رواية حين يجبر العشق الفصل الخامس 5 بقلم لولا نور


 رواية حين يجبر العشق الفصل الخامس 

في الصباح *

كانت الدار غارقة في هدوئها الثقيل المعتاد...
الخدم يتحركون بصمت،
والتوتر ما زال مخيمًا فوق الجميع بعد مرض صفوان.

وفي الصالة الكبيرة...

جلست هانم العامري في مكانها المعتاد، ترتشف قهوتها ببطء وعيناها تراقبان كل شيء حولها.

حتى دخل أحد الغفر مسرعاً  وانحنى باحترام:الحج هاشم الرفاعي وصل يا ست هانم."

توقفت يدها للحظة فوق الفنجان.

ثم رفعت عينيها ببط وسالته : لوحده؟"

رد الخادم بتوتر: لا...معاه الحاجه مرته....

ضيّقت هانم عينيها ببرود وتابعت: خاليه مكانه انا هطلع اشوفهم عاوزين ايه ...
ثم تمتمت بسخط: هي رجليهم هتاخد علي المجي هنا كل شويه ولا ايه ؟؟؟

وفي نفس اللحظة...

كانت حور تهبط الدرج بلهفه بعدما رأت عائلتها من شرفتها  .

لكنها توقفت فجأة عندما سمعت حديث هانم للحارس!!!!

خرجت هانم امام باب الدار الكبير هاتفه بملل: خير ان شاء الله ، ايه سبب الزياره الغريبه دي .،،،

تحدث هاشم الرفاعي بهدوء رغم سخطه من طريقتها الفجه : جيت اعمل الاصول وازور الحج صفوان في مرضه.....

هانم بسخريه لاذعه: تزوره ولا تشمت فيه؟ 

اشتعلت عين هاشم من اهانتها له وقبل ان يرد عليها سمع صوت حور من خلفها  بلهفه: ابوي.،،،

التفت هاشم إليها بسرعة...
وفور أن وقعت عيناه عليها، لان وجهه القاسي أخيرًا.

اقتربت منه حور بسرعة، ولأول مرة منذ دخولها العامرية ظهر ضعفها الحقيقي وهي تحتضنه:
"وحشتني..اوي....

ربت هاشم  فوق رأسها بحنان مكتوم: عاملة إيه يا بتي؟"

أما والدتها... فابتسمت لها بمحبة وهي تقول: حور يا ضناي ... اتوحشتك كتير ...

لكن صوت هانم البارد قطع اللحظة كلها:غريبة...
 الرفاعية عرفوا الطريق للعامرية أخيرًا."

ساد الصمت فورًا.

ابتعدت حور عن والدها ببطء،
بينما اشتدت ملامح هاشم بغضب...

أما هانم...
فظلت علي وقفتها  بكامل غرورها وهي تقول:ولا تكونوا جايين تطمنوا إذا كانت بنتكم عرفت تعيش وسط الناس الكبيرة ولا لسه؟"

اشتعلت عينا حور فورًا: حاجه هانم من فضلك !!!

لكن والدها أوقفها بنظرة.

ثم قال بهدوء ثقيل:
جاي اعمل الواجب وازور صفوان وكمان اطمن على بتي... مش أكتر."

ابتسمت هانم بسخرية خفيفة: لا اطمن .... اهيه قدامك اهيه كويسه ....لحد دلوقك!!!!

كانت الإهانة واضحة.
حتى والده حور توترت وازدادت قبضتها فوق ذراع ابنتها ....

أما حور... فشعرت بالدم يغلي داخلها.

لكن قبل أن تتكلم...

جاء صوت رجولي حاد من خلفهم:امي ....
من امتي والضيف عندنا  بيتعامل كده ؟؟؟

التفتت العيون فورًا.

كان سلطان يهبط الدرج بخطوات ثابتة،
يرتدي بدلته السوداء  وهيبته تسبقه كعادتها.

لكن المختلف هذه المرة...
أن عينيه كانتا باردتين بشكل خطير.

اقترب حتى وقف بجوار حور مباشرة.

ثم نظر أولًا إلى هاشم الرفاعي : نورتنا يا حج هاشم ... الدار داركم وتشرفوا في اي وقت ....

تفاجأ الجميع.
حتى هاشم نفسه نظر إليه بدهشة خفيفة.

أما هانم...
فضاقت عيناها وهتفت بدهشه : دارهم؟"

التفت سلطان إليها بهدوء: أهل مراتي...
يبقوا أهل الدار."

ساد الصمت.

وحور رفعت عينيها إليه بصدمة صغيرة...
لم تتوقع أن يقف معها بهذه الصراحة أمام والدته 

أما هانم فقالت بحدة مكتومة: واضح إنك نسيت إحنا بنتكلم عن مين."

رد سلطان فورًا دون أن تهتز نبرته:
"لا فاكر كويس.
وفاكر كمان إن أبويا ربّاني إن الضيف له احترام...
حتى لو بينا وبينه دم."

اشتدت ملامح هانم أكثر.

لكن سلطان أكمل وهو ينظر إلى الخدم: الاكل يتحضر في المجلس الكبير."

ثم عاد بعينيه إلى هاشم : اتفضل يا حج هاشم ، شرفتنا .....

كانت الجملة مقصودة...واضحة...

إعلان صريح أمام الجميع:
أن مكانة حور محفوظة تحت اسمه.

شعرت حور بشيء يهتز داخلها وهي تنظر إليه.

أما والدتها ... فكانت تتابع سلطان بانبهار واضح.وشعرت بالاطمئنان علي ابنتها من شر هانم مدامت في حمي سلطان..

في حين وقفت هانم مكانها،وعيناها تشتعلان غضبًا.

لأنها للمرة الأولى...
ترى سلطان يقف ضدها علنًا...من أجل من ....
من اجل حور!!!
.........................

✦  داخل مجلس العامرية ✦

كان المجلس ممتلئًا برجال الجنوب ...

وجوه جامدة... أعين مترقبة...
وهمسات ثقيلة تدور في الأركان.

لكن التوتر الحقيقي لم يكن بسبب الخلاف على الأرض فقط...

بل لأن هذه أول مرة يجلس فيها سلطان العامري ليس كابن صفوان العامري بل كشيخ العامرية كلها !!!!

في صدر المجلس...

جلس سلطان بثوبه الأسود وعباءه السياده محاطه كتفيه بهيبه وقوه ...
وظهره مستقيم رغم الحمل الذي يكاد يسحقه.

حتى عامر...الجالس جانبه كظل باهت بسبب حضور سلطان المهيب....
لم يرفع عينيه عن شقيقه يراقبه...ينتظر حكمه ...
 او بمعني ادق ينتظر سقوطه.!!!!

وفي الجهة المقابلة...
جلس رجال الرفاعية بصمت ثقيل، يتقدمهم الحج  هاشم الرفاعي.
وبجوارهم جلس صبري...
بعينيه الحادتين المليئتين بالتحدي.

ساد الصمت للحظات...

قبل أن يتحدث أحد رجال العامرية: الرجالة مستنية حكمك يا شيخ سلطان."

تعلقت العيون كلها به فورًا.

أما سلطان...
فبقي صامتًا لثوانٍ.

ينظر إلى الرجال...
إلى الوجوه التي تنتظر منه الحسم والقوة،
وكأنهم يختبرون إن كان يستحق هذا المقعد فعلًا.

ثم قال أخيرًا بصوت ثابت: مين يبدأ الكلام؟"

تكلم أحد رجال العامرية  بغضب: أرض السواقي بتاعتنا من سنين...
والنجايحة حولت مجرى الميه غصب."

رد رجل من النجايحة  بعصبية: كدب!
الأرض أرضنا والميه حقنا."

ارتفعت الأصوات سريعًا داخل المجلس...

رجال يقفون...
وأخرى تقاطع...

حتى دوّى صوت سلطان فجأة: كفاية."

الصوت لم يكن مرتفعًا...

لكنه أسكت المجلس كله.

حتى عامر رفع عينيه نحوه متفاجئًا.

أما سلطان...
فكان ينظر للجميع ببرود مخيف لأول مرة.

وقال ببطء: اللي صوته يعلى في مجلسي...
هيطلع برّه."

ساد الصمت فورًا.

مال صبري للأمام قليلًا وقال بنبرة مستفزة:الله ... الشيخ سلطان داخل حامي علينا اوي ....
ثم تابع بنبره ساخره  ومين قال إنك تعرف عوايد الجنوب علشان تحكم بين رجالتها؟"

توتر المجلس بالكامل.

أما عامر...
فتحرك شيء خبيث داخل عينيه سقوط سلطان علي المحك ... وكان ينتظر رده بشغف.
هل سينفعل؟
هل يفقد أعصابه؟
هل يثبت أنه مجرد رجل أعمال لا يصلح للمشيخه؟؟؟

لكن سلطان...

ظل ثابتًا.

أخذ نفسًا هادئًا جدًا...

ثم اعتدل في جلسته  واضعاً قدم فوق الاخري بثقه كمّلك بجلس علي كرسي عرشه 

وكانت هيبته وهو جالس بشموخ...
أثقل من أي تهديد.

ثم قال بصوت قوي ثابت النبرة : عايز تعرف أنا أعرف عوايد الجنوب منين؟"

ثبت صبري عينيه فيه دون رد.وابتسامه بارده مرتسمه علي ثغره....

أما سلطان فتابع :  من نفس المكان اللي علّمكم إن كلمة الشيخ ما تتكسرش."

اشتدت النظرات داخل المجلس.

لكن سلطان أكمل وعيناه تزدادان قسوة:
"أنا يمكن سبت الجنوب سنين...
بس الجنوب عمره ما سابني ، الجنوب  بيجري في دمي ...

ثم استدار ببطء نحو الرجال كلهم وقال بصوت قوي ملأ المكان:اسمعوني  كويس ...
أنا لا طلبت المشيخة... ولا سعيت لها."

ثم ضرب بقبضه علي الطاوله امامه ضربه  قوية دوّى صوتها بالمجلس.
وأكمل: بس طول ما أنا قاعد على الكرسي ده...
يبقى حكمي سيف علي رقاب الكل ....

ساد صمت ثقيل جدًا.

أما سلطان...
فنظر مباشرة نحو صبري:
"ولو شايف إني ما استحقش المكان ده ... يبقي ما تحضرش مجلسي تاني ...

تجمّد المجلس باكمله...حتى الأنفاس احتبست.

أما صبري...
فثبت عينيه في عين سلطان للحظات طويلة،
لكنه لم يتحرك.

ارتفعت زاوية فم سلطان بسخرية باردة: يبقى خليك قاعد... واسمع الحكم."

وفي الخلف...
اشتعل الحقد داخل صدر عامر بعنف.
لأن الرجال  في المجلس تاكدوا ان سلطان هو  ظلّ صفوان  العامري ....
.........................

في جناح عامر ....

دفع عامر باب الجناح بعنف حتى اهتزّ بقوة خلفه.

كان الغضب يخرج منه كالنار...

كانت ماجدة تجلس أمام المرآة تخلع حليّها ببطء، لكنها انتفضت فور أن رأت حالته.

التفتت إليه بقلق: مالك يا عامر؟"

لم يرد....
خلع عباءته بعصبية وألقاها فوق المقعد، ثم وقف عند الشرفة يحاول التقاط أنفاسه.

راقبته ماجدة لحظات...
ثم قالت بحذر: من ساعة اللي حصل للحج صفوان وانت مش طبيعي."

ضحك فجأة...
ضحكة قصيرة خالية من أي روح.

ثم التفت إليها بعينين مشتعلتين: عايزاني أبقى عامل إزاي وأنا شايف حقي بيتاخد قدامي؟

لكن صوته خرج أخيرًا مشحونًا بالقهر: شوفتِه؟"

عقدت حاجبيها بعدم فهم :  مين؟"

استدار فجأة، وعيناه تقدحان نارًا: سلطان...
الكل واقف حواليه كأنه اتولد شيخ!"

صمت لثواني ثم أكمل بضحكة ساخرة موجوعة: وأنا؟!
أنا اللي عشت عمري كله هنا...
آخر واحد يبصّوا له."

وقفت ماجدة ببطء...

واتجهت نحوه بخطوات هادئة.

لكن عينيها لم تكونا هادئتين أبدًا.

قالت بصوت منخفض: علشان أبوك عمره ما كان ناوي يديهالك."

تجمّد عامر مكانه.

أما هي فتابعت وهي تنظر مباشرة داخل عينيه:
"أنا فهمت ده من زمان...
بس إنت اللي كنت رافض تصدّق."

اشتدت ملامحه أكثر: يعني إيه؟"

ابتسمت ماجدة بمرارة: يعني طول عمر الحج صفوان شايف سلطان امتداد ليه ...حتى وهو بعيد."

اقتربت أكثر...
ثم قالت بنبرة خافتة لكنها مسمومة: وأهو اللي كنت خايف منه حصل...
بقى الشيخ، وحور بقت ست العامرية الجاية."

اشتعل شيء مظلم بعيني عامر فور سماعه كلماتها .

أما ماجدة...
فضاقت عيناها بغيرة حادة:
من ساعة ما دخلت الدار عملت لنفسها مقام ...
حتى امك هانم  رغم كرهها ليها، مش عارفه تكسرها.

ضحك عامر بسخرية: امي  مستحيل تحبها."

هزّت ماجدة رأسها ببطء: الحب مش مهم...
المهم الهيبة."

ثم نظرت نحو الباب المغلق وكأنها ترى الطابق العلوي بعينيها:
"النسوان في الدار بدأوا يحسبوا لها حساب...
والخدم بقوا يقولوا: مرات الشيخ."

خرجت الجملة منها بمرارة واضحة.

لأنها طوال سنوات زواجها من عامر...
كانت ترى نفسها الأقرب لهذا المكان.

مكان "ست الدار".

لكن فجأة...
ظهرت حور، وأخذت كل شيء في ليلة واحدة.

لاحظ عامر نظرتها جيدًا.

فاقترب منها وهو يسأل بخشونة:وده مضايقك ؟؟

رفعت عينيها إليه سريعًا: طبعًا مضايقني!"

ثم أكملت بانفعال خرج أخيرًا:
"أنا طول عمري هنا...
استحملت طباع هانم وكلامها علشان في الآخر أبقى الكبيرة بعديها."

ابتلعت غصتها...
ثم تابعت بغيرة واضحة: وفجأة تيجي بنت صغيرة من بره... وتاخد كل حاجة؟"
نفي عامر وتابع : امي مش هتديها فرصه انتي ناسيه الدم اللي بينا ....

ماجده بعيون تقطر حقداً : مش ناسيه بس حور وراها سلطان حتي لو اتفرضت عليه ...
سلطان مش هياخدها بذنب اهلها ....

ساد الصمت بينهم طويلاً ...

أما عامر... فنظر إليها متفاجئا  ،لأول مرة شعر أن النار التي داخله...
موجودة داخلها هي أيضًا.

اقترب أكثر، وقال بصوت منخفض ثقيل:
"يعني إنتِ شايفة إن اللي أخده سلطان... حقي؟"

رفعت ذقنها بثبات:
"وحقّي أنا كمان."

تلاقت أعينهما للحظة طويلة...
لحظة خطيرة. لحظة فهم فيها الاثنان...
أنهما يشتركان في الشيء نفسه: الطمع. والغيرة.
والرغبة في انتزاع مكان لم يعد في أيديهما.

ثم جلست ماجدة ببطء فوق المقعد، وقالت وهي تنظر أمامها بشرود: بس حور مش سهله ، يوم ما تبقي ست الدار ، هتدوس الكل ومش هتسمي علي حد .

أظلمت نظرة عامر أكثر. وقال بصوت منخفض مخيف: ولو ده حصل ... نبقى احنا انتهينا .....
.................

✦ في مكتب سلطان...

كان سلطان جالساً علي المكتب يراجع بعض الأوراق الخاصة بأعمال المتاخره في القاهره ...
ملامحه جامدة كعادتها وتركيزه كامل فيما أمامه.

سمع صوت الباب يُفتح بخفة.
رفع عينيه... فوجد حور تدخل بتردد بسيط قبل أن تغلق الباب خلفها.

نظر لها للحظات قصيره وتسال : في حاجة؟"

تقدمت خطوتين فقط داخل المكتب ثم قالت بهدوء:
"كنت جاية أشكرك."

عقد حاجبه  بعدم فهم تشكريني على إيه؟"

ردت وهي تحاول الحفاظ على ثبات صوتها:على اللي حصل الصبح... قدام أهلي."

عاد بنظره للأوراق وكأن الأمر لا يستحق: انا ما عملتش حاجة."
ابتسمت بتوتر وتابعت : بالعكس... إنت وقفت قدام الحاجة هانم عشاني."

قال ببرود هادئ: وقفت قدامها علشان اللي حصل كان غلط."

ثم رفع عينيه إليها أخيرًا: وأهل مراتي ما ينفعش حد يقلل منهم في داري."

خرجت الجملة قوية... واضحة... لكن خالية تمامًا من أي لين.
كأنها قاعدة يفرضها، لا مشاعر يقولها.

شعرت حور بالصمت يثقل بينها وبينه للحظة...

ثم قالت بخفوت:برضه... شكرًا."

راقبها سلطان لثوانٍ قبل أن يسأل: اللي حصل ده ضايقك ؟؟

رفعت ذقنها فورًا بعناد: أنا مش بسهولة حد يقدر يضايقني."

ظهرت لمعة خافتة بعينيه...
شيء بين الاعجاب   والاقتناع.

ثم تابع بجديه : لازم تفضلي كده."

زوت بين حاجبيها بعدم فهم : قصدك إيه؟"

اعتدل واقفًا ثم قال بنبرة ثابتة: دار العامرية ما ترحمش حد ضعيف."

صمت لثواني .....ثم أضاف وهو يعود  للأوراق من جديد: ولو اللي هنا حسوا  إنك ضعيفه ...
هيفضلوا يكسروا فيكي طول الوقت."

شعرت حور بثقل كلامه... لأنه لم يكن يهددها،
بل كان يشرح لها قانون المكان.

فسألته بهدوء: وإنت؟"

رفع عينيه لها: أنا إيه؟"

قالت وهي تراقبه: هتفضل تعاملني على إني مجرد واجب اتفرض عليك؟"

صمت وهو ينظر اليها بتدقيق  ثم قال ببرود صادق:لحد دلوقتي ....أيوه."

كانت إجابته قاسية... لكنها حقيقية بشكل غريب.

إلا أنه أكمل بعدها مباشرة: بس طول ما إنتِ مراتي...انتي تحت حمايتي."

تعلقت عينا حور به للحظات...
علي الرغم من شعورها بالضيق من كلمة "واجب"...
الا انها شعرت بالأمان لانها تحت حمايته!!!!

أما سلطان...
فعاد لأوراقه وكأن الحوار انتهى بالفعل.
وقال دون أن ينظر لها:
"اتأخر الوقت تقدري تروحي تنامي .....
....................

✦صباح يوم جديد علي دار العامريه ... لكنه صباح يوم لا يشبه غيره من الايام .....

كانت سارة تقف في منتصف صالة دار العامريه بعدما ادخلها الحارس بعد موافقه هانم العامري ...

ملابسها  الراقية ، وشعرها المنسدل بعناية،
وحقيبة صغيرة بيدها وبجانبها حقيبه سفر متوسطه!!!

بدت مختلفة تمامًا عن نساء الجنوب.
ناعمة... هادئة...عصرية ...
لكن عينيها كانتا تحملان تعب ووجعًا واضحًا.

أما الخدم...
فكانوا يراقبونها بصمت فضولي.

وفي صدر المكان...

جلست هانم العامري بكامل هيبتها المعتادة.

تأملت سارة لحظات طويلة... ثم قالت بهدوء ثقيل: أهلًا وسهلًا... الحارس قالي انك عاوزه تقابلي الشيخ سلطان العامري ....

ثم أشارت لها بالجلوس: اتفضلي يا بنتي...

جلست سارة ببطء وهي تحاول التماسك.

ثم قالت بهدوء:أنا جاية أقابل سلطان.... مش الشيخ سلطان .!!!!
ضيّقت هانم عينيها قليلًا عند سماع اسمه مجردًا.

ثم سألت بنبرة هادئة لكنها دقيقة: وإنتِ تبقي مين ؟؟

اخذت ساره نفساً عميقاً ثم اجابت بصوت هاديء صادم زلزل الجدران من حولهم :انا ساره الحسيني خطيبة سلطان."

تجمّدت الصالة بالكامل.

حتى الخدم تبادلوا النظرات بذهول.

أما هانم...
فاتسعت عيناها للحظة قصيرة قبل أن تخفي دهشتها سريعًا.

وفي الخلف...
كان عامر يراقب المشهد بصمت.
ثم ارتفعت زاوية فمه ببطء...
كأن القدر بدأ يبتسم له أخيرًا.

وفي تلك اللحظة...
دخل سلطان أخيرًا من باب المجلس الداخلي.
لكن خطواته توقفت فجأة فور أن وقعت عيناه عليها.
تجمّد مكانه بالكامل.
وساد الصمت في الدار كلها.

أما سارة...
فرفعت عينيها إليه أخيرًا تناظره بتحدي ....
همست بصوت خافت: سلطان."

أما في أعلى الدرج...
فكانت حور واقفة بصمت.
تراقب المشهد بعدم فهم في البداية...
حتى سمعت الجملة التي قلبت كل شيء داخلها: أنا خطيبة سلطان."
شعرت وكأن شيئًا ضرب صدرها بعنف.

وثبتت عيناها تلقائيًا فوق سلطان...تنتظر منه أن ينكر ....أن يتكلم .....أن يقول أي شيء.
لكن سلطان ظل صامتًا للحظات.

صامتًا بشكل كان كافيًا ليكسر شيئًا داخلها.

خرج صوته أخيرًا  بحده مشوبه بالدهشه: إنتِ إيه اللي جابك هنا يا سارة؟"

ضحكت سارة ضحكة  مغلوله: قلت اشيل عنك الحرج واجي اتعرف علي اهلك واعرفهم بيا ... خطيبتك 

اشتد فك سلطان بقسوه ....

أما هانم...
فبدأ الفضول يشتعل داخل عينيها بشكل خطير...

اقتربت سارة خطوة ببط حتي وقفت امامه :قولتلي إنهم هيجبرّوك على الجواز...بس ماقولتش إنك هتتجوز وتسكت بالشكل ده."

اشتدت نظرات سلطان إليها:سارة... مش وقته."

ابتسمت بألم: أمال إمتى؟
بعد ما الاقيك شايل عيل علي ذراعك وتقولي ده ابني؟؟

وفي الأعلى...

بردت ملامح حور بالكامل.
لا دموع... لا غضب...وهذا كان أسوأ.

رفع سلطان عينيه نحو الدرج وكانه شعر بوجودها..
فرأها.....!!!

 واقفة بثبات هادي، راسها مرفوع ، وعيناها ثابتتان عليه بشكل أربكه لأول مرة.

نظرة صامتة...
لكنها كانت مليئة بأسئلة موجعة تحتاج الي الاف الاجوبه منه؟؟

تجمّد للحظة قصيرة. عينيه فيها ارتباك.......
لكن حور التقطتها علي الفور .

أما هانم... فلم يفتها شيء. ونظرت إلى حور ثم إلى سارة...
وفجأة شعرت أن النار التي كانت تنتظرها دخلت الدار أخيرًا.

بينما اقترب عامر ببطء من هانم وهمس بخفوت:واضح إن حياه الشيخ سلطان مليانه اسرار احنا منعرفش عنها حاجه ؟؟

لم ترد هانم...
لكن عينيها كانتا تلمعان بشيء مظلم جدًا. شيء يشبه الشماتة.

تحدث سلطان وهو يجذب ساره من ذراعها : ارجعي القاهره دلوقتي ونبقي نتكلم بعدين .....

وقبل ان تجيبه ، جاء صوت هانم يعارضه بسرعه: تروح فين دلوقت يا ولدي اليل قرب يليل ، ضيفتك  هتقعد معانا اهنيه معززه مكرمه كيف ما بدها اهو فرصه نتعرفوا علي بعضينا ....

ثم ادارت راسها تنظر الي حور وارتفع صوتها وهي تخاطب الخدم : جهزوا لضيفه  الشيخ سلطان الاوضه اللي جنب جناحه يا بنات .....
ناظرت حور بتحدي فبادلتها اياه بلامبالاه رغم انكسارها الداخلي ......

ثم نزلت حور الدرج بثبات وراس مرفوع  ووقفت امام ساره وسلطان وابتسمت بهدوء رغم النار المشتعله بها : اهلاً وسهلاً
ضيوف الشيخ سلطان مرحب بيهم في اي وقت ...
ثم تحركت ووقفت جانب سلطان وشبكت اصابع يدها في يده في حركه اجفلته وتابعت : اعرفك بنفسي ...انا حور الرفاعي مرات الشيخ سلطان شيخ العامريه  ......

اما سلطان ....
نظر إليهما بتشتت ...حائر بين واحدة تشعل ماضيه، وأخرى تعلن أنه انتهى
ومعها مستقبله المبهم...
ولم يعرف لأول مرة... أيهما سينقذه، وأيهما سيهدمه .،،،،،،
.....................

✦في جناح سلطان .....

كانت حور  تقف عند النافذة، كتفاها مشدودان، وعيناها ما زالتا عالقتين بصورة سارة وهي تقول "خطيبة سلطان".

دخل سلطان بملامح مغلقه دون استئذان.

أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم وقف عند باب الجناح ... لم يقترب أكثر مما يجب.

تحدث بصوت منخفض: حور... لازم نتكلم."

لم تلتفت. وجاء صوتها بارداً، محسوباً:في ايه بالظبط،؟؟

حك سلطان جبهته بتعب : انتي عارفه ،

ساد صمت قصير، ثم قالت وهي ما زالت توليه ظهرها: هي مين دي يا سلطان؟"

تنفّس ببطء، كأنه يختار كلماته قبل أن ينطقها: سارة... كانت في حياتي قبل جوازي منك .،.

التفتت إليه فوراً. هذه المرة لم تكن نظرتها انكساراً فقط... بل مواجهة.

قالت ببطء: كانت في حياتك يعني إيه؟"

اقترب خطوة واحدة فقط، وتابع:يعني ارتباط قديم... قبل ما أعرفك، وقبل ما يحصل أي حاجة هنا، وانا قفلت الموضوع ده ...

رفعت حاجبها،وتابعت ساخره رغم الم قلبها : 
"اتقفل؟؟؟؟
لا واضح بدليل انها جايه تقول انها خطيبتك بمنتهي البجاحه....

اشتدت ملامحه وهتف غاضباً ؛ مش وقت تحقيق يا حور."

ضحكت ضحكة قصيرة، موجوعة:انا مش بحقق انت اللي طلبت اننا نتكلم ...

صمت ولم يعرف بماذا يتحدث....
وهذا الصمت وحده كان إجابة أثقل من أي حديث...

اقتربت منه خطوة، ثم قالت بصوت أخفض لكنه أقسى: إنت ما نفيتش كلامها لما قالت.

رفع عينيه نحوها ببطء وتابع بتعب: ما كنتش عاوز كلام في الموضوع اكتر من كده .

هزت راسها وتابعت بمراره: معاك حق ...
بس سكوتك ده بياكد حقيقه كلامها ....

ساد صمت ثقيل بينهم ...
ثم قطعه سلطان اخيراً ببرود واضح:
حور... خلينا نكون واضحين مع بعض ...
. أنا ما اخترتكِش بحب ولا رغبة. الجواز حصل بحكم المجلس، واللي بينا معروف."

تجمدت ملامحها. لكنها لم تنهار.

رفعت رأسها أكثر، كأنها تعاند انكسارها: عارفة."

اقترب خطوة أخرى، صوته أصبح أدق يبقى تفهمي إن اللي حصل النهارده... ده يخصني انا وبس .....

ابتسمت بمراره: فعلاً ... انت صح .

اشتدت نظراته من طريقتها وتابع : مدام انا صح يبقي ما تشغليش دماغك ... دي تفاصيل قديمة."

هزّت رأسها ببطء، ثم قالت بهدوء خطير:
المشكلة مش إنها قديمة... المشكلة إنها أول ما ظهرت، إنت ما عرفتنيش مكاني ايه  في حياتك."
انت سكت ....
نظرت إليه مباشرة، ثم أضافت:
ولا حتى مكانها هي اتغير عندك ولا لاء ... إنت برضه سكت."

تغيرت ملامحه قليلاً.

لأول مرة لم يجد جواباً سريعاً.

استدارت حور  ببطء نحو النافذة مرة أخرى، وقالت بصوت أخفض:
أنا مش زعلانة إنها رجعت يا سلطان...
أنا زعلانة إني اتاكدت دلوقتي إني مجرد جوازة مفروضة عليك...
لكنها هي... كانت اختيارك إنت."

تجمد في مكانه. ولم يقل شيئاً.

لأن الحقيقة... لم تكن تحتاج إلى شرح أكثر من ذلك.....

اخذت نفس عميق وتابعت بكبرياء : بس خلي بالك يا سلطان... أنا مش الست اللي تقبل تكون سد خانه في حياة حد، حتى لو كان غصب عنها ....

صمتت لثواني ثم تابعت بابتسامة صغيرة بلا وجع ظاهر: أنا ممكن أعيش مجبورة عليك... بس عمري ما اقبل اني أعيش أقل من كرامتي علشان خاطر حد مهما كان مين حتي لو روحي فيه.....
...............................


تعليقات