رواية تحت مخالب الغراب الفصل الخامس 5 بقلم حبيبة الراوي


 رواية تحت مخالب الغراب الفصل الخامس 

يا غرابا تاه في ليل الجسد
سيدرا صخر لا يلين لأحد
إن كان مكرك في الغرور والمال
ففي كبريائها موت لكل الرجال


انفتحت أبواب السويت الملكي وكأنها أبواب
 جحيم فاخر لتعلن عن وصول العاصفة 
نعم عاصفة فهل سوف تسكت تلك القطه
 الشرسة علي ما حدث لا والله  والف لا 

دخلت سيدرا ولم تكن تدخل كفتاة مكسورة تبحث عن حل لإنقاذ المستشفى والمرضى بل دخلت كقنبلة موقوتة ترتدي الحرير الأحمر الغامق الفستان كان يصرخ بالتمرد يلتصق بجسدها كجلد ثان وفتحة الصدر الواسعة كانت بمثابة فخ نصبته لعين الغراب بينما خلخالها يقرع أرضية الجناح برنة مستفزة وكأنها تدق طبول الحرب فوق أعصاب ثائر.

الجناح كان واسعا لدرجة مرعبة الأثاث من الخشب الأبنوسي الغالي والسجاد اليدوي الذي يبتلع خطوات الأقدام في صمت مريب..... الثريات الكريستالية كانت تتدلى من السقف العالي لتعكس ضوءا خافتا يبرز قسوة  ملامح ثائر الجالس خلف مكتبه الضخم.

ثائر كان يجلس في وضعية توحي بالسيطرة المطلقة في يده سيجار كوبي لم يشتعل بعد وعيناه السوداوان تراقبان كل حركة تقوم بها سيدرا منذ لحظة دخولها 

كان يراقب اهتزاز صدرها من الغضب وتحدي عينيها الذي لم ينكسر أمام هيبته ...ثقتها وهي تمشي أمامه بخطواط بدت وكأنها تقول له هل تتوقع
 أن اصمت ي غراب البين 

الصمت كان سيد الموقف لعدة دقائق صمت ثقيل يشبه الهدوء الذي يسبق الإعصار ثائر بدأ يمسح جسد سيدرا بنظرات وقحة بدأ من ساقها المرمري الذي كشفته فتحة الفستان الجانبية صعوداً لخصرها المنحوت وصولا لفتحة صدرها التي كانت تبرز أنوثتها الطاغية بشكل مستفز
نعم مجرمة هل تقصد اغرائه وان توقعه في شباكها .

سيدرا لم ترف لها جفن بل زادت من شموخها وقذفت بنفسها على الكرسي المقابل له ووضعت رجلاً فوق الأخرى ببرود جعل فتحة الفستان تتسع أكثر وتكشف عن بياض ساقها المثير اوووف أنها مثيره يثير لها لعاب الرجال انها مجرمة.... 
نظرت له باحتقار وقالت بصوت حاد كالمشرط:

خلصت الفرجة ولا لسه... اخلص افتح المخازن ورجع الشغل في المستشفى وبطل الحركات النص كم اللي بتعملها عشان تلوي دراع سليمان بيا.... الغلابة بتموت يا بتاع السلاح صح هتوقع من راجل زيك اي  ..
لا لا راجل ازاي انتي اصلا مش راجل انت ####

ثائر لم يرد بالكلمات بل قام من مكانه ببطء مرعب يشبه حركة فهد يلتف حول فريسته.... دار حول المكتب بخطوات مدروسة وثقيلة تجعل الأرضية تئن تحت وطأة جسده الضخم حتى وقف أمامها تماما انحنى بجسده وسند يديه على ذراعي الكرسي ليحاصرها تماما وعيناه غارقتان في فتحة صدرها بوقاحة متعمدة وهو يحرك لسانه علي شفتيه بطريقة مرعبة ثم  همس بصوت مسموم يلفح وجهها بأنفاسه الساخنة:

مش راجل تمام اوووووووي انا هوريكي منا مش راجل بقي عارفة انتي اكدتيلي انك بينك وبين سليمان حاجه كبيرة ...علي الحرام من ديني لأفشخك هخليه يجي يلحس تراب الأرض علشان بس يشوف ضفر منك

متعرفيش صح  
الديب كلمني امبارح وكان صوته فيه نغمة خوف مسمعتهاش منه قبل كدة دي تاني مرة  راجل غبي صح هقول اي .... اول مرو  قالي إنك خط أحمر

بس الظاهر إنه مقالش لك إن اللون الأحمر ده بيهيج الغراب أوي وبيخليه ينهش بغل.... اقترب أكثر حتى لمست شفتيه طرف أذنها فارتجف جسد سيدرا رغم عنادها

كمل كلامه بفحيح مرعب وهو يخبطها علي اردافها : قوليلي ي ملبن انت .. إيه اللي يخلي الديب يتحامى فيكي كدة ...إنتي إيه بالظبط السهرة اللي بيحلي بيها يومه ولا الحتة اللي مش قادر يشبع منها... بس عارفة.. الفستان ده والجسم ده يقولوا إنك تستاهلي غراب يعرف يقدر النعمة دي.. ما تيجي تجربي معايا وأنا أنسيكي الديب وبلاويه.... أوعدك هدلعك أكتر منه بكتير

بركان الغضب انفجر في عروق سيدرا ورفعت يدها لتصفعه لكن ثائر قبض على معصمها في الهواء وبقوة غاشمة لواها خلف ظهرها وجذبها لصدره الصخري بعنف

صرخ بصوت زلزل المكان: ممدوح اخرج بره واقفل الباب ده وراك.....وماسمعش نفس كلب بره السويت....

خرج ممدوح وأغلق الباب لتصبح الساحة خالية لهما ثائر ضغط على يدها الملوية أكثر وقرب وجهه منها حتى تلاقت الأنفاس الغاضبة 

قال بشر يتطاير من عينيه:
 ليه بس يا شرس مش عيب ترفعي ايدك علي بابا ...تاني مرة بتفكري ترفعي إيدك على الغراب يا سيدرا الظاهر إنك متعلمتيش إن اللعب مع النار بيحرق وأنا هحرقك بالبطيء .... القلم اللي ملحقتيش تديهولي ده تمنه هيكون غالي أوي... والديب اللي بتتشددي بيه هخليه يسمع صوت وجعك وهو مش قادر يعملك حاجة

سدرا بنهجة وجع وتحدي: اكسر يا ثائر.. اكسر مش بس إيدي اكسر رقبتي كمان ... بس وحياة رحمة أبويا ما هتطول مني غير غلي واحتقاري.. إنت مهما عملت هتفضل صغير في عيني واطي وبتاع نسوان ومتملكش في سوق الرجالة مكان..

ثائر جز على أسنانه وجرها بعنف ناحية الكنبة الملكية ورماها عليها بقوة جعلت الفستان يتكرمش فوق ساقيها
 

وقف ثائر كالجبل الأسود أمامها ..ببرود قاتل وعيناه مثبتتان على وجهها. ..وبدأ يفك أزرار قميصه ببطء مستفز ...وكأنه يفك قيود الوحش الكامن داخله.... كل حركة من أصابعه الغليظة كانت تزيد من نبضات قلب سيدرا التي كان صدرها يدق كطبلة حرب 

عيناه لم تنزاحا عن وجهها كان يستمتع برؤية اللبوة   وهي محاصرة يراقب ارتجافة شفتيها الكرزتيين  التي تحاول إخفاءها خلف قناع الكبرياء وفجأة..... وبحركة وحشية صاعقة لم تتوقعها.... مد يده وجذب طرف فستانها الاحمر من الأعلى.... ومزقه بصرخة قماش رنت في أرجاء الجناح كصوت رصاصة اخترقت السكون...

انقسم الحرير الموف ليكشف عن بياض كتفها المرمري وصدرها الذي كان يرتفع وينخفض بجنون وكأن قلبها يحاول الهروب من سجن جسدها.

هجم عليها وثبت كتفيها على الكنبة  محاصرا إياها بجسده الضخم الذي كان يرتجف برغبة لم يختبرها من قبل حرك لسانه على شفتيه ببطء وهو يتأمل شفتيها الكرزيتين ثم انحنى والتهمهما بقبلة حارة عميقة
 وطويلة... جذب بها شفتها العلوية ثم السفلية ثم لعقهما معا وهو يعض عليهما بشغف واستمتاع حقيقي وعنيف قبل أن يدفع بلسانه ليتوغل داخل فمها باستكشاف مجنون وشهوة أعمق يمتص تمردها برغبة جارفة تزيد كلما حاول استنشاق عبيرها  كأنه غرق بالكامل في شهدها الذي أفقده السيطرة على نفسه.

قُبلة استمرت لثوانٍ حبست الأنفاس غرق فيها ثائر بكل حواسه وجوارحه يتذوق شهدها باستمتاع حقيقي وعنيف متناسياً الكون والديب والانتقام كأنه وجد أخيراً النعمة التي كان يبحث عنها طوال عمره كان يمتص تمردها برغبة جارفة تزيد ضاغطا بجسده فوقها ليتشرب كل ذرة من أنوثتها

في تلك اللحظة لم تصرخ سيدرا بل تجمدت في مكانها وكأن الروح سحبت منها والزمن توقف تماما تمزق فستانها وتوغل لسانه العنيف داخل فمها لم يكن مجرد انتهاك لجسدها بل كان بمثابة زلزال شق أرض الذاكرة اللعينة ليخرج منه كابوس الماضي الأسود بكامل رعبِه.

امتزجت في مخيلتها برائحة العرق والدم والتراب في ذلك اليوم الأسود الذي سلبها كل شيء

شعرت ببرودة هواء الجناح تلمس جلدها العاري لكنها بالنسبة لها كانت برودة القبر  عيناها زاغتا في سقف الغرفة وبدأت تفقد الاتصال بالواقع المحيط بها
الجدران الفخمة بدأت تضيق والثريات الكريستالية تحولت في نظرها لعيون ذئاب تنهش في ماضيها

بدأت سيدرا تصرخ بصوت مبحوح يخرج من أعماق وجعها القديم وهي تشد في خصلات شعرها الغجري بقوة هستيرية كأنها تريد اقتلاع تلك الذكريات من رأسها

كانت تهز جسدها للأمام وللخلف فوق الكنبة وتصيح بـرعب طفلة صغيرة: لا.. لا يا سليمان خليه يبعد.. هيموتني يا سليمان.... قوله يسيبني والله ما عملت حاجة.. قوله سيدرا لسه صغيرة.. لاااااااااا
ابعد ابعد 
أظافرها بدأت تترك علامات حمراء دامية على فروة رأسها وجبهتها وهي غارقة في تروما كاملة حيث تداخل الماضي مع الحاضر وأصبح ثائر في نظرها هو ذلك الوحش الذي دمر حياتها قديما

صدر سيدرا بدأ يزيق بصوت مرعب نهجات متلاحقة وقصيرة وكأن هناك غرابا حقيقيا ينقر داخل رئتيها ويمنع الهواء من الدخول شفتيها بدأت تميل للزرقة القاتمة ووجهها تحول للون الشحوب الميت

ثائر بعدما أن بعد عنها وووقف وهو ينظر لها بوقاحة المنتصر تجمد مكانه
في البداية رسم ابتسامة ساخرة على شفتيه وظنها 
نمرة احترافية لتفلت من بين يديه فقال بصوت غليظ متهكم:
ها.. كملي.. شدي في شعرك وصرخي بس النمرة دي مش هتاكل مع الغراب.. إنتي اللي جبتي لنفسك

لكن الابتسامة الساخرة التي كانت ترتسم على شفتيه تلاشت تماما وحل محلها رعب لم يذقه من قبل عندما رأي أنها بالفعل تمووت... سقط قميصه من يده دون وعي وقفز نحوها بلهفة مرعبة هو نفسه لم يتوقعها  حين رآها  تسقط بجانبها وهي تخدش رقبتها بحثا عن ذرة أكسجين وعيناها تنظران للاشيء

في تلك اللحظة انهار جدار الوحش داخل ثائر وظهر الإنسان المكسور الذي يختبئ خلف القناع جذبها لحضنه بـقوة غاشمة ورفع رأسها على صدره العاري وبدأ يمسح على وجهها المبلل بالعرق والدموع بيد ترتعش لأول مرة في حياته

ثائر بصوت مخنوق يقطر خوفا: سيدرا  سيدراا ردي عليا اهدي.. اهدي يا بابا.. مفيش حاجة.. أنا جنبك.. والله مفيش حاجة.. اتنفسي يا حبيبتي.. خدي نفس

بدأ يطبطب على ظهرها بحنان جارف يقبل رأسها وجبهتها بقبلات متلاحقة ويهمس في أذنها بكلمات لم يتخيل أحد أن تخرج من فم الغراب: 

أنا معاكي.. مفيش حد هيلمسك.. اهدي يا سيدرا.. النفس يا بابا.. حاولي تطلعي النفس

سيدرا في غمرة هلوستها وضياعها شعرت بدفء صدره الصخري رائحة ثائر التي كانت تخيفها تحولت في لحظة الانهيار لطوق نجاة وحيد وسط بحر من الظلام بلا وعي منها دفنت وجهها في صدره العاري وأمسكت بقميصه الملقى بجانبها بقوة هستيرية

وبدأت تبكي بنشيج يقطع القلب بينما ثائر مستمر في احتضانها يملس على شعرها المبعثر ويقبل يدها المرتعشة ويضخ فيها الأمان وكأنه يحاول تكفير ذنب لم يرتكبه بعد استمرت هذه الحالة لدقائق طويلة 

ثائر كان يتنفس أنفاسها ويشعر بكل رعشة في جسدها حتى بدأت أنفاسها تنتظم ببطء وبدأ وعيها يعود

أول ما فتحت عينيها وجدت نفسها في عرين العدو في حضن الرجل الذي كان منذ لحظات يريد إذلالها

رأت صدره العاري ملامسا لوجهها وشعرت ببقايا قبلاته على رأسها في ثانية واحدة استعادت سيدرا  كيانها المكسور ودفعت صدره بكل قوتها 

وهي تصرخ فيه بغل وقرف: ابعد عني يا حيوان
يا حقير.. يا واطي.. بتستغل تعبي عشان تلمسني
بـكررررهك.. إنت السبب في كل وجع بحسه

وهي تحاول الوقوف وتعديل فستانها الممزق بانهيار والدموع عالقة في عينيها ومش عارفة تتنفس عدل  فكه حمالة صدرها فجأة من أثر الشد العنيف الذي حدث وهي في حضنه ليبرز نهديها  بشكل كامل وصدم حواس ثائر وجعل ريقه يجف تسمرت عيناه في ذهول ممزوج بوقاحة غريزية لم يستطع لجمها هل ما يراه حقيقة  وهمس بصوت غليظ مبهور: 
أحا.. يخرب بيتك  مش كفاية الكريز والملبن  يخربست أمك يمراااا ... إيه الجمدان ده.. ده إنتي طلعتي مرسومة رسم يا بنت الكلب ومدريااا ده كله... قشطة يولااا ...تتلحس وتتتاكل اكل ...وتتمص كمان 

سيدراا برعشة قهر جذبت بخاخة الربو من حقيبتها واستنشقتها بجنون وهي تنكمش على نفسها في ركن الكنبة كالطفلة اليتيمة بينما ثائر يراقبها بـصدمة لأول مرة يدرك أن هذه القوة التي تظهرها هي مجرد ساتر لهشاشة زجاجية كادت أن تتحطم بين يديه

ظل ثائر واقفاً في منتصف الغرفة صدره العاري يرتفع وينخفض بحدة وعيناه عالقتان بتلك اللوحة البشرية المتناقضة أمامه سيدرا المنكمشة في ركن الكنبة تحتضن بخاخة الربو كأنها تمسك بخيط الحياة الأخير وشعرها المبعثر الذي يغطي وجهها الشاحب وفستانها الذي صار أثراً بعد عين

لم يكن ينظر إليها كفريسة هذه المرة بل كان ينظر إليها كلغز كبله بالدهشة

ثائر (بصوت مبحوح يحاول استعادة جبروته):
انتي...  المرض ده معاكي من إمتى

لم ترِد سيدرا بل كانت غارقة في شهقاتها المكتومة ترفض حتى النظر إلى وجهه الذي صار يمثل لها  الموت والنجاة في آن واحد...استمر الصمت لعدة دقائق صمت مخيف لا يكسره إلا صوت تزييق صدر سيدرا الذي بدأ يهدأ تدريجياً بفعل الدواء

في تلك اللحظة التي حبست فيها الأنفاس وتوقف فيها الزمن داخل السويت اُقتلع الباب من مكانه بركله عنيفة زلزلت أركان الجناح بالكامل.

اقتحم سليمان الديب المكان وكأنه إعصار من نار عيناه تشتعلان بشرر غضبٍ لم يره أحد من قبل والطبنجة في يده مصوبة بدقة ميتة نحو قلب ثائر مباشرة

ممدوح حاول الوقوف في طريقه بذعر لكن سليمان دفعه بغلٍ أطاح به أرضاً وهو يصرخ بصوت هز جدران الفندق وأرعب كل من في الممرات:
سيدرااااااااا!
تسمرت عينا سليمان عليها كانت منكمشة في ركن الكنبة كعصفور مبلل بدموعه وجهها شاحب كالكفن تقبض على بخاخة الربو بيد مرتعشة كأنها تتشبث بآخر ذرات الهواء في هذا العالم الملوث 

في تلك اللحظة اعتصر قلب سليمان وجعا لم يذقه من قبل رمى نفسه نحوها وضمها إلى حضنه بقوة أخفت جسدها المرتعش تماما بينما دفنت سيدرا وجهها في صدره وهي تشهق بدموع مكتومة 
وكأنها وجدت أخيرا حصنها المنيع بعدما كانت تصارع الموت وحدها في قبضة الغراب

التفت سليمان نحو ثائر وعروق رقبته تكاد تنفجر من شدة الغيظ وخطا خطوات واسعة بثبات قاتل حتى ثبت فوهة الطبنجة على جبهة ثائر بالظبط
وصاح بصوت يملؤه القهر والوعيد:

ورحمة أبويا في تربته يا ثائر..... لو كنت لمست منها شعرة لكنت غسلت عار غباءك بدمك النهاردة.. إنت اتجننت يا أخي حتى احترم العيش والملح اللي كان بيننا دي سيدرا.. أغلى من روحي يا غراب

ثائر ببروده الصخري المعتاد الذي يغلف به بركانه الداخلي وقف أمام فوهة الموت دون أن يرمش له جفن

عدل ياقة قميصه بإيد ثابتة ونظر إلى سليمان بإحتقار يداري به العاصفة التي تضرب أعماقه بعدما رأى حالة سيدرا المنهارة وقال بنبرة مسمومة:

عيش وملح إنت اللي خنت العيش والملح لما غدرت بابويا وقتلته بدم بارد..... إنت اللي بدأت الغدر.... 

هنا انفجر سليمان بضحكة مريرة ضحكة مليئة بالسخرية والألم والشفقة جعلت ثائر يشعر بتخبطٍ عنيف في يقينه لأول مرة اقترب سليمان من وجه ثائر والمسدس لا يزال ثابتاً على جبهته وقال بنبرة تقطر قسوة:

قتل أبوك!!!!!! ههههههه  فعلا الغراب مبيشوفش  غير الضلمة اللي جوه قلبه ....خليك على عماك يا ثائر.. ..عيش في وهم الانتقام اللي بانيه من لا شيء.. خلي الغل يعمي عينك عن الحقيقة اللي قدامك بس وحياة دموع سيدرا دي

لتيجي يوم وتركع تحت رجلي عشان أسامحك على كل لحظة ظلمتني فيها وظلمتها.... بس وقتها مش هتلاقي غير قساوة قلبي بترد لك جبروتك

ثائر جز على أسنانه والشك بدأ ينقر في عقله كالمسمار  صرخ بغل: 
إنت بتهرتل بإيه أبويا مات مقتول بسلاحك إنت.. وعيني شافتك سكينتك وهي فيه

بدأ سليمان ينسحب وهو يسحب سيدرا من وسط الرعب يحيطها بذراعه كدرعٍ لا يخترق وعيونه لم تنزاخ عن عيني ثائر ثانية واحدة:

قولت لك خليك على عماك.... السواد اللي في قلبك مبيشوفش غير الضلمه
وإنت بتنتقم من الشخص الوحيد اللي مهانش عليه 
رغم كل اللي عملته بـتنتقم من سر لو عرفته هتكره اليوم اللي اتولدت فيه خلي عيونك حواليك اكتر ناس قريبه ممكن تكون اكتر ناس خاينه ليك .. امشي يا سيدرا

غادر سليمان و سيدرا الجناح تاركين خلفهم ثائر واقفا كتمثال من رخام وسط حطام 

وكلمة بتنتقم من لا شيء ترن في أذنه بقوة الزلزال وتزيح الثبات عن قلبه

نظر ثائر ممدوح الواقف ثم هبطت عيناه على بخاخة الربو التي سقطت من يد سيدرا في زحمة الرحيل..

التقطها ببطء وشعر بثغرة غريبة في قلبه لأول مرة فصرخ بصوت كالرعد هز أركان الفندق:

ممدوح تجيب لي كل تفاصيل قضية مقتل أبويا دلوقت.... تقارير المعمل الجنائي صور الجثة..

لو طلعت بتضحك عليا يا سليمان وبتلعب بعقلي.. هتكون نهايتك على إيدي بجد

تراجع ممدوح خطوة للخلف وهو يبتلع ريقه بجفاف يرى لأول مرة ملامح الغراب تهتز بهذا الشكل.... لم يكن الشك ينهش عقله فحسب بل كانت هناك نار أخرى مستعرة في صدره... نظراته ثبتت على يده التي ما زالت تحتفظ بدفء جسد سيدرا ورائحة عطرها الممتزجة برائحة التبغ والبارود في المكان

ضغط على بخاخة الربو في قبضة يده حتى تبيضت مفاصل أصابعه وتابع بفحيح يملؤه الشر الغامض:

 لا مهو مش معقوله اكيد سليمان ده ادام هي مهمة كده يبقي دافع اوووي كمان علشان محدش يعرف تقربله اي اكيد فى قرابه حتي لو حبيبته مفيش حد بيحب حد كده ... تجيب لي قرارها اكيد الورق اللي جبنا مزور أو ملعوب  فيه  البت دي وراها حكاية وعيونها اللي شافوا الموت وراهم سر الديب اللي مخبيه عن الدنيا كلها... غسيل عار أبويا مش هيخلص بطلقة في قلب سليمان وبس ده لسه فيه حساب هيجمع 

صمت ثائر لثوانٍ وهو يضرب سطح المكتب بقبضته العارية بعنف جعل الأوراق تتناثر وأكمل وعروق جبهته بارزة:

 ماهو مش معقولة بعد ده كله بيشككني في نفسي وكمان يطلع فعلا هو اللي مقتلش أبويا  ....هكدب عيني يعني؟! 

أنا شوفت سكينته بنفسي... بس ورب العزة لو طلع سليمان بيلعب بعقلي  والكلاب اللي حواليا هم اللي غدروا بيا.....بس ميينننن  

 ممدوح زي ما قولتلك تقارير المعمل الجنائي وصور الجثة وقرار البت دي يكونوا عندي قبل ما النهار يطلع... اللعب مع الغراب تمنه الموت... ولسه كتير

انطلق ممدوح من الجناح كالسهم ينفذ أوامر الغراب بينما بقي ثائر وحده يتوسط حطام السويت الملكي  بينما قبضته الخشنة تضغط على البخاخة البلاستيكية الصغيرة التي سقطت منها نظر إليها بعينين حائرتين.. هل يُعقل أن يكون سليمان الديب صادقا هل عاش السنوات الماضية يغذي غله ضد الرجل الخطأ

 الكلمات كانت تنقر في جمجمته كالمسمار: 
بتنتقم من الشخص الوحيد اللي مهانش عليه.. خلي عيونك حواليك.

هبط ممدوح إلى الجراج وعقله يكاد ينفجر من سرعة الأحداث ..... ركب خلف عجلة القيادة وشغل المحرك العنيف لسيارة ثائر الضخمة.... لينطلق بها في شوارع القاهرة الساكنة تحت جنح الليل... متوجها لتنفيذ أوامر الغراب

بينما كانت السيارة تطوي الطريق بسرعة قطع السكون رنين هاتف ممدوح الخاص بنغمة هادئة ومميزة نظر إلى الشاشة فظهر اسم ندوشه... بنت خالته وسكرة حياته التي يعتبرها أخته والذي يحرص ممدوح على إبقائها بعيدة عن عالمهم الأسود المليء بالسلاح والدم

ضغط ممدوح على زر الرد وحاول ضبط نبرة صوته المجهدة والمشتتة:

أيوة يا ندى.. مساء الخير يا حبيبتي
 خالتو اخبارها اي 

جاءه صوتها الأنثوي العذب ممتزجاً بنبرة دلال طفولية قلقة:
ـ مساء النور يا ممدوح  ماما حلوة .... إنت فين تأخرت أوي وقلقت عليك مش هتيجي بقى مش انت قولت هتيجي  أنا مستنياك من بدري وزهقت 

ابتسم ممدوح تلقائيا وشعر ببعض الراحة وسط كل هذا الجحيم وهمس بصوت دافئ وعينيه على الطريق:

معلش يا ندى كان ورايا شغل ثقيل مع الباشا ولسه مخلصينه أنا في الطريق أهو.. ثواني وهتلاقيني تحت البيت عندك

ندى (بنبرة فرحة طفولية):
بجد طب اسمع بقي .....وأنت جاي أنا عاوزة شوكولاتة ... الكبيرة اللي بالبندق اللي بحبها وحجات حلوووه كتيير   عاوزة أعدل مزاجي كده .. هاتها لي وأنت جاي يا ممدوح 

شعر ممدوح بغصة حانية في قلبه وهو يسمع صوتها الذي يمثل له بر الأمان الوحيد ورد وعينيه تلمعان بالحب:

من عينيا يا مسكر.. أحلى شوكولاتة في مصر هتكون عندك حالا هقف عند أي ماركت كبير على الطريق وجايلك ي جميل 

تنفست ندى ببطء وقالت بصوت خفيض يملؤه الامتنان والدفء:

تسلم لي يا ممدوح  احسن اه في الدنيا .. ربنا يخليك ليا ويحميك في شغلك عشان أنا بخاف عليك أوي.. مستنياك

أغلق ممدوح الهاتف وضغط عليه بيده ثم نظر إلى نفسه في المرآة الأمامية للسيارة ثم
انحرف ممدوح بالسيارة بعنف نحو ماركت كبير على الطريق وهو يتمتم بضيق وقلق:
نجيب الشوكولاتة لست البنات الأول.. وبعدين نروح نفتح دفاتر الموت القديمة ونشوف مين الخاين....شكلها أيام عنب ...لا عنب اي ..ايام  سودا جاية علينا وربنا يستر من اللي جاي.. لأن اللي جاي فعلا...شكله دمااار 


تعليقات