رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الخامس 5 بقلم فاطمة شلبي


 رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل الخامس 


في أوضة عاصم..
كانت الأوضة مليانة كراكيب وأكياس..وعاصم واقف في النص بيجهز ويرتب حاجات الفرح اللي خلاص مفضلش عليه غير أسبوعين والوقت بيجري...والفرحة كانت باينة في عينه 
​في اللحظة دي..
دخلت آمنة والدته الأوضة بخطوات بطيئة.. وقعدت على طرف السرير  بقلم فاطمةشلبي وهي بتبص لابنها بنظرات مليانة كلام وتردد.. عاصم حس بيها وبنظراتها..وقف اللي في إيده وبصلها بحنان وقرب قعد جنبها..
_ خير يا ماما؟ شكلك بيقول إن في حاجة مهمة وعاوزة تقوليها.. قولي يا حبيبتي سامعك..!

​آمنة سكتت ثانية.. وفركت إيديها بتوتر وقالت بنبرة رجاء مكسورة..
= مش هتعزم أبوك على فرحك يا عاصم؟!

​السؤال نزل على الأوضة زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة..عاصم بصلها بهدوء تقيل وملامحه اتقيدت بالوجع والتفكير ورد بصوت هادي..
_ تفتكري يا أمي.. جدي منصور هيوافق ويخليني أدخله البيت أصلاً؟ أنا كان نفسي.. كان نفسي أوي يكون معايا في يوم زي ده بس إنتي عارفة اللي فيها وعارفة جدي وقراراته.

​آمنة اتنهدت بقلة حيلة والدموع لمعت في عينيها..
_ طيب ما تحاول وتكلم جدك يا بني؟ يمكن يلين ويوافق.. ده ابنه الوحيد في الأول وفي الآخر.. والدم بيحن ومش هيرضى أبداً إنه يكسر بقلبه ويخليه ميحضرش فرح ابنه الوحيد.. كلمه وشوف رأيه إيه..؟

​عاصم سكت.. وبص للفراغ ..وبعدين طبطب على إيد والدته وقال بنبرة بيقفل بيها الكلام عشان ميزعلهاش..
= طيب خلي الموضوع ده بعدين يا أمي.. وبلاش تفاتحي جدي في أي حاجة دلوقتي بالذات عشان هو مش ناقص وبلاش تشغلي دماغك بالموضوع ده خالص يا ماما.. اطمني أنا هتصرف.

​آمنة هزت رأسها بقلة حيلة وقامت خرجت.. وسابت عاصم في أوضته..الهم زاد على كتفه.

________________//_______________//________________

عدى الأسبوعين.. دول على المعسكر وعلى الأبطال كأنهم سنة .. أسبوعين مليانين مشاعر مكتومة...​طول الفترة دي.. ليل كانت عايشة في دوامة من الإحراج  والضيق.. كبرياؤها مكنش سامح لها تروح تبرر لـ عمار الجبالي غباء الموقف اللي حطت نفسها فيه..! 

 فقررت تتبع أسلوب "الهروب الذكي".. كانت بتتجنب تنزل التدريب تماماً في أي وقت عمار موجود فيه..ولو لمحت خياله من بعيد كانت بتلف وترجع السكن فوراً.

​وعلى الجانب التاني.. كانت حربها مع مامتها نهال مستمرة ومشتعلة.. نهال مكانتش مستريحة للقعدة في سيناء ثانية واحدة.. الحيطان والجو والناس كانوا محسسينها بخطر غامض عاوزة تهرب منه بقلم فاطمةشلبي بأقصى سرعةظظوكل يوم تفتح السيرة مع ليل.. "يلا نمشي.. يلا نرجع القاهرة"..بس ليل كانت بتعاندها بكل ما أوتيت من قوة وصممت تقعد.. والفرصة جت لليل على الطبطاب لما عاصم وحسام عزموا الفريق كله بشكل رسمي على الفرح.

 ليل مسكت في العزومة دي بإيدها وأسنانها..منها عشان تفضل في سيناء وماترجعش لحياتها الباردة مع نهال في القاهرة.. ومنها عشان تلاقي فرصة مناسبة وسط زحمة الفرح تصلح بيها سوء التفاهم الرهيب اللي حصل بينها وبين عمار.
​وعدى الأسبوعين بالعافية.. وسط شد وجذب.. لحد ما أعلن الجو السيناوي عن ليلة جديدة تماماً.. ليلة الحنة!

​في بيت عمار.. وتحديداً في أوضة فيروز..
الزغاريد كانت مالية المكان... والأغاني السيناوية المبهجة مسموعة من على بعد أمتار.. دخلت فريدة وليل الأوضة وهما متأنقين جداً وبان عليهم الانبساط.. أول ما فيروز شافتهم..وشها نور بابتسامة صافية وقامت من مكانها ترحب بيهم بلهفة..
_ يا أهلاً يا أهلاً.. منورين سيناء ومنورين بيتي بجد! أنا كنت زعلانة أوي إنكم محضرتوش كتب الكتاب..بس بجد فرحتوني جداً النهاردة إنكم جيتوا.

​قربت منها فريدة وحضنتها بحب..
= ألف مبروك يا قمر..طالعة زي الملاك الله أكبر عليكي.. معلش بقى ليل كانت تعبانة شوية يوم كتب الكتاب بس أهو جينا نعوضها في الحنة والفرح..!

​بصت فيروز لـ ليل بابتسامة رقيقة..وليل قربت منها خطوة وهزت رأسها بابتسامة هادية 
_ ألف مبروك يا فيروز.. ربنا يتمملك على خير يا رب..

​فيروز ..بسعادة وعفوية..
= الله يبارك فيكي يا ليل.. أنا عاصم وعمار حكولي عنكم وعن جرأتكم في ركوب الخيل..ونفسي بجد بعد الفرح نكون أصحاب وأعلمكوا حاجات عن بلدنا هنا..وانتم تعلموني ركوب الخيل .
​في نفس الوقت برا الأوضة.. في المندرة الكبيرة..
كان عمار وعاصم وحسام واقفين وسط رجالة المعسكر والبلد بيستقبلوا الناس.. عمار كان لابس توب فخم وواقف بكل هيبته .

______________//_______________//_________________

بهرجة البيت والزينات السيناوية المعلقة في كل مكان..والأنوار اللي بتتلألأ في الضلمة..خلوا فضول ليل يتحرك.. سابت أوضة فيروز وخرجت تتمشى في الممرات الواسعة بتاعة البيت لحد ما لقت نفسها واقفة في "برندة" واسعة ودورين بتطل مباشرة على الساحة الكبيرة والجنينة اللي متجمع فيها الشباب والرجالة.

​وقفت ليل وسندت بإيدها على السور.. وعينيها بدأت تدور وسط الزحمة.. ولحد ما عينها ثبتت على شخص واحد.." عمار الجبالي"
​كان واقف وسط رجالة وشيوخ لابس عباية سيناوي بيضاء فخمة مطرزة يدوي.. بقلم فاطمةشلبي وهيبته طاغية على المكان كله.. وطريقة كلامه الواثقة مع شيوخ البلد..خلت قلب ليل يدق دقة غريبة.. دقة خطفت قلبها لأول مرة..!
 ليل فضلت متثبتة في مكانها..وعينيها مش قادرة تنزل من عليه وكأنها بتكتشف شخص تاني غير عمار العصبي والعنيد اللي بتخانق معاه دايماً..!

​وفجأة.. صوت الأغاني والمزيكا السيناوية والطبول وقف..والكل بدأ يسقف بحماس..وبدأ الشباب يهتفوا باسم عاصم وعمار.. طلبوا منهم بتقاليد الفرح إنهم يرقصوا بالخيل في الساحة على نغمات سيناوية أصيلة.

​رحب عمار جداً وابتسامة فخر نورت وشه..وبسرعة فك عبايته ونفس الكلام عمله عاصم اللي كان حماسه ملوش حدود..دخلوا الإسطبل ومفاتتش دقيقة إلا وعمار خارج وراكب على ضهر "غسق" وعاصم على حصانه.

​بدأت النغمة تعلى وبدأ عمار يوجّه "غسق" بحركات متناغمة وساحرة.. الحصان كان بيرقص ويرفع رجليه في الهواء وينزل بانتظام وعمار ثابت فوقه زي الصقر بيتحكم فيه بإشارة واحدة من إيده .

​ليل فوق في البرندة كانت مبهورة حرفياً ونظرات الإعجاب لمعت في عينيها من جمال المشهد البدوي الأصيل.. سحر الخيل مع هيبة عمار وهو بيرقص بالحصان كان حاجة فوق الخيال مكنتش قادرة ترمش عشان متفوتش ثانية..! 

​وفي وسط حركة دائرية سريعة بالحصان.. عمار رفع عينه تلقائياً ناحية البرندة.. ولمحها!
شاف ليل وهي واقفة ومنبهرة وعينها بتلمع بالإعجاب وهي بتبص له.. نظرة ليل كانت باين فيها الإعجاب وعمار فهم ده في ثانية.. بس عمار الجبالي بأصله بقلم فاطمةشلبي وشهمته كمل رقص بالحصان عادي جداً ولف وشه الناحية التانية وكأنه مخدش باله من وجودها.. محبش يحرجها ولا يحسسها إنه قفشها وهي بتتأمل فيه بعد خناقتهم الأخيرة..! 

سحر الرقص بالخيل لسه مأثر في المكان.. والطبول برة بدأت تهدي شوية والشباب بيباركوا لعاصم.. عمار نزل من على "غسق" عدل لبسه وقرر يطلع يطمن على فيروز ويشوفها لو محتاجة حاجة قبل ما الليلة تخلص.
​وهو طالع على السلم..لمح ليل واقفه في الممر القريب من البرندة ليل أول ما شافته جاي بعبايته وهيبته دي حست إنها لازم تتكلم كفاية هروب أسبوعين! وقفت قدامه وثبتت نفسها وقالت بنبرة هادية وبأدب..
_ ألف مبروك يا كابتن.. عقبالك.

​عمار.. ملامحه لانت ورسم ابتسامة هادية على وشه ردت ليل فيها الروح..
= الله يبارك فيكي وعقبالك.. بس واقفة لوحدك هنا ليه؟ مش مع البنات جوة ومع فيروز؟!

​ليل ..ردت بهدوء وهي بتبص للأرض..
_ معلش ماليش في الدوشة دي.. تعبت شوية فقولت أخرج أقف هنا.

​عمار بصلها وقال بترحيب..
= خدي راحتك خالص.. البيت بيتك ومنورة بيت الجبالي بوجودك يا ليل.. بس معلش بلاش تطلعي برا في الساحة عشان في رجالة كتير من برة البلد والوضع مش أمان أوي ليكي.

​ليل عقدت حواجبها واستغربت من تحكمه..وردت بسرعة
_ طيب ما أنا كنت في البلكونة وفوق..عادي يعني..!

​عمار بصلها بهدوء وثبات..
= ما هو فوق في البلكونة محدش شافك ولا حد ركز معاكي.. لكن لو خرجتي تحت وسط الساحة الناس اللي برة دي كلها هتشوفك.. بلاش.. وبعدين لبسك ده مش شبه لبس البنات هنا خالص.

​ليل اتضايقت وبصت للبسها باستنكار..
= قصدك إيه يعني؟ ما في بنات عندكم بتلبس فساتين عادي كده ؟!

​عمار حس إن الوقت بيسرقه والناس مستنياه تحت فقالها وهو مستعجل وبينهي الحوار بذكاء..
_ بكره تفهمي يا ليل.. بس اسمعي الكلام وبلاش تخرجي برة البيت كده.. وعن إذنك بقى عشان أدخل أشوف فيروز.. خدي راحتك.

​سابها ودخل لأخته..وفضلت ليل واقفة مكانها.. بس المرة دي مكانتش زعلانة من طريقته..!

______________//_______________//_________________

 عند نهال ..
تليفونها رن برقم غريب..نفخت بضيق وفتحت الخط.. وجالها الرد بسرعة بصوت خشن ومألوف جداً لدرجة رعبتها..
_ منورة سيناء كلها يا نهال.. بقالك كتير مجيتيش هنا.

​نهال اتسمرت مكانها..والدم هرب من وشها..وجسمها كله اترعش والصدمة شلت لسانها ونطقت بالعافية بصوت مبحوح..
= "سالم؟!"

​رد سالم.. بنبرة مليانة حرقة وشماتة وغل قديم..
_ أيوه سالم.. إيه..مفكرة إني مش هعرف أوصلك ولا إيه؟ أنا متابعك ومتابع خطواتك بقلم فاطمةشلبي من أول دقيقة رجلك عتبت فيها الأرض دي.. ومستني اللحظة دي من سنين..!

​نهال ..بتوتر ورعب حاولت تداريه ورا قناع القوة..
= عاوز مني إيه يا سالم؟ خلاص.. كل اللي بينا انتهى..ومات من سنين طويلة أوي ابعد عني وعن حياتي..!

​سالم ..بنبرة تهديد مرعبة..
_ مظنش إنه انتهى.. اللي بينا "روح" يا نهال.. روح وعايشة وسطكم.. وأنا هوصلها.. ومش هسيبها.

​هنا نهال فقدت أعصابها تماما وزعقت بعصبية وخوف ..
= أنا مابتهددش يا سالم! أنسى إن ليك أي حاجة عندي أصلاً إنت فاهم؟ أنسى...!

​وقفلت المكالمة في وشه وهي جسمها كله بيرتعش من الرعب الشديد.. حطت إيدها على قلبها وبقت تبص حواليها بجنون وهي بتقول لنفسها بفزع..
_ أنا لازم أمشي من هنا حالاً.. مينفعش أخلي ليل هنا ثانية واحدة تانية.. سالم لو لمحها أو قرب منها هتبقى الكارثة..!

في "مندرة" الشيخ منصور..
بعد ما أجواء الحنة هديت شوية استغل عاصم الفرصة ودخل لجده عشان يفتح معاه الموضوع اللي شاغل باله ومقيد فرحته وقف قدامه بقلم فاطمةشلبي وبلع ريقه بتوتر.. وبدأ يتكلم بملامح رجاء..
_ يا جدي.. أنا طالب منك طلب.. وبتمناه منك في ليلتي دي.. أنا عاوز أبويا "سالم" يحضر الفرح.

​أول ما اسم "سالم" اتقال..ملامح الشيخ منصور اتقيدت بالجمود وقام وقف فجأة بعصبية ..وزعق بصوت هز جدران المكان..
= لا يمكن يا عاصم..! لا يمكن الراجل ده يدخل بيتي طول ما أنا عايش على وش الأرض.. على جثتي يا بني.

​عاصم..قرب منه وبدأ يتكلم بهدوء ومحاولة لامتصاص غضبه..
_ يا جدي عشان خاطري وافق.. أنا عارف غلاوتي عندك..وعارف إنك مش هترفض لي طلب في يوم زي ده.. ده فرحي يا جدي ونفسي يكمل بأبويا.

​الشيخ منصور ملامحه اتقلبت لزعل وكسرة حقيقية.. وبص لعاصم بنظرة كلها عتاب..
= أنا كان نفسي يا عاصم.. كان نفسي أفرح بيك وأنا مش ناقصني حاجة..بس مش هيحصل.! بعد كل اللي عمله زمان وإنه خرج من تحت طوعي.. ملوش حاجة عندي خلاص ولا حتى عيال.. وسالم مات بالنسبة لي من يومها..

​عاصم ..بنبرة رجاء وإصرار..
_ يا جدي يمكن الأمور تتصلح لما تشوفه وتقعد معاه.. الزمن بيغير النفوس ليه رافض تديله فرصة تانية وتشوفه؟
​ضرب الشيخ منصور بعصايته في الأرض بحزم وقسوة تنهي أي نقاش..
= أنا قولت لا يا عاصم يا بني.. خلاص قفل على السيرة دي والموضوع منهي!
​خرج عاصم من عند جده والهموم راكبة كتافه.. مش عارف يرضي جده ولا يريح قلبه اللي كان يتمنى أبوه يكون جنبه ..! 

________________//______________//________________

رجعوا ليل وفريدة السكن بعد ما ليلة الحنة خلصت.. فريدة كانت طايرة من الفرح ومبهورة بأجواء سيناء وبساطتها..أما ليل فكانت في عالم تاني خالص.. صورة عمار الجبالي بعبايته وهيبته وهو راكب على "غسق" وبيرقص بيه مكانتش مفارقة خيالها ولا بالها ثانية واحدة.

​لمحت فريدة سرحان صاحبتها..فقالت بضحك..
_ مالك يا ليل؟ سرحانة في إيه كده وعينك مش معانا خالص؟

​ليل ..بتوهان وهي بتحاول تفوق..
= لا.. ولا حاجة بس تعبت شوية من الدوشة والأغاني.

​فريدة ..بحماس..
_ أومال هتعملي إيه بكره في الفرح الكبير بقى؟ ده شكلها هتبقى ليلة تحفة وفرح سيناوي أصيل مش هننساه طول حياتنا.

​ليل ..بابتسامة هادية..
= فعلاً.. وباين على فيروز دي بنت طيبة أوي وتدخل القلب بسرعة ربنا يسعدهم يا رب.

​وفجأة..الباب خبط بسرعة.. قامت ليل فتحت ودخلت نهال بسرعة والتوتر باين على كل ملامحها وبصت لفريدة وقالت بنبرة حادة..
_ معلش يا فريدة.. سبينا لوحدنا خمس دقائق عاوزة ليل في موضوع مهم.

​خرجت فريدة مستغربة.. ونهال لفت لليل وبدأت تتكلم بسرعة كأنها بتسابق الزمن..
_ ليل.. وجودك هنا مابقاش نافع خالص ولازم ينتهي.. أنا كلمت عمك"إيهاب"..في القاهرة وقالي إن في عريس لقطة اتقدم لك ومستنينا نرجع عشان نحدد معاه ميعاد الخطوبة ونخلص.

​بصت لها ليل باستعجاب واستنكار شديد..
= عمي إيهاب؟ وهو عمي إيهاب ده هو اللي هيحدد مصيري ويتحكم في حياتي ولا إيه؟!..وبعدين ده لا عمي ولا أعرفه.. وأنا أساساً مش بنت أخوه عشان أعتبره عمي..!

​نهال ..بلهجة عصبية وصوت عالي..
_ بقولك إيه..العبط والجنون اللي في دماغك ده تسيبك منه حالاً وتفوقي لنفسك..بلاش تضيعينا كلنا بكلامك العبيط ده..! 

​ليل قعدت على السرير بمنتهى الهدوء والبرود اللي بيخبي وراه بركان وجع..وبصت لعين مامتها وقالت..
= بقالك 10 سنين بتقوليلي نفس الكلمتين دول.. ودلوقتي بقى عندي 25 سنة..وعايشة طول عمري معرفش أهل بسببك.. إنتي ازاي أمي بجد؟ بقلم فاطمةشلبي الراجل اللي رباني وعشت في حضنه.. لما بقى في آخر أيامه وعلى فراش الموت..قالي إنه مش أبويا.. حب يخلص نفسه من الذنب ويريح ضميره قدام ربنا قبل ما يموت.. وإنتي لحد دلوقتي مش راضية تريحي قلبي ولا تقوليلي مين أبويا الحقيقي وعيلتي فين؟!

​نهال ملامحها اتخضت بس حاولت تقسي قلبها ومحبتش تكمل النقاش فقالت بحسم وقسوة..
_ الكلام منهي يا ليل.. إنتي بنت "حازم الألفي" يعني بنت حازم الألفي! وهو الله يرحمه قبل ما يموت كان بيخرف من التعب والوجع وملقاش غيرك يسمع خرافاته دي.. بقولك إيه.. عمك رن عليا وقالي العريس جاي بكره.. وبكره هنتحرك من سيناء دي فوراً بعد الزفت اللي إنتي مصممة تحضريه ده..!

سابتها ورزعت الباب وراها ومشت.

​ليل رجعت بضهرها على السرير..وغمضت عينيها..ودموعها نزلت تلقائي وهي بتفتكر الـ (فلاش باك) اللي غير حياتها كلها..
​ فلاش باك ..

​ليل كانت قاعدة جنب سرير حازم الألفي وهو في المستشفى.. تعبان جداً ووشه شاحب..وهي ماسكة إيده وبتعيط بحرقة..
_ بابا.. عشان خاطري قولي إنك هتبقى كويس وهتقوم بالسلامة.. أنا مش هعرف أعيش من غيرك في الدنيا دي.

​بصلها حازم بحنان كبير.. وطبطب على إيدها بضعف وقال بصوت منهك..
= متعيطيش يا ليل.. متعيطيش يا بنتي ..

سكت شوية وخد نفس طويل بصعوبة وكأنه بيستجمع قوته الأخيرة عشان يزيح جبل من على صدره..وكمل..
= ليل.. أنا عاوز أقولك على سر كاتم على نفسي ومخبيه في قلبي بقاله سنين طويلة.. ولازم أقوله قبل ما أقابل ربنا.

​ليل..بانتباه وقلق..
_ سر إيه يا بابا؟ قولي..!

​حازم بصلها بتعب وندم..
= ليل.. أنا مش أبوكي.. ولا انتي بنتي من دمي.. أبوكي الحقيقي لسه عايش على وش الدنيا .. بس أنا حبيتك يا بنتي من كل قلبي ومحبتش أفرط فيكي أبداً.. زمان.. لما نهال جاتلي وهربانة وقالتلي إن عيلة أبوكي الحقيقي ناس شداد وعاوزين ياخدوكي منها غصب..واترجتني أتجوزها وأكتبك على اسمي عشان تحميكي..أنا وافقت من حبي ليها وكتبتك باسمي 
(ليل حازم الألفي)..بقلم فاطمةشلبي وأخدتها وسافرنا ومرجعتش مصر تاني غير لما إنتي كبرتي وبقيتي آنسة عشان محدش يعرف طريقنا.

​ليل الصدمة لجمت لسانها ومكنتش فاهمة حاجة..
_ مش أبويا؟ طيب.. طيب مين أبويا الحقيقي يا بابا؟ وعيلتي الحقيقية اسمها إيه وفين؟

​حازم بيأس ودموع مكسورة..
= صدقيني معرفش يا بنتي.. كل اللي أعرفه إن أبوكي وعيلتك الحقيقة من "سيناء" ونهال كانت مخبية كل حاجة وخايفة عليكي بس كل اللي أعرفه وضميري أملاني أقولهولك قبل ما أموت أنا قولتهولك أهو.. وأتمنى نهال تفوق وتعرفك الحقيقة قبل فوات الأوان.. سامحيني يا بنتي.. سامحيني.

​(باك..)
فتحت ليل عينيها في ضلمة الأوضة.. ودموعها مغرقة وشها.. وصوت حازم الألفي بيرن في ودنها..ليل حست إن الحقيقة بقت قريبة منها جداً وإن "سيناء" مش مجرد رحلة تبع النادي.. دي المكان اللي فيه أصلها وعيلتها..! 
________________//________________//_______________

وعكس كل التوقعات والبراكين اللي كانت بتغلي تحت الأرض.. جه" يوم الفرح" وعدى على خير وعكس المعتاد تماماً..!

مفيش أي خناقات حصلت.. ولا مواجهات كارثية قلبت المكان.. الفرح كان في قمة البساطة والبهجة السيناوية الأصيلة.. الأنوار ملوّنة..الدبكة والزغاريد مالية الأجواء.. وعاصم وفيروز كانوا زي الملايكة وفرحتهم متتوصفش..والكل كان مبسوط وبيرقص.
​لكن.. الفرحة دي مكنتش مكتوب لها تكمل.

​أول ما الفرح خلص والناس بدأت تتفرق..ساد هدوء مرعب.. فريدة راحت السكن ملقتش ليل..دورت عليها في كل مكان بس ليل اختفت تماماً! مفيش ليها أي أثر وتليفونها مقفول.

​الخبر وصل لـ" نهال" اللي أول ما عرفت..الدنيا لفت بيها وحست إن الرعب اللي كانت خايفة منه طول السنين اللي فاتت اتجسد قدام عينيها.. ليل ضاعت! بقلم فاطمةشلبي نهال كانت هتتجنن حرفياً بتدور في كل ركن في المعسكر زي المجنونة.. ودموع الخوف الحقيقي نازلة على وشها..
 أول فكرة جت في بالها وصرخت بيها جوة نفسها: "سالم! سالم خطفها..أكيد!" 

​بس لما قعدت حاولت تبطّأ أفكارها.. سالم كلمها وهددها بالروح اللي بينهم.. بس سالم ميعرفش ملامح ليل..وميعرفش شكلها إيه أصلاً.. ولا يعرف هي أنهي بنت وسط بنات النادي والرحلة.. يبقى ليل راحت فين؟! ومين اللي أخدها؟ ولا هي اللي هربت بنفسها عشان تدور على الحقيقة؟!

عند عمار رجع بيته...
 ودخل بقدم تقيلة وبهدوء شديد.. كان متوقع أول ما يفتح الباب تيجى فيروز كعادتها تقف قدامه بقلم فاطمةشلبي ومربعة إيدها وزعلانة إنه اتأخر عليها.. أو تجري عليه تاخده بالحضن.. بس ملقاهاش الأوضة ضلمة والبيت ساكت تماماً.

​قعد على الكنبة بيأس وإحباط.. وبص حواليه بحزن وقال بصوت واطي ومخنوق..
_ البيت وحش أوي من غيرها.. ده في أول دقيقة وحشتني والبيت فضي عليا.. هكمل ازاي أنا لوحدي كده بس!
​قام بتثاقل دخل أوضته..غير هدومه ولبس لبس مريح..وجات في دماغه فكرة يرخم بيها على صاحبه.. سحب تليفونه ورن على عاصم.

​عاصم رد عليه بضيق مضحك وصوت عالي..
= إيه يا بني في إيه؟! مشبعتش رخامة في الفرح ولا إيه؟ ده إحنا لسه مكملناش ساعة!

​عمار ضحك بصوت عالي..
_ بصراحة لا مشبعتش.. بقولك إيه يا عاصم.. فيروز في عينك أنا بنبه عليك أهو.. لو جرالها حاجة أو زعلت ثانية واحدة صدقني مش هرحمك وهتشوف عمار تاني خالص.

​عاصم اتكلم بجدية تامة ونبرة صادقة..
= في عيني وقلبي يا عمار.. متقلقش عليها يا صاحبي..

​عمار ابتسم بهدوء وراحة..
_ عارف يا صاحبي.. خلي بالك منها..

​عاصم ..رجع يضحك..
= حاضر يا سيدي.. يلا سلام بقى خليني أشوف مراتي!
وقفل السكة بسرعة قبل ما عمار يلحق يرد عليه.

​بص عمار للتليفون بدهشة وضحك..
_ واطي طول عمرك ..!

​رمى التليفون وقام دخل المطبخ عشان يعمل لنفسه كبابة قهوة تظبط دماغه..وفجأة.. اتفاجئ بصوت حركة غريبة وخطوات خفيفة في الصالة بره..!

​عقد حواجبه بشك..وسحب جسمه وخرج بهدوء عشان يشوف في إيه ومن الحرامي اللي قلب جامد يدخل بيت الجبالي.. بس أول ما خطى عتبة الصالة.. اتسمر في مكانه والصدمة شلت حركته وعينيه وسعت من الذهول التام من اللي شافه قدامه..

_ ​ليل؟!

تعليقات