رواية عاصفة السرايا الفصل الخامس بقلم هاجر سلامه
الاخير
بعد طلاق فريدة وانكشاف أمرها، لم تتعظ نادية بل تملكها الرعب من أن يطلقها يحيى ليتفرغ لفاطمة.
وفي ليلة شديدة البرودة، قادها جنونها وغيظها إلى ارتكاب حماقة كبرى؛ حيث تسللت إلى غلال المخزن وحاولت إشعال النيران في السرايا لتقلب حياة العائلة جحيماً.
لكن رجال الغفر كانوا يقظين، فأمسكوا بها والتلبس في يدها.
وقف يحيى في وسط السرايا، وعيناه تشعان غضباً حاسماً لا رجعة فيه.
نظر إلى نادية التي كانت ترتجف خوفاً بعد أن افتضح أمرها أمام الحاج علام، وقال لها بعامية قاطعة كالسيف:
"أنتِ طلعتي حية وخاينة يا نادية! كنت فاكرك البنت اللي صانت حُبي، لكن الغل عَمى عينك وكنتي هتحرقي السرايا بناسها! أنتِ طالق يا نادية.. طالق، وملمحش طيفك في البلد دي واصل!"
أُخرجت نادية من السرايا مكسورة ومطرودة، لتواجه مصيرها وحدها بعد أن خسرت الرجل الذي طالما ادعت حبه. وبخروجها، انقشعت آخر السحب السوداء التي غطت سماء السرايا لشهور طويلة.
بعد طرد نادية وانقشاع غيمتها عن السرايا، ظن يحيى أن الطريق بات ممهداً لقلب فاطمة، لكنه واجه حصناً منيعاً من الكبرياء الصعيدي.
لم تكن فاطمة بالمرأة التي ترضى بكلمتين بعد كل ما عانته من خذلان، وقررت أن تذيقه من نفس الكأس التي تجرعتها شهوراً.
في الصباح الأول بعد غياب نادية، كان يحيى ينتظرها على مائدة الإفطار بلهفة، وحين دخلت بكامل أناقتها وهدوئها، وقف ونظر إليها بحب وقال بعاميته:
"صباح الخير يا ست السرايا.. نورتي مكانك، أنا قولت لازم نفطر سوا انهارده عشان نفتح صفحة جديدة واصل."
نظرت إليه فاطمة ببرود شديد، ولم تجلس، بل قالت بنبرة جافة:
"صباح النور يا ابن خالي.. سفرة دايمة إن شاء الله، أنا فِطرت مع خالتني في أوضتها فوق، وورايا غسيل وتوضيب."
تركت الغرفة وخرجت، تاركة يحيى يتجرع مرارة الصد. أدرك يحيى أن الأمر لن يكون سهلاً، وأن عليه أن يحارب ليفوز بها.
في اليوم التالي، سافر يحيى إلى أسيوط خصيصاً، وعاد في المساء يحمل علبة قطيفة حمراء فاخرة. دلف إلى غرفتها ووجدها تمشط شعرها الأسود الطويل أمام المرآة.
اقترب منها ووضع العلبة أمامها، وقال بنبرة رجاء وتحايل:
"فاطمة.. أنا خابر إني غلطت، والراجل ميعيبوش إنه يتأسف لمراته وحبيبته.. شوفي أنا جبتلك إيه معايا من البندر، غوايش دهب عيار 21 تليق بيدك المرسومة دي، قوليلي بس إنك مسامحاني."
التفتت إليه فاطمة، ونظرت إلى الذهب ثم إلى عينيه، وقالت بعامية هادئة وقاتلة:
"الدهب واصل وجميل يا يحيى، كتر خيرك.. بس الدهب بيتباع ويتشرا بالمال، والغلابة اللي زيي مشكلتهم في الكرامة والثقة اللي لما بتتباع مبترجعش تاني.. خليهم معاك، يمكن تحتاجهم لعروسة تانية."
اعتصر قلب يحيى من كلماتها، لكنه لم يستسلم.
في الأيام التالية، بدأ يتحايل عليها بكل الطرق؛ صار يتدخل في أدق تفاصيل راحتها.
إذا رآها تحمل إناءً ثقيلاً في السرايا، يسرع وينتزعه من يدها قائلاً بخوف حقيقي:
"أوعي يا فاطمة! يمين بالله ما ترفعي حاجة واصل طول ما أنا عايش على وش الأرض.. يدك دي متلمسش غير الحرير."
وفي نهاية الأسبوع، فاجأها يحيى بأكبر هدية يمكن أن تسعد قلب امرأة صعيدية؛ حيث اشترى لها قطعة أرض زراعية شاسعة باسمها، وسجلها في الشهر العقاري، وجاء بالقرية كلها وشهدوا على العقد.
دخل إليها وألقى بالأوراق في حجرها، وجلس على ركبتيه أمامها في مشهد لم يفعله رجل من كبار الصعيد قط.
نظر يحيى في عينيها وعيناه تفيضان بالدموع والرجاء، وقال بصوت مخنوق من كثرة التحايل:
"أبوس يدك يا فاطمة.. بلاش العناد ده اللي بيمو.تني كل يوم بالبطيء. الأرض دي كلها باسمك، ورقبتي أنا كمان ملكك. أنا تبت عن غباوتي، وعرفت إن ماليش عيش ولا روح من غيرك.. لو لسه في قلبك حتة صغيرة ليا، ريحي قلبي وجولي مسامحاك."
نظرت فاطمة إلى أوراق الأرض، ثم إلى هذا الرجل القوي، كبير العائلة، وهو ينحني أمامها طالباً رضاها بنبل وصدق لم تره في بشر من قبل.
أحست بأسوار قلبها تنهار، ولم تعد قادرة على إخفاء ذلك الحب الجارف الذي نبت في صدرها له.
سحبت يدها برفق ورفعت وجهه بيديها، ودموع الفرحة والراحة تهبط على وجنتيها، وقالت بعاميتها الصعيدية العذبة التي تذيب الصخر:
"جوم يا يحيى.. جوم يا ابن خالي ومقام راسي. أنا سامحتك من أول يوم اتأسفت فيه، بس كان لازم أطمن إن قلبي مش هيكون رخيص عندك واصل.. أنا بحبك يا يحيى، ومقبلش أشوفك منكسر كد قدامي."
لم يصدق يحيى مسمعه، فنهض واحتضنها بحنان جارف هز أركان السرايا، لتبدأ من تلك اللحظة فصول حياتهما الحقيقية المليئة بالسعادة والأمان، بعد أن أثبت لها بالفعل والقول أنه يعشق التراب الذي تمشي عليه.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
