يديه ليختار اللون الأنسب

هاتلي واحد خرز عشان هأنشك في عينك إن شاء الله " صاح هشام عليه فضحك وسخر ماشي يا أبو نسب، ما هو هيبقى في وشك هتبقى مجوز أختك لواحد أعور".

في حين كان أدهم قد أمسك بعلية عروسة باربي وتفحصها يمينا ويسارا وهو يسأل الفتاة تفتكري اللعبة دي مناسبة لبنت؟"

"عندها كام سنة يا فندم؟"

"إثنين وعشرين أو ثلاثة وعشرين."

قضمت الفتاة شفتها السفلى بيأس ونظرت للأعلى وهي تهمس بداخلها "ده شكله متخلف".

وعلى الجانب الآخر كان أحمد بمسك بإصبعين من طلاء الشفاة ويفاضل بينهما "تفتكري ده

أحسن ولا ده أحسن ؟"

" الإثنين حلوين يا فندم والله !"

طلب لو أنت، هتختاري أنهي فيهم؟"
"ما تخليها هي تيجي تختار يا فندم"

"لا ما أنا جايبهولها هدية، ولا أجيبلها برفيوم أحسن ولا أنت رأيك إيه؟"

ابتلعت الفتاة لعابها ونظرت لأقرانه، حيث قيس أمسك بمسدس الخرز وهو يقول " ينفع أجربه هنا؟"

التجيبه الفتاة بس ممكن يجي في حاجة يا فندم!"

"لا ما تخافيش، أنا هضريه في هشام".

كان هشام قد وصل لأدهم وسحبه بالقوة من ذراعه وهو يزمجر "أنا عارف إنك عاقل عن الإثنين

دول، قولهم يخلصوا ويلا عشان نمشي من هذا."

"اصبر بس هدفع طيب حق لعبة باربي دي ونمشي "

"باربي إيييييييه أنت كمان؟" صرخ في وجهه تم وقف ينظر أمامه بغيظ "بصوا، أنا خارج برا، خلصوا الهبل اللي بتعملوه ده وحصلوني " ثم تركه ورحل.

بدأ قيس بالبحث عن هشام ليجرب فيه المسدس فلم يجده، لكنه وجد بعض البلالين المنفوخة فقرر ضرب واحدة، والتي أحدثت صوتا عاليا عندما فرقعت وكان يقف بجانبها رجلا وابنه

وفرعا من الصوت.

استدار الرجل القيس بغيظ وصرخ عليه " أنت عبيط؟"

"معلش كنت بجرب المسدس " أردف بلا مبالاة

"مسدس إيه يا متخلف أنت اللي بتجربه !"

" بقولك إيه يا عم الحاج، لم نفسك وتوكل على الله عشان الطلقة الجاية مش هتبقى في البلونة

بتاعة المحل، هتبقى في بلونتك أنت".

كان أحمد مستندا على الطاولة وهو ما زال ينظر للونين بحيرة حتى أخبر الفتاة "طب ما تجربيهم على شفايفك كدا عشان أتأكد؟ أنت شفايفك أصلها شبه شفايفها شوية."

توسعت عينيها وفقدت أعصابها وصاحت فيه شفايف ايه يا حيوان أنت؟ أنا ساكتالك من الصبح أنت شكلك مريب أنت وأصحابك من ساعة ما دخلتوا".

كان أدهم قد استمع لصوت شجار فتوجه بسرعة نحوه فوجد قيس يتشاجر مع أحد الرجال. تدخل بينهما لفض النزاع محاولا تهدئة الرجل اهدى حضرتك، حصل إيه بس ؟"

"الحيوان، بيقولي هضرب الطلقة في بلونتك وأنا مش ماسك بلونة يبقى يقصد إيه يبلونتك

دي ؟"

ظهرت ضحكة على وجه أدهم رغما عنه فاشتعلت الدماء في رأس الرجل أكثر ودفعه عنه وصاح "أنت معاه؟ أيوة ما أنت شكلك عبيط أنت كمان بلعبة باربي اللي أنت ماسكها دي".

اقترب أحمد منهما وسارع هو الآخر بفض النزاع " فيه إيه يا جدعان؟"

"عادي، فرقعت بلونة عشان أجرب المسدس والبيه مش عاجبه " قال قيس وهو يدحرج عينيه بعيدا بضيق

"ما تقوله إنك قولتلي مفرقع بلونتك وأنا ماكنتش ماسك أي بلونة تقصد إيه يبلونتك دي يا

سافل یا وقح ؟ "

يعني حضرتك ما عندكش أي بلونة ؟" استفهم أحمد فأومأ الرجل، لكن عينيه جحظت عندما وجد الآخر يكمل "طب ما تدور تاني كدا يمكن فيه بلونة وأنت مش واخد بالك."

انفجر قيس ضاحكا هو وأدهم ثم تذمر قيس ما خلاص ياعم ما كانتش بلونة قولتلك هفر قعهالك، بعدين ده أنت تحمد ربنا لو فرقعتهالك، أكيد مافيش واحد يحب يبقى عنده بلونة بالمنظر ده! "

تصدق إني هروح دلوقتي القسم أعمل فيك محضر سب وقذف " صرح الرجل فسخر الآخر "هتروح تقولهم إيه ؟ هددتك إني أفرقعلك بلونتك؟ ياعم ما كانتش بلونة !"

وهنا جاء صراخ الرجل "فين الأمن؟ يا أمن .. يا أمن".

كان هشام قد شعر بالضيق والغيظ لتأخرهم بالداخل فتوجه نحو المتجر مرة أخرى لكن قبل أن يدخل وجدهم يدفعون للخارج وقيس يصبح طب قسما بالله لو مسكتك لهكون مفرقعلك

بلونتك يحق وحقيقي "

" فيه إيه وبلونة إيه اللي تفرقعها ؟" استفهم هشام فتذمر الآخر ده رجل قليل الأدب عنده بلونة عايزة تتفرقع."

فين المسدسات؟" نظر لهم فقلب أحمد عينيه " ما لحقناش تحاسب عليها."

اومال جيبتوا إيه ؟"

رفع أدهم يده بعلبة باربي وحمحم " أنا جيبت باربي "

بزمتك مش مكسوف من نفسك؟ راضي زمتك وضميرك يا أخي مش مكسوف وأنت ماشي ماسك لعبة باربي كدا؟ انا مش عارف أقولكم إيه منكم لله، إحنا كان المفروض بنذاكر دلوقتي " ويخهم هشام فنظر ثلاثتهم لبعضهم يضيق وندم

يلا ورايا من سكات، وتمشوا عدل عشان نروح تذاكر أشار لهم بسبابته و استدار متحركا فتحركوا خلفه.

" هو بيز عقلنا كدا ليه ؟ إحنا ما عملناش حاجة همس لهما قيس بخفوت فهمس له أحمد " هو واد

هادم للذات كدل"

ثم أضاف أدهم " يا جماعة هو أنا شكلي عرة أوي بعروسة باربي دي؟"

"بصراحة شكلك مسخرة" ضحك أحمد وضرب كفه بکف قیس فاستدار هشام لهم فجأة وزمجر "هو أنا قولت ايه ؟ لو ما مشيتوش ساكتين مش هشرحلكم حاجة."

ابتلعوا لعابهم وصمتوا وأكملوا المشي فهمس أدهم من جديد "ماحدش معاه كيس أسود بلاستك طيب ؟"

استدار له هشام ووبخه من جديد وعايز كيس أسود ليه يا حبيبي؟ ما تخليك ماسكها كدا يمكن جدك يكون معدى بالتشريفة بتاعته ويشوفك، هو في ديك الساعة لما حفيده اللي عايز يدخله أكاديمية الشرطة يبقى ماسك باربي في الشارع !"

على فكرة بقى مالكش دعوة والباربي دي مش ليا دي لداليا عشان عيد ميلادها، وأن هدخل أكاديمية الشرطة وأنت أول واحد هحبسه، هحبسك غلاسة كدا."

"تحبسني ؟ والنبي ابقى اتخرج الأول بس وبعد كدا ابقى احبسني "

" بمناسبة التخرج، إحنا هنخطف دكتور مصطفى بكرة ولا بعد بكرة ؟ " تساءل قيس فتوقف هشام عن السير واستدار لهم على حسب إحنا عايزينه لوحده في البيت."

طب و هنخليه لوحده في البيت إزاي؟" استفهم أدهم وصمت ثلاثتهم مفكرون حتى لمعت أعين أحمد "عادي سهلة.".

شرح هشام الفصل الرابع لهم وهنا قد انتهت مهمته عند أدهم وأحمد، لم يتبقى سوى قيس الذي ينتظر شرح المادة بأكملها ... رفع هشام عينيه له فأعطاه قيس ابتسامة جانبية، جعد حاجبيه ونظر للكتاب المكون من عشرة فصول مكونين من ثلاثمائة وخمسون صفحة .. وهو يجب عليه شرح كل هذا اليوم؟

"أنت مش فاهم الكتاب كله فعلا؟"

فكر هشام قليلا وعلق عينيه على الكتاب بضيق لكنه بدأ يشرح على مضض. وبعد ساعة من الشرح والإعادة والتكرار قد تعب ونظر للكتاب ثم لقيس بيأس ...

ت "بقولك ايه، فكك .. أغششك بكرة أسهل ؟"

مد قيس يده بسرعة له وهو يجيب بابتسامة واسعة "موافق" فصافحه هشام وأرتميا على الأريكة يتنفسان الصعداء.

"جماعة، هو احنا مش هتشوف بعض تاني بعد التخرج ؟ " تساءل أحمد الذي اعتدل في جلسته على السرير ولمح القلق يطفى على وجه ثلاثتهم فوزا ثم هب فيس وافقا

"لا اسمعوا .. إحنا لازم نبقى مع بعض على طول ... تمام ؟"

"بس أحمد هيسافر وأنا هروح أكاديمية الشرطة .. مش هيتبقى غيرك أنت وهشام، تمتم أدهم بضيق وهو يضع يده أسفل خده

"لازم نلاقي نشاط مشترك يجمعنا، " أضاف هشام فصفق قيس بيديه بحماس "نروح الجيم؟"

قلبوا جميعا أعينهم وبصوت واحد رفضوا "لا"

تتفق تلعب كرة سوا كل جمعة ؟ " اقترح قيس من جديد وبدت الفكرة جيدة لهم عدا أحمد الذي ابتلع الغصة في حلقه وتمتم بحزن "مش هتفرق، أنا كدا كدا مسافر."

اعتلى الإحباط وجوههم وعم الصمت بينهم حتى اقترح قيس من جديد "هو أنت لازم تسافر يعني؟ ما تشتغل هنا ... هخلي بابا يعينك في المصنع معانا."

نفى أحمد برأسه وتمتم بيأس مراد عايزني أسافر وأنا مش هينفع أقوله لا .. كفاية إنه شايل البيت كله فوق دماغه بقاله أكثر من عشر سنين."

عم الصمت بينهم لفترة في وسط تبادلهم للنظرات حتى تكلم أحمد مجددًا

"بس عموما أنا عايز أقولكم إني مبسوط إني أتعرفت عليكم وإني بحبكم كلكم جدا ورغم أن معرفتي بقيس كانت سوء فهم وخناقة بس أنا مش متضايق عشان بسببها اتجمعنا إحنا الأربعة

إحنا مش شبه بعض آه، ومافيش حد فينا يشبه الثاني، بس في الفترة اللي قضيناها سوادي قدرنا نتعايش سوا ونتقبل بعض باختلافاتنا .. ولو عليا عايزنا نفضل أصحاب للأبد، أنا مصاحب ناس كثير .. يعتبر مصاحب كل الناس بس ماحدش منهم كان قريب وواقف في ضهري زيكم أنتوا الثلاثة .. ولو أتحطيت في مشكلة بتبقوا أول ناس بتيجي في دماغي "

"خلاص ياعم الحساس ماتخلينيش أعيط ماحدش قالك إننا هنموت لسه لابسين في بعض لحد مشروع التخرج ولحد النتيجة ما تظهر " مزح قيس في محاولة منه لتخبئة مشاعره وتأثره بكلام أحمد

يلا تنام، تصبحوا على خير" قال أدهم وأدار جسده ناحية الحائط لكنه لم يغمض عينيه حقا ... يصعب التخيل بأنه سيتوقف عن رؤيتهم، وبأن أحمد سيسافر بعيدا وبالتأكيد سيأخذ داليا معه ! سيتركانه هنا وحده من جديد؟

شعر بشخص ينام بجانبه ومن رائحته عرف أنه أحمد لأن هشام نام على الأريكة وقيس فرد ملائة وتطوع بالنوم أرضا ...

"صحيح لعبة باربي إيه اللي أنت جايبها لداليا دي؟" سخر أحمد بجانبه فاستدار وتمتم بهدوء "أصلها قالت إن كان نفسها في باربي وهي صغيرة."

أوما أحمد بتفهم فعقد أدهم حاجبيه لوهلة "أنت متضايق إن أنا وداليا أصحاب؟"

قطب أحمد جبينه بالمقابل ونفى برأسه "لا طبعا .. أنا عارف أنكم أصحاب بس، وبعدين دي حاجة حلوة إن يكون بيني أنا وهي صديق مشترك هنجيبك تصلح بينا لما تتخانق "

ارتسمت ابتسامة حزينة على وجه الآخر وهو يتمتم "مش هاجي .. لأنكم هتسافروا . "

ثم استدار ووضع وجهه في الحائط من جديد ليترك الآخر غارقا في أفكاره، ماذا عن أمه وأبيه؟ سيتركهما ايضا ولن يستطيع التسكع مع أبيه ومضايقة أمه في المطبخ حينما تسنح له الفرصة ؟

ولن يستطيع رؤية أصدقائه ؟

أشفق على مراد حقا في هذه اللحظة، إنه بمفرده منذ وقت طويل ولا يدري كيف فعلها!

لكنه أشفق على نفسه أيضًا، سينعزل هناك ولن يكون بجانبه سوا داليا ومراد والكثير من الفراغ

ويذكر مراد فلقد كان يقف في شرفته الآن ويراقب غادة التي تتحدث على الهاتف بانفعال واضح في الشرفة التي أمامه

"أنا مش قولتلك ما تتصلش بيا؟" زمجرت غادة من تحت أسنانها وهي تتحدث لأبيها على الهاتف وبيدها الأخرى تقبض على السور الحديدي للشرفة التي تقف فيها

مش عايزة أسمع منك أي حاجة ومش محتاجاك في حياتي خلاص، وقولتلك ما تدخلش في أي حاجة تخصني " صرخت رغما عنها ثم أغلقت الهاتف في وجهه ووقفت تصك على فكيها بغيظ وهي تنظر للشارع بأعين فارغة حتى سمعت حمحمة رجولية قادمة من الشرفة التي أمامها

رفعت عينيها نحو مراد لم تدرك وجوده سوا الآن حاريت الرسم ابتسامة مزيفة على وجهها لتحييه بها لكنه تمتم " مش مضطرة تبتسمي أنا عارف إنك متضايقة "

تلاشت ابتسامتها ونظرت للأسفل وهي تومئ وتحاول منع نفسها من الكلام لكنها لم تستطع و رفعت رأسها لتبدأ بالترترة مش راضي يسيبني في حالي "

"هو عايز منك حاجة ؟ "

صمتت لفترة وأشاحت بوجهها بعيدا قبل أن تنطق بنبرة ساخرة "بيقول جايبلي عربس"

لم يبدو على وجهه أية ردة فعل ملامحه ما زالت ثابتة بطريقة جعلت غصة تعلو حلقها، لم يبدو غاضبا أو حزينا أو حتى متأثرا بأية طريقة .. وكأن الموضوع لا يعنيه!

"آه، تمام .." هذا كل ما تفوه به مما جعلها تغضب أكثر وتصك على فكيها بغيظ.

" وأنت مش عايزة العريس عشان منه ولا مش عايزة أي عريس في العموم؟ أصلي حاسس إنك مش عايزة تتجوزي أصلا - " تساءل فحركت عينيها له

هتجوز" لما ييجي حد مناسب"

طب ما يمكن العريس اللي هو جايبه مناسب !"

بدأ رأسها يشتعل من الغيظ ولم تعرف ما الذي يحاول مراد أن يصل له؟ هل يدفعها لمقابلة العريس حقا أم أنها تتوهم ذلك!

" يعني أنت رأيك أروح أشوفه؟"

كان سؤالا مفخخا له وهو شعر بهذا فلم يعطها إجابة بل بطريقة دبلوماسية - كان قد أجابها بسؤال أيضا "أنت عايزة؟"

"لا مش عايزة طبعا."

ولا عايزة أي عريس ؟"

كان يريد إجابة واضحة ومباشرة منها لأنه لن يعرض لنفسه الموقف محرج بتقدمه لها مرة أخرى دون معرفة رأيها، في حين أدركت هي بذكائها أن مراد يريدها أن تخبره مباشرة بأنها تريده أن

يتقدم من جديد

عينيه الزرقاء المعلقة على وجهها في ترقب واضح جعلتها تخجل قليلا ولا تجد طريقة مناسبة القول ما يريد هو سماعه

"أه ممكن أعوز عريس، أنت عندك عريس ؟" أجابت بنبرة مازحة قليلا مع ابتسامة تعلو شفتيها فابتسم هو الآخر وحك شعره الفوضوي

فيه عريس أه" قال مازحًا ولم يجد بدا من الأسلوب الغير مباشر الذي يتبعه؛ فالأفضل أن يتحدث مباشرة وبوضوح، فهذه هي شخصيته في العموم، إنه شخص صريح وواضح ومباشر خاصة فيما يريد، وهو يجد غادة مناسبة له ولا يريد العودة لألمانيا خالي الوفاض ليجلس بين

أربعة حوائط يحتضن وسادته وينام وحيدا مجددا.

"غادة، ماما بتزن عليا إنها تكلم مامتك تاني وبتقول إنها حاسة إنك هتوافقي وإن المرة اللي فانت كانت سوء تفاهم، فأنت شايفة إيه؟ أنا مش عايز أخد قرار بدون ما أسمع رأيك"

احمرت خجلا ونظرت للأسفل وهي تومئ "هو .. يعني .. ماشي تمام موافقة"

"تمام يعني أ. " تكلم فقاطعته "أه .. أنت ممكن تجيب مامتك وباباك وكدل"

ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يهز رأسه بالإيماء، تصادمت زرقاوتيه بعينيها فاحمرت خجلا أكثر وأخفضت رأسها، بدت كالحمل الوديع الآن بعد أن كانت في أول مقابلة لهما كالثور الهائج .. لكن

أحمد ظهر في رأسه فجأة مرددا بصوته

" حتى أسوأ وأعنف بنت بتقلب كيوت مع الرجل اللي هي بتحبه."

رجع بعينيه إلى غادة التي تتفادى النظر له وعلى وجهها ابتسامة لطيفة مزينة بوجنتين

حمراوين، وتساءل هل غادة تحبه ؟

"هتيجوا إمتى ؟ " سألت وهي تحارب لترفع عينيها فأجاب "ماما هتبلغ مامتك إن شاء الله "

"ماشي" أردفت بنبرة ممتلئة بالفرحة فضحك رغما عنه وهذا جعلها تعلق عينيها عليه، حسنا ... ليس كل الرجال أوغاد كابيها ... مراد ليس كذلك مراد من ذلك النوع من الرجال الذين يشعرونك بالهيبة والرزانة بحيث يجبرونك على احترامهم رغم أنفك لطالما فكرت في رجل مثل هذا.

ليكون أنا جيدا وقدوة حسنة لأطفالها .. وصورة مراد البطولية لا تفارق خيالها.

من قال أن الأبطال الخارقون يجب أن يمتلكوا قوة هائلة ويتواجدون في الأفلام فقط؟ لأن من قال هذا غبي؛ فالأبطال الحقيقيون يتواجدون حولنا وهم بسطاء ولا يمتلكون قوة خارقة إلا القوة الداخلية، ستجد البطل الخارق في عامل نظافة قد انحنى ظهره طوال عشرون عاما ليطعم أولاده، ستجد البطلة في فتاة يتيمة تعيل نفسها بالحلال رغم أن الحرام سهل وقريب، أو في أم تخدم في البيوت التربي ابنتها بمفردها، مثل أمها، أو في شاب ضحى بشبابه ليعيل أسرته. مثل مراد.

ربما لم تكن لتغير نظرتها نحو أي رجل ولم تكن لتتخلص من عقدتها نحو الرجال لو لم تقابل مراد وتطلعها والدتها على قصته التي وبكل تأكيد تنفي عنه تهمة النذالة .. وهي حقا شاكرة لمقابلته وظهوره في حياتها.

" بالمناسبة لو اتجوزنا تبطل تقلع تيشيرتك قدام حد ماشي ؟" تحدثت بنبرة مازحة فضحك ورفع إحدى حاجبيه وشبك يديه أمام صدره وهو يتساءل بطريقة ماكرة "ليه ؟ بتغيري ؟"

خجلت وأخفضت رأسها لتتفادى النظر إليه لأنها نعم تغير وبشدة، ولا يمكن لأي شخص إنكار أنه جذاب كثيرا بتلك الخصيلات البيضاء التي تتخلل شعره ولحيته، وعينيه الزرقاء ووجه الهادئ مع جسده الرياضي، تلك الأسرة الصغيرة تمتلك جيدات رائعة، بداية من الأم والأب مرورا بالأبناء

وبإذن الله يمتد الموضوع للأحفاد لأنها وبكل تأكيد تريد ابنا يشبه مراد.

في اليوم التالي، تحديدا بالسادسة مساءً، كان أربعتهم يجلسون في النادي أمام داليا التي شرحوا لها ما يريدون منها فعله بالتفصيل الممل، أخذت نفسا عميقا وهي تزم شفتيها بضيق

تلمح الرجاء في أعين أربعتهم ولا تستطيع حقا معرفة ماذا تخبرهم؟

ابتلعت لعابها لتقول بتردد بس أنا مش يعرف أمثل !"

يا داليا حاولي، عايزينك تعملي شخصية ولية بيئة ... جربي كدا طيب" قال أحمد

فحمحمت و حاولت افتعال نبرة بلدية ده أنا هفضحه وهخلي الطلاب كلهم ي ."

أوقفها أحمد "داليا، دي نبرة صوت واحدة من جاردن سيتي يا حبيبتي دي وش هتعرف إنك واحدة من طلابه وبتعملي فيه مقلب، إحنا عايزين نبرة صوت واحدة من مساكن زينهم."

نفخت الهواء من فمها وتذمرت مش عارفة ما بعرفش أردح أنا وعمري ما دخلت خناقة !"

نظروا لبعضهم بيأس لكن أحمد صمم "لا بصي .. الموضوع ده لازم يتم، أنت عارفة فيفي عبده؟"

اومات فأكمل تعرفي تقلدي طريقة كلامها ؟ "

فكرت قليلا ثم نفت برأسها فرفع يده يمسح على وجهه وتمتم "هجيبلك فيديوهات ليها دلوقتي ونقلدها، ماشي؟".

بعد ربع ساعة كانت داليا تقول " يعني أنا أتكلم بزعيق كدا وكأني يشوح بإيدي وأقعد أقول يا حبيبتشي وأحط شين بعد أي تاء؟"

"آه، وخدي حطي اللبانة دي في بوقك وتقمصي الدور بقى " مد يده لها بعلكة فالتقطتها من بده بتردد ثم ابتلعت لعابها وأومأت "طب هانوا الرقم "

أملى عليها أدهم رقمها ثم اتصلت بها في وسط مراقبة منهم جميعًا حتى أجابت زوجة دكتور مصطفى على الهاتف من الجهة الأخرى "ألو؟"

"ألو .. حضر تشك مراة دكتور مصطفى ؟"

"أيوة، مين معايا ؟ "

"حضرتشك ما تعرفينيش بس جوزك يعرفني كويس أوي ... قوليله عيب اللي هو بيعمله ده وخليه يرد على تشليفونه بالذوق بدل ما أعمله فضيحة بجلاجل."

"أنت مين وفضيحة إيه ؟ مش فاهمة ؟"

"أنا مراته جوزك متجوزني بعقد عرفي وقالي سنة وهيقولك بس السنة بقت سنتشين يا حبيبتشششي وأنا دلوقتي حامل ومن ساعة ما عرف وهو بيتهرب مني وعايزني أسقط الجنين بس لا .. مش أنا اللي تتختشم على قفاها، ده أنا أبهدله في الأقسام وأجرسه في الجامعة بحالها قدام الطلبة يتوعه، وابني هولده وهيتسجل باسمه ويورثه بعد ما ربنا ياخذه إن شاء الله "

" ايه ؟ مصطفى أتجوز عليا " ظهرت نبرة السيدة مرتعشة وعلى وشك البكاء فأجابتها داليا " وأنا حامل منه، قطعوا الرجالة وسنينهم، كلهم خاينين وولاد كلب ويستاهلوا ضرب الجزم."

نظر هشام لها بغيظ لكونها ضمنها قد سبتهم وفي وجههم، ولسبب يجهله كانت تنظر له هو تحديدا وهي تقول تلك الجملة !

ده واطي ده اتجوزني وهو ما حيلتوش تعريفة، ودلوقتي جايبلي ابن يورت في فلوسي !" صرخت السيدة بانهيار

شرع ربنا بقى يا حبيبتشي نعمل إيه يعني؟ قوليله بس يرد على تشليفونه لأحسن يلاقيني جاياله الجامعة بكرة وأخلي اللي ما يشتري يتفرج عليه."

ماشي يا مصطفى، أنا هوريك ماشي يا مصطفى، أنا هخليك لوحدك زي كلاب السكك .....

تمتمت السيدة تم أغلقت المكالمة في وجهها.

أكيد هتسيبله البيت وتمشي صح ؟" سأل أدهم فأومات داليا "قالت إنها هتخليه لوحده زي كلاب السكك "

"حلو .. كذا أكيد دكتور مصطفى هيبقى لوحده في الشقة بكرة، وأحنا معانا نسخة مفاتيحسارة هنطلع بكرة نحط المنديل اللي فيه مخدر على وشه لحد ما ينام ونشيله وننزل نرميه في عربية قيس وتطلع على العزبة بتاعة جد أدهم " قال هشام فتسائلت داليا " افرض البواب

شافكم ؟"

صمتوا ونظروا لبعضهم ... يحتاجون شيئا ليلهوا به البواب...

جمجم أحمد وابتسم ابتسامة بلهاء وهو ينطق برجاء "ديدو - "

توسعت اعين داليا ورفعت سبابتها في وجهه "لا، كفاية لحد كدا "

"عشان خاطري"

شبكت ذراعيها أمام صدرها وأشاحت بوجهها بعيدا " قولت لا يعني لا."

اقترب منها وهو يسبل عينيه في استعداد للتأثير عليها ثم همس بنبرة صوته الرخيمة تلك "داليا، لو جيت معانا نلهى البواب هاجيبلك بيج ماك وهأخدك أعزمك على أيس كريم من عند العبد في وسط البلد وبعدين هدخلك سينما تتفرجي على آخر فيلم لمارفل "

انفكت عقده حاجبيها وابتلعت لعابها ورفعت عينيها لتفكر في ذلك العرض، الوغد لقد استعمل كل نقاط ضعفها في عرض واحدا

" والواد قيس هيشتريلك سلسلة كتب هاري بوتر كلها " أكمل أحمد فأوما قيس بسرعة، عقدت حاجبيها باستغراب من أين عرف أنها تحب هاري بوتر ومارفل ؟ هل أحمد يراقبها ؟

ارتسمت ابتسامة جانبية ماكرة على وجهها الآن عندما أدركت أنهم سيفعلون لها أي شيء تريده كي تأتي وتنفذ معهم خطتهم .. رفعت يدها تحك ذقتها بتفكير ....

ما تنجزي يا حاجة كل ده ومش عاجبك " تذمر هشام فزمت شفتيها ونظرت له ياعين ضيقة متوعدة

" مبدأنا أنا مش هتحرك قبل ما الواد ده تحديدا يعتذرلي دلوقتي عشان قالی قبل كدا یا ست

ه كخة "

توسعت أعين هشام وفغر فاهه وكأن ما سمعه دريا من دروب الجنون فهو أبدا لن يعتذر لها ... على جثته.

اعتذر يا هشام يلا دفعه أحمد فنطق من تحت أسنانه مش معتذر، على جثتي "

"ما تنجز وتعتذر يا هشام، ما أنت غلطت فيها برضه " أضاف أدهم ثم تلاه قيس " يا عم انجز خلصنا"

"مش هعنذر واللي عندكم اعملوه" ركب رأسه وأشاح بوجهه بعيدا

"شوفتوا؟ هو من الأول وهو مش طايقني، بصوا يا ولاد الحلال ... أنتوا تشوفولكوا واحدة تانية

للمهمة دي، أنا أصلا مكسلة "

علق ثلاثتهم أعينهم على هشام بضيق ثم اندفع أحمد نحوه وهمس في أذنه "لو سقطنا فأنت أكثر واحد متضرر فينا، إحنا هنعيد السنة عادي، إنما أنت لو سقطت هيضيع عليك التعيين للأبد"

جف حلقه وصك على فكيه ثم نظر لداليا وتمتم بقرف "أنا آسف"

"لا، قولها يأدب لو سمحت ... يعني خليك مستشعر الأسف كدا وأنت بتقوله "

تصبغت وجنتيه الآن بحمرة الغضب وود لو يلكمها على وجهها ليوقعها أرضا لكنه جز على أسنانه وتمتم "أسف .. حلو كدا؟"

تمام، ماشي .. يبقى كدا بيج مالك وايس كريم وفيلم وسلسلة كتب هاري بوتر و " كانت ستكمل فقاطعها هشام "لا خلاص كدا ... مافيش (و) .. (و) مافيش "

"لا فيه، أنا عايزة حاجة تانية."

اقترب أحمد منها بابتسامة لطيفة ثم قال بنبرة دافئة جعلتها تتوتر وتخجل كثيرا "اللي أنت عايزاه هعملهولك، عايزة إيه؟"

جف حلقها ورفعت يدها لتضع خصلات شعرها خلف أذنيها في حين راقبهما الثلاثة شبان حيث رفع فيس حاجبيه وحمحم أدهم ثم قلب هشام عينيه بحنق

"عايزة أركب موتوسيكل، من اللي هو ريس ده. قالت بنبرة مبحوحة وفوجئت بأحمد يميل

على أذنها ليهمس لها "هاجر لك موتوسيكل ريس، حاضر."

كان بالكاد يمنع نفسه من تقبيلها الآن الفتاة تثير جنونه بطريقة غريبة، أفكارها الحمقاء تلك تعجبه كثيرا ويريد إعطائها أي شيء تريد تجربته الخليط الخجول البارد المتهور الذي بداخلها يجعله على الحافة، ولعل أصدقاءه الثلاثة لاحظوه ينظر إلى شفتيها وهو يبلل شفتيه بلسانه غير أنه لم يكن منتبها حقا لما يجري حتى جاءه صوت هشام متذمرا بنبرة منخفضة

"ممكن تبطل محن بقى وتخلصونا ؟"

فأعطاه أحمد نظرة غاضبة وشكر الله بداخله لأن داليا لم تنتبه لما قاله هشام أو النظراته الغريبة تلك لها.

"ماشي خلاص موافقة " قالت أخيرا فتنفسوا الصعداء كانوا جميعًا يتبادلون النظرات القلفة لكون غذا يوم حافل، إلا أحمد الذي ابتسم لداليا واستند على الحائط بجانبها وهو يحاول السيطرة على ضربات قلبه المضطربة، لم تكن مضطربة لأنه قلها بشأن الغد، بل يسببها هو يعرف بهذا.

"مالك ؟ " التفتت له داليا حينما وجدته ينظر لها فحمحم بتوتر ونفى برأسه "مافيش بس أصل متوتر عشان موضوع بكرة ده."

هو أنتوا ليه ضربتوا بعض في مكتب الدكتور؟" استفهمت فأجاب كان سوء تفاهم بيني وبين قيس وهو فكرني علقت البت بتاعته وكدا."

ارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهها وتمتمت "آآه .. يعني برضه عشان بنت؟" دي كانت حاجة في الماضي على فكرة وأنا وهو ما بقيناش كدا دلوقتي " "لا والله ؟ "

"آه والله، وكدليل عندك قيس أهو خطب، وأنا توبت والله توبة نصوحة "

توبة نصوحة ؟ والله شكلك كداب

اكتسى القلق وجهه وهم ليدافع عن نفسه بجدية "والله أبدا أنا بطلت من ساعة موضوع سلمى الله يرحمها ولا يمكن أعمل كدا تاني، أنا عارف إن كلكم شايفيني بضحك ويهزر وعايش حياتي

عادي وكأن مافيش حاجة حصلت - " ثم أخفض رأسه وأكمل بضيق "بس أنا مش ناسي أنا

عملت ايه، ولا عمري هنسي ."

مش هنسى صورتها في المستشفى بسببي .. تعرفي إن المشهد ده بيتكرر في دماغي كل يوم بالليل، كل ما أحط دماغي على المخدة عشان أنام صوت الصفارة بتاعة جهاز نبضات القلب وهو

بيصفر بيظهر في دماغي ....

أومات بحزن فرفع رأسه ليعلق عينيه على عينيها وأكمل بجدية "أنت عارفة إني ما بكدبش ساعة ما اتصلت بيك قولتلك اللي زبي ما يبتغيروش ... بس بعدها اكتشفت إن ممكن قلم ينزل على وشهم فجأة يفوقهم."

"معاك حق "

تعرفي إني هسمي بنتي سلمى ؟"

ابتسمت وأردفت "حلو اسم سلمى"

" بجد؟ يعني مش معترضة ؟"

" وهعترض ليه؟ أنا مالي أصلا!"

"أنت مش عايزة تخلفي؟"

"لا مش عايزة " أردفت وهي تبتلع لعابها فقطب جبينه وشبك ذراعيه أمام صدره "ده ليه بقى

إن شاء الله ؟!"

"عادي، مش عايزة!"

"أيوا ليه ؟"

شعرت بغصة تعلو حلقها ولسبب مجهول أحست بأن أحمد يحاصرها في مكان حيث يفترض أن تدافع عن نفسها الآن وتبرر موقفها وتطلعه على أسبابها، وهذا أكثر شيء يضايقها، أن يضطرها أحدهم لأن تشرح مشاعرها وأحاسيسها هو الجحيم بأكمله، خاصة إذا كان يتعلق بتلك الحادثة

التي لم ولن تفارق عقلها

"أنت مالك أصلا؟ مش عايزة أخلف وخلاص، حاجة ما تخصكش أساسا يعني عشان تسألني عليها، أنا ما يحبش الأطفال، كائنات مزعجة واللي بيحبهم مزعج زيهم "

جفل أحمد بعينيه بصدمة، لم يتوقع ردة الفعل هذه ابدا فلقد كانا يتحدثان بطريقة ودودة منذ بضع دقائق

"أنا مش قصدي يا داليا .. أنا بس كنت بسأل عشان مستغرب موقفك، أصل كل البنات نفسهم يخلفوا ويبقى عندهم نونو صغير وكدل"

صكت على فكيها ولاحظ أنها تتنفس بصورة سريعة الآن ثم أجابت بنبرة مهزوزة "مش لازم كلنا

نحب نفس الحاجة، أنا مش عايزة أخلف ولا عايزة أطفال "

هناك ألم أصاب صدره الآن لا تريد الإنجاب؟ لكنه يريد الكثير من الأطفال ويريد تكوين أسرة كبيرة لأنه يحب الأطفال ... لكنه هدأ نفسه بأنها تقول هذا الآن لكن بعد الزواج بالتأكيد ستغير رأيها، سيغرقها بحبه حتى يجعلها تتمنى قطعة منه في رحمها ... هذا على الأقل ما قد منى نفسه

به ليوقف أفكاره القلقة التي تدفقت نحو عقله دفعة واحدة.

تبا لتلك المشاعر التي أصبح يكنها لها وهي لا تعطيه الفرصة لإخبارها بها، هل شعرتم يوما بكم كبير من الحب تجاه شخص أو شيء ما، بحيث تنتابكم الرغبة لاحتضانه عميقا أو ربما أكله؟ لأن هذا باختصار ما يشعر به نحوها.

"أنا اسفة إني هاجمتك " فوجئ بها تعتذر له ونبرة الندم تغلف صوتها فابتسم ونفى برأسه "ما زعلتش " فأجبرت نفسها على رسم ابتسامة مزيفة وعلقت عينيها على السماء أمامها.

الحمل بأطفال؟ لا ... الضيق يعتلى صدرها وتشعر بأن نوبة هلع ستصيبها الآن بمجرد التفكير في الأمر، لكنها حاولت إخراج الأمر من عقلها الآن وتشتيت تفكيرها عن ذلك الشيء؛ فهي لا تريد الظهور بمظهر ضعيف بائس أمام أحمد إذا أصابتها نوبة هلع هنا لكن فعل هذا لم يبدو بتلك

السهولة، فهي تجد صعوبة في التنفس الآن وبدأ تشويش يعلو رؤيتها .

"صحيح، إيه نكهتك المفضلة في الايس كريم ؟" تساءل أحمد فجأة وكأنه بسؤاله كان طوق النجاة الذي شتت عقلها عما تفكر فيه لتفكر في شيء آخر.

"أنا يحب الفانيليا والمانجا " أكمل فحمحمت وحاربت لتخرج نبرة صوت طبيعية "أنا .. أنا ... يحب الشوكولاتة والليمون .."

مسكر ومزز .. كان لازم أتوقع إنك هتختاري حاجة حلوة ومززة - "

" اشمعني؟"

"أصل دي تركيبة شخصيتك".


تعليقات