رواية قلبي تحت حراستك الفصل الثالث 3 بقلم هاجر عبدالحليم

 

رواية قلبي تحت حراستك الفصل الثالث بقلم هاجر عبدالحليم


صوت الأقدام الثقيلة ملأ المكان، والسلاح اللامع في أيديهم جعل الجو كله يتجمد في لحظة واحدة.
الكل اتنفض.
رجال الأعمال الأجانب توقفوا عن الكلام، ووجوههم اتشدت بالغضب، وعيونهم اتوجهت فورًا نحو يزن.
يزن ابتلع ريقه بصعوبة.
الخوف كان واضح في عينيه…
ليس من آسر، بل من نظرات الرجال الأجانب الذين أدركوا أن الفوضى خرجت عن السيطرة.
لكن السؤال كان واضح في عيون الجميع:
إزاي آسر دخل هنا؟
في تلك اللحظة، صوفيا رفعت عينيها…
وما إن رأت آسر حتى ارتجف جسدها كله.
جريت نحوه بسرعة، ودموع القهر تنزل من عينيها.
قبضت على إيده بقوة، كأنها بتتأكد إنه حقيقي مش وهم.
آسر نظر إليها بقلق شديد، عينيه تمسحان وجهها المرتعش.
مسك إيدها برفق…
ثم جذبها خلف ظهره فورًا، يحجبها بجسده كدرع حي.
وقف أمام الجميع بثبات مخيف.
عيناه تحولت إلى نار.
نظر إلى الموجودين واحدًا واحدًا…
ثم قال بصوت منخفض لكنه مليء بالوعيد:
"أقسم بالله… كل واحد فيكم هيشوف الجحيم بعينه… على كل دمعة نزلت منها."
ساد الصمت للحظة…
لكن يزن ابتسم ابتسامة باردة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة.
عدل من جلسته ببطء، ونفث دخان سيجارته في الهواء، ثم قال بنبرة ساخرة هادئة:
"أهلاً… بحضرة الظابط."
اتسعت عينا صوفيا بصدمة.
همست بصوت مرتعش:
"ظابط…؟!"
لكن آسر لم يلتفت لها.
كانت عيناه ثابتتين على يزن فقط.
آسر تقدم بخطوات ثابتة، صوته منخفض لكنه مليء بالحزم:
آسر: "اتحركوا معايا."
يزن رفع رأسه بتحدي، ابتسامة ساخرة على وجهه، لكن العينين خافتين:
يزن: "مش هتحرك."
باهر حاول يسيطر على الوضع بعصبية، صوته متردد:
باهر: "آسر باشا… ده مش قانوني!"
آسر نظر له بنار في عينيه، صوته صار أشد حدة:
آسر: "قانوني؟ أهه… قانوني! وانتوا بقا بتمشوا ورا القوانين وبتطبقوها عليكم قبل أي حد. عارفين الحلال والحرام، وبتخافوا ربنا قبل البشر، وعايشين ف حالكم… كافيين خيركم شركم؟ لا! وكمان بتساعدوا الغلابة في الضلمة عشان ثوابكم ما يروحش عند ربنا. تصدقوا… الدمعة هتفر من عيني من جمال روحكم."
الجو اتجمد… كل العيون على آسر، رجال الأعمال الأجانب وقفوا مش مصدقين.
آسر رفع يده، وأشارت كل حركة منه بالسيطرة:
آسر: "روحكم اللي هخنقها بإيدي بكل قوة. متتخيلوش اني تعبت عشان دورت وراكم سنين… اللحظة دي اللي هتكونوا فيها معايا في عربية البوكس… هتغسلني من جوا… وهعمللكم حفلة بصحيح… تنسوني كل الوقت اللي ضاع عليكم."
يزن حاول يضحك، لكن صوته خرج متقطع والخوف واضح:
يزن: "الموشح بتاعك دا… هيخلص امتى؟"
آسر رفع ورقة أمام الجميع، صوته صار رسمي وحازم، كل كلمة تقطع الصمت:
آسر: "اتقل… تاخد حاجة نظيفة."
آسر: "التهمة الأولى: الاستغلال التجاري والمهني بصورة غير قانونية، تشمل التلاعب بعقود صوفيا وإجبارها على أعمال تجارية تحت تهديد أو ابتزاز، مما أدى لإلحاق ضرر مادي ومعنوي بها."
آسر: "التهمة الثانية: التحرش والاستغلال النفسي، باستخدام سلطته للتأثير على قراراتها، وخلق بيئة عمل معادية، ترهيبها، ومنعها من ممارسة حقوقها المهنية بحرية."
آسر: "التهمة الثالثة: الاحتجاز القسري والتعرض للخطر الجسدي، بمحاولة منعها من مغادرة مقر الشركة أو السيطرة على تحركاتها، بما يشمل إرسال عملاء وضغط مباشر على حريتها الشخصية."
آسر: "التهمة الرابعة: غسل الأموال والإثراء غير المشروع، من خلال معاملات مالية غير قانونية ضمن نشاط الشركة، واستغلال الموارد والعلاقات التجارية لمصلحته الخاصة على حساب صوفيا وزملائها."
آسر: "التهمة الخامسة: التواطؤ والتآمر ضد حقوق الغير، بالتعاون مع باهر وبعض رجال الأعمال، لإخفاء جرائم وانتهاكات النظام القانوني، وإساءة استخدام السلطة والتأثير في السوق لصالحه فقط."
آسر رفع نظراته إلى يزن وباهر، صوته صار أكثر تهديدًا:
آسر: "كل دا متسجل… صوت وصورة. حتى تسجيلك الأخير مع باهر لما اتفقتوا على كل اللي كنت ناوي تعمله مع صوفيا النهاردة… متنسوش، كل كلمة مسجلة."
يزن تراجع خطوة، تحاول ابتسامته أن تخفي الخوف:
يزن: "مش ه…"
آسر قطعه بنظرة جليدية، يقترب منه خطوة:
آسر: "ها… هتفضل معايا؟ ولا هستخدم طريقتي؟ بس صدقني… هتيجي، بس بالغصب مش بالرضا."
أحد رجال الأعمال الأجانب حاول الاعتراض بالإنجليزية:
Foreign businessman: "Hey! This is illegal! You can’t just arrest us like this!"
(مهلاً! هذا غير قانوني! لا يمكنكم اعتقالنا هكذا!)
آسر رفع يده، صوته صار حازمًا وواضحًا:
آسر: "No objections… all the evidence is here: recordings, photos, financial transactions… The charges are crystal clear:"
(لا اعتراض… كل الأدلة أمامكم: تسجيلات، صور، معاملات مالية… التهم واضحة كالنهار:)
Charge One: Human trafficking for commercial exploitation, recruiting women from multiple European countries under false pretenses and forcing them into illegal employment.
(التهمة الأولى: الاتجار بالبشر للاستغلال التجاري، تجنيد نساء من عدة دول أوروبية بوعود كاذبة وإجبارهن على العمل في أنشطة غير قانونية.)
Charge Two: Illegal operation of high-end escort services, including arranging paid sexual encounters with influential businessmen without consent of the women involved.
(التهمة الثانية: إدارة خدمات مرافقة غير قانونية، بما في ذلك ترتيب لقاءات جنسية مدفوعة مع رجال أعمال نافذين دون موافقة النساء.)
Charge Three: Coercion and psychological manipulation, using threats, blackmail, and confinement to control victims and force them to comply with illegal activities.
(التهمة الثالثة: الإكراه والتلاعب النفسي، استخدام التهديدات والابتزاز والاحتجاز للسيطرة على الضحايا وإجبارهن على الانخراط في أنشطة غير قانونية.)
Charge Four: Money laundering and cross-border illicit financial operations, moving funds from European prostitution activities through offshore accounts to conceal illegal earnings.
(التهمة الرابعة: غسل الأموال والمعاملات المالية غير القانونية عبر الحدود، تحويل أموال نشاطات الدعارة الأوروبية عبر حسابات خارجية لإخفاء الأرباح غير المشروعة.)
Charge Five: Corruption and illegal influence, bribing officials and using network connections to avoid legal scrutiny, endangering victims and facilitating the criminal network.
(التهمة الخامسة: الفساد والتأثير غير القانوني، رشوة المسؤولين واستغلال العلاقات لتجنب المراقبة القانونية، مما يعرض الضحايا للخطر ويدعم الشبكة الإجرامية.)
آسر أشار بيده للحراس:
"Move! No one escapes!"
(تحركوا! لا أحد يفلت!)
الحراس بدأوا بالقبض على الجميع، رجال الأعمال الأجانب حاولوا المقاومة، لكن الأدلة كانت دامغة فلم يجدوا مكانًا للاختباء.
...
في قلب الشارع، كان البوكس محاطًا بالقوة والهيبة، والحراس يقفون كجدار من الحديد، كل حركة تكتسب وزنًا وتهديدًا. قبض آسر على الجميع، وتنفس الصعداء لحظة، معتقدًا أن القضية قد أُغلقت أخيرًا.
لكن صوفيا كانت هناك، عيناها مليئتان بالقهر والعتاب، وداخلها خليط من الغضب والاحتقار. كل لحظة معه تدفقت في ذهنها: كذبه، استغلاله، رفضه لمشاعرها، وحتى دخول أخيها اللعبة دون رضاها. كل هذه الذكريات أشعلت شعورًا بالانتقام.
بدون تفكير، وباندفاع الغضب، ضربته على وجهه بالقلم. صوت التصادم المدوي قلب المكان صامتًا للحظة. صوفيا لم تلتفت إلى أنه ظابط، إلى هيبته وسط حراسه، إلى القوة التي تحيط به.
ارتد آسر إلى الخلف قليلاً، الصدمة مرسومة على وجهه، جسده مشدود، والعينان مليئتان بالدهشة. الحراس تجمدوا للحظة، ثم تحركوا بسرعة للسيطرة على الموقف، يحاولون حماية السيد الذي لهم ولاءه.
آسر وقف للحظة، صدمته واضحة، يحاول استيعاب هذه الضربة غير المتوقعة، وهي التي كشفت قوة مشاعره الداخلية، وسط حراسة مشددة ترصد كل شيء. الشعور بالتوتر، الهيبة، والقوة، امتزجت في المكان، وجعلت كل شيء يبدو وكأن الشارع كله يترقب ما سيحدث بعد لحظة الصدمة هذه.
..
في زنزانة السجن، كان الجو مشحونًا، والهواء ثقيل، والضوء الخافت يلقي ظلالًا على الوجوه المترقبة. صوفيا وقفت في منتصف الغرفة، عينيها متقدتان بالخوف والاندهاش، لكنها لم تخفِ غضبها.
صوفيا: "جرا إيه منك؟ أنتو هتعملوا عليا ربطية؟"
واحدة منهن، مستغربة: "إيه يا حلوة، مالك؟"
صوفيا رفعت رأسها بتحدٍّ: "أنا مش حلوة… ولمّي الدور وغوري اتلقحي ف حتة!"
أخرى، بسخرية واضحة: "الله! الحقي يا معلمة… دي طلعت بلطجية، وشكلها كده هتلعب ف وشنا البخت!"
صوفيا، عينيها مشتعلة: "مش ذنبي إنك اتغريتي بمنظري. آه، شكلي بنت ناس، بس والله اللي يمسني مش هسكت… جتكم الأرف!"
واحدة منهن، فاتحة صدرها بتحدٍ: "فاتحة صدرك كده كأن وراك ناس تقيلة… لو كده، جاية في إيه يا سكرة؟"
صوفيا، وهي تحرك حواجبها بتحدٍ: "ضربت ظابط بالقلم!"
الضحك عمّ المكان، والكل مش مصدق اللي بتقوله.
واحدة منهن، مستغربة: "لا… نكتة دي؟"
أخرى، بحيرة: "إنتي فعلاً ضربتيه؟ طب وهو عملك إيه؟"
صوفيا: "آه… ضربته! ضحك عليا واستغلني عشان يقبض على ناس بدون رضاء… ف ضربته قدام حراسه!"
واحدة منهن، بدهشة: "ويطلع مين الظابط ده؟"
صوفيا، بنبرة قصيرة: "اسمه آسر."
المرأة تجمدت لحظة، ثم قامت: "إنتي تعرفيه معرفة شخصية؟"
صوفيا، باستغراب: "مش أوي… ليه؟"
ردت المرأة بثقة: "نسوااااااان علموها الأدب."
صوفيا، بثبات: "محدش يقدر يقربلي."
المرأة، بابتسامة تحدٍ: "احنا كتير هنا يا حلوة…"
...
في مكتب آسر، كان  يتصاعد من سجائره، والقلم يطرق المكتب بإيقاع متقطع، علامة على توتره وتركّزه في الوقت نفسه. صوفيا ضربته بالقلم أمام الجميع، مشهد لا يزال حيًا في ذهنه، وكل شعور بالغضب والخذلان عاد له دفعة واحدة.
آسر شعر بغضب داخلي… لازم تتحاسب. لازم تتحاسب حتى لو دا ضد رغبته، لكنه عرف أن الحساب لازم يتم بينهم وبين بعض، بعيدًا عن أعين موظفيه، بعيدًا عن السلطة التي يمثلها أمامهم. هو المسؤول، وهي من أخطأت، ولكن لا يمكن السماح للموقف بالمرور دون عقاب، على الأقل ليظهر أنها تعلمت درسًا.
قرر آسر أن الطريق الأنسب كان الزنزانة… أن تدرك صوفيا أن هناك حدودًا، وأن أي تجاوز سيواجه بعواقب حقيقية.
في تلك اللحظة، اقترب أحد رجاله، وهو يلهث: "الحق يا باشا… مدام صوفيا قاعدة بتتخانق مع الحريم ف الزنزانة!"
...
اندفع أسر نحو الزنزانة بخطوات سريعة متلاحقة، وقلبه يكاد يقفز من صدره من شدة القلق.
كان يشعر بأن شيئًا سيئًا قد حدث.
تلك الفتاة…
هادئة، رقيقة، بالكاد ترفع صوتها… فكيف ستواجه نساء السجن القاسيات؟
ضربت الأفكار رأسه بعنف.
يا ترى عملوا فيها إيه؟
اقترب أكثر… ثم توقف فجأة.
تجمد في مكانه عندما رأى الحراس مصطفّين أمام الزنزانة، أعينهم متسعة ووجوههم مشدوهة كأنهم يشاهدون عرضًا غريبًا.
عقد حاجبيه في حيرة، ثم دفع رأسه قليلًا ليرى ما يحدث بالداخل.
وفي اللحظة التالية… اتسعت عيناه هو الآخر.
كانت صوفيا تقف في منتصف الزنزانة بثبات مخيف.
حولها مجموعة من السجينات متراجعات إلى الخلف، بعضهن جالسات على الأرض، وأخريات متشبثات بالجدار.
في يدها خرطوم ماء ما يزال يتقطر،
وفي يدها الأخرى مطواة تلمع نصلها تحت ضوء الزنزانة الخافت.
كانت تنظر إليهن بنظرة باردة، ثم هزت رأسها بسخرية.
صوفيا:
"ستات خرفانة بصحيح…"
لم يرد أحد.
تنهدت ببطء وكأنها تحاول السيطرة على غضبها.
صوفيا:
"الواحد يحترم نفسه… تفتكروه سهل ولا إيه؟"
ثم أشارت بالمطواة نحوهن.
صوفيا:
"حذرتكم مرة واتنين… لكن العند  ولد كفر. خلاكم في الحال ده… مذلولين ليا."
تقدمت خطوة، فارتدت بعض السجينات للخلف.
صوفيا ببرود:
"وأنا بقى لو ضربت معايا… كيف تفضلوا كده لتاني يوم يا أنا… يا أنتم بقى."
ساد الصمت لحظة… ثم قالت إحدى السجينات بتحدٍ:
سجينة:
"عاجبك كده؟"
ضحكت أخرى ضحكة قصيرة.
سجينة ثانية:
"آه… عاجبني."
ردت ثالثة وهي تنظر حولها باستهزاء:
سجينة ثالثة:
"اتقل بينا من واحدة فافي… أهي."
اقتربت امرأة ضخمة الجسد قليلًا وقالت بعصبية:
سجينة رابعة:
"إيش حال يا ولية إنتي؟ إيديكي مرزبة… طشيها قلم! ساكتة عليها ليه؟"
تدخلت أخرى بسرعة وهي تمسح الدم من شفتها:
سجينة خامسة:
"البِت عاملة غلبانة… وهي جامدة! كلنا اتخمينا فيها."
ردت امرأة من الخلف بعصبية:
سجينة سادسة:
"منك لله! إنتِ اللي حرضتينا عليها. كنا قاعدين بنخبط بالكلام من غير لمس!"
قالت أخرى وهي تضحك بسخرية:
"أنا كنت فاكرة أقدر أوجع الظابط بيها."
قالت بحدة:
"دا رماها في الحبس… معنى كده مش تخصه يا فهيمة. ولا أقول يا بهيمة؟"
صرخت فيها ا
"حطي جزمة في بقك واخرسي!"
ثم أكملت وهي تشير إلى رأسها:
"جتك ضربة في نافوخك؟ الشعر الأبيض ده مش في راسي ببلاش! والله البت دي في الحبس تربية."
"ولو الظابط عايز يطلعها يطلعها… ولو طلع كلامي ده هبل، تفي على قبري وقولي العجوز دي ما بتفهمش حاجة."
في تلك اللحظة…
تحركت صوفيا فجأة.
مدّت يدها وأمسكت إحداهن من شعرها بعنف، فصرخت المرأة وهي تُسحب للأمام.
اقتربت صوفيا من أذنها… وهمست بصوت بارد مخيف:
صوفيا:
"بتوشوشوا في إيه؟"
شدت شعرها أكثر حتى انحنت المرأة.
ثم قالت ببطء:
"أدي آخرة اللي فاكرين نفسهم سباع الصحرا… وهم في الحقيقة فِيران."
خارج الزنزانة…
كان أسر واقفًا بلا حركة.
لم يكن يتخيل…
ولا حتى في أسوأ توقعاته…
أن تكون هي المسيطرة على الزنزانة كلها.
أما الحارس بجانبه فهز رأسه بدهشة وقال:
"دي طلعت مش سهلة خالص"
لكن في الداخل…
كانت صوفيا ما تزال تبتسم تلك الابتسامة الهادئة…
ابتسامة من يعرف أنه الأقوى في المكان.
...
دخلت صوفيا المكتب بخطوات سريعة، وعيناها تشتعلان غضبًا. لم تجلس، بل وقفت أمام المكتب مباشرة وحدقت في أسر بنظرة حادة.
صوفيا:
"خرجني من هنا."
رفع أسر عينيه إليها بهدوء، ثم قال بصرامة:
أسر:
"لا."
اتسعت عيناها بصدمة، ثم قالت بحدة:
صوفيا:
"إنت بجح أوي."
ضرب أسر بيده على المكتب قليلًا وهو يقول:
أسر:
"صوفيااا!"
رفعت إصبعها في وجهه فورًا.
صوفيا:
"ما تزعلّقش… إنت فاهم؟"
تنفس أسر ببطء محاولًا كبح غضبه، ثم أشار إلى الكرسي أمامه.
أسر:
"طب اقعدي."
عقدت ذراعيها بعناد ولم تتحرك.
صوفيا:
"بطل تؤمرني. إنت مش واصي عليّا… ولا أنا مطالبة أسمع كلامك. حقي مش هسيبه."
مرر أسر يده في شعره بضيق، ثم قال بنبرة أخفض لكنها حازمة:
أسر:
"ده شغلي يا صوفيا. أنا كنت في مهمة… ولازم أقول سمعًا وطاعة. أوامر نازلة من فوق."
صمت لحظة ثم تابع:
"وأخوكي كان على علم. وبصراحة… اتعاون معانا من غير ما يدخل نفسه في التفاصيل."
نظرت إليه بحدة، فتابع كلامه:
"بعد ما وعدته إني أحمي أخته."
تنهد ببطء وأشار إلى كتفه.
أسر:
"وأنا ما قصرتش معاكي. المفروض تشكريني … أنا خدت رصاصة في كتفي عشان أحميكي."
نظر إليها مباشرة وأضاف بهدوء:
"معنى كده إن حياتك تهمني."
ضحكت صوفيا بسخرية جارحة وقالت:
صوفيا:
"يا شيخ! ده يا رب كانت تصيب قلبك… وتطق تموت، وأخلص من وشك النحس ده."
اشتدت ملامح أسر قليلًا، لكنه ما زال يحاول التماسك.
أسر:
"سكوتي مقوّي قلبك كده؟ ولا إيه؟"
رفعت رأسها بتحدٍ واضح.
صوفيا:
"قلبي جامد من يوم ما أمي جالها الطلق وجابتني. أنا ما بهابش من حد."
اقتربت خطوة من المكتب ونظرت له مباشرة في عينيه.
صوفيا:
"إنت اللي تتكسف من روحك."
ثم قالت بحدة أكبر:
"ليه كدبت عليّا؟"
صمت أسر لحظة.
فأكملت:
"كنت قولّي إنك ظابط وعايز مساعدة… كنت هساعدك. ما كنتش هتأخر عليك."
ضربت بيدها على المكتب.
صوفيا:
"لكن ليه الملاوعة؟ ليه اللعب من ورا ضهري؟"
ساد الصمت في المكتب لحظة ثقيلة.
كان أسر ينظر إليها… وكأن كلماتها أصابته في مكان لم يتوقعه.
وقفت صوفيا فجأة، كأن شيئًا غير مرئي شدّها من مكانها.
كانت تحدق في أسر بنظرة غريبة، كأنها تحاول قراءة ما خلف وجهه.
صوفيا بتهكم خفيف:
"إيه؟ اتجمدت زي التمثال كده ليه؟"
خفض أسر عينيه لحظة، ثم قال بصوت منخفض:
أسر:
"حاسس إني كسرت الوعد."
عقدت حاجبيها باستغراب.
صوفيا:
"وعد إيه؟"
رفع رأسه ببطء، ثم اقترب منها خطوة.
كان في عينيه شيء قاسٍ لم تره فيه من قبل.
أسر بحدة:
"إني أدفن اللي عينه تطلع عليّا بنظرة متعجبنيش."
تراجعت صوفيا نصف خطوة، لكنها تماسكت سريعًا وقالت ببرود:
صوفيا:
"اخرج من حياتي."
نظر لها طويلًا… ثم قال بهدوء غريب:
أسر:
"أفكّر."
اتسعت عيناها قليلًا.
صوفيا بضيق:
"مش خلصت شغلك؟"
أسر وهو يحدق فيها:
"عايزة الحق؟"
سكت لحظة ثم قال:
"لسه."
ضحكت صوفيا بسخرية مرّة.
صوفيا:
"فاضل إيه تاني؟ ما خلتني كبش فدا… وأداة على حساب كل حاجة في حياتي."
اقترب أسر خطوة أخرى، وصوته أصبح أكثر جدية.
أسر:
"إنتِ دلوقتي شاهدة في أكبر قضية شغالة."
ثم أكمل بنبرة أقل حدة:
"ولو على السجن… أنا اللي دخلتك وأنا اللي هخرجك.""
اقتربت صوفيا منه فجأة حتى لم يبق بينهما سوى خطوة واحدة.
كانت عيناها مليئتين بالغضب.
صوفيا:
"بكرهك."
لم يتحرك أسر… فقط نظر لها بثبات.
أسر بهدوء:
"من قلبك يا صوفي؟"
أجابت فورًا دون تردد:
صوفيا:
"من كل قلبي."
ظل ينظر إليها لحظة…
لكنها استدارت فجأة واتجهت نحو الباب.
فتحه الحارس قليلًا لكنه وقف في طريقها مانعًا خروجها.
صوفيا بضيق واضح:
"قوله يوسّع… الجو خانقني."
وضعت يدها على صدرها وهي تلتقط أنفاسها.
"وبجد… نفسي مش قادرة آخده."
نظر الحارس إلى أسر منتظرًا الأمر.
قال أسر بهدوء:
أسر:
"سيبها يا عسكري."
وقف الحارس فورًا وابتعد عن الباب.
العسكري:
"حاضر يا فندم."
خرجت صوفيا مسرعة دون أن تنظر خلفها.
أما أسر…
فبقي واقفًا في مكانه،
ينظر إلى الباب الذي خرجت منه…
وكأن شيئًا ما خرج معها من الغرفة.
...
كانت صوفيا تستعد للعرض في هدوء، عندما دخلت هاجر فجأة إلى الغرفة.
صوفيا: مش وقتك دلوقتي.
هاجر: أنا كل الأوقات وقتي.
صوفيا (بحدة): لو جاية عشان خناق، فوالله أنا مش طالبة.
هاجر (بابتسامة هادئة): بالعكس يا صوفي… أنا جاية أنصحك. نصيحة من أخت لأخت. أشوفك بتتغفلي، وأنا أقدر أساعدك. ده حتى كان في بينا عشرة وعيش وملح… ودي ما بتهونش إلا على الرخيص، صح؟
صوفيا (مترددة): بصي يا هاجر… يمكن في الأول كان هدفي أبقى على الساحة، وأي واحدة تعلى عليا أفرمها وأدوس عليها، وماديش أي فرصة لحد يسبقني. بس دلوقتي… الموضوع اتغير.
إنتي إنسانة طموحة وحلوة وتستاهلي… اشتغلي على نفسك أكتر، وبلاش تركزي لا معايا ولا مع غيري.
أنا لسه هنا بس عشان ما بعرفش أعمل حاجة تانية، ومش قادرة أبدأ من الأول في أي مجال… لا عندي صبر ولا طاقة.
استدارت صوفيا لتغادر، لكن هاجر وقفتها فجأة.
هاجر (مستفسرة): حبيتيه؟
صوفيا صُدمت ولم تجب.
هاجر (بنبرة ساخرة): الحارس بتاعك.
صوفيا (باهتمام بسيط): أنا ما ببصش تحت رجلي.
هاجر: وإنتي تقدري تمارسي غرورك على ظابط؟ وشايفاه مش قد المقام؟
صوفيا (متفاجئة): إنتِ كنتِ عارفة؟
هاجر (بثقة): مصادري الخاصة.
صوفيا (مستفزة): وجاية تقولي كده عشان تبيني إنك جامدة ومصادرك صح؟ طيب… خليني أقولك، هو اللي كان عايز يبقى مكشوف للكل، بس أنا اللي كنت غبية وما دورتش وراه.
هاجر (متحمسة): بس في سر تاني يهمك.
صوفيا (بلا مبالاة): هو كله مع بعضه ما يهمنيش… وأي حاجة تخصه، احتفظي بيها لنفسك.
ركزّي في عرضك… عندك عرض مهم.
وعشان أثبتلك حسن نيتي… عندي مفاجأة ليكي، هتعرفيها لما العرض يخلص.
يمكن الغل يهدى… ونعتبر دي فترة صلح بينا، رغم إنه صعب جدًا نبقى أصدقاء.
ثم تركتها صوفيا ومشت،
ووقفت هاجر مكانها، تفكر في كلامها بفضول وحيرة.
...
:
بعد انتهاء العرض في الشركة، خرجت صوفيا إلى الخارج، وعيناها تتبعت هاجر وهي تتحدث بحماس مع أكبر مصمّم أزياء في دبي. ضحكت بخفّة، لكنها شعرت بوخزة توتر في قلبها، ثم مشيت لتصل إلى عربيتها.
فجأة، شعرت بشخص يمسك يدها. ارتجفت للحظة، ثم التفتت لتجد إسر واقفًا أمامها، نظراته حادة، وكأنها صاعقة مفاجئة.
برّقت له بعنف، شدّت يدها، ثم ركبت عربيتها بسرعة، وهو ركب جمّله بجانبها. قلبها ينبض بسرعة، لكنها حاولت إخفاء خوفها بغضب ظاهر.
صوفيا (مستفزة): انت طلعتلي من أي داهية؟
إسر (مخنوق، متوتر): اطلعي ف أي حتة فيها بحر…
صوفيا (بتحدي، بعنف خفيف): …يكش تولّع! أنا مالي؟ أنزل من العربية حالًا وإلا أنا اللي همشي وأسيبهالك.
كان في عينيه شيء من الحيرة، لكنه حاول السيطرة على صوته:
إسر: انتي منين يا صوفيا؟
صوفيا (ساخرة، مرفوعة الرأس): انت بتهني ولا إيه؟
إسر (بتساؤل، غاضب قليلًا): دا سؤال… هو على راسه بطحة؟
صوفيا (بفخر مختلط بالاستفزاز): لا… بقولك أنا جيبتها من تحت أوي. أنا من إسكندرية، آه، من حارة شعبية… بس بنت أصول، وأعرف أفوت في الحديد وأسد… محدش يقدر يحط عليا.
إسر (متفاجئ، ببطء): ولا يبان عليكي.
صوفيا (بهدوء، لكنها حادة): عشان محدش يعرف أصلي، آه.
إسر (بفضول وحذر): بتتبري منه؟
صوفيا (بتفخر بماضيها، لكنها تشعر بالحنين): لا طبعا… الناس اللي من حارة شعبية ولاد بلد ويعرفوا الأصول، وليّا الشرف أكون منهم… بس لما اشتغلت في المجال، بقيت ليّا لغة مختلفة عن اللي اتربيت عليه.
إسر (بجدية، ): فالأصل غلاب، ودا بان أوي في الحبس.
صوفيا (بتحدٍ، بغضب): وانت كنت عايزني أسيبهم ياكلوني؟
إسر (بتردد قليل، لكنه صارم): ع كده… صوفيا مش اسمك الحقيقي؟
صوفيا (ببرود، متحفظة): لا… اسمي صفاء في البطاقة، بس بقالي زمن كبير مسمعتوش، لدرجة إني نسيته. وبعدين أنا بتكلم معاك ليه أصلا؟
إسر (بحنان خفي، متحكم في صوته): عشان مرتاحة… ولا يمكن عشان معايا الكلام بيطلع من غير تفكير.
صوفيا (بعصبية، متوترة): انزل يا إسر.
إسر (بهدوء لكنه متأثر): ماشي… بس كلامنا لسة مخلص تمام هرجعلك ونتكلم بهدوء والعقل تكوني هديتي من الصدمة اللي اتحطيتي فيها بسببي يلا سلام.
...
كانت صوفيا جالسة في الليفنج لوحدها، والهدوء يملأ المكان. فجأة، خبط الباب. فتحت الخدامة وقالت:
الخدامة: في حد بعتلك الورد دا يا مدام؟
مدّت صوفيا إيدها لتأخذ الكرت، وما إن فتحته حتى برقت عيونها من الرعب عند قراءة الكلمات:
"فاكرة نفسك لما تغيري اسمك وتلمعي وتبعدي عن اسكندرية وتلبسي نضيف بدل هدومك اللي كان بيطلع ريحتها قبل م تفكري تغيريها من ع جتتك 
مش هعرف اجيبك دا انتي حب العمر ياصفاء وهرجعك لحياتي تاني وساعتها محدش هيحوشني ابدا لانك وحشتيني اوي اوي ياصفاء
...
تعليقات