رواية عريس قيد الرفض بين الرفض والقدر الفصل السابع والثلاثون
هناك مواقف لا تكسر القلب بل تطفئه
خذلان الحبيب، أقسى أم خسارته؟
أعتقد. وفي تلك اللحظة، أنه لم يعد يهم.
فكلاهما كهشيم يصرم في القلب.
وفي كل الأحوال، لم تنته تلك المعركة.
إلا وقد ذاق الأمرين حتى اكتفى.
تجرع الخيانة، وتبعها خسارة.
وكم كان أحمق، حينما كان يظن يوما
أن من حق الجميع فرصة ثانية.
ليتضح له فيما بعد
أنه كان مغفلا.
والحياة لا تحمي المعملين.
فهنيئا لك بصفعة جديدة.
استحققتها بجدارة.
لتتعلم أن نهاية الثقة
خنجر وطعنة بيد من تحب.
ويظل السؤال الأقسى
هل حقًّا كان حبًّا ؟
وستظل الإجابة أقسى من أن تنطق وتقال
ما لصمت في حضرة الألم حنان
بقلمي عفاف شريف
中中中
التفتت سلمى تنظر إلى أمها الشاردة بوجوم، قبل أن تردد يقيظ وملامح محتقنة وقد تركت الشطيرة جانبا.
عجبك اللي حصل يا ست ماما ؟
شفتي اتكلمت معانا إزاي؟
وتابعت بهمنین خافت
أي قلة الذوق دي ؟ هو أنا يعني دخلت أوضتها أعمل إيه يعني؟ مش دخلت أصحيها عشان تمطرك وتقعد معاكي ؟ مش ده واجبها ؟
وعمر قال إن مراته هتكون معانا وتعملنا اللي إحنا عايزين.
وصمتت لتوان، قبل أن تتابع بحدة.
وتم إنتي إزاي اصلا تسكتلها على طريقتها دي معانا؟ كان المفروض تقومي تديها على دفاعها عشان تحترم نفسها.
إلا أن أمها لم ترد عليها كأنها لم تسمعها من الأساس، وإن فعلت، كانت ساكنة صامتة، إلا أنها لم تكن كذلك أبدا، بل
كانت تعلي كقدر على موقد تفكر
ألا يكفيها ما مرت به خسارتها للمنزل وضعهم الحالي ؟ بل وأيضا يجب عليها أن تتحمل فريدة تلك المدللة قليلة التربية؟
وببساطة، يجب أن تلجم لسانها وغيظها.
وحما كانت تحاول تحاول التحكم بكل هذا الغضب والرفض بداخلها، وإن كانت تريد أن تفعل الكثير كثير تعرف نهايته جيدًا، إلا أنها لن تفعله.
ولما تفعل؟ لما تشفى في أمر سيقدم لها على طبق من ذهب؟ فقط فلتصمت والتنتظر
وطال صمتها حتى صار أنقل من الكلام، وسلمى تناظرها بوجوم وضيق هي الأخرى، قبل أن تردد بهمین حافت مغناط ماما ... هتعمل ايه ؟
مش هتعمل حاجة.
قالتها أمها يحسم قبل أن تتابع بتأكيد وعيناها تنظر بعيدا خليها هي تعمل.
لم تفهم سلمى مقصد أمها، وللحق لا طاقة لها لتفهم لا تريد ... ففي النهاية هي لا تهتم سوى بأن تحصل على ما تريد.
فقط ما تريد.
لذا حملت شطيرتها مرة أخرى، تقضمها بصمت، قبل أن تغمهم بعبوس وتزمجر
طيب أنا دلوقتي عايزة شاي بلين ... مين هيعملي نقي ؟
والهاتم دخلت أوصتها ولا كأننا هنا أنا عايزة شاي بلين ماليش دعوة.
رفعت أمها عينيها تناظرها بصمت، وفي تلك اللحظة، وللحق. كانت تستحق سلمي أن تضرب بالوسادة في وجهها.
وحدث بالفعل ... لأنها ببساطة تستحق
جبنة بيضا
عسل أبيض
عسل أسود
قسطة
بيض
جينة قديمة
طحينة
وبوكسات كبيرة متقسمة
معالق
مناديل
وبالنسبة للفواكه تفاح، مور برتقال.
طبق من كل صنف فيهم.
ها أي ثاني ؟
قالتها آلاء بتساؤل وهي تقف بجانب تميم تقراء ما دونته.
وقد كان ما زال يكمل خير باقي الفطير المتبقى.
وهو يملي عليها ما سيتم طلبه لتجهيز وتوزيع الإطعام.
همهم بتفكير قبل أن يردد بهدوء وهو يضع فطيرة جديدة بجانبه إخوانها.
اطن مش ناقص حاجة بس أهم حاجة تكون الأحجام الكبيرة من الكيلو مثلا.
إحنا مش هنحط كمية تكفى وجبة لشخص واحد بس.
لا إحنا منحط أكثر بحيث لو حد حابب يروح بيه بالاكل لبيته وولاده يفرحهم بيه.
ميخسش بالخرج من الكمية القليلة.
لا بالعكس تكون كثير إن شاء الله عشان يقدر يشاركها معاهم
اومات له آلاء باستحسان للفكرة وهي تدون حلمه.
اليتابع هو بتأكيد وحرص. وقد التفت لينظر لها مرددا.
من أنصف الأنواع يا الله إياكي يسترخصي أبدا.
هائي أحسن حاجة موجودة عنده.
مش مهم الفلوس المهم الحاجة تروح لناس بأفضل شكل ممكن وأحسن جودة.
والأفضل تقوليله انت الماركات المعروفة أحسن.
وخليكي فاكرة دايما قول النبي الله حينما قال:
«ما تصدق أحد يصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، ميربيها له كما يربي أحدكم فلوم».
ماللي يطلع لله يطلع بأحسن وأفضل شكل وصورة يا لولو
أومات له ألاء بتأكيد مرددة بموافقة
عندك حق، طبقا ده لله، يعنى الأحسن.
لا تقلق أبدا. أنا إن شاء الله هوصيه يبعت أفضل حاجة عنده.
ابتسم لها وصمت، قبل أن يتابع عمله، ثم التفت لها سريعًا قائلا بتحذير حازم وقد تذكر أمرًا هاما
- منتجات مصرية يا الاء مصرية، أوعى تنسي، أوعي)
نظرت له يصمت قبل أن تتسع ابتسامتها وهي يومئ له بتأكيد وثقة قائلة
متقلقش يا تميم ده أكيد في كل الأحوال.
إزاي هنسي حاجة زي دي؟ لا طبعا مش ناسية، الحمد لله.
وغامت عيناها بحزن مفكرة، وكيف تنسى؟
هذا تحديدا لا يمكن نسيانه. لا يمكن ابدا مهما حدث ومهما طال.
أوما لها هو الآخر يصعب. قبل أن يتابع بتفكير. وقد ترك ما بيده ووقف بجانبها.
أقولك عندي فكرة أحسن
نظرت له باهتمام منتظرة أن يتابع.
ليتابع باقتراح
- طيب بدل ما تختاري في أنواع الماركات استغلي الوقت وهائي نفس الأنواع اللي إحنا بتستخدمها.
كده كده إحنا عارفين إنها حلوة ونظيفة ومناسبة للكل وبرضه إحنا هنا بنستخدم كله مصري.
أنا مأكد على منير، وهو مش مقصر أبدًا في النقطة دي. ربنا يبارك له.
هزت رأسها مغمغمة بهدوء وموافقة
- فكرة حلوة، تمام خلاص. أنا هروح أكلم السوبر يبعث الطلبات قبل ما الوقت يتأخر.
رفع يده برتت على وجنتها بحنان ورقة.
قابلته هي بابتسامة ممتنة.
ممتنة له لكل شيء.
هذه الرواية من الأعمال الأصلية لموقع رواية وحكاية.
لم يكن بحاجة للحديث معها هي تحديدا.
كانت عيناه تدعم قلبها المنهك دون حديث.
كانت تعلم ما يفعل لأجلها.
كانت تعلم ما يفعل ويقدم. حتى إن كانت رسائل مبطنة.
ابتسمت تغالب تلك الدمعات بعينيها، قبل أن تتابع بهمس وهي تمسحها في الخفاء:
طيب. وبالنسبة للكمية هنجيب قد ايه؟
بضي، إحنا هنحط في كل بوكس ثلاث فطيرات كبار فأظن هاتي ٧٠ قطعة من كل حاجة.
قالها بهدوء وتأكيد
قطبت حاجبيها باستغراب من العدد، وكادت أن تتبعه لعدم توفر تلك الكمية من الفطير
إلا أنه تابع بابتسامة وهو يرفع عيناه لها وقد علم ما تود قوله
- عارف إن الكمية اللي هنا أقل من التي أنا يتكلم عنه.
بس أنا اتصلت بالمخبز اللي بتتعامل معاه وإنتي فوق.
وطلبت منه ١٠٠ فطيرة مخصوص بالسمنة البلدي كمان غير اللي هنا.
وهو طبعا وافق وحاليا شغال فيهم.
- عايزين تعمل أكبر عدد ممكن يا الاء حتى لو احتجنا فطير أكثر أو حتى جبنة أو أي حاجة.
إن شاء الله هيكون متاح نطلب عادي وتزود والمخبر كمان مش هيتأخر علينا إن شاء الله.
ابتسمت له ليبادلها بأخرى حنونة، ولسانه يردد برجاء
اللهم تقبل منا يا رب العالمين، اللهم تقبل.
دعوة من قلبه من أعماق قلبه للحق.
دلفت للغرفة شاعرة.
دقيقة، بماذا تشعر في تلك اللحظة؟
كان سؤالا هي حتى لا تملك إجابته.
هل هو توتر، خوف، أم لوم
أم ... أم ماذا ؟
خائفة منهم هل من الطبيعي أصلا أن تخافهم ؟
لكن لا. هي لا تخافهم هم.
بل تخاف تلك التصرفات والنظرات.
واه من نظراتهم، ولن تنسى الهمزات واللمزات ...
تشعر أن بكل نظرة. وكل حرف يخرج من فمهم يحمل أكثر بكثير مما يظهر لماذا تشعر بنفسها ضعيفة هكذا ؟
لم يكن الخوف وحده ما ينهشها ..
بل لومها لنفسها أشد وأقسى.
وهناك تلك الحيرة متسائلة بداخلها هل أخطأت بردة فعلها ؟
هل يعتبر رد فعل مبالغا فيه؟
أم أنها فقط لم تفعل سوى الأصح والصحيح ؟
لكن لماذا يجب عليها أن تصمت متغاضية عن حقها، فقط لأنهم أهله ؟
هل يحب أن تضع الحذاء في فمها لأجل مكانتهم فقط؟
هي تقدر الموقف. تقدر المهم، خسارتهم، لكنها تشعر أنها، وإن أثارت أصابعها العشر لهم. لن يعجبهم حتى
استندت على الباب، شاعرة بالوهن والتوتر. حتى صغيرها شاركها إياه.
أغمضت عيناها، طالبة للراحة، وبعض الهدوء، وربما الحلول الطريقة ....
ماذا تفعل مع هؤلاء؟
إنهم كتلة متحركة من الاستفراز وقلة الذوق.
كيف لها أن تمرر ما يحدث؟
هل عليها أن تصمت فقط لتمر الأيام سريعًا ؟ أم تظل تصرخ على كل شيء ؟ ماذا تفعل؟ تصبر لحرق أعصابها، أم
تحرقهم وتحرق نفسها ؟
حتى هؤلاء لن يجدي معهم خير الأمور الوسط.
رنين هاتفها أخرجها من شرودها، قبل أن تتحرك ملتقطة إياه، ناظرة للمتصل بصمت وجمود.
قبل أن ترفعه على أذنها، مستمعة إلى صوته وهو يردد بسرعة طمنيني يا مريده عمني مطرب واديتيها الدواء
همهمت باجابات مختصرة.
قبل أن تكمل لسه محدتش الدواء مخرج أدهولها دلوقتي، إن شاء الله.
صمت لثوان معدودة، قبل أن تنتفض على صوته، وقد علت نبرته قليلا، وهو يردد بعصيبة وتوتر ليه لحد دلوقتي يا
مريدة؟
أنا بعتلك رسالة شبهك فيها عملي لازم تاخذ الأدوية في مواعيدها، مينفعش تتأخر
ملتلك البطي منبه، واثنين وعشرة حتى ايه المشكلة؟
انتي وراكي إيه أهم منها ومن صحتها؟ أنا مش فاهم كلامي مش بيتسمع ليه ؟
قال الأخيرة ينزق وضيق. وصوت يزداد علوا.
أما هي فكانت تسمعه بملامح صامتة جامدة، وهي تضغط على شفتيها بقوة، حتى كادت أن تدميها.
فهي ببساطة على وشك الانفجارية، وتحطيم الهاتف فوق رؤوسهم جميعًا إن استطاعت
إلا أنها تماسكت، وهي تعد حتى عشرة. لكي لا تنطق بما لا يصح أن يقال .
قبل أن ترد ببرود مصطنع غير قادرة على الجدال في تلك اللحظة، ولا سماع صوته حتى اقفل يا عمر افضل عشان
أروح أديها الأدوية. سلام
وأغلقت وفي وجهه .. ويستحق
الفت بالهاتف على الفراش، قبل أن تجلس عليه، وهي تضم رأسها بيدها بإزهاق شديد. وقد تحجرت الدموع بعينها، تابي
أن تسمح لها بالتحرر
وظلت هكذا لعدة دقائق، قبل أن ترخى جسدها على الفراش بوهن حتى تمددت تنظر للسقف. ويدها تمس طفلها.
ذالك الذي أتى للحياة، ظنا منها أنها ستمنحه حياة أسعد وأنقى حياة لم تمنح لها. سعادة لم تحصل عليها، ومشاعر لم يروا أنها تستحقها أبدًا.
رينت بحنان أكبر، وخوف، وهي تفكر ايمكن أن تخرج للحياة فريدة أخرى؟ فريدة مقهورة مكسورة محطمة؟ أخرى ذاقت اليتم ووالداها على قيد الحياة؟
أن يحيا صغيرها ما حيث هي .
وهنا سمحت لدمعاتها بالتحرر، شاعرة بحجر ثقيل يجتم على قلبها، ولسان حالها يردد بكل قوة ورفض لا لا ... والف لا
لن تسمح. لن تسمح أبدًا. مهما كان الثمن.... مهما كان الثمن يا فريدة.
النقطت أنفاسها، قبل أن تهمس بحب، مخاطبة صغيرها: أنا هحميك بقلبي وروحي، محبك، ومستحيل أكون سبب في نزول دمعة من عينك هديك كل الحب والاهتمام والعوض هديك كل اللى أنا اتحرمت منه هديك حياة حقيقية، هديك نفسك روحك. محصنك ... محصنك كتير أوي ...
محضنك الحضن اللي أنا اتحرمت منه وخدوا حقي اللي ملهومش حق.
سقطت دمعة أخرى، قبل أن تتابع
عارف ليه بحبك اوي كدة ليه خايفة عليك ومرعوبة كده ؟ قالتها مخاطبة صغيرها، عشان أنا بقيت مؤمنة إن إنت عوضي... أو إنتي... وانا مستحيل اسمح تعيش اللي عشته ابدا
يمكن
يمكن في يوم من الأيام مش هيكون ليا غيرك... محدش عارف بكرة محبيلنا إيه أبدًا .....
همست بها، مختلفة بدموعها، واعدة إياه ونفسها
صغيرها سيحيا، سيضحك، سيركض، ويحقق كل ما يريد بإذن الله. لن تسمح لأي حد بمسه بسوء، ومن يجرؤ على
التفكير فقط عليه أن يرديها قبيلة قبلها.
لذا ... ستحافظ على نفسها لأجله، لأجل أن يكون قويا وسعيدًا وبخير، يجب عليها أن تكون هي هكذا أولا.
رفعت يدها، تمسح دموعها قبل أن تتحرك من محلها. متفقدة لوزة والصغار قبل مغادرة الغرفة، البداية حرب جديدة ربما ..
وبداخلها هي لا تزيد... لا تريد أبدا..
لكن يا ليت الخيارات كانت بين أيدينا دائما .... لكنها لم تكن.
فكلها اقدار وستحدث لا محال
تحركت في الشقة ترتبها ببطء. شاعرة بالنقل والوهن يقلان جسدها المتعب
وعلي الارض كانت الصغيرة شمس تجلس صارخة بكل قوتها دون توقف، مطالبة بحملها على وجه السرعة.
لا تريد ألعابا ولا تلفارا.
لا تريد سوى أمها.
أن تندس بين أحضانها.
تأقفت حور باختناق وضيق، وهي تقف تنظر نحوها، غير قادرة حتى على التحرك لحملها.
ولم تدر كم ظلت تطالعها بالم.
حتى تحركت أخيرا بتثاقل، ولم يعد قلبها قادرا على التحمل، لتلتقطها حاملة إياها، وهي تضمها إلى صدرها بصمت.
قبل أن تلقى بنفسها على الأريكة، شاعرة بالاختناق.
أحجاز أم جبال تلك التي تجتم فوق قلبها ؟
أفكار أم أشواك ؟
أحلام أم فقط كوابيس لا تريد أن تنتهي ؟
أنزلت عيناها تنظران إلى الصغير وهي تدس نفسها أكثر بين أحضان أمها، مطالبة بعفونها المسائية.
مطالبة بالكثير من الأمان والدلال والغناء الذي أصبحت تفقده بشدة من أمها.
أصبحت تفتقد كل شيء.
فلم تعد أمها كما كانت أبدًا.
أما حور مكانت تنظر نحوها بشفقة، وشعورها بالذنب يزداد تقلا وألما.
وكانها ينقصها المزيد من الألم.
وظلت هكذا ترامبها.
حتى عفت الصغيرة
وهنا لم تشعر بنفسها كعادتها سوى وهي تنفصل عن كل شيء.
كانها جسد يحيا بلا روح.
قد يكون هذا أدق وصي وأقساهم لما تشعر به في تلك اللحظة.
لحظة بل لحظات . دقائق... ساعات وأيام.
لم تعد تحصي أيامها.
أصبحت صامتة خاوية جاهلة هي بالطريق الصحيح.
لا هي قادرة على متابعة حياتها.
ولا أن تخطو خطوة لن تسامح نفسها أبداً بعدها، وربما هو أيضا لن يسامحها.
وكيف تتابع حياتها وأمها لا تكف عن الحديث في نفس الأمر؟
مكالمات كثيرة طويلة.
مرارا وتكرارا.
ومهما أرادت الهروب والتجاهل.
ترضح في النهاية وترد.
كلمات سامة قاسية قاتلة ....
دعوات تقشعر لها الأبدان.
بخراب الحياة.
بتذوق الحسرة وكسر النفس.
دعوات تجعلها تبكي حتى تنضب عيناها.
لا أحد يفهم .... لن يفهم.
هل أمها تفهم؟ هل حسام سيفهم؟ هل هي تفهم؟
لا أحد يفهم
ماذا تفعل ؟ ماذا بندها ؟
وكلا الطريقين بأشواك حارقة سامة حتى الموت. وكم هذا قانين.
وهناك ..
وقف هو.
كان قد أني منذ عدة دقائق ولم تشعر به كعادتها.
تلك أصبحت حياتهم باهنة، بلا لون بلا طعم، بلا حور
وهل هذه حياة؟
تحرك أخيرا حتى وقف أمامها، ينظر إليها وهي ما زالت لم تشعر به بعد
كانت في عالم آخر يعرفه جيدا.
رفع يده يمس وجنتها، فانتفضت تنظر إليه بصدمه.
تطلعت إليه، ثم التفتت تنظر إلى الساعة، متسائلة منى اني.
هل حان موعد عودته دون أن تدرك؟
ولم يمنحها فرصة للتفكير أو اللوم.
بل مد يده الأخرى وجذبها لتقف.
ودسها بين أحضانه، هي وصغيرته.
ضمهما بقوة، عامرًا إياهما بالكثير من المشاعر والدعم وإن لم تنطقها الكلمات..
حتى قرب رأسه بشدة، ناظرا في عينيها بثبات، فرددًا بقوة عيطي يا حور....
أنا هنا.
أنا هنا يا حور
وهنا لم تقدر فهي أن تتماسك أكثر.
فرکت...
بكت وتحاملت بكل جسدها عليه.
فاحتواها هو والصغيرة بصدر رحب .
بكت كأنها ستكون المرة الأخيرة التي تبكي بها حتى تنتهي دموعها.
ولم تر عينيه هو ...
عينان تحملان تصميما وقوة.
وقد قرر أخيرا، دون رجعة
سينهي ما بدأته أمها.
سيحل الأمر لأجل عينيها.
كفي، لن يمسح بأكثر من هذا.
هي زوجته، حبيبته، ونور عينه، وأم ابنته.
كفى لن يتحمل أكثر من هذا.
بعدي دموع عينيها بكنوز الدنيا وما فيها
لكن...
يظل السؤال الذي لن ينطق هل ما زال هناك وقت تدرك فيه ما أفسده العناد والتأخر؟
أم أن بعض الأشياء، إذا انكسرت في صمت طويل. لا يصلحها حضور متأخر، ولا تنقذها رغبة جاءت أخيرا ...
خرجت بخطوات هادئة. على عكس الفوضى التي تعصف بداخلها.
توجهت نحو طاولة الطعام، متجاهلة إياهم تماما كأنهم غير متواجدين.
النقطت أكياس الدواء، ودلفت للمطبخ بصمت أمام أنظار سلمي اللامبالية.
ونظرات عمته المتفحصة الغاضية.
في الداخل.
أحضرت الماء والعصير، وجلست تطالع الأدوية، تتفحص مواعيدها بدقة.
وبدأت تفصلهم بالفعل إلى حقائب منفصلة
أدوية بعد الإفطار.
وأخرى قبل الغداء.
وهناك أيضا قبل النوم.
مالت بجسدها قليلا تفتح أحد الجوارير
تخرج فلما وورقة من دفترها الخاص بوصفات الطبخ.
تكتب المواعيد والجرعات لكل دواء، حتى لا تخطى... أو يخطئوا..
ستفعل معها كما تفعل مع نفسها.
وبالفعل، أخذت الحقيبة الخاصة ببعد الإفطار، ووضعت حياتها على طبق صغير بجانب الماء والعصير.
وتوجهت للخارج حيث تجلس عمته وسلمي.
ووضعته أمامها.
ناظرتها عمته بامتعاض وهي تردد بسخرية إيه ده.
ناظرتها فريدة لوهلة، قبل أن ترفع الكوب بني والطبق الصغير بالأخرى.
تناولتها إياه قائلة بهدوء، متجاهلة نبرتها الساحرة الأدوية بتاعة حضرتك.
دي الأدوية اللي بعد الفطار
اتفضلي.
ثانية.
اثنين.
وفي الثلاثة.
مدت يدها بامتعاض، تلتقط منها كوب الماء، وتلقى بالحبوب في فمها دفعة واحدة.
تنهدت فريدة بارتياح، تحمد الله، لا تصدق أن الوضع مر دون دراما وصراخ.
لذا زفرت براحة وهي تشير نحو كوب العصير مرددة بهدوء وهي تلتفت لتغادر وقد انتهت مهمتها يا ريت تشربي العصير
زي ما عمر قال.
عند إذنكم.
استني عندك.
قالتها عمته بتسلط وقوة موقعة إياها محلها.
استدارت فريدة تناظرها بعين مسائلة.
قبل أن تقول عمة عمر بهدوء: ادخلي اعمليلي شاي بلا
وانا عايزة نسكافيه يا ماما.
قالتها سلمي بسرعة، وهي تقضم من الشطيرة متابعة التلفاز بتركيز
التردد أمها خلفها بابتسامة خبيثة.
ونسكافية السلمي.
بس بسرعة يلا.
وهاتيلنا كمان أي حاجة حلوة جنبها.
اهو تتسلى شوية.
لحد ما تبدأي تحضري الغدا.
وضمنت لتوان قبل أن تتابع
وشيلي يلا الصينية دي. أنا خلصت أكل.
كل هذا وفريدة تقف تناظرها بعين متسعة، وحاجب يزداد ارتفاعا بصدمة.
وقد غفرت شفتاها كانها على وشك قول شيء
ولم تدر في تلك اللحظة
هل تصمت وتنفذ فعلا.
أم تنفجر وتحطم
ويحدث ما يحدث.
ولو كان الخيار لها، لاستدارت مغادرة المنزل ليحرقوه إن شاؤوا.
لكن...
لم يكن هذا متاحًا أبدا في تلك اللحظة.
وليته كان...
لذا التقطت أنفاسها. وقد مست جنينها تطالبه أن يمدها بالقوة.
وظلت تعد حتى العشرة.
قبل أن تتحرك لتقف أمامها.
ترفع الطعام مرددة بصوت هادئ دون أن تنظر لها حتى الشاي والقهوة لحضرتك مش قبل ساعتين على الأقل. زي ما
عمر بلغني.
حضرتك تقدري تشربي عصائر وتاكلي فواكه زي ما تحبي.
اتسعت عينا عمته بغضب، وفتحت فمها لتقدمها بكل سوء.
إلا أن فريدة لم تسمح لها بالرد. وهي ترفع عينيها لها. مرددة بحزم وقوة.
ده بالنسبة لحضرتك.
اما بقى بالنسبة لنسكافية بناء سلمي ...
وتابعت وهي ترفع إصبعها، مشيرة للمطبخ، موضحة بهدوء
المطبخ على بعد دقيقة من هنا.
تقدر هي تقوم تتحرك وتدخل تعمل بنفسها.
وزي ما حضرتك قلتيلي البيت بيتكم.
وبنت حضرتك عندها رجلين ربي بالضبط
فالتها بتهكم ساخر.
وتحركت مغادرة.
تاركا إياهم خلفها يناظرونها بعين غاضية ناقمة
منها وعليها .
ولم تعلم، أو علمت أنه وفي كل الأحوال.
هي غير مرحب بها.
لا الآن، ولا غدًا، ولا في أي يوم.
هي فريدة.
ربما كتب لها أن تحيا غريبة في كل البيوت.....
حتى في ذاك الذي شفي يوما بينها.
***
في منزل تميم
اجتمعوا جميعًا في جلسة أرضية بجانب بعضهما البعض، للمساعدة على إنهاء تعبئة وتغليف الوجبات سريعا قبل توزيعها.
تميم يقطع الفطير لقطع متساوية متناسقة، ويضعها في أكياس شفافة خاصة، ويضعه بداخل العلبة.
يسلمها لآلاء التي يساعدها مدحت، ومساعدة منير
ليتابعا وضع باقي مكونات الإطعام والتغليف الأخيرة، وظرف صغير به مبلغ مالي كان فكرة مدحت كمساهمة بسيطة
منه بنية الفرج القريب.
ليخرج أخيرا وجبة وهدية معدة بحب وعلى أكمل وجهة لتذهب لصاحب نصيبها.
وأمامهم يجلس الثلاثة صغار بادي مصطنع وعلي مصص. يأكل كل منهم قطعة فطير، وأمامهم طبق الجبن والعسل، حتى يحين موعد الحصول على الحلوى التي وعد بها الخال تميم الحبيب.
باستثناء تميم الصغير الجالس فوق كتف خاله غصبا واقتدارا. فهذا الصغير الذي لم يسمع عن الأدب حتى مجرد سمع.
ولم يمر من أمام بيته يوما حتى معنى التربية.
مدلل فاسد قليل الأدب كما تصفه الاء.
تلك التي تناظره شررا، يقابله هو إياها بلا مبالاة، متلاعبا بصلعة خاله باحدي يديه يعجبه النعومة حقا .
متسائلا بداخل نفسه بطفولية بحتة
لماذا لا يوجد شعر لدى خاله؟
وأنه أيضا لمكان مناسب جدا للعب بسيارته الحمراء ذات الخطوط السوداء.
قضم من قطعة الفطير الصغير بيده الأخرى مفكراً في الأمر بشكل جدي .
قبل أن يداهمه النعاس ليميل على رأس خاله بكسل، مقررا أن يحظى بغفوة سريعة لحين موعد الحلوى.
وقد وعده تميم أنه سيحظى بكل ما يريد دون رفض.
هزت الاء رأسها بيأس، مرددة بجنون وعصبية
يا تميم خليه ينام على الكتبة، حتى ده نام فوق دماغك.
هو فاكر نفسه مين ابن استغفر الله العظيم يا رب
دماغك متصدع.
هو أنت فاكره خفيف يعني؟
ناظرها شرزًا، مرددا بحزم : أولا صلي على النبي حرام عليكي .
وتابع ما يفعل، مغمفما بتأكيد
مش هينفع انقله، هو صاحي من بدري، وطالما نام دلوقتي يبقى مجرد ما هحركه هيصحى ويفتح السرينة ومش هيوقف.
وابنك ما شاء الله طالع زي أمه في الزن.
قالها وعيناه تناظرها بنظرات ذات مغري.
فاستني شوية كمان يكون راح خالص في النوم
ضحكت رغما عنها.
فرغم غيظها من هذا الاتهام القاسي.
إلا أنه للأسف صادق.
تابعت عملها بصمت وابتسامة هادئة.
وشعور راحة غريب يداهمها منذ بداية اليوم
تحديدا منذ قرر تميم أن يتم تجهيز هذا الإطعام.
وهي تشعر بسعادة وراحة تتسئل لها لتمس قلبها لحظة بلحظة.
راحة لطالما افتقدها منذ ما حدث.
منذ تلك الليلة المشؤومة.
اليوم كان اليوم الأول الذي يعود لها شعور أنها بخير.
أنها قد تعود حيث توقف كل شيء.
حيث فقدت نفسها.
ربما هو حلم بعيد للغاية.
لكن أهلا بحلم بعيد، لعل برحمة رب العباد يصبح واقعا قريبا.
أفاقت على يد صغيرة تريت على ساقها.
وصغيرها عز يسعى لدس نفسه بين أحضانها، يطالبها باليوم هو الآخر بعين ناعسة.
تركت ما بيدها سريعا.
وحملته بحنان لبرج رأسه على صدرها راغبا في النوم مجمعما بنعاس نام نام.
التردد في بهدوء: أنا هروح انيم عر في أوضته واجي يا بابا
أوما لها مدحت بهدوء.
وتابعت وهي تقترب من أخيها هات تيمو أنيمه جنبه بالمرة.
إلا أن تميم أبعد رأسه عن متناول يدها، قائلا بهدوء : روحي انت.
أنا هجيب تيمو واجي.
لما أخلص اللي في إيدي.
أنا خلاص قريت.
أومات له وغادرت سريعًا تحت أنظار أبيها.
ولم ندر أو بدر أحد أو ربما أدركوا وابتلعوا تلك الغصة في قلوبهم.
أن تعلق أخيها بتميم الصغير
لم يكن فقط لحاجة الصغير لأب يراعه ويحب.
بل حاجة أخيها نفسه لاين.
حاجته لذاك الصحب والصراخ والضحك.
حاجته لقطعة منه.
هو يريد هذا.
ببساطة، كلاهما بحاجة للآخر.
بحاجة لما ينقصه.
لما يملأ ذاك الجزء الفارغ بداخل قلبه وروحه المنهكة.
تميم بحاجة للزواج.
ولم يعد الأمر رفاهية أبدا.
أبدا أبدا.
أسدل الليل ستائره.
لينتهي اليوم سريعًا.
صعد لسيارته بعد توزيع آخر وجبة إطعام بنجاح أخيرا.
وقد تم مراضاة الجميع.
حتى إنه قرر أن يزيد عدد أطرف المال.
من ماله الخاص.
خالصة لوجه الله تعالى.
بنية الجبر له ولاخونه.
ولم ينس أن يكون هناك جزء على روح أمه الظاهرة، رحمها الله.
ولم يعلم أحدهم أن هناك نية أخرى حمية كانت داخله.
تلك التي ربما لن يفصح عنها يوما أبدًا.
فكفاه ما براه بأعين أحبته.
فليصبر لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.
تنهد براحة، فبالرغم من صعوبة ومشقة اليوم والتجهيزات الكثيرة والطويلة.
إلا أن شعوره في تلك اللحظة، وتلك الراحة والسعادة على وجوه العاملين ومتعففي الأنفس كانت بالدنيا وما فيها.
ولو كان الأمر بيده، ما ترك محتاجا يوما.
ولفعلها كل ساعة، وكل يوم إن أمكن.
الحمد لله الحمد لله دائما وأبدا.
ربنا يراضي قلوبنا ويجبر خاطرنا
همس بها برضا وراحة.
التفت بناظر الاء الجالسة بجانبه، وعيناها تحملان كل تلك السعادة والراحة.
وكم كان مفتقدا أن يرى تلك الراحة بعينيها بعد ما حدث.
وتلك اللمعة في حد ذاتها تعني له الكثير.
تعني أن أخته بخير
مد يده يريت على يدها، مشددًا عليها، مرددا بهدوء، وتساءل.
مبسوطة يا حبيبتي ؟
أوي أوي أوي يا تميم.
مش متخيل فرحتى وأنا شايفة فرحتهم.
وسامعة دعاءهم الجميل والصادق.
كل دعوة، وكل بسمة. كانت بتهز روحي.
كانت بتلمس قلبي
كل دعوة يتقولي إن ربنا بيحبنا أوي. عشان كده الهمنا نهدي الناس الطيبة دي، ولو هدية بسيطة
الحمد لله
الفضل لله.
قالتها بعين لامعة متأثرة.
وهو أكثر من يعرف سبب هذا التأثير.
قد يكون للبعض رد فعلهم مبالغة فيه، لكن لا ....
لا والله، ليست بمبالغة.
ان تسعد قلب أحدهم.
أن تكون سيئا في نومه براحة، ولو لليلة واحدة، وسعادة بوجبة ربما لم يحصل عليها منذ الكثير.
وجية نظيفة صنعت بحب، ومن أفضل ما يكون.
ولم ينس فصل أمه. رحمها الله وغفر لها ذنبها ..
وقد كانت تذكره وتقولها له دائما.
قال تعالى في كتابه الكريم.
لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)
وقال رسول الله ﷺ
خَيَارُكُمْ مَنْ أَطْعَمُ الطَّعَامُ
اللهم اجعل يدنا في العليا، ولا تجعلها هي السفلى، وأغننا بفضلك عمن سواك .
اللهم ارزقنا رزقا واسعا حلالا طيبا، واجعلنا من المنفقين في سبيلك، ولا تجعلنا من المحتاجين إلى أحد من خلقك
اللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.
اللهم ارزقنا من واسع فضلك واجعلنا سببا في قضاء حوائج الناس.
اللهم آمين.
آمين يا رب العالمين.
أنهى دعاءه، والتي كانت دائما تردده على مسامعه وقرب رأسه من شقيقته، هامشا يخفوت ومشاعية، يداري تأثره
بذكرى أمه وحبيبته الأولى، رحمها الله
تيجي أخطفك ساعتين ؟ هوديكي مكاني السري.
كتمت ضحكاتها بيدها. وهي تشير برأسها للخلف بسخرية
ودول هتعمل فيهم إيه؟
فالتها مشيرة على صغارها الأربعة في الخلفية.
وقد أتوا معهم بعد وصلة صراخ وبكاء دامت نصف ساعة كاملة.
غير قابلين أبدا بالجلوس مع مدحت في المنزل حتى يعودوا.
حاولت آلاء بالرقة تارة، وبالحزم تارة.
إلا أن بكاءهم كان أقوى منها.
ليرق قلب تميم لهم في النهاية.
غير قادر على تحمل دموعهم.
ليقنع الاء التي وافقت على مضض.
ويقرروا أخذهم معهم، وأمرهم لله.
وفي النهاية. نام الأربعة في الخلفية مثل الدجاج بعد نصف ساعة.
اغمضت عينيها، غير قادرة على كتم ضحكتها، مرددة بصوت مكتوم، وعين دامعة من شدة الضحك.
مشكلتي الطبية الزيادة.
ناظرها شررا
وقد أدار السيارة لتنطلق بهم، مرددا بغيظ وتهكم ضاحكا هو الآخر
تبا للتربية الحديثة وسنينها .
تنا لقلبي الطيب
قالها ساخرا.
وضحكات الاء تزين الخلفية
حمل كوبي حمص الشام، متوجها لتلك الواقفة، تناظر أطفالها بنظرات شاردة. وغصة ثقيلة شائكة، وفكر ربما لن
يفهمه سواه في تلك اللحظة
يعرف هو كيف يكون النظر نحو مجهول.
النظر نحو طريق دلفت إليه بنفسك، وأنت لا تدري، هل حقا كنت على حق.
أم هو فقط مجرد خطأ جديد القائمة أخطاء الماضي التي لا تذهب سدى.
بل تحرق أرواحنا بكل قسوة عقابا لنا.
الله
قالها وهو يمد يده بالكوب لها.
ناظرته بابتسامة هادئة، قبل أن تمد يدها لتأخذه، وتضمه بين كفيها، مستندة على حافة الكورنيش خلفها، وأمامها حيث
سيارة تميم النائم بها صغارها الأربعة.
والمفتوح منها جزء من نافذة واحدة.
حيث مقعد السائق فقط للاطمئنان على دخول هواء مناسب للصغار، وإبعاد عنهم أيادي المتطفلين المزعجين.
سرحانة في إيه ؟
تمتم بها وهو يضع كوبه هو الآخر بجانب خاصتها، بعد أن وضعته على حافة الكورنيش.
فيهم
همست لها بصوت خافت خالف.
وعيناها لا تتركان صغارها ..
قبل أن تتابع بصوت يقطر الماء
في اللي حصل.
وفي اللي هيجي.
في كل حاجة تخصهم
تخص حياتهم مستقبلهم، تربيتهم
يمكن أنا دائما كنت ليهم أم وأب في غياب أبوهم.
...بس
فالتها ممتنعة حتى عن ذكر اسمه.
وتابعت بمرارة.
لكن أهو كان موجود
ولو حتى على سبيل خيال المائة.
يعني على رأي المثل ضل راجل ولا ضل حيطة.
خايفة عليهم يا تميم.
خايفة أظلمهم وأنا يحاول أحميهم.
تظن يا تميم أنا غلطت؟
قالتها متسائلة يترقب حذر.
وتابعت بقهر وحسرة
تظن كان لازم اسكت واستحمل، وأحط جرمة في بقي وأعيش ؟
اتحمل ذكر بيكدب ويخون ويهين.
علشان بس المركب تمشي.
عشان العيال تتربى في بيت أبوهم حتى لو كان وحش وميستحقش يكون أب.
وإني أمشي الدنيا زي ما كثير الستات مستحملة وراضية.
ويترق في أيامها عشان الحياة تمشي.
كان يسمعها بصمت تام.
تاركا لها المساحة بالكامل لتفريغ خوفها، وقلقها، وصراعاتها الداخلية.
التي ربما تتكرر بداخلها بكل لحظة.
بكل لحظة هي تشعر بالخوف، ليس لضعفها، بل لأنها أم تخشى على صغارها.
وعلى الرغم من تفته أنها بداخلها مؤمنة أنها لم تخطى.
إلا أن خوفها كان منصبا أكثر في جهة أنها ربما أخطأت في الحصول على حقها.
مد يده يضم يدها بقوة ودعم.
وباليد الأخرى رفع ذقنها، قبل أن يردد بحزم وجسم
اسمعي الكلمتين دول.
ومش بقولهم بصفتي أخوكي بس.
لا
أنا في اللحظة دي هكلمك بصفتي
راحل.
این
اخ.
وفي يوم من الأيام هيكون زوج وأب إن شاء الله
وإجابتي اللي مش هتتغير
لا قبل كده. ولا دلوقتي، ولا بعدين.
إلا إنك مش غلطانة يا آلاء.
مش غلطانة عشان رفضتي حياة هي أصلا مش حياة.
مش غلطانة عشان رفضتي أقل مما تستحقى.
مش لازم تستحملي لو مش قادرة.
مش لازم تصبري لو اللي قدامك بيستغلك ويستغل صبرك.
فالها بتأكيد وثقة.
وأضاف بشيرة حازمة.
وسيبك بقى من كلمة إنت بت مش أصيلة، ومش زي أمهات زمان.
اللي استحملوا أكثر وسكنوا وو.....
اسمحيلي أقولك إن ده كلام غبي.
كلام عقيم، بمعنى أصح، وهو هو اللي وصلنا للي إحنا فيه دلوقتي.
والتي بسببه بنات وستات، وأمهات انظلموا. وهيفضلوا يتظلموا بدون وجه حق، وبحجج عبية
صمت، يتنفس بغضب وضيق.
قبل أن يتابع حديثة مرددا تضيق
ده كلام بيحب الناس يقولوه لبعض متباهين يتعب وكسرة ستات صبرت عشان للأسف مكنش قدامها حل غيره
وقتها.
سواء بقى ملهاش مكان تروحه، أو معندهاش دخل يعيتها. أو راجل بيهدد انه مش هيصرف ولا جنيه لو اتطلقت.
وكثير مواقف أسوا بكثير
والله أعلم بحال كل بيت، والمستخبى جواه.
ليه تقارن أصلا بين البيوت؟
كل حياة مختلفة
وتابع مستنكرا.
وتم أصلا هو إيه علاقة الأصل إني استحمل وجع وقلة قيمة، وأخلاق، من ذكر لا يستحق لقب راجل أصلا، عشان أمشي المركب ؟
انهي مركب دي اللي هتمشي وهي مليانة حرام؟
هي ببساطة مركب محكوم عليها بالعرق عاجلا أم آجلا.
عايش فيها أصحابها في خوف دائما.
خوف من انها تفرق بكل لحظة.
خوف إن النهاية كده كده جاية.
يا منها وصلت لير الأمان يا منها غرقت بسرعة، ورحمت صاحبها من لحظات رعب قاسية قاتلة.
يعني ببساطة بتموت كل دقيقة.
وهل هي بقى دي حياة؟
قالها وهو يهز راسه مستنكرا.
امتقع وجهه، زافرًا بضيق، متابعا:
ساعات كثير أوي يستغرب اللي بيدوروا على الست الأصيلة بمفهومهم العقيم.
ست تتحمل الإهمال، والإهانة، والمعاملة السيئة، والبخل ومش بس البخل المادي. لكن كثير أوي بيكون بخل المشاعر.
مش بس هو لا كمان بشاعة أهله، سواء أب أو أم أو إخواب
ولازم تتحمل عشان أهله.
معقول عايزها تزعل أهله؟
زعلها في أهون بكثير.
زعلها هي أرخص بكثير.
ميثاق غليظ اتحول المهزلة، بفعل بعض البشر المرضى النفسيين، اللي قرر أهلهم، بدل ما يعالجوهم، إنهم يحوزوهم
قالها أسما.
الجوازة صابت ؟ تمام.
الجوازة جابت ؟ تمام برضه.
كلبه يقي وراح.
معروفة يعني.
منظومة الجواز كلها أصبحت منظومة معقدة.
مش لانها كده.
لأن البشر هما اللي خلوها كده.
وعلى فكرة مش طرف واحد.
الطرفين بقوا قاسيين أوي.
سواء زوج أو زوجة.
الاثنين بقى تشوف منهم العجب.
إلا من رحم ربي طبعا.
لأن زي ما في الوحش، وكثير
في اللي ربنا زرع في قلبهم مودة ورحمة، ودين، وخلق.
فاهمة يعني إيه زواج.
يعني ايه قوله تعالى
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
لكن خليني أقولك إن في قصتك انت.
انت مش غلطانة يا آلاء.
الب كتب صحية لزوج برجسي.
الأب لا يستحق أصلا.
رامي....
صفحة بقت محروقة في كتابك.
صفحة واتقفلت خلاص
يضي القدام.
لنفسك
لولادك
ولأهلك
وكوني متأكدة إن الغلط مكنش غلطك
ولادك في حضنك، والحياة لسه قدامك.
وتابع مشددا على يدها.
أنا هنا
ولادك في أمان وسطنا. ومستحيل ينقصهم حاجة، بأمر الله
واوعي تنسي. مستحيل اسمح لأي شخص باديكي أو بادي الولاد، لحد آخر نفس فيا
وحتى مع اخر نفس.
تأكدى إني هكون محاوطك بايدين أمينة.
تنوب على تحميكي، وتخلي بالها منك
بعد الشر عنك يا تميم.
متقولش كده بالله عليك.
ربنا يبارك لنا فيك، ويحفظك العمر كله يا رب يا حبيبي
قالتها بعين دامعة، ووجه محتقن من شدة الاختناق.
شدد على يدها. لندس نفسها بين أحضانه.
متمتعة بأمان طالما كان وطنها وملجأها.
تميم
لم يكن مجرد أخ بالنسبة لها.
كان أعظم هبة لها في تلك الحياة.
جنانه وطن.
وفونه أمان
رجل لا تقاس قيمته بكلماته.
بل بأثره في قلوب من يحب.
يحبك يا أعظم أخ
همست بها بخفوت
وسمعها هو.
وكانت تلك من أعلى الكلمات على قلبه المنهك.
