رواية قلبي تحت حراستك الفصل الخامس 5 بقلم هاجر عبدالحليم

 

 

 

رواية قلبي تحت حراستك الفصل الخامس بقلم هاجر عبدالحليم 


دخل يامن مكتب أسر والقلق بادٍ على ملامحه، وقلبه يخفق بسرعة. وقف أمامه وهو يحاول تهدئة نفسه قبل الكلام:
—  أنا معرفتش أجيبها." قالها وهو يرفع عينيه إلى وجهه.
ارتفع حاجب أسر، وصوته صارم:
— "بس كد إحنا بنضيع وقت يا يامن… كل دقيقة بتفرق."
تنهد يامن، وكأنه يبحث عن حل:
— "طب… روحلها أنت."
هز أسر رأسه بنبرة حازمة:
— "مينفعش… في إجراءات لازم تتم هنا. محتاج أعرف اسمه بالكامل، أو على الأقل تيجي توصفه. أنا جبت رسام يقدر يشتغل على ملامحه من وصف صوفيا بالكمبيوتر. ولو طلع عنده سوابق… هنعرف نجيبه بسهولة."
نظر إليه بعينين حادّتين، وكأن كل كلمة يحملها وزنها على ضميره:
— "لو بتحب اختك… لازم تكون عندي في أسرع وقت ممكن."
تنهد يامن ببطء، وأومأ برأسه بحزم:
— "ربنا يسهل."
...
جلست صوفيا على سريرها، الدموع تنهمر على خديها دون توقف، وكأن الحزن قد استقر في قلبها. بقيت ساكنة، متعلقة بأفكارها، حتى فجأة رن هاتفها.
رفعت الهاتف بتردد، وقالت:
— "الو…"
سمعت صوت هاجر من الطرف الآخر، مليء بالقلق:
— "صوفيا؟"
ارتجفت صوفيا قليلاً، وأجابت بصوت خافت:
— "هاجر…"
استمرت هاجر بنبرة حنونة:
— "أيوة… أخبارك إيه؟"
تنهدت صوفيا وقالت بصعوبة:
— "تمام… الحمد لله."
قالت هاجر بسرعة، وكأنها تحاول تهدئتها:
— "أنا بتصل عشان أطمن عليكي… انهردة مجيتيش العرض والمدير فضل يزعق. لولا المصمم طلب مني أبقى مكانك… كان زمان خسر خسارة مالية كبيرة للشركة."
ارتسمت ابتسامة ضعيفة على وجه صوفيا، وقالت:
— "يعني اتحلت…"
أجابت هاجر بدهشة:
— "أه… مش زعلانة؟"
أغلقت صوفيا عينيها للحظة، وكأنها تحاول السيطرة على مشاعرها:
— "مبقاش في حاجة تزعل."
سمعت هاجر صوتها، وقلقها يظهر في نبرتها:
— "صوتك مش كويس خالص…"
تنهدت صوفيا ببطء، وصوتها يرتجف:
— "معلش يا هاجر… أنا تعبانة… مش قادرة اتكلم دلوقتي… سلام."
أنهت المكالمة، ووضع الهاتف جانبًا، بينما وقفت هاجر في مكانها، تحدق بالموبايل بصدمة:
— "مالها دي…؟"
..
كانت صوفيا واقفة في المطبخ، تصنع لنفسها كوب قهوة، لكنها كانت سرحانة تفكر في أحداث اليوم. لم تنتبه للحرارة العالية، فانساب جزء من القهوة على يدها.
— "آآآه!" صاحت صوفيا وهي تتراجع بسرعة نحو الحنفية لتغسل يدها، والدموع تتسلل من عينيها.
ركضت الخادمة نحوها بقلق:
— "انتي بخير يا مدام؟"
أجابت صوفيا متألمة:
— "أه… بخير."
ابتسمت الخادمة بمحاولة تهدئتها:
— "ارتاحي انتي يا مدام… أنا هعمل القهوة بدلِك."
— "شكراً…" قالت صوفيا وهي تخرج من المطبخ بخطوات ثقيلة.
فجأة، جاء صوت خبط على الباب. فتحت الخادمة، فوجدت فلاشة سوداء ملقاة على الأرض. بسرعة، أغلقت الباب بعد أن أمسكت بها.
— "لقيت دي يا مدام…" قالت الخادمة وهي ترفع الفلاشة.
نظرت صوفيا إليها بارتباك:
— "دي… فلاشة."
— "يعني إيه فلاشة؟" استفسرت الخادمة بفضول.
— "هاتيها وروحي اعملي القهوة…" قالت صوفيا بنبرة حازمة لكنها متوترة.
— "من عنيا…"
...
في مكتب الشرطة، اندفعت صوفيا بخطوات متعثرة، ودموعها تتساقط بغزارة على وجنتيها، وهي تحاول كبح أنفاسها المرتجفة. الكل حولها كان يراقبها بدهشة، وبعضهم عرفها من اللحظة الأولى.
اقتربت من العسكري المرتجف، وصوتها يخرج متقطعًا:
— "من فضلك… مكتب آسر باشا فين؟"
أجابها سريعًا:
— "اتفضلي معايا."
دفعت الباب ودخلت على الفور، وآسر الذي كان جالسًا خلف مكتبه نهض فجأة، وعيناه تلمعان بمزيج من الغضب والخوف والحب. أشار للعسكري بالخروج.
— "يامن كان هنا ولسه مروح… هو مجالكيش؟"
أجابته صوفيا ودموعها تتلألأ على وجنتيها:
— "لا… مجاليش…"
اقترب آسر خطوة، ويداه ترتجفان قليلًا وهو يحاول السيطرة على غضبه، لكنه لم يستطع إخفاء خفق قلبه السريع، نظراته كانت مليئة بالقلق والحماية والغيرة، كل حركة من صوفيا تزيد من قهره عليها.
— "مالك بتعيطي ليه؟"
أشارت له بصعوبة إلى الفلاشة، متلعثمة:
— "في فضيحة ليا هنا… فصيحة… بجد…"
قبض آسر على الفلاشة من يدها برفق، وربّت على كتفها بقوة مزيجها حب وحرص:
— "اهدي شوية… ما تقلقيش."
ارتجفت صوفيا وقالت:
— "مستقبلي هيضيع لو اللي في الفلاشة دي اتنشر…"
آسر، عينيه تحرقها الغيرة والحب، صوته منخفض لكنه حاد:
— "سامح اللي بعتهالك؟"
أومأت صوفيا بخوف:
— "ايوة… مفيش غيره."
تنهد آسر، قبض على الفلاشة بقوة بين يديه، وكأنه يحاول الإمساك بعالمه كله من الضياع، ثم سأل:
— "فيها اي بالظبط؟"
رفعت صوفيا عينيها إليه، ووجعها واضح، مسترجعة الصدمة الأولى عند فتح الفلاشر
جريمة قتل انا قتلت واحد
.......
اقترب آسر خطوة، جسده كله مشدود، قلبه يطرق صدغه بعنف، ويديه ترتجفان رغم محاولته السيطرة على نفسه. نظراته كانت حارقة، كل خفقة فيها حب وغيرة وقلق، كأن أي حركة صغيرة من صوفيا ستشعل فيه ناراً جديدة.
— "قتلتي ياصوفيا…" صوته اهتز، لكنه محمّل بالقهر والحب والدهشة في الوقت نفسه.
صوفيا حاولت تهدئة نفسها:
— "كنت بدافع عن نفسي…"
اقترب آسر أكثر، يده ترتجف وهو يلمس كتفها برفق، عيناه تلمعان بالغضب والحذر والحب:
— "كنتي ف اني مكان؟"
صوتها ارتجف:
— "كنت ف بيته…"
آسر قبض على الفلاشة بقوة، وصرخ بغضب وهو يكسر القلم اللي على مكتبه بعنف، صوته محمّل بالألم والغيرة:
— "اي اللي وداكي هناك؟!"
صوفيا أخذت نفسًا عميقًا:
— "بعد اللي حصلي كان جوايا نار… قبل ما أعرف إنه ليا اخ… فضلت أدور على مرات سامح… لحد ما جتلي رسالة من رقم مجهول وقاللي إنه فاعل خير…"
آسر قبض على كرسيه بعنف، عضلاته متوترة، عينيه لامعتان بالغضب والحب والخوف:
— "انتي غبية… ازاي كنتي بالسذاجة دي؟!"
صوفيا، بخوف وارتباك:
— "انا روحت… لقيت راجل شدني وكان عايز يتهجم عليا… محستش بنفسي غير وانا غارزة السكينة ف بطنه… دمه اتصفى حواليا… جريت حتى متأكدتش إنه مات ولا لا…"
آسر ثبت عينيه فيها، يده ترتعش وهو يمسك كتفها بقوة، كأن كل جزء فيه يقول: لو حصل ليكي حاجة، أنا مش هسكت:
— "السكينة كانت فين؟"
صوفيا، بصوت منخفض:
— "قريبة أوي…"
آسر ضغط على شفتيه، قبض على أي حاجة قريبة وكسرها بعنف، صوته اهتز بالغضب والحزن:
— "كانه كان عارف إنك هتقتليه؟!"
صوفيا، بخوف:
— "طب… ازاي؟ في حد عايز يموت؟"
آسر شال الفلاشة ورفعها، صوته ارتجف بالغضب والحب:
— "لا… بس الأكيد… سامح لعب بيكي… وحطك في خطر مش حقيقي وعملك كمين."
صوفيا، الرعب مالي قلبها:
— "ازاي بقولك… دمه اتصفى قدامي…"
آسر ماسك كتفها بقوة أكبر، عيناه تشعان بالغيرة والحب والقلق، 
— "جايز أصلاً يكون دم أي كلام ولسة عايش ممتش وكل دا ملعوب عليكي…"
صوفيا تصرخ بعجز:
— "مش منطقي كلامك!"
آسر مسح دموعها برقة رغم كل قوته الظاهرة، صوته صار حازمًا، كل نبرة فيه تحمل حماية وشغف وغيرة:
— "اسمعيني كويس… واعملي كل اللي هقولك عليه… بالحرف… ماشي؟"
صوفيا، بارتجاف وخوف:
— "ماشي…"
...
بعد نحو ساعة، .
كانت صوفيا تجلس على الكرسي أمام الرسام، بينما جلس آسر إلى جوارها قريبًا بما يكفي ليشعرها بالأمان. عينه لم تفارقها لحظة، نظراته هادئة لكنها مليئة بالاهتمام، وكأنه يطمئنها دون أن ينطق بكلمة.
بدأت صوفيا تصف الملامح ببطء، تشير بيدها أحيانًا، وتتوقف أحيانًا أخرى لتجمع أنفاسها.
كانت كل كلمة تخرج منها وكأنها تُعيدها للحظة مرعبة. ارتعشت أصابعها قليلًا، ثم توتر كتفاها.
آسر لاحظ ذلك فورًا. مد يده بهدوء وربّت على يدها برفق، حركة صغيرة لكنها ثابتة، كأنها وعد صامت بأنه موجود.
رفعت صوفيا عينيها إليه.
نظرت له لحظة… ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة مليئة بالامتنان الحقيقي.
قلب آسر خفق بقوة مفاجئة.
للحظة نسي كل ما حوله… وانشغل بتأمل ملامحها. عيناها المتعبتان، ارتعاشة شفتيها، والطريقة التي تحاول بها أن تبدو قوية رغم كل ما مرت به.
وظل الاثنان لحظة صامتين، غارقين في نظرة طويلة، حتى قطع الرسام السكون وهو يبعد الورقة قليلًا ليتأملها.
— "خلصت يا فندم."
انتبهت صوفيا فورًا، وانحنت قليلًا تنظر إلى الرسم.
تجمدت ملامحها لثانية… ثم أشارت إليه بسرعة.
— "أيوة… دا سامح يا آسر."
أخذ آسر الورقة من الرسام، نظر إليها بعينين ضيقتين وهو يدقق الملامح.
تنحنح الرسام قليلًا ثم قال بنبرة عملية:
— "سوابق يا فندم… واخد كذا سنة في قضايا سرقة ونصب. خلص مدته وخرج بقاله سنة تقريبًا."
ارتسمت على وجه آسر ملامح أكثر صرامة، بينما ظل ينظر إلى الصورة لحظة أخرى.
ثم قال بهدوء حازم:
— "تمام… اطبعلي الصورة دي."
الرسام أومأ باحترام:
— "تحت أمرك يا فندم."
...
انطلقت سيارة آسر في الشارع الهادئ، أضواء الأعمدة تنعكس على الزجاج الأمامي وتتحرك كخطوط طويلة متتابعة. كان يقود بهدوء، لكن تركيزه لم يكن على الطريق وحده؛ جزء من انتباهه ظل معلقًا بصوفيا الجالسة إلى جواره.
صوفيا نظرت إليه قليلًا، ثم قالت بصوت صادق:
— "بجد شكراً يا آسر."
رد دون أن يلتفت:
— "أنا بصالحك ع كدبي عليكي."
رفعت حاجبها باستغراب خفيف:
— "كل اللي بتعمله دا عشان تصالحني؟"
تنهد آسر بخفة وقال:
— "آه… وعشان دا شغلي إني أحمي الناس… وانتي مش أي حد."
صوفيا التفتت نحوه أكثر، عيناها تبحثان عن شيء في ملامحه:
— "أومال أنا إيه بالنسبالك؟"
نظر لها آسر لحظة قصيرة… نظرة عميقة… لكنه لم يعلّق.
عاد ببصره للطريق كأن السؤال أثقل مما يريد الاعتراف به.
صوفيا كسرت الصمت:
— "كتفك أخباره إيه؟"
قال وهو يحرك كتفه قليلًا:
— "اتحسن كتير… دي إصابة بسيطة."
نظرت له بعينين ضيقتين قليلًا:
— "بتهرب مني ليه؟"
رفع حاجبه باستغراب:
— "منا معاكي أهو."
هزت رأسها:
— "لا… في مشاعرك. مش صريح معايا."
صمت آسر لحظة، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
— "عشان حياتي ملغبطة… وعلى المحك كل شوية. أنا ظابط… ومش عايز أرملك بدري."
تغيرت ملامح صوفيا فورًا، وضربت كفها بخفة في المقعد:
— "الأعمار بيد الله! ثم إيه الألفاظ دي يا جدع؟ القدر موكّل بالنطق… خلي تفكيرك إيجابي."
ابتسم آسر ابتسامة خفيفة رغم توتره:
— "ياريت برضو تنصحي النصيحة دي لنفسك كمان."
صمتت صوفيا لحظة، ثم قالت فجأة:
— "هتقبض عليه؟"
رد آسر وهو يركز في الطريق:
— "لو ساعدتيني."
التفتت إليه مباشرة دون تردد:
— "هساعدك يا آسر."
نظر لها سريعًا هذه المرة… نظرة امتنان وثقة، قبل أن يعود بعينيه للطريق بينما السيارة تواصل طريقها في الليل.
...
توقفت السيارة أمام القصر 
فتحت صوفيا الباب، ثم التفتت إليه بخفة.
— "تصبح على خير."
نزلت من السيارة، وأوشكت أن تمشي، لكن فجأة امتدت يد آسر وأمسك بيدها.
التفتت إليه باستغراب.
— "هتمشي؟"
رفعت حاجبها قليلًا وقالت:
— "آه… عايز حاجة؟"
تردد لحظة، ثم قال ببساطة:
— "سلامتك… وبس."
ضحكت صوفيا بخفة، محاولة كسر ارتباكه، ثم همّت أن تمشي مرة أخرى… لكن آسر أمسك يدها ثانية.
نظرت إليه هذه المرة بنفاد صبر ممزوج بفضول:
— "وبعدين؟"
هز كتفيه قليلًا، وكأنه لا يجد جوابًا واضحًا:
— "مش عارف."
قالت وهي تشير إلى يدها:
— "طب سيب إيدي."
ابتسم آسر ابتسامة صغيرة، فيها شيء من العجز الصادق:
— "ياريت كنت أقدر."
تأملته لحظة، ثم قالت نصف ضاحكة نصف حائرة:
— "حيّرتني معاك."
ضحك آسر أخيرًا، ثم ترك يدها ببطء.
استدارت صوفيا ومشت نحو القصر
ظل آسر واقفًا بجوار سيارته يراقبها وهي تبتعد، عيناه تتبعان خطواتها حتى اختفت تقريبًا. تنهد بعمق، تنهدًا مليئًا بشيء من الحزن والارتباك… ثم استدار أخيرًا ومشى نحو سيارته.
لكن في تلك اللحظة… التفتت صوفيا خلفها.
رأته يبتعد.
ابتسمت ابتسامة صغيرة لنفسها، وهمست بخفة:
— "شكلي… حبيتك."
...
عاد آسر إلى القصر متعبًا، خطواته ثقيلة بعد يوم طويل. كان الهدوء يملأ المكان، لا يُسمع سوى صدى خطواته فوق الرخام اللامع. فك أزرار سترته وهو يتجه نحو الطابق العلوي.
توقف لحظة أمام باب غرفة زوجته… ثم طرق طرقات خفيفة.
— "ادخل."
فتح الباب بهدوء.
كانت زوجته جالسة قرب الشرفة على كرسيها المتحرك. ضوء المصباح الصغير يحيط بها بهالة دافئة. بين يديها كتاب، لكنها لم تكن تقرأ… كانت تنظر للفراغ.
رفعت عينيها إليه فور دخوله، وابتسمت ابتسامة هادئة.
— "رجعت."
اقترب آسر ببطء.
— "اتأخرت عليكي."
هزت رأسها برقة.
— "أنا متعودة."
توقف أمامها، ثم انحنى قليلًا يسأل بنبرة أهدأ:
— "خدتي دواكي؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
— "أخدته."
نظر إلى البطانية الموضوعة على ساقيها، وعدّلها قليلًا بعفوية.
— "الدكتور قال متتعبيش نفسك."
قالت بنبرة لطيفة فيها شيء من الخجل:
— "مبعملش حاجة أصلاً عشان أتعب."
جلس آسر على الكرسي المقابل لها. ظل ينظر إليها لحظة بصمت.
كانت فتاة هادئة… ملامحها بسيطة وطيبة، وفي عينيها استسلام هادئ للحياة.
قالت فجأة وهي تراقب ملامحه:
— "شكلك مرهق."
تنهد آسر.
— "يوم طويل."
ابتسمت له برفق.
— "ربنا يقويك."
ظل صامتًا لحظة، ثم قال:
— "لو احتجتي أي حاجة نادي عليّ."
قالت بهدوء:
— "آسر."
نظر إليها.
— "متقلقش عليا أوي كده… أنا كويسة."
ابتسم ابتسامة صغيرة.
— "لازم أقلق."
سكتت لحظة، ثم قالت بصوت هادئ جدًا:
— "إنت إنسان طيب… ربنا يعوضك."
تجمدت ملامح آسر قليلًا، كأن الكلمات أصابته في مكان خفي.
لكنه لم يرد.
فقط وقف بهدوء.
— "تصبحي على خير."
ابتسمت له.
— "وإنت من أهله."
خرج آسر من الغرفة وأغلق الباب برفق خلفه.
وقف لحظة في الممر الطويل، وأسند رأسه للحائط.
في داخله شعور ثقيل…
مسؤولية… شفقة… وشيء آخر يحاول أن يتجاهله.
تنهد ببطء… ثم ابتعد في صمت.
....
في صباح اليوم التالي، كانت الشمس قد بدأت تتسلل بهدوء إلى غرفة صوفيا عبر الستائر نصف المفتوحة. ظلت نائمة بعمق، ملامحها هادئة بعد ليلة طويلة من التفكير.
فجأة… اهتز هاتفها على الطاولة بجوار السرير، وصوته الحاد قطع السكون.
تململت صوفيا قليلًا، ثم مدّت يدها بتكاسل وأمسكت الهاتف دون أن تنظر جيدًا إلى الشاشة. وضعت الهاتف على أذنها بصوت ناعس:
— "ألو…"
جاءها الصوت من الطرف الآخر ببطء، بنبرة ساخرة مألوفة جعلت الدم يتجمد في عروقها:
— "وحشتيني يا صفصف."
اتسعت عينا صوفيا فورًا، واعتدلت جالسة في السرير كأن تيارًا كهربائيًا مرّ في جسدها.
— "سامح…؟!"
ضحك سامح ضحكة قصيرة باردة.
— "قلب سموحة"
قبضت صوفيا على الهاتف بقوة، قلبها بدأ يدق بعنف.
— "إنت… إنت عايز إيه؟!"
رد بنبرة هادئة مخيفة:
— "بسأل عليكي… مش من حقي؟"
صوفيا
.انت فين؟"
سكت لحظة، ثم قال بنبرة تهديد خفيفة:
— "قريب منك أكتر ما تتخيلي."
ثم همس ببطء:
— "وقريب قوي هشوفك."
وقبل أن تتمكن من الرد… انقطع الاتصال.
ظلت صوفيا تحدق في الهاتف، أنفاسها متسارعة… ويدها ترتجف.
همست لنفسها بصدمة:
— "لازم أقول لآسر…"
...
جلس آسر في ركنٍ هادئ من المقهى، يراقب الباب بين لحظة وأخرى. كانت ملامحه متجهمة قليلًا، وكأن عقله يعمل بلا توقف. أمامه فنجان قهوة لم يلمسه بعد.
بعد دقائق، دخلت صوفيا بخطوات سريعة. بدت متوترة، عيناها تبحثان عنه وسط المكان حتى وقع بصرها عليه. اتجهت نحوه فورًا.
ما إن جلست أمامه حتى قال آسر بقلق واضح:
— جيباني ع ملا وشي ليه ع الصبح وصوتك كان مرعوب في اي؟"
أخذت صوفيا نفسًا عميقًا، وكأنها تحاول تهدئة دقات قلبها.
— "سامح كلمني الصبح."
تجمدت ملامح آسر لحظة، واشتدت نظراته.
— "قالك إيه؟"
شبكت صوفيا أصابعها ببعضها فوق الطاولة، وبدأت تحكي ببطء:
— "كنت نايمة… صحيت على رنة الموبايل كان رقم غريب سمعت صوته بيقولي وحتشيني وانه قريب مني واكيد هشوفه قريب"
قبض آسر على فنجان القهوة بقوة حتى كاد ينكسر بين يديه.
— "ممكن يكون مراقبك"
تابعت صوفيا بصوت خافت:
— "دا مريض كانه بيستمتع لما يشوفني خايفة منه."
رفع آسر عينيه إليها.
— "قالك حاجة تانية؟""
ترددت لحظة، ثم أكملت:
— لا بس اكيد مش هسمحله يخوفني"
نظر إليها آسر طويلًا، ثم مد يده فوق الطاولة وربت على يدها برفق.
— "بصيلي."
رفعت عينيها نحوه.
قال بنبرة حازمة لكنها مطمئنة:
— "طول ما أنا موجود… محدش هيأذيكي. ولو فكر يهوب ناحيتك ييجي عندي الأول"
آسر ظل صامتًا بعدها، ونظرته أصبحت أكثر حدة.
لأنه في داخله كان يفكر في شيء واحد فقط:
سامح.
....
قبل بدء العرض، جلست صوفيا على مكتبها، رأسها متوتر وذهنها مشتت. حاولت التركيز لكن كل محاولة باءت بالفشل. نفخت بضيق، قامت بسرعة، وقررت أن تأخذ موقفها بنفسها.
خرجت من المكتب بخطوات سريعة، اتجهت مباشرة إلى المدير، وقفت أمامه بعينين مليئتين بالثقة والعزم:
— "أنا مش عايزة أكمل… اعتبرني مستقيلة، والشرط الجزائي هيكون عندك بكرة الصبح."
نظر إليها المدير مذهولًا، فمه مفتوح وكأن الكلمات لم تصل إلى عقله بعد.
لم تنتظر أي رد، التفتت وأخذت خطواتها بعيدًا عن المكتب، تركت صدى كلماتها يملأ المكان، وتركته في صدمته، عاجزًا عن اللحاق بها أو منعها
...
جلست صوفيا على الأريكة، الهاتف في يدها، تنفسها أصبح أهدأ بعد الضغط اللي عاشته الأيام اللي فاتت. قالت لآسر بصوت صادق وخجول:
— "صدقني… دا الأفضل. المكان دا مش مكاني، وبعدين فظل ظروفي دي مش هقدر أركز. المجال خطر ولازم أكون حذرة… ودا اللي مستحيل أعمله دلوقت لأني مضغوطة أوي."
رد آسر بنبرة هادئة، مليانة اهتمام:
— "دا الأحسن."
رفعت صوفيا حاجبها:
— "اشمعنا؟"
ابتسم آسر بخفة:
— "تستاهلي تعملي كارير ف حاجة أفضل وأمن ليكي."
تنهدت صوفيا قليلاً، ثم قالت بابتسامة خجولة:
— "أنا فكرت… أشتغل من البيت جرافيك. آه، فلوسها أقل شوية مقارنة باللي كنت باخده، بس أنا مكتفية جدًا باللي معايا حاليًا… وهستثمر وأكبرهم."
ضحك آسر بخفة، قلبه يدق بسرعة وهو يشعر بالفخر:
— "عين العقل… أنا فخور بيكي أوي يا صوفيا."
ابتسمت صوفيا بخجل، ونبرة صوتها جعلت قلب آسر يخفق:
— "آسر…"
وقف آسر للحظة، ينظر في الهاتف، قلبه ينبض بسرع ثم سمع صوفيا تكمل بنبرة صادقة ومؤثرة:
— "إنت قوتي اللي ف الدنيا… قلبي جامد بيك… أوعي تخذلني أبدًا."
توقف آسر، قلبه يخفق بقوة، وتذكّر زوجته… فصمت للحظة طويلة.
— "سكت ليه؟" همست صوفيا بقلق.
— "مفيش… بس صدعت شوية." أجاب آسر، محاولًا أن يخفف من توتره.
ضحكت صوفيا بخفة وقالت:
— "الف سلامة عليك… تحب أقفل؟"
— "معلش… آه، لأني فصلت ومحتاج أنام."
ابتسمت بخفة، وفهمت أن اليوم كان طويل عليه، وأغلقت الهاتف وهي تشعر ببعض الراحة
...
صوفيا كانت جالسة في المكتب، تشرب قهوتها وماسكة اللاب توب، تعمل على عدة تصاميم. فجأة، رن هاتفها، دقات قلبها خافتة لكنها متوترة، توقعت أن يكون سامح. جمدت للحظة، ثم ردت بصوت مرتجف:
— "ألو…"
سمعته من الطرف الآخر، صوته بارد ومهدد:
— "مش قولتلك هنتقابل قريب."
ارتجفت صوفيا، ترد بسرعة:
— "نجوم السما اقربلك من ضفري يانجس!"
ضحك سامح بسخرية:
— "دا أنا سموحة… أول دقة وأول لمسة يا بت."
— " مش خايف على نفسك مني؟" قالت وهي تحاول السيطرة على خوفها.
— "عشرة مليون جنيه."
ارتسم الدهشة على وجهها:
— "ايه؟!"
— "عشرة مليون جنيه… يا أما ليلة دخلتنا هتنزل على كل المنصات، غير فيديو الجريمة."
رفعت صوفيا صوتها بحزم:
— "لا… لا! متنزلش حاجة، هديك الفلوس. قولي رقم التحويل."
ضحك سامح بسخرية:
— "مش معايا… انا بحب كله يبقي ع عينك ياتاجر سلم واستلم بصريح العبارة كدة، لازم أشوفك فين وامتى في المكالمة الجاية. سلام يا صفصف."
أنهت صوفيا المكالمة، قلبها يدق بسرعة، والضغط عليها يتصاعد.
على الجانب الآخر، كان آسر جالسًا أمام شاشة كبيرة، عينيه مركّزة على كل حركة، ويديه على لوحة التحكم. بجانبه هاكر يراقب كل إشارة:
— "رصدت مكانه." قال آسر بصرامة.
رد الهاكر بحذر:
— "حصل يا باشا… بس المكان مجهول… مش قادر أحدده بدقة."
— "ابعتلي العنوان." ، صوته حازم.
— "حصل يا باشا."
ف أسر استطاع تهكير رقم الهاتف الخاص بصوفيا حماية لها
....
ف القسم
اللواء نظر إلى آسر بعينين حادّتين:
— "البنت… مقتلتش حد."
آسر هز رأسه بثقة:
— "كنت متأكد، يا باشا."
اللواء تنهد، وصوته أخذ نبرة تحليلية:
— "إصرارك هو اللي خلاني أشك… والتحريات أثبتت إن اللي في الفيديو دا لسه حي، ومفيش شهادة وفاة باسمه. الواد طلع اسمه… بسيوني."
آسر همس بكلمة واحدة، كأنها خرجت من أعماق قلبه:
— "بسيوني…"
...

...آسر جلس في مكتب الشرطة، الضوء الخافت من شاشة الكمبيوتر ينعكس على وجهه الصارم. أصابعه تتحرك بسرعة على لوحة المفاتيح، عيناه مركّزتان على كل رقم وكل رمز يظهر على الشاشة. بجانبه الهاكر، وجهه مشدود من التركيز:
— "يا باشا… البيانات جاهزة… 
رفع آسر حاجبه، صوته منخفض لكن مشحون بالقوة:
— "وريّني كل التفاصيل، بالترتيب."
بدأ الهاكر يعرض الخريطة الرقمية، خطوط حمراء تمثل تحركات بسيوني خلال الأيام الماضية. آسر حدّق في كل خط، كل نقطة، كل مكالمة اتصل بيها، وكل موقع اتردد عليه.
— "ده المكان اللي استأجر فيه الدور اللي حصل فيه الابتزاز  بعد الجريمة بحوالي ساعتين خرج من المكان."
آسر لمس الشاشة، تحريك سريع للبيانات، ثم نظر إلى الهاكر:
— "الواد دا فين دلوقت؟"
الهاكر أومأ بحذر:
— "حسب آخر تحديث GPS وWi-Fi hotspot… آخر مكان اتحدد فيه بدقة كان في زاوية شارع… قريب من محل صاغة."
ابتسم آسر ابتسامة خفيفة،
أغلق الشاشة، أخذ سلاحه بعناية، وارتدى سترته الجلدية عازما ع اخذ حقها
.....
في ساعة متأخرة من الليل. الأزقة ضيقة، والهدوء يملأ المكان، إلا من أصوات بعيدة لأبواب تُغلق وأطفال يلعبون. المصابيح الخافتة تكاد لا تكشف سوى بعض الظلال المتحركة على الجدران القديمة.
تقدم بحذر بين الأسطح المتقاربة، كل خطوة محسوبة، كل حركة فيها تركيز كامل. أخيرًا، وصل إلى البيت الذي يعرف من معلوماته أن بسيوني موجود فيه. نافذة صغيرة مضاءة أظهرت شيئًا من الحركة داخل الغرفة. قبض على مسدسه، أخذ نفسًا عميقًا، وطرق الباب الخشبي.
فجأة، فتح بسيوني الباب واندفع نحوه بعنف، وجهه مشوه بالخوف والغضب. آسر كان مستعدًا، تلقى الضربة ورد بوكس مباشر على وجهه، فأخذ يسقط للخلف ويئن من الألم.
بسيوني حاول ينهض، جسده يرتجف، وجهه شاحب، وعيونه مليانة رعب
بسيوني (مرعوب): انت مين؟
آسر (صارم، أعصابه مشدودة): 
مقدم ف المباحث
بسيوني (يرتعش، يحاول يبين البراءة): والله يا بيه… بريء!
آسر (يضغط على صوته، يراقب كل تحرك): تعرف أي عن سامح؟
بسيوني (قلق وذعر): قطع سيرته يا باشا… دا عيل شمال! بقالي سنين قاطع معاه.
آسر (يزداد توتره، عينه على المسدس): وآخر لعبة مراهنات بينك وبينه كانت إيه يلا؟
بسيوني (يحاول التهرب، صوته يرتجف): أديك قولت يا باشا… لعب يعني فراغ وتضييع وقت… لكن أي حاجة فيها كلابوش متلاقنيش.
رفع آسر المسدس، يده ترتعش قليلًا من الضغط النفسي، صوته صارم ومليان تهديد:
— سؤال جاوبته غلط… هفرغ كل المسدس دا ف دماغك.
واحد: تعرف أي عن صفاء؟
بسيوني (يخاف، قلبه يدق بسرعة): مين صفاء دي؟
اتنين: (آسر يضغط على الزناد، التوتر يعم المكان)
بسيوني (يصرخ، كأن خوفه يخنقه): ااااااه
آسر (بغضب، قلبه مشدود): مين اللي اتفق مع  سامح وضحك عليها بعقد جواز مزور؟
بسيوني (يرتعش، يحاول ينكر): معرفش…
تلاتة: (وداس مرة كمان على المسدس،)
مين اللي حاول يتهجم عليها وصورها وهي بتحاول تقتله بسكينة فشنج
عشان يبتزها ميييين اللي كان حامي نفسه كويس ورسم الخطة صح حتى تفاصيل الدم اللي كلها تمثيلية فارغة تليق بيكم ميييين؟
بسيوني (صمت، قلبه يركض في صدره): …
أربعة: (آسر يضغط الزناد للمرة الرابعة، يده مرتعشة لكنه مصمم)
بسيوني صرخ، دموعه على خده): هعترف يا باشا… والله هعترف… أنا عملت كل دا… عملت كل دا!
.......

صباح اليوم التالي، صوفيا خرجت من البيت، وفجأة وقعت عينيها على عربية ميكروباص كبيرة خاصة بالموتى متوقفة على الرصيف، وحولها مجموعة ستات صاخبات تصرخ بأصوات عالية. قلبها خفق بسرعة، لكن دماغها لم تستطع التركيز، فبدأت تمشي كأنها غير مبالية.
الستات اقتربن بسرعة، أمسكوا بها من الذراعين وأجبرنها على الصعود إلى العربية. صرخت، لكنها لم تستطع المقاومة، واغلقوا باب الميكروباص خلفها.
في الوقت ذاته، آسر كان يراقب كل حركة عن بعد من خلال GPS كان مخبأه في جزمة صوفيا. عيونه كانت مركّزة، ويده على جهاز التحكم
متذكرا كلامه لصوفيا امس ع الهاتف
فلاش باك
— "اسمعيني كويس… أنا مضمّنش ناوي على أي ؟ عشان كده عايزك بكرة تلبسي الشوز الجملي اللي انا حاطه في الدريسنج عندك، أول رف. سامعاني؟"
صوفيا، وهي تحاول التحكم في خوفها:
— "حاضر."
باك
اسر
 محتاج قوة ضروري تجيلي فورا
...
صوفيا كانت في مكان مهجور، عيونها مغمضة ويدها مقيدة. فجأة شعرت بشخص يرفع الغطاء عن عينيها… فتحت عينيها لتجد سامح واقفًا أمامها، ابتسامته غامضة، وعينيه تلمعان بمزيج من المرح والخطر.
سامح ابتسم وقال بدهشة شبه مزحة:
— "إيه الحلاوة دي كلها؟"
صوفيا ابتسمت بمرارة:
— "تعرف يا سامح…"
اقترب سامح منها بخفة، صوته منخفض ومليء بالدفء:
— "إيه يا قلب سامح؟"
تنفست صوفيا ببطء، قلبها ينبض بعنف، وقالت وهي تحاول السيطرة على نفسها:
— "ف خلال كل السنين دي… كنت دايمًا بفكر… لما أشوفك هحس بإيه؟ أي جزاتك اللي المفروض تاخده مني؟ تعرف الإجابة كانت إيه؟"
سامح نظر إليها بتمعن:
— "إيه؟"
اقتربت منه ببطء، وتفت عليه بنظرات حادة، سامح مسح وجهه بهدوء وقال:
— "مقبولة منك."
صوفيا تنفست بكره، وقالت:
— "الفلوس اللي طلبتها مش معايا."
ابتسم سامح ابتسامة غريبة، وارتسمت على وجهه رغبة خطرة:
— "أنا عايزك إنتي… مش الفلوس."
وفجأة جاء ليتهجم عليها، لكن صوفيا كانت مستعدة. كانت تحمل سكينة صغيرة في جيب سري، وبسرعة تمكنت من تفك يدها وضربته تحت الحزام. تأوه سامح من الألم وابتعد عنها قليلًا.
اقتربت صوفيا منه، مسكت السكينة وكانت على وشك أن تقتله، لكن سامح أمسك يدها فجأة ولفها، فأصبحت تحت سيطرته. شعرت بالذعر وكادت الحياة تخرج من بين يديها.
في اللحظة الحرجة، اقتحمت قوات المكان بصحبة آسر، وتمكنوا من إبعاده عنها والقبض عليه.
آسر تنفس الصعداء وقال وهو يبتسم لها:
— "الحمد لله… لحقتك."
ابتسمت صوفيا بارتياح، ودموع الفرح تلمع في عينيها:
— "كنت واثقة إنك هتيجي."
أمسك آسر يدها وقال بحزم:
— "تعالي معايا… هنروح من هنا يلا."
بعد الأزمة، في بيت صوفيا، كانت نائمة بهدوء، وجهها هادئ وملامحها مريحة للنظر.
يامن جلس بجانبها، مسك يدها برفق وباسها على جبينها. آسر واقف قريب، صوته هادئ لكنه مليء بالاطمئنان:
— "تعرف… ملامحها هديت."
ابتسم يامن بخفة، وهو يحدق في صوفيا:
— "الموضوع اتظبط خلاص… اللي كان طفيها اتقبض عليه."
آسر تنفس الصعداء، يده ترتعش قليلاً من الراحة:
— "دلوقتي هتنام مرتاحة… حقها اتاخد."
يامن أومأ برأسه بحزم:
— "ولازم أسفرها عشان تعمل العملية."
آسر اقترب منه وقال بثقة ودعم:
— "لو عايز أي مساعدة… أنا ف ضهرك."
ابتسم يامن، ويده تضغط على كتف آسر:
— "لولاك… كان زمان أختي ضايعة مني."
خفض آسر رأسه قليلًا، صوته منخفض لكنه صادق:
— "أنا كنت عايز أطلب منك طلب."
ابتسم يامن، دافئًا:
— "رقبتي… انت عملت فيا جميل لما ردّيتها ليا من تاني… فأقل حاجة أقدر أعملها إني أقبل طلبك."
تنفس آسر بعمق، قلبه يخفق بسرعة، وقال بثقة:
— "أنا بطلب إيد صوفيا."
اتسعت ابتسامة يامن بدهشة وارتياح:
— "عايز تتجوزها… رغم كل ظروفها؟"
رد آسر دون تردد، عينيه لا تخفي شعوره:
— "أنا عايزها… هي وبس."
يامن وضع يده على كتف آسر، وقال بروح واقعية وحنان:
— "لما تفوق… هبلغها."
ابتسم آسر بابتسامة صادقة، صوته مليء بالتوقع والترقب:
— "مستني ردك… يا يامن."
في القصر، آسر دخل غرفة زوجته أيلين، التي رفعت رأسها من الورق الذي كانت تقرأه:
— "تعالي يا آسر."
جلس آسر وركع أمامها، مسك يدها برفق وحط رأسه على الأرض.
رفعت أيلين وشه، عينيها مليانة دهشة وحنان:
— "آسر… عمره ما ينزل وشه ف الأرض أبدا."
تلعثم آسر بصوت خافت:
— "أنا… أنا…"
ضحكت أيلين بخفة، وأخذته في حضنها:
— "هووش…"
ظل آسر ماسك إيدها، صوته يرتجف ودموعه على وشه:
— "عايزك تسامحيني…"
ابتسمت أيلين بحنان:
— "أسامحك! انت اللي المفروض تسامحني ع تقصيري معاك بس والله مش ب إيدي… بس لو عايز تتجوز… أنا موافقة."
رفع آسر رأسه، صوته حاد لكنه متردد:
— "مينفعش… ادبحك بالطريقة دي."
اقتربت أيلين منه بعينين مليانة حب:
— "وحبها اللي بشوفه كل يوم ف عنيك دا… إيه؟"
حاول آسر يبتسم:
— "بتتكلمي عن مين؟"
ضحكت أيلين برقة، ماسكة إيده:
— "اللي جت ف بالك دلوقت… أنا مش غيرانة عليك، ولا عايزاك ليا لوحدي… كل طلبي… تخليني جمبك الأيام اللي فاضلة ليا."
مسك آسر إيدها، وعيونه مليانة دموع:
ايلين 
— "قولتلها انك متجوز…"
لا رد
هزت أيلين رأسها بحزن:
— "مقدرتش…"
بصوت حزين أكملت:
— "لانك متجوز بالأسم بس… عشان كدا متقولهاش… ولو جت عاشت هنا… قولها إني اختك."
رفع آسر عينيه ليها، قلبه مليان امتنان:
— "انتي بجد… غير أي واحدة أعرفها."
ابتسمت أيلين بثقة وحب:
— "ومش هتلاقي زيي أبدا."
في حديقة القصر، صوفيا واقفة قدام آسر، عيونها مليانة فضول وحيرة، وقلبها بيخفق بسرعة.
وقف آسر قدامها، صوته هادي لكنه مليان حزم:
— "اسألي… متكتميش جوا قلبك."
رمشت صوفيا بعينها، وهي حاسة بخفقان قلبها:
— "عرفت منين إني عايزة أسألك؟"
ابتسم بخفة:
— "عنيكي كلها حيرة."
ضحكت صوفيا بخفة، صوتها ارتجف شوية:
— "إيه… اللي غير رأيك؟ مش قبل كده كنت دايمًا بترفضني!"
اقترب آسر خطوة، صوته صار أعمق، وعيونه مليانة حزم ودفء:
— "الوضع كله اتغير."
صوفيا شعرت بحرارة بتملأ قلبها:
— "أنا شايفاه لسه زي ما هو…"
اقترب آسر أكتر، صوته هادي وواثق:
— "عايزك."
توترت صوفيا شوية، وسألته:
— "عايزني إزاي؟"
ابتسم ابتسامة قصيرة وصريحة:
— "زي أي راجل بيعوز ست."
احمرت وجنتا صوفيا، وقالت:
— "يعني… رغبة؟"
ضحك آسر بخفة:
— "بحب… مش لوحدها."
ابتسمت صوفيا بخجل:
— "بس أنا معرفش حاجة عنك خالص… يعني مثلاً أهلك فين؟"
رفع كتفه بلا مبالاة، وعيونه فيها حزن خفي:
— "مسافرين بره… أنا عايش لوحدي أنا وأختي."
رمشت صوفيا بدهشة:
— "إنت عندك أخت؟"
نظر بعيد شوية، صوته حزين:
— "أيوة… بس تعبانة… مش بتعرف تخرج من البيت."
ابتسمت صوفيا بحنية:
— "الف سلامة… أنا أكيد هحبها من أول ما نتكلم… أنا معنديش صحاب."
ابتسم آسر وعيونه مليانة امتنان:
— "متأكد إنها هتحبيها… إنسانة عفوية وطبيعتها ما اتغيرتش أبداً."
دخل يامن وهو شايل الورق:
— "الورق جهز."
بصت له صوفيا بدهشة:
— "أنت ناوي تسافر معايا؟"
حسم آسر الأمر:
— "طبعا… بس لازم أكتب عليكي."
اتصدمت صوفيا، وعيونها بتلمع:
— "إيه… دلوقتي؟"
هز آسر رأسه بحزم:
— "يلا يايامن… ابعت المأذون."
...
في صالة القصر، الليل يلف المكان بسكونه، والأضواء خافتة، والزهور تعبق بعطرها في الهواء. كل شيء كان يشهد على لحظة مقدسة، والقلوب تخفق بشدة، بين الخوف من المجهول، والاطمئنان الذي يغمر الأرواح.
صوفيا وقفت أمام المأذون، عيناها تتلألأ بالسكينة، يداها ممتدتان بهدوء، قلبها يرقص بين الرهبة والفرح، بينما آسر أمامها، يديه متشابكتين بلطف، وعيناه مليئتان بالحب والاحترام، كل نفس منهما يردد صمتًا: "أنتِ لي، وأنا لكِ."
رفع المأذون رأسه، صوته يملأ المكان برفق ووقار:
— "بسم الله الرحمن الرحيم…"
تلاوة آية الزواج ملأت الجو بهدوء مقدس:
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً…
صوفيا شعرت بالدفء يتسلل إلى قلبها، ودموع لم تُذرف بعد بل بدأت تتجمع في عينيها، بينما آسر تشبث بنظرتها، كأنه يريد أن يطمئن نفسه أنها موجودة، وأن اللحظة حقيقية.
المأذون بدأ الصيغة الشرعية للزواج، صوته رزين:
— "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. هل تقبلي يا صوفيا آسر زوجًا لك شرعًا ونكاحًا بموجب كتاب الله وسنة نبيه؟"
صوفيا أومأت برأسها، قلبها يفيض بالطمأنينة.
— "أقبل."
ثم نظر المأذون لآسر، صوته كالنسيم:
— "هل تقبل أن تكون صوفيا زوجة لك شرعًا ونكاحًا بموجب كتاب الله وسنة نبيه؟"
ابتسم آسر، ويداه ترتجف قليلًا، وعيونه تلمع:
— "أقبل."
المأذون تابع، والآيات تتردد في المكان كما لو أن السماء نفسها تشهد:
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ…
الهواء امتلأ بالسكينة، كل شيء صامت حولهم، كأن المكان كله يشاركهم الفرح. صوفيا شعرت بالطمأنينة تغمر قلبها، ويدها ترتجف وهي تضغط على يد آسر، والدموع تلمع في عينيه، لكنه لم يحركها، فقط نظر إليها بصمت طويل، مليء بالحب.
رفع المأذون العقد، ووقع الطرفان عليه، وكل نظرة بينهما كانت تقول أكثر من أي كلمة. صمت الكون كله أمام هذا الحب، وبدأت حياة جديدة تتشكل، قائمة على الإيمان، الحب، والمودة، كأن كل لحظة منذ الآن فصاعدًا ستكون محمية بنعمة الله ورعايته.
..
آسر اقترب منها بخطوات ثابتة، صدره مشدودقبضته على يدها كانت قوية لكن لطيفة،صوفيا شعرت بدقات قلبها تتسارع، كتفاها ارتجفا قليلاً، وابتسامتها كانت مختلطة بخجل وحماس.
— "مكسوفة مني؟" قال آسر بصوت واثق، عيناه تتفحصان كل حركة منها.
صوفيا رمشت بعينها، رأسها يميل قليلاً إلى الوراء، محاولة إخفاء توترها:
— "شوية."
آسر اقترب خطوة، كأنه يختبر حدودها، قبضته على يدها ضغطت برفق لتثبتها:
— "مش عايزاني أقرب؟"
صوفيا نظرت مباشرة في عينيه، وجهها يشتعل بحرارة، شفتاها ترتجفان قليلاً:
— "لا… عايزاك، دا حقك."
آسر ابتسم ابتسامة قصيرة، رفع يدها إلى فمه ووضع قبلة خفيفة على ظهر يدها، عينيه مليانة حزم وثقة:
— "حقي… آه… لكن بالرضا."
صوفيا اقتربت منه، كتفها يلمس ذراعه، عيونها تقول أكثر مما تستطيع كلماتها:
— "انت حلو أوي."
آسر ابتسم، رأسه يميل قليلًا، عيونه تتلألأ، وصوته صار أعمق:
— "بتعاكسيني وبتجريني للرزيلة، وأنا نفسي أروحها معاكي."
صوفيا انسحبت خطوة صغيرة، كأنها :
— "خايفة… أروح معاك… اتعلق بيك وف الآخر تسيب إيدي."
آسر اقترب، قبضته على خصرها تثبتها بهدوء، :
— "بس أنا مش سامح…"
صوفيا أمسكت ذراعه برفق، رأسها يميل للأعلى تقترب منه، عيونها مليانة ثقة:
— "المهم عندي تكون صريح معايا."
آسر تنفس ببطء، كأنه يملأ نفسه بالشجاعة،
— "هكون مخبي عليكي أي يعني؟"
صوفيا ابتسمت، عيناها تتلألأ، يدها تمسك يده برقة وثقة:
— "دا وعد أوعده ليا… أول ما السرير دا يجمعنا، متخبيش عليا حاجة… مش هحاسبك ع الماضي، هحاسبك من أول اللحظة دي وبس."
آسر ضحك بخفة، قبضته على يدها تشدها برفق، رأسه يميل تجاهها، وكتفه يلامس كتفها في حميمية:
— "تمام… احنا هنقضيها كلام ولا أي؟"
اقترب منها وحملها بخفة ع الفراش نظر اليها برغبة احتاجت جسده وكاد ان يتمم زواجه منها
في اللحظة دي، رن الهاتف فجأة. آسر  رفع نفسه، عينيه لا تفارق صوفيا، صوته صار حازم:
— "في إيه؟"
الخادمة على الطرف التاني، صوتها متوتر:
— "الحقني يا بيه… إيلين حرارتها نار ونبضها ضعيف أوي."

تعليقات