رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الفصل السبعون
"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك "
في تلك اللحظة التي تتقاطع فيها الحقيقة مع الخديعة، وتتشابك فيها خيوط الحب بالألم، لم يعد للصمت معنى… ولم تعد الكلمات تملك القدرة على الإنقاذ.
لم يكن ما حدث مجرد انكشاف حقيقة… بل كان انكسار يقين، وسقوط عالمٍ بُني على الثقة، فإذا به ينهار في لحظة واحدة، تاركًا خلفه شظايا مشاعر لا تُحصى.
وبين نظرةٍ تحمل ألف سؤال، ودمعةٍ تعترف بما عجز عنه اللسان… تبدأ الحكاية من جديد، ولكن هذه المرة، بلا أوهام.
فهل ينجو الحب حين يُحاصر بالخذلان؟
أم أن بعض القلوب… كُتب عليها أن تحترق لتضيء الحقيقة فقط؟
🔥🔥🔥
توقَّف أمام ضي، وعيناه معلَّقتانِ بها كأنَّهما تريانها لأول مرَّة…أو كأنَّها نظرة وداع.
ثوانٍ طويلة مرَّت وهو صامت، لكن داخله كان يصرخ، وحياته كلَّها تمرُّ أمامه كفيلم ممزَّق؛ منذ عودته من السفر…حتى هذه اللحظة التي شعر فيها أنَّ شيئًا بداخله يُنتزع منه بالقوة.
اقترب خطوة، حتى اختلطت أنفاسه بأنفاسها المرتجفة، فرفعت عينيها إليه وهمست بصوتٍ مهزوز يكاد لا يُسمع:
_يو…سف…
أغمض عينيه لثانية، ثم ضحك ضحكةً باهتة موجوعة، وهزَّ رأسه ببطء:
_يوسف إيه بس…
قالها بنبرةٍ خرجت مبحوحًة مكسورة بشكلٍ أخافها.
_يوسف طلع غبي أوي…أو يمكن كان عايز يصدَّق بأي طريقة إنِّك مستعدَّة تخسري الدنيا كلَّها عشانه.
ابتلع غصَّته، وعيناه تلمعان بوجعٍ حاد:
_بس إنتي طلعتي صح…أنا اللي كنت واهم نفسي…أنا اللي غلطان.
رفعت يدها ببطء نحو كتفه، لكنَّه تراجع، كأنَّ لمستها أحرقت جلده، ثم أشار إليها بعنفٍ مكبوت:
_خلاص…كفاية، المسرحية انتهت، ومبقاش ليها لزوم.
شهقت بألم، واهتزَّ صوتها:
_يوسف…والله مش زي ما إنتَ فاهم.
ابتسم ابتسامة حزينة موجعة، وانزلقت دمعة رغمًا عنه، فمسحها سريعًا وكأنه يخجل من ضعفه أمامها:
_أيوة…أكيد.
ضحك بمرارة وهو يهزُّ رأسه:
_أنا اللي بتخيَّل…أنا اللي جنِّنت نفسي بنفسي.
ثم التفت فجأةً إلى إلياس، الذي كان يقف صامتًا يتابع انهياره بعجز، فقال بصوتٍ مختنق بالغضب والخذلان:
_شوفت ابنك غبي إزاي؟
أشار إلى صدره بعنف:
_إزاي قلبه ساقه لحدِّ كدا؟!.
تنهَّد إلياس واقترب خطوة بحذر:
_يوسف…اهدى، وخد مراتك واطلعوا اتفاهموا فوق.
ضحك ضحكةً قصيرة خالية من الحياة، ثم نظر إليه بعينينِ حمراوين:
_نتفاهم؟
هزَّ رأسه ببطء:
_نتفاهم على إيه يا باشا؟
قالها بصوتٍ خفيض:
_مبقاش فيه كلام ينفع…ولا حاجة تتصلَّح.
ثم عاد ينظر إلى ضي…نظرة قاتلة:
_عارفة أكتر حاجة وجعتني إيه؟
اقترب منها خطوة، وهمس إليها:
_إنِّي صدَّقتك…صدَّقت كلِّ كلمة، وكلِّ دمعة، وكلِّ حضن…صدَّقت إنِّك بتحبِّيني بجد.
انفجرت دموعها وهي تهزُّ رأسها بجنون:
_والله بحبَّك…والله اسمعني بس.
صرخ فجأة، لأول مرَّة يفقد السيطرة تمامًا:
_كفاية!
ارتجف جسدها بالكامل، بينما كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وكأنَّه يختنق.
أشار إليها بأصابع مرتعشة وقال بصوتٍ ممزَّق:
_حبيبك!! أنا حبيبك؟!
ضحك بوجع حتى اختنق صوته:
_دا أنا الراجل اللي كنتي عايزة تجيبي ولد على اسم غيره…علشان كلِّ ما تنادي عليه تفتكري أسوأ فترة في حياتك!
شهقت ضي وكأنَّ كلماته اخترقت قلبها.
انحنى أمامها، يحدِّق بعينيها المنهارتين،و الدموع تتجمَّع بعينيه هو الآخر رغم محاولاته اليائسة للتماسك.
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وكأنَّ كلَّ كلمة سيقولها ستنتزع قطعة جديدة من روحه.
قال بصوتٍ مبحوح متقطِّع:
_حبيبك…اللي بتقولي عليه داس على قلبه بإيده، واختار يتوجع كل يوم؛ علشان إنتي تعيشي، وتحقَّقي حلم الأمومة اللي نفسك فيه.
ارتجفت شفتاها وهي تنظر إليه بصدمة وألم، بينما تراجع هو خطوة للخلف، كأنه لم يعد يحتمل قربها أكثر:
_تعرفي كان ردِّك إيه؟
رفع يده المرتعشة إلى صدره، وضغط فوق قلبه بقوة، يحاول إيقاف ذلك الوجع الذي يمزِّقه حيًّا:
_إنك تحرقي ده…تولَّعي في قلبي من غير رحمة.
تاهت عيناه فجأة، وذهب بشروده إلى تلك الليلة...
بعد مكالمته مع والدته.
بعدما أغلق الهاتف بيدٍ مرتجفة، وقاد سيارته بسرعةٍ جنونية، وصوتها يطارده بلا رحمة، يتردَّد داخل رأسه كطعنةٍ لا تتوقَّف:
_هتجوز…وأجيب ولد وأسمِّيه يوسف علشان يفكَّرني بأسوأ فترة عشتها..
الحمد لله إن ربِّنا ما أنعمش علينا بالأولاد…يمكن كان شايف إنَّك ما تستاهلش تكون أب..كلمات خلف كلمات، هنا أغمض عينيه بقوة، وانزلقت دموعه رغمًا عنه، ثم عاد من شروده البائس ينظر إليها…نظرة رجل تحطَّم بالكامل:
_إنتي عندك حق…
خرجت كلماته ضعيفة، ميِّتة، وكأنه لم يعد يملك حتى القوة لينطقها:
_يمكن فعلًا ربِّنا شاف إنِّي ما أصلحش أكون أب..علشان كده حرمني من نعمة الخلفة.
شهقت ضي وهي تهزُّ رأسها بعنف، تبكي بانهيار:
_يوسف…لا…والله ما قصدت…
لكنَّه لم يرى سواها في تلك الليلة ولم يسمع سوى كلماتها...هنا أغرقت
دموعه وجهه بالكامل، ونظر إليها بعينينِ امتلأتا بانكسارٍ موجع:
_صح…أنا ما أصلحش أكون أب.
ضحك ضحكة مهزوزة مؤلمة:
_وعلشان كده…أنا بحلِّك من ارتباطك بيَّا.
ابتلع غصَّته بصعوبة:
_كفاية تضحية لحدِّ كده.
صرخت وهي تهزُّ رأسها بجنون:
_لااا…يوسف أرجوك!
اندفعت نحوه، لكنه تراجع فورًا، وكأنَّ مجرَّد لمسها أصبح يؤلمه.
رفعت يدها إليه، تبكي بحرقة:
_أنتَ فاهم غلط…والله العظيم فاهم غلط…
رفع رأسه لوالده :
_إنتَ السبب في اللي إحنا فيه، كسرتنا إحنا الاتنين، قولت لك أنا مش عايز أتجوز، أنا مش بتاع جواز هظلمها معايا.
هزَّ كتفه للأعلى وللأسفل وهو يشير إلى ضي:
_شوف وصَّلتنا لإيه، لا أنا عارف أعيش بعيد ولا عارف أعيش قريب، كان لازم تسبيني أعيش حياتي بنفسي، مش يمكن كان بعدها اتعرَّفت على حد غيرها وعرفت أعيش بدل ما إنتَ موَّتني.
اقتربت منه كالمجنونة تصرخ:
_مفيش حد السبب في حياتنا غيرنا، إحنا الاتنين اللي وصَّلنا نفسنا لهنا.
دنت أكثر تغرس عيناها بعينيه:
_قبل ما تلوم حد لوم نفسك.
لكزته بصدره بقوة:
_كان نفسي تحسِّسني إنِّي مراتك وتشاركني كل حاجة، لكن إنتَ كل اللي عملته طلَّقتني وسبتني هتجنِّن وأنا معرفش ذنبي إيه.
نظرت إليه وصاحت بغضبٍ أكبر:
_إنتَ اللي وصَّلتنا لهنا، محدش غيرك.
نظر إليها طويلًا…نظرة أخيرة موجوعة، ثم همس بصوتٍ محطَّم:
_إنتي…
لكن الكلمة ماتت على شفتيه، حين دوى صوت إلياس بعنف لأوَّل مرَّة:
_إيَّاك!
اقترب منه بعينينِ مشتعلة:
_إياك تنطق بحاجة تندم عليها العمر كلُّه!
ساد الصمت سوى من ارتفاع أنفاس يوسف..
ثم فجأة دوى صوت ارتطام قوي من الداخل.
تجمَّد الجميع مكانهم.
اتَّسعت عينا إلياس بصدمةٍ مرعبة، وكأنَّ الدم انسحب من وجهه دفعةً واحدة، ثم همس بفزع:
_ميرال…!
في تلك اللحظة تذكَّر وجودها بالداخل.
انطلق إلياس نحو الداخل بسرعة جنونية، بينما تجمَّدت ضي مكانها، وقلب يوسف هبط فجأةً كحجرٍ ثقيل داخل صدره، وهو يتبعه بعينينِ مذعورتينِ إلى أن وقعت عيناه عليها…
شعر أنَّ الدماء انسحبت من جسده دفعةً واحدة.
كانت ملقاة على الأرض كجسدٍ بلا روح…
وجهها شاحب بصورةٍ مرعبة، وعيناها مغمضتان، ويديها ساكنتانِ بشكلٍ أفزعه حتى الاختناق.
اتَّسعت عيناه بصدمةٍ قاتلة، وتجمَّدت أطرافه حتى فقدت القدرة على الحركة.
لا صوت…لا نفس…لا شيء.
فقط صورة أمِّه أمامه، كأنَّها جثة
صرخ إلياس باسمها بصوت:
_ميراااال!!.
اندفع نحوها بسرعة، ورفع جسدها المرتخي من فوق الأرض، يحتضنها بفزع، بينما يربت على وجهها المرتجف:
_ميرال…حبيبتي ردِّي عليَّا…ميرال افتحي عينيكي!
لكنَّها لم تتحرَّك.
ارتعب أكثر، وحملها نحو الأريكة يضعها فوقها بيدينِ مرتجفتين، ثم التفت يصرخ بجنون:
_يوسف!!
لكنه ظلَّ واقفًا مكانه…كتمثالٍ محطَّم.
عيناه معلَّقتان بوالدته، وأنفاسه متقطِّعة بشكلٍ مخيف، و صوت كلماته الأخيرة إليها كان يجلد رأسه بلا رحمة…
ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر فجأةً بالغثيان، وكأنَّ الأرض تميد به.
اقتربت ضي منه بخوف، ودموعها لا تتوقَّف، أمسكت ذراعه تهزُّه برفق وهي تبكي:
_يوسف…فوق…شوف طنط ميرال.
نظر إليها بتيهٍ مرعب…كأنَّه لا يراها..
كلُّ ما كان يراه والدته.
أمُّه التي ربما قتلها بكلماته.
ازدادت أنفاس إلياس اضطرابًا وهو يحاول إفاقتها، ثم جُنَّ جنونه حين رأى يوسف على حالته تلك، فاندفع نحوه بعنف، وقبض على قميصه يهزُّه بقوة:
_فوق يا يوسف!
دفعه بقوة ناحية الأريكة، وصوته خرج مبحوحًا من شدِّة الرعب:
_شوف أمَّك مالها!
صرخ بها إلياس بانهيارٍ وعجز:
_ولَّا أجيب لها دكتور.
ترنَّح يوسف خطوتينِ إلى الخلف، وقعت عيناه على والدته المسجَّاة أمامه…
ولأول مرَّةٍ في حياته…شعر بالعجز الحقيقي.
لا كطبيبٍ هذه المرَّة، ولا كرجلٍ اعتاد السيطرة على انهيارات الآخرين…بل كطفلٍ مذعور يرى أمَّه تسقط أمامه ولا يعرف كيف ينقذها.
اقترب منها ببطء، كأنَّ ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله، ثم جثا أمامها، ويداه ترتجفان بعنف..
همس بصوتٍ مكسور بالكاد خرج من بين شفتيه:
_ماما؟..
لكنَّها لم تجب.
ظلَّ يحدِّق بها فقط…بعينينِ فارغتين من كلِّ شيء إلَّا الرعب..نسي كل ما تعلَّمه.
نسي أنه طبيب قلب..نسي الأجهزة والأدوية والإجراءات.
في تلك اللحظة…لم يكن سوى ابنٍ خائف.
ارتجفت شفتاه فجأة، وتحوَّلت ملامحه إلى ذعر طفلٍ صغير فقد أمَّه، رفع رأسها إلى صدره وضمَّها إليه بقوة، وكأنَّه يخشى أن تُنتزع منه... وانهار صوت بكائه بصورةٍ مزَّقت القلوب،و راحت الذكريات القديمة تنهال عليه بلا رحمة…
أيام ما تركته ورحلت، هنا شعر بالبرودة تجتاح جسده، وكأنَّ كلَّ شيء عاد دفعةً واحدة.
دفن وجهه بشعرها وهو ينتحب بحرقة:
_ماما…ما تسبنيش…
شهق بقوة كأنَّ صدره يتمزَّق:
_ماما بالله عليكي ما تسبينيش…
تجمَّد إلياس وهو يراه بتلك الحالة لأول مرَّة منذ سنواتٍ طويلة..
يوسف…ابنه الصلب، الذي اعتاد كتمان ألمه حتى عن نفسه… ينهار الآن بين يديه كطفلٍ هش.
اقترب منه ببطء، ثم جلس بجواره، وربت على كتفه المرتعش، بينما تجمَّعت العبرات بعينيه هو الآخر:
_يوسف…
خرج صوته مخنوقًا بالألم:
_حبيبي…ماما كويسة، يلَّا اكشف عليها.
رفع رأسه إليه ببطء، وعيناه تائهتانِ بصورةٍ موجعة، وكأنَّه أفاق على حقيقة أنه تعرَّى بالكامل أمام والده…
كلُّ ذلك الضعف الذي دفنه لسنوات، كلُّ الخوف الذي أخفاه خلف بروده واتِّزانه…انكشف في لحظةٍ واحدة.
شعر بالاختناق.. لكن إلياس أومأ له بهدوءٍ حزين، ثم قال برفق:
_يلَّا يا حبيبي…شوف ماما مالها، ولَّا أجيب لها دكتور.
هبط بصر يوسف إلى والدته بين ذراعيه، ثم مدَّ كفِّه المرتجف يمسح على وجهها الشاحب بحنانٍ موجوع، يحاول إعادتها إليه بلمسته فقط.
رفع إلياس رأسه نحو ضي التي كانت تبكي بصمت:
_هاتي شنطة جوزك بسرعة يا ضي.
أومأت سريعًا، ثم اندفعت نحو الأعلى بخطواتٍ متعثِّرة.
أمَّا يوسف…
فكان يشعر أنَّ أنفاسه تنسحب منه تدريجيًّا، وضع والدته فوق الأريكة بحذرٍ شديد، ثم بدأ يحاول الكشف عليها.
لكن يديه كانت ترتجف بصورةٍ خرجت عن سيطرته تمامًا.
حاول تثبيت السمَّاعة الطبية، إلَّا أنَّ أصابعه لم تستجب له بسهولة، فتنفَّس بعنف، وأغمض عينيه للحظةٍ يحاول استعادة توازنه.
إلَّا أنَّ صوت بكائه القديم ما زال يدوي داخله…
"ماما ما تسبنيش…"
عاد يفتح عينيه بسرعة، ثم وضع السمَّاعة فوق صدرها، وقلبه يكاد يتوقَّف من الرعب.
ثوانٍ مرَّت عليه كأنَّها سنوات…
وكلُّ ثانيةٍ كانت تقتله ببطء.
توقَّف بعدما فقد اتِّزانه.
اتَّسعت عيناه بذهولٍ قاتل، وأخذت أنفاسه تضطرب شيئًا فشيئًا
هو طبيب قلب…قضى سنواتٍ طويلة يواجه الموت بثبات، ويُعيد النبض إلى أجسادٍ خذلتها الحياة…لكنَّه الآن، أمام والدته، بدا أعجز من طفلٍ صغير.
اقترب إلياس منه بخوفٍ متصاعد، وصاح بصوتٍ مرتجف:
_يوسف!
لكنَّه لم يتحرَّك.
ظلَّ محدِّقًا بها، ومازال عقله يعيد كلماتِه الأخيرة كطعنةٍ
ارتجفت شفتاه بعنف، ثم أفاق على صرخة إلياس الثانية:
_يوسف!!
انتفض جسده،جثا أمامها مرَّةً أخرى بينما راحت أصابعه المرتعشة تتحسَّس نبضها..
وما إن شعر باضِّطرابه…حتى شحب وجهه بالكامل.
همس بصوتٍ مخنوق:
_لا…
رفع جفنها بارتباك، ثم التفت حوله بعينينِ مذعورتين على غير عادته، وصاح لأوَّل مرَّة كابنٍ مكسور لا كطبيبٍ متَّزن:
_ جهاز الضغط بسرعة!
أخرجه إلياس ينفِّذ طلبه، بينما وقفت ضي تبكي بصمتٍ مرعب، تراقب انهياره بعجز.
وضع الجهاز أمامه، وما إن ظهرت القراءة حتى انعقدت أنفاسه.
هبوط حاد..اضطراب خطير في النبض.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم مرَّر يده المرتجفة فوق وجهه، وكأنَّه يحاول إيقاظ نفسه من كابوس.
طالعه إلياس بقلق:
_في إيه يا يوسف؟
رفع يوسف عينيه إليه ببطء… وكانت مليئة برعبٍ حقيقي:
_النبض مش منتظم.. ممكن تدخل في حالة صدمة عصبيَّة.
ثم عاد ببصره إلى ميرال، وأحسَّ بقلبه يتهشَّم داخله وهو يتذكَّر كيف سقطت كلماته عليها بلا رحمة.
ضغط على رأسه بقوَّة، وهمس بانهيار:
_أنا السبب…
اقتربت ضي من، وأمسكت ذراعه:
_يوسف أرجوك ركِّز…علشانها.
أغمض عينيه للحظة، وكأنَّه ينتزع نفسه بالقوة من هاوية الانهيار، ثم تحرَّك بسرعةٍ عمليَّة رغم ارتجافه..
أخرج الأوكسجين..جلس بجوار والدته، يثبِّت قناع الأوكسجين فوق وجهها بيدينِ ترتعشان بعنف، ثم أمسك كفَّها البارد بين يديه، وهمس قربها:
_ماما…سامعاني؟
ردِّي عليَّا…بالله عليكي.
لكنَّها بقيت ساكنة.
وبدأ يجهِّز المحلول، ثم ثبَّت الإبرة في يدها بحذرٍ شديد، يخشى أن يؤذيها أكثر.
كانت الدقائق تمرُّ ببطءٍ خانق.
والياس وضي يراقبونه بصمت، بينما هو غارق في معركةٍ مرعبة بين الطبيب الذي يعرف ما يحدث…والابن الذي ينهار لأنَّه السبب.
وبعد وقتٍ طويل…بدأ النبض ينتظم قليلًا.
لكنَّها لم تستفق.
ظلَّ يوسف يحدِّق بها للحظاتٍ طويلة، قبل أن يهمس بصوتٍ محطَّم:
_ليه مش بتفوقي؟.
اقترب إلياس منه بخوفٍ حقيقي:
_هتفوق…صح؟
رفع يوسف رأسه ببطء، وكانت عيناه ممتلئتينِ بعجزٍ لم يعرفه يومًا.
ثم قال بصوتٍ خافت متكسِّر:
_الجسم دخل في حالة استسلام كاملة بسبب الصدمة…
بلع غصَّته بصعوبة:
_هيَّ دلوقتي في غيبوبة إجهاد عصبي.
شهقت ضي ووضعت يدها فوق فمها، بينما شعر إلياس أن الأرض تميد أسفل قدميه.
أمَّا يوسف…
فجلس على الأرض بجوار الأريكة ببطء، كأنَّ جسده لم يعد قادرًا على حمله، ثم أمسك يد والدته بين كفَّيه، وانحنى يقبِّلها بعجزٍ موجع.
وانسابت دموعه فوق يدها دون توقُّف:
_أنا آسف يا ماما…
خرج صوته ميِّتًا، محمَّلًا بندممٍ يمزِّق القلب.
_والله ما كنت أقصد أوجعك كده…
شهق بقوة، ثم أغمض عينيه بألمٍ قاتل.
_قومي بس…وأنا مستعدّ أتحمِّل أي حاجة…إلَّا إنِّك تبعدي عنِّي.
استدار إلياس وجلس بجوارها، ثم رفع عينيه نحو يوسف وقال بصوتٍ أثقله الوجع:
_هطلَّعها الأوضة…وإنتَ كمِّل علاجها فوق، هنا مش هينفع.
قالها بملامحه الجامدة، لكن عينيه تفضحان ألمًا ينهش صدره.
انحنى يحملها بذراعين مرهقتين، حتى كادت أن تنفلت من بين يديه من شدِّة وهنه.
هبَّ يوسف مقتربًا بسرعة، لكن إلياس رمقه بنظرةٍ حادَّة أوقفته مكانه:
_إياك تقرَّب منها…سامعني؟
كلِّ اللي عليك تعالجها…ولو مش قادر حتى على دي، قولِّي أجيب لها دكتور يا دكتور.
نطقها بقسوة متعمَّدة، ثم استدار بها وصعد الدرج بخطواتٍ ثقيلة.
كان يعلم أنَّه يطعن ابنه بكلماته…لكنه أراد أن يهزُّه بعنف، أن ينتشله من ظلام أفكاره الذي يبتلعه حيًّا.
بعد خروجه اقتربت ضي من يوسف بحذر:
_يوسف…
كوَّر قبضته بعنف حتى ابيضَّت مفاصله، وضغط على جفنيه كأنه يحاول سحق أفكاره داخل رأسه.
اقتربت أكثر، وضعت كفَّيها المرتجفتين على كتفه:
_يوسف…اسمعني.
صاح بصوتٍ حادٍّ، بارد:
_ارجعي بيت أبوكي..أنا مبقتش عايزك في حياتي..وهبعت لك ورقة طلاقك،
حياتنا انتهت عند كده.
تجمَّدت لثانية…كأنَّ الكلمات صفعتها..
ثم تقدَّمت حتى وقفت أمامه مباشرة، بينما هو يهرب بعينيه منها، ينشغل بجمع أدواته الطبية داخل الحقيبة بعشوائية.
حدَّقت فيه بصدمةٍ موجوعة:
_هوَّ إنتَ إيه؟!.
إيه الجبروت ده! إنتَ بني آدم إزاي؟!
دفعته في صدره بقوة، فاهتزَّ جسده للخلف.
_قولِّي!
إزاي إنتَ بالقسوة دي كلَّها؟!
دفعة أخرى، أقوى من سابقتها، حتى تراجع خطوةً كاملة..
_مفكَّرني إيه؟!
بتذلِّني ليه؟!
ملعون أبو قلبي اللي مش شايف غيرك…ملعووون!
انفجرت دموعها وهي تصرخ، تضرب صدره بكلِّ وجعها:
_خلاص بقى!
عايز توصل لإيه؟!
إيه اللي ناقص عشان تصدَّقني؟!
دفعته مرَّة ثالثة، ثم شهقت بصوتٍ مكسور:
_القلب اللي ميعرفش يفرَّق بين التمثيل والحقيقة…أنا مش عايزاه!
هزَّت رأسها بعنف، كالمجنونة، وعيناها غارقتان بالخذلان:
_آه بمثِّل عليك…اقتنعت؟!
خلاص خلِّيك مريض بأفكارك!
وأنا هدوس عليك…وعلى قلبي الغبي اللي حبَّك!
قالتها ثم اندفعت خارج الغرفة كالإعصار.
صعدت إلى غرفتها بخطواتٍ متعثِّرة، وأغلقت الباب بعنفٍ اهتزَّت له الجدران.
وقفت في منتصف الغرفة تدور حول نفسها بضياع، أنفاسها متقطِّعة، وعيناها تجوبانِ المكان كأنَّها تراه لأوَّل مرَّة.
منذ ساعات فقط…كانت هذه الغرفة تنبض بهم، بضحكاتهم…همساتهم… نظراته التي كانت تذيب روحها.
هنا كان يقف قريبًا منها، وهنا لامست أنفاسه وجهها، وهنا..وهنا..حتى شعرت بأنَّها الملكة الوحيدة بعالم العشق.
هزَّت رأسها تسحق ما تتخيَّله قائلة:
هل كان كلُّ ذلك كذبًا؟
هل يمكن لقلبه أن يكون بهذه القسوة؟!
هل لم يشعر يومًا بارتجافتها بين ذراعيه؟!
بلهفتها عليه؟!
بعشقها خلف كلِّ نظرة؟!
توقَّفت أمام المرآة، تنظر لانعكاسها بصدمةٍ موجوعة.
قميصها الذي ارتدته لأجله ما زال أسفل إسدالها…
عطرها الذي اختارته بعناية ما زال يحيط بها…
خصلاتها التي صفَّفتها بلهفة…
كلِّ تفصيلة فيها كانت تنتظر ليلة تشبه الحلم.
فضحكت بمرارة، ودموعها تهبط بغزارة.
_يا خسارة…
ثم صرخت فجأة، صرخة خرجت ممزَّقة من أعماق قلبها:
_آآآآه!
التقطت زجاجات عطرها بعنف، وألقتها نحو المرآة.
تحطَّم الزجاج بصوتٍ مدوٍّ، وتناثرت الشظايا والعطور حولها، بينما انعكس وجهها المكسور في عشرات القطع الصغيرة…
كأنها ترى قلبها متحطِّمًا أمامها.
كيف لعاشقٍ أن يحرق محبوبته بتلك الطريقة؟!.
كيف لمن كان وطنًا لقلبها أن يتحوَّل فجأة إلى النار التي تلتهمه؟
_آه…آه…
صرخت بها بصوتٍ ممزَّق، بينما ارتجف جسدها بعنفٍ حتى فقد توازنه، وانهارت فوق الأرضية بين شظايا الزجاج والعطر المنسكب كأنَّ المكان كلِّه ينزف معها.
كانت شهقاتها تخرج مؤلمة… متقطِّعة، كأنَّ روحها تُنتزع من صدرها ببطء.
في الخارج، انتفض إلياس على صوت صراخها، ودلف إلى الغرفة مذعورًا..
تجمَّد مكانه للحظة..
ينظر للمرآة المحطَّمة، والزجاج متناثرًا حولها.
ورائحة العطر تملأ المكان بصورةٍ خانقة.
أمَّا هي…
فكانت جاثية وسط الحطام، تضمُّ نفسها بذراعيها، تبكي بانكسارٍ يهزُّ القلب.
أغمض عينيه بألم، ثم هزَّ رأسه بحزنٍ عميق، واقترب منها سريعًا.
انحنى يرفعها من فوق الأرض برفقٍ أبوي، وكأنَّها قطعة مكسورة يخشى أن تتفتَّت أكثر بين يديه.
وما إن احتواها صدره..حتى انفجرت باكية.
بكت وكأنَّ كل ما تحمَّلته منذ طلاقها خرج دفعةً واحدة.
بكت حتى اختنق نفسها، حتى تشنَّجت أصابعها بثيابه وهي تتشبَّث به كغريق.
ربت إلياس على ظهرها بحنان، وعيناه تمتلئانِ بالعجز:
_أنا آسف يا بنتي…
والله العظيم آسف…
رفعت وجهها إليه، وكان وجهها غارقًا بالدموع، شاحبًا بصورةٍ توجع الروح:
_ليه يعمل فيّا كده يا عمو…؟
ليه كل مرَّة يدبحني بإيده؟
ليه…؟
قالتها ثم شهقت بقهر، وضربت صدرها بيدٍ مرتجفة:
_هوَّ أنا ذنبي إيه غير إنِّي حبِّيته؟!
ذنب قلبي إيه عشان يتحاسب بالعذاب ده كلُّه؟!
ارتعشت شفتا إلياس، ومسَّد على خصلاتها بحنانٍ مرتجف، ثم احتضن وجهها بين كفَّيه يمسح دموعها بإبهاميه:
_بصيلي يا حبيبتي…
اسمعيني كويس.
حاول أن يبدو ثابتًا، لكن صوته خانه في النهاية..
_ارتاحي دلوقتي، وأي حاجة إنتِ عايزاها…أنا هنفذِّهالك.
ضحكت وسط بكائها..ضحكة مكسورة أبكت قلبه أكثر:
_تنفذهالي؟.
هزَّ رأسه بألم.
فاقتربت منه أكثر، وعيناها تصرخان بوجعٍ لا يُحتمل:
_هترجَّعلي قلبي اللي ابنك كسره؟..
هترجَّعلي ضي اللي مبقاش منها غير حطام؟
غير شظايا واحدة اتحرقت بحبُّه؟!
انهار صوتها أكثر، وهمست باختناق:
_أنا كنت بحبُّه أوي يا عمُّو…
أوي لدرجة إنِّي نسيت نفسي معاه… إديته روحي كلها…وهوَّ قتلني.
خرجت كلماتها متكسِّرة، ثم رفعت كفَّها فوق صدرها، تضغط بقوة على قلبها تحاول إيقاف ذلك الألم المفترس الذي ينهشها من الداخل:
_حاسَّة إنِّ قلبي بيتقطَّع، وجع يخلِّيك تتمنَّى الموت دقيقة…بس يهدى.
انهارت وشهقة حارقة من بين شفتيها، فضمَّها إلياس بقوَّة أكبر، حتى كاد يخفيها داخل صدره، وأغمض عينيه بعجز رجلٍ يرى ابنته تُسحق أمامه ولا يملك إنقاذها.
ربت على رأسها بحنانٍ مرتجف وهمس بصوتٍ مبحوح:
_حبيبتي…يا بنتي اهدي، اهدي علشان خاطري.
أنا طول عمري بعتمد على عقلك يا ضي.
سحبها بهدوء على الفراش وساعدها تتمدَّد فوقه بصعوبة، ثم التفت سريعًا نحو الخادمة التي وقفت تراقبهما بقلقٍ وذعر:
_اعملي كوباية عصير وهاتيها بسرعة لمدام ضي.
رمقت الخادمة الغرفة التي تحوَّلت إلى فوضى من شظايا الزجاج والأشياء المحطَّمة، ثم أومأت برأسها مرتبكة: _حاضر يا بيه…
لكن قبل أن تتحرَّك، انتفضت ضي من فوق الفراش فجأة، تشعر بأنَّ بقاءها داخل ذلك المكان يخنقها..
_لا…
أنا هرجع بيت أبويا…
مستحيل أقعد هنا دقيقة واحدة.
أسرع إلياس يوقفها قبل أن تتعثَّر، ممسكًا بذراعها برفق:
_حبيبتي اهدي دلوقتي..ده وقت غضب بس.
يوسف مصدوم…ولمَّا يفوق هيعرف إنُّه غلط، وهيعرف إنُّه ظلمك.
ضحكت ضحكة باكية موجوعة، ثم مسحت دموعها بعنف حتى احمرَّت عيناها، وهزَّت رأسها برفضٍ قاطع..
رفعت حجابها بأصابع مرتجفة فوق رأسها، وأخذت نفسًا متقطِّعًا قبل أن تقول بصوتٍ مكسور:
_مستحيل…
مستحيل أفضل هنا بعد اللي قاله.
ثم تحرَّكت نحو الخارج.
كانت تمشي كأنَّ روحها تُسحب منها مع كل خطوة…خطواتٍ مرتجفة، وجسدٍ يكاد يسقط من شدَّة الانهيار، وقلبٍ ينزف خذلانًا ممن أحبَّته حدَّ الفناء.
تعثَّرت أكثر من مرَّة، حتى اندفع إلياس خلفها بقلق:
_ضي! استني يا حبيبتي…استني أوصَّلك!
لكنَّها لم تلتفت إليه…
خرجت من الفيلا وقلبها يصرخ بداخلها، والهواء البارد يضرب وجهها المبلَّل بالدموع، شعرت لأوَّل مرَّة أن ذلك الرجل الذي أعطته روحها قاسي حدَّ الموت.
عبرت بوابة الفيلَّا الرئيسية بخطواتٍ مكسورة، كأنَّها تخرج تاركةً خلفها حبًّا قتلها ببطء، ورجلًا حطَّم قلبها دون رحمة، وقلبًا لم يعد يعرف كيف ينجو من كلِّ ذلك الألم.
على الجانب الآخر…
كان يوسف جالسًا بأرضية غرفة والدته، كطفلٍ ضائع لفظه العالم بأكمله.
احتضن كفَّيها الباردين بين يديه، ودفن وجهه بهما، و صرخات ضي بالخارج تمزِّق روحه قطعةً قطعة.
كان يسمع بكاءها…وكلُّ شهقة منها كانت تغرس سكِّينًا جديدة داخل صدره.
لكنَّه لم يتحرَّك.
لم يعد يملك القوة ليفعل أي شيء.
بكى…بكاءُ رجلٍ خسر كلَّ شيءٍ دفعةً واحدة، رجلٍ خسر الحب، والأمان، وملاذه الأخير بنفس الليلة.
ارتجف جسده بعنف، من صراخها وكلماتها مع والده.
هنا رفع وجهه ببطء نحو والدته المسجَّاة أمامه، يتأمَّل ملامحها الشاحبة بعينينِ غارقتينِ بالخذلان، وكأنَّه ينتظر منها أن تفتح عينيها…أن تربت على رأسه ككلِّ مرَّة…أن تقول له أنَّ الأمور ستصبح بخير.
لكن الصمت كان أقسى من أي إجابة.
ابتلع شهقة موجوعة، ثم همس بانهيارِ طفلٍ لا رجل:
_ماما..آسف.
تكسَّرت الكلمات داخل حلقه، وانحنى أكثر فوق كفَّيها يحتمي من ذلك الوجع الذي يلتهمه حيًّا.. منذ طفولته…
وهو لم يعرف معنى الطمأنينة يومًا.
الحياة كانت تقسو عليه وكأنَّها تنتقم منه لذنبِ وجوده بها.
كلَّما شعر بالأمان…سُحق قلبه بطريقةٍ أبشع.
حتى أصبح يؤمن داخله أنَّه رجلٌ محرَّم عليه الفرح…وأنَّ الدنيا كلَّما منحته شيئًا جميلًا، تعود لتأخذه منه بوحشيةٍ أكبر.
دلف إلياس إلى الغرفة بخطواتٍ بطيئة، لكنَّه توقَّف حين وقعت عيناه على يوسف.
رآه جالسًا أسفل الفراش، يحتضن يد والدته كالغريق، ودموعه تنهمر بلا توقُّف، بلا كبرياء، بلا قوة…كأنَّ كلَّ ما بداخله انهار أخيرًا.
كانت عيناه متعلِّقة بوالدته بطريقة مزَّقت قلب إلياس نفسه
نظر لكفِّه المتشبِّث بوالدته، وعيناه التي لم تتزحزح عليها..شعر بالحزن عليه، ينظر إليه متسائلًا..أين ذلك الشاب الذي كان يظنُّه دائمًا صلبًا… بدا الآن هشًّا حدَّ الانكسار.
فتح إلياس فمه وكأنَّه سيقول له شيئًا، أي شيء…لكنَّه عجز.
لأول مرَّة، لم يجد كلمات تنقذ ابنه.
تراجع للخلف بصمت، وأغلق الباب بهدوء، تاركًا يوسف غارقًا وسط انهياره، و صوت بكائه الخافت يتسلَّل من خلف الباب كأنين
مرَّر إلياس يده فوق وجهه بإرهاق، ثم تحرَّك بخطواتٍ ثقيلة خارج الفيلَّا، واتجه إلى منزل أرسلان…
وقلبه مثقل بشعورٍ مرعب، وقبل أن يتحرك
اتَّجه إلى هاتفه وصدره يعلو ويهبط بعنف من شدَّة الغضب، حتى شعر بتوقُّف نبص قلبه، ضغط على رقم بلال سريعًا:
_بلال..انزل خد أختك عندك الليلة.
اعتدل بلال بفزع:
_فيه إيه يا عمُّو!! مالها ضي؟
أغمض عينيه يحاول السيطرة على انفجاره:
_اتخانقت مع يوسف…المهمِّ خدها عندك للصبح لمَّا أتكلِّم معاه.
_حاضر.
أغلق الهاتف، فخرجت رولا من المطبخ تمسح يديها:
_بلال، رايح فين؟
أشار إليها بارتباك:
_راجع حالًا يا حبيبتي.
ثم اندفع للخارج بخطواتٍ سريعة، وقلبه يخفق بشعورٍ ثقيل لا يفهمه.
تباطأت خطواته فجأة وتجمَّد مكانه وهو يراها تسير بخطواتٍ مترنِّحة، وكأنَّ جسدها لم يعد يحملها، ذراعها تحتضن نفسها بألم، ووجهها شاحبًا بصورةٍ أخافته.
ركض إليها فورًا، حتى توقَّف أمامها: _ضي؟!.
رفعت عينيها إليه، نظرة واحدة كفيلة بأن تمزِّق قلبه.
ضياع كامل…انكسار امرأة لم يعد بداخلها شيء يحتمل.
ارتجفت شفتاها، ثم خرجت منها شهقة موجوعة، شهقة بدت وكأنَّها خرجت من قلبٍ يُذبح ببطء.
فتح ذراعيه، فانهارت داخله بلا مقاومة.
ضمَّها بقوة، ويده تربت على ظهرها المرتعش:
_اهدي…اهدي يا حبيبتي، أنا معاكي.
تعلَّقت بكفَّيه تبكي بصمت مؤلم، ثم همست بصوتٍ متقطِّع:
_أنا تعبت أوي يا بلال…والله تعبت…
شعر وكأنَّ شيئًا حادًّا انغرس بصدره.
قبل أن ينطق، ارتخى جسدها فجأة بين ذراعيه.
_ضي!
التقطها قبل أن تسقط، ثم ضمَّها إلى صدره بخوفٍ حقيقي، واندفع بها نحو منزله.
كانت رولا تقف أعلى الدرج، وما إن رأته يحمل ضي الغائبة عن الوعي حتى شهقت بفزع:
_يا نهار أبيض! مالها ضي، إيه اللي حصل؟
لكنَّه لم يجب…ملامحه وحدها كانت كافية لتخبرها أنَّها لم تكن بخير.
وضعها فوق الفراش بحذرٍ شديد،
جلس بجوارها، يربت على وجنتها بخفَّة:
_ضي…فوقي يا حبيبتي..قام بالكشف عليها ثم حاول إفاقتها.
وبعد لحظات بدأت تستعيد وعيها ببطء، كانت أنفاسها متقطِّعة وعيناها غارقتانِ بالدموع.
اتَّجه بحديثه إلى رولا دون أن يرفع عينيه عنها:
_رولا…اعمليلها عصير بسرعة.
أسرعت رولا للخارج، بينما اقترب بلال أكثر، ثم سحب أخته إلى صدره بحنانٍ بالغ، يحاول جمع شتاتها بين ذراعيه:
_إيه اللي حصل يا قلب أخوكي؟ يوسف زعَّلك؟
انهارت مرَّةً أخرى وكأنَّ اسمه ألهب جراحها.
دفنت وجهها بصدره تبكي بصمتٍ موجع، بكاءٍ مكتوم كان أقسى من الصراخ نفسه.
أغمض بلال عينيه بألم، وشعر بعجزٍ يخنقه…أخته التي طالما كانت قوية، تنهار الآن بين يديه بهذا الشكل.
ظلَّ يمسِّد على ظهرها بحنان، و يده الأخرى تمرُّ فوق خصلاتها برفق: _خلاص…خلاص اهدي حبيبتي.
دخلت رولا تحمل العصير، وعيناها مليئتانِ بالقلق.
ساعدها بلال على الارتشاف، فشربت القليل بصعوبة، ثم أعاد الكوب ووضع كفَّيه حول وجهها، يمسح دموعها بإبهامه بحنانٍ أخوي موجع:
_ممكن نبطَّل عياط شوية؟ مينفعش تنامي وإنتِ معيَّطة كده.
نظرت إليه بعينينِ متورِّمتين من البكاء، ثم وضعت رأسها على كتفه، وشهقاتها ما زالت تهزُّ جسدها، ضمَّها أكثر إليه:
_قولت إيه؟ نبطَّل عياط..عشان خاطري.
شيئًا فشيئًا…هدأت شهقاتها.
تمدَّدت فوق الفراش تحتضن الوسادة، بينما بقي بلال جالسًا بجوارها، يراقبها بصمتٍ موجوع، إلى أن غلبها النوم أخيرًا، ودموعها ما زالت عالقة فوق خدَّيها.
تنهَّد بألم، ثم جذب الغطاء يدثِّرها جيِّدًا، وأبعد خصلة شعرٍ التصقت بوجهها.
وقف ببطء واتَّجه للخارج.
كانت رولا تنتظره عند الباب، وما إن خرج حتى همست بقلق:
_إيه اللي حصل؟
مرَّر بلال يده فوق وجهه بإرهاقٍ شديد، ثم سحبها بعيدًا عن الغرفة حتى لا يوقظ ضي.
وقال بصوتٍ منخفضٍ مثقلٍ بالغضب والاختناق:
_معرفش…بس اللي أعرفه إنِّ أختي عمرها ما وصلت للحالة دي إلَّا وهيَّ مكسورة حقيقي..يا خوفي للغبي يكون طلَّقها تاني.
شهقت رولا تهزُّ رأسها بالنفي.
بينما بلال نظر ناحية الغرفة المغلقة، وعيناه تشتعلان:
_ياترى إيه اللي حصل؟...
خرج السؤال من رولا بصوتٍ مرتجف، وعيناها لا تزالان معلَّقتين بباب الغرفة..
أشار لها بلال بهدوءٍ متعب:
_خلِّي بالك منها…لمَّا أشوف إيه اللي حصل.
أومأت بصمت، تجمَّعت الدموع داخل عينيها وهي تتذكَّر هيئة ضي المنهارة بين ذراعيه منذ قليل…لم تكن مجرَّد باكية، كانت وكأنَّ روحها انسحبت منها بالكامل.
انتبه بلال لارتجاف رولا، فسحبها إليه برفق، يضمُّ رأسها إلى صدره:
_حبيبتي…إن شاء الله مفيش حاجة كبيرة.
ثم مرَّر كفِّه فوق شعرها بحنانٍ يحاول به طمأنتها رغم اضِّطرابه هو الآخر:
_إنتِ عارفة ضي..لمَّا بتزعل من يوسف بتنهار بسرعة.
رفعت وجهها إليه وعيناها ممتلئتانِ بالخوف:
_أنا خايفة يكون طلَّقها…
توقَّفت أنفاسها للحظة، ثم همست بانكسار:
_ضي متنهارش بالشكلِ ده إلَّا لو الموضوع كبير أوي.
سقطت الكلمات فوق صدر بلال كالحجارة.
ابتعد عنها قليلًا، وملامحه تنطفئ تدريجيًّا مع الفكرة التي ضربت رأسه فجأة…
يوسف عرف..
عرف الحقيقة التي أخفوها طويلًا… حقيقة معرفتهم عجزه عن الإنجاب.
زفر ببطء، لكنَّه فشل في إخراج الاختناق المحبوس داخله، ثم تمتم بصوتٍ خافتٍ يكاد لا يُسمع:
_شكله عرف…ولَّا إيه؟…
رفعت رولا عينيها إليه، بينما هو كان شاردًا..
قبض على فكِّه بقوة، ثم تحرَّك نحو الخارج
أمَّا رولا…
فوقفت مكانها للحظات، وقلبها يزداد خوفًا، قبل أن تدلف بهدوءٍ إلى داخل الغرفة.
نظرت لوجه ضي الشاحب، كانت تنام بسكونٍ مؤلم، وكأنَّ النوم لم يكن راحة…بل هروبًا من وجعٍ لم تعد قادرة على احتماله.
اقتربت رولا منها ببطء، وجلست جوارها.
تأمَّلت آثار الدموع الجافَّة فوق خدَّيها، وانتفاخ عينيها، وأنفاسها المتقطِّعة حتى وهي نائمة…
ثم همست بألم:
_يا وجع قلبك يا ضي…
مدَّت يدها تمسِّد فوق شعرها بحنان، هنا شعرت بغصَّة تخنقها…وتذكَّرت حياتها في بداية زواجها..
بقصر الجارحي…
خرج حمزة من الحمَّام يجفِّف خصلاته بالمنشفة، لكن خطواته توقَّفت حين وقعت عيناه على شمس النائمة فوق الفراش.
ظلَّ واقفًا للحظات يتأمَّلها بصمت…
كانت نائمة بهدوءٍ طفولي، تحتضن الوسادة الصغيرة، انسدلت خصلاتها حول وجهها الناعم بعشوائية جعلتها تبدو أكثر طفوليَّة.
اقترب منها ببطء، ثم جلس على طرف الفراش، وعيناه لا تفارقان ملامحها.
مدَّ يده يزيح خصلةَ شعرٍ عن وجنتها، فابتسم دون شعور…
لتعود به الذاكرة لذلك اليوم…اليوم الذي تبدَّلت فيه حياته بالكامل.
حين عاد من السفر مرهقًا، لكن التعب تلاشى فور دخوله القصر.
كان المكان هادئًا بصورةٍ غير اعتياديَّة ، عقد حاجبيه وهو يبحث بعينيه عن والديه، قبل أن تظهر شمس أمامه بابتسامتها البريئة المعتادة:
_حمد الله على السلامة يا حبيبي.
لم يمهلها ثانية واحدة…
فتح ذراعيه يسحبها إليه بقوة، يشتاقها حدَّ الاختناق.
دفن وجهه بعنقها وهمس:
_وحشتيني أوي يا شمسي.
ضحكت بخفَّة بين ذراعيه:
_وإنتَ كمان وحشتني.
رفعها عن الأرض يدور بها، بينما عيناه تلتهمان تفاصيلها بشوق:
_عاملة إيه يا روح حمزة؟
_كويسة.
أنزلها أخيرًا، ثم جال بنظراته في القصر:
_هوَّ مفيش حد ولَّا إيه؟
فركت أصابعها بتوتُّر خفيف:
_عمُّو وطنط سافروا لعمُّو فاروق وملك…وهييجوا بعد يومين، وعمران قال هيبات في شقِّته النهاردة.
قطب جبينه باستغراب:
_يبات برَّة ليه!! فيه حاجة؟
هزَّت كتفيها وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
_يمكن اتكسف، يسيبنا لوحدنا.
ضحك بخفوت، ثم حاوط خصرها مقتربًا منها:
_طيب وأنا مالي بعمران دلوقتي؟ أنا واحد غبي صح.
خجلت تدفن رأسها بصدره..
احتوى وجهها يلتهم تفاصيلها باشتياق:
_وحشتيني أوي.
طبعت قبلة على خدَّيه، ثم
أشارت للأعلى بسرعة:
_اطلع خد شاور سريع، لحدِّ ما أجهَّز الأكل.
طبع قبلة طويلة على وجنتها قبل أن يصعد، بينما وضعت هي يدها فوق قلبها تحاول تهدئة نبضاته المتسارعة.
بعد قليل…
هبط للأسفل وهو يجفِّف شعره.
توقَّف ينظر للأطباق المصفوفة بدهشة:
_إيه ده عشا ولَّا احتفال؟!.
اقتربت منه شمس بابتسامةٍ متوتِّرة، ثم أشارت نحو علبة صغيرة مزيَّنة أمامه:
_افتح دي الأوَّل.
نظر لها باستغراب، ثم جلس يفتح العلبة ببطء…
أخرج منها حذاءً صغيرًا للغاية… وجوربًا أبيض بحجم كفِّه تقريبًا.
ظلَّ يقلِّبهما بين أصابعه بعدم فهم:
_إيه دول يا روحي!! جزمة بيبي وشرابه؟
عضَّت شمس شفتها بخجل، ثم أبعدت عينيها عنه وهي تفرك كفَّيها بتوتر.
ضيَّق عينيه أكثر…
حتى وقعت عيناه على الكلمات الصغيرة المكتوبة فوق الجورب:
"أحلى بابا."
تجمَّد جسده، ثم ارتفعت عيناه إليها ببطء، وكأنَّ عقله لم يستوعب بعد ما يحدث.
_شمس…
خرج اسمها مرتجفًا من بين شفتيه.
نهض واقترب منها خطوة، وعيناه تتسعان بصدمة ممزوجة بفرحةٍ هائلة حين اخترقت الكلمات عقله:
_إنتِ…إنتِ حامل؟!
ضغطت على أسنانها بخجلٍ شديد، ثم هزَّت رأسها ببطء.
لحظة…اثنتان…ثلاث…
تجمَّدت ملامحه للحظة…كأنَّ الزمن توقَّف حوله، وكأنَّ عقله عاجزًا عن استيعاب تلك الهبة التي وضعتها الحياة بين يديه.
نظر إلى الجورب الصغير مرَّةً أخرى، ثم إليها…إلى المرأة التي أحبَّها أكثر من نفسه، والتي اختارها الله لتكون أمَّ طفلِه.
ارتجفت شفتاه، بينما امتلأت عيناه بدموعٍ لم يحاول إخفاءها هذه المرَّة.
اقترب منها ببطء، وكأنَّ قلبه يسير قبل خطواته، ثم وضع كفِّه المرتجف فوق بطنها وهمس بصوتٍ مختنق:
_يعني فيه حتة منِّي ومنِّكِ جوَّاكي دلوقتي…؟
أغمض عينيه للحظة، وزفر أنفاسًا مرتعشة، قبل أن يضحك وسط دموعه كمن رُزق الدنيا بأكملها.
وفجأةً انفجر ضاحكًا بصوتٍ مرتفع، ضحكة خرجت من أعماق قلب رجلٍ امتلأ بالسعادة حتى الاختناق.
حملها فجأة بين ذراعيه يدور بها بجنون:
_الله! الله! هكون أب! أنا هكون أب يا شمس!
ضحكت بخوف وهي تتعلَّق بعنقه:
_حمزة نزِّلني! هتوقَّعني!
لكنَّه كان كطفلٍ حصل على الدنيا كلَّها:
_يا حاج إسحاق! هتبقى جد!
لكزته بخفَّة وسط ضحكاتها:
_باباك مش هنا يا مجنون!
أنزلها أخيرًا بحذرٍ شديد، يشعر بأنها شيئًا ثمينًا يخشى عليه من الهواء نفسه.
احتوى وجهها بين كفَّيه، وعيناه ممتلئتانِ بلمعةٍ غريبة…لمعة رجلٍ شعر أنَّ الله منحه الحياة كاملةً في امرأةٍ واحدة.
انحنى يقبِّلها قبلةً طويلة، ممتلئة بالحبِّ واللهفة والامتنان، وكأنه يحاول أن يخبرها بكلِّ ما يعجز عنه الكلام.
ابتعد عنها بعد لحظات، وظلَّ يتأمَّل وجهها بصمت…
ثم تكوَّرت الدموع بعينيه دون إرادة.
ابتسمت شمس بتأثُّر:
_حمزة…
هزَّ رأسه سريعًا وهو يضحك وسط دموعه:
_أنا بحمد ربِّنا أوي…أوي يا شمس.
ضمَّ جبينه إلى جبينها وهمس بصوتٍ مختنقٍ من فرط مشاعره:
_إنتِ أكبر نعمة ربِّنا رزقني بيها.
ثم مرَّر يده برفق فوق بطنها، وكأنَّ بداخله كنز يخشى حتى لمسه:
_ودي أجمل هدية أخدتها في عمري كلُّه.
رفع عينيه إليها مجدَّدًا، مليئتينِ بعشقٍ خالص:
_شمسي الغالية…وحياتي كلَّها…
ثم قبَّل جبينها بحبٍّ عميق وهمس: _مبروك علينا البيبي يا روح قلبي.
جلس وسحبها فوق ساقيه، ينظر للطعام:
_لا كدا لازم تاكلي الأكل دا كلُّه يا روحي.
لكزته بخفَّة:
_ليه إن شاءلله، مفكَّرني معزة!.
أطلق ضحكات مرتفعة، يضمُّها إليه:
_معزة...معزة إيه يا معزة، حتى اختيارك صغنَّن زيك.
حاوطت عنقه وتبسَّمت، ظلَّ يطعمها حتى أمسكت بطنها:
_كفاية يا حمزة بطني وجعتني.
قبَّلها قبلة سريعة فوق شفتيها، ثم حملها وصعد بها:
_لازم الرَّاحة ثم الرَّاحة ثم الرَّاحة.
تعلَّقت بعنقه تدفن رأسها بعنقه تشعر بالسعادة تغمرها، وضعها فوق الفراش كأنَّها أغلى ما يملك ولما لا وهي بالفعل كنزه الغالي.
رفع هاتفه وهو يغمز إليها:
_لازم أبارك لجدوده مش كدا ولَّا إيه؟.
تعلَّقت بذراعيه تبتسم، قام الاتصال أوَّلًا بإسحاق:
_جدُّو إسحاق، هربت يا جدُّو، متفكَّرش هتهرب كتير.
ضحك إسحاق على الجانب الآخر:
_مبروك يا متخلِّف.
_مقبولة يا إسحاق، مش مهم، دا حفيد إسحاق الجارحي، يعني الليلة القصر دا يكون باسمه.
_وماله يا حلوف، مش عايز أكتب أبوك باسمه؟.
_وأنا هعمل بيك إيه إن شاءلله؟.
ضحك إسحاق، خطفت دينا الهاتف:
_مبروك يا حبيبي، يتربَّى في عزَّك وعزِّ جدُّو.
_الله يبارك فيكي يا حبيبتي، هوَّ لازم تلزيق وخلاص لجدُّو، المهم يا ماما، هدايا ابني توصلِّي قبل الصبح، قولي لجوزك هفضحه في الجزيرة.
_حلوف مادِّي.
احتضنت شمس ذراعه تضحك برقَّة، غمز إليها بعد أن أغلق مع والده:
_استني الدور على إلياس، لازم أفلِّسه.
قهقهت تضرب كفَّيها ببعضهما..
لحظة حتى ردَّ إلياس سريعًا، خوفًا إن أصاب ابنته شيئًا:
_إيه حبيبي؟.
_مبروك يا جدُّو، أظن مش هتبقى جد ببلاش، جدُّو إلياس، كلِّ حرف بميزان عند الباشا الصغير.
جزَّ إلياس على شفتيه، كاد قلبه أن يقفز رعبًا على حفيده:
_إيه يا حلوف، بقى تخضِّني على البنت وإنتَ تافه، يا تافه.
_مش مهم، المهم هدية الباشا الصغير توصل قبل الصبح، يا إمَّا مفيش جدُّو إلياس همسحك من العيلة.
أغلق إلياس الهاتف بوجهه، نظرت ميرال إليه:
_ماله حمزة؟.ضحك يشير للهاتف:
_حيوان متِّصل وعايز هدية للبيبي.
ضحكت بصوتٍ مرتفع، حتى رمقها بغمزة:
_ما خلاص يا تيتا، الحلوف جوز بنتك بيقولِّي لو مفيش هدية هشطب جدُّو إلياس.
غفت شمس بجواره أخيرًا، بعد ليلةٍ طويلة امتلأت بضحكاتها وخجلها ودموع فرحتها، بينما ظلَّ هو مستيقظًا يتأمَّلها وكأنَّ قلبه لا يصدِّق حتى الآن أنَّ الله اختاره ليعيش كلَّ هذا.
مدَّ يده يمرِّرها فوق خصلاتها برفق، ثم انحنى يطبع قبلةً طويلة فوق جبينها وهمس:
_الحمدلله عليكِ…وعلى النعمة اللي جاية منكِ.
ظلَّ للحظات يتأمَّل ملامحها النائمة بعشق، قبل أن ينهض بهدوء حتى لا يوقظها.
بعد ساعة…
كان يقف داخل أحد محلَّات المجوهرات، وعيناه تتنقَّلان بين التصاميم بشرودِ عاشقٍ يريد أن يصنع ذكرى لا تُنسى.
ثم توقَّفت عيناه على السلسال ذاته الذي صمَّمه لشمس سابقًا… شمس صغيرة من الذهب.
ابتسم وقال:
_عايز قمر جوَّاها…
رفع الجواهرجي رأسه إليه باستفهام، بينما تابع حمزة وعيناه تلمعان بحبٍّ هائل:
_قمر صغير…متزيَّن بالألماس والياقوت.
ابتسم الرجل وهو يبدأ التنفيذ، بينما حمزة كان يتخيَّل السلسال حول عنقها…شمسه التي تحمل قمَرهما القادم.
لم يكتفِ بذلك…
اتَّجه بعدها إلى أحد المتاجر، واشترى عشرات البالونات البيضاء والذهبية، ثم عاد للقصر وقلبه يخفق بحماسِ طفلٍ ينتظر مفاجأته المفضَّلة.
أعطى تعليماته سريعًا للحرس، ثم صعد إلى جناحهما بخطواتٍ متلهِّفة.
دلف للداخل…
فوجدها قد استيقظت.
كانت تجلس أمام المرآة تجمع خصلاتها بنعاس، و ملامحها ما زالت تحمل أثر النوم.
رفعت رأسها إليه بابتسامتها الهادئة:
_كنت فين يا حبيبي؟
ابتسم دون رد…
اتَّجه إليها، وأمسك كفَّيها بحنان، ثم وضع وشاحًا خفيفًا فوق كتفيها:
_تعالي معايا.
نظرت إليه باستغراب، لكنَّه لم يمنحها فرصة للسؤال.
قادها إلى الشرفة…
وما إن فتحت عينيها جيِّدًا حتى توقَّفت أنفاسها.
سماء القصر بالكامل كانت مضيئة بالألعاب النارية…
ألوان متداخلة تزيِّن الليل بصورةٍ ساحرة، بينما ارتفعت عشرات البالونات للسماء ببطءٍ بعد إشارةٍ منه لرجال الأمن.
كلُّ هذا جعل قلبها يرتجف حقًّا، نظرت لاسمها كان مضيئًا وسط السماء.
"شمس"
حروف مضيئة وكأنَّ الليل كلِّه ينطق باسمها.
شهقت بصدمة، ثم رفعت كفَّيها فوق شفتيها غير مصدِّقة.
لمعت عيناها بدموع السعادة، واستدارت إليه بسرعة تحتضنه بقوة:
_حمزة…
ضحك بخفوت وهو يرفعها بين ذراعيه حتى أصبحت بمستوى قلبه تمامًا.
نظر إليها وكأنه امتلك العالم كلِّه، ثم قبَّلها بعشقٍ عاصف، قبلة طويلة جعلتها تفقد أنفاسها تدريجيًّا، بينما يداه تضمُّها.
ابتعد عنها أخيرًا، وأنفاسه تختلط بأنفاسها، ثم وضع جبينه فوق جبينها وهمس:
_بحبِّك أوي يا شمسي…أكتر ممَّا قلبي قادر يستوعب.
ثم أخرج العلبة الصغيرة من جيبه، وفتحها أمامها ببطء.
اتَّسعت عيناها فور رؤيتها للسلسال.
كانت الشمس الذهبية نفسها…لكن بداخلها هذه المرَّة قمر صغير يلمع بالألماس والياقوت.
ارتجفت شفتاها تأثُّرًا.
اقترب منها يلبسها السلسال، ثم مرَّر أصابعه فوق القمر الصغير وهمس بصوتٍ اختنق من فرطِ الحب:
_قمرنا…بإذن الله.
انهمرت دموعها هذه المرَّة دون مقاومة.
رفعت وجهها إليه، تنظر له وكأنها ترى أعظم رجلٍ بالحياة، ثم طبعت قبلة طويلة فوق وجنته وهمست:
_ربِّنا يديمك نعمة لقلبي يا حمزة.
ضمَّها إلى صدره بقوة، بينما الألعاب النارية ما زالت تزيِّن السماء خلفهما، وكأنَّ الكون كلِّه يحتفل بعشقهما… وبالروح الصغيرة التي بدأت تنمو بينهما.
خرج حمزة من شروده أخيرًا…
وعاد ينظر إلى شمس النائمة جواره.
ابتسم بحبٍّ عميق، ثم اقترب منها ببطء، يحتضنها من الخلف واضعًا يده فوق بطنها بحنانٍ لا يوصف.
أغمض عينيه، والسعادة تحيط بقلبه بهذا الكمال…
بعد شهر بمنزل أرسلان..
توقَّفت أمام المرآة تنهي ارتداء ملابسها، دلفت والدتها إليها:
_إنتي خارجة حبيبتي؟.
هزَّت رأسها دون حديث، ثم سحبت أحمر الشفاه وزيَّنت شفتيها، اقتربت والدتها منها:
_ناوية على إيه؟.
جمعت أشياءها في حقيبتها:
_نازلة شغلي يا ماما، كفاية كسل بقالي خمس شهور إجازات، ضيَّعت فرص كتيرة.
احتضنت وجهها تنظر إليها:
_برافو عليكي، أنا نفسي ترجعي زي زمان، مفيش حاجة توقَّعك.
ابتسامة حزينة ولمعت عيناها بالدموع:
_مبقاش فيَّا حتة سليمة يا ماما، بنت متكسَّرة، بحاول ألملم نفسي.
_ضي حبيبتي، إحنا كنَّا متوقَّعين ردِّة فعل يوسف العنيفة لو عرف، علشان كدا عمِّك مكنش عايزه يعرف.
_ماما الموضوع انتهى خلاص.
_يعني إيه حبيبتي؟.أنا سمعت عمِّك بيتكلِّم مع باباكي وبيقول مستحيل يوافق على الطلاق.
_ماما هتأخَّر على شغلي، أنا بلَّغتهم هنزل النهاردة.
توقَّفت أمامها:
_نور طبعًا هيكون موجود مش كدا؟.
_ما يهمنيش يا ماما.
_لازم يهمِّك، الموضوع مبقاش زي الأول، نبعد عن الشرِّ ونغني له يا بنتي، بلاش منه جوزك لو عرف مش هيسكت.
_ماما انا مابقتش متجوزة، ومش معنى إنُّه ما بعتش ورقة الطلاق، يبقى علاقتنا هترجع تاني، انسي أنا لازم أشفي نفسي من الحب، ما بقتش عايزة أسمع الكلمة دي تاني.
_كان ممكن أقولِّك أه، وأنا بتمنَّى، بس اللي سمعته من أبوكي زعَّلني منك يا ضي، فيه واحدة متربية تقول لابن عمَّها حتى لو بتكرهه الكلام دا، جبتي القسوة دي كلَّها منين يا بنت غرام؟.
_ماما لو سمحتي، كفاية تقطيع فيَّا، وأنا كنت أعرف منين إنُّه طلَّقني علشان كدا.
_حتى ولو يا بنت غرام، دا قبل ما يكون جوزك فهوَّ ابن عمِّك، دا أنا من يوم ما دعيت عليه بأنِّب نفسي وبتمنَّى ربِّنا يسامحني، لو سمعت حد بيدعي عليكوا ببقى عايزة أخنقه، تخيَّلي دعيت عليه قدَّام أمُّه وقلبها مكسور عليه ومقدرتش تنطق، وجيتي إنتي كمِّلتي أفعال أمِّك..
عارفة إن ردُّه عنيف، بس حطِّي نفسك مكانه، اوقفي يا بنت أرسلان مكانه وشوفي ردِّ فعلك إيه لمَّا يسمع كلامك وبعد كدا يعرف إنِّك عارفة، والله لو حلفتي على الميَّة تجمد ما هيصدَّقك.
تنفَّست باختناق تنظر لوالدتها:
_ماما...ممكن تسبيني أروح شغلي، ولَّا أخلع هدومي وأرجع أنام تاني؟.
ربتت على كتفها بحنان:
_لا حبيبتي..روحي شغلك ربِّنا يوفَّقك.
خرجت بعد دقائق، تتَّجه نحو سيارتها بخطواتٍ جامدة تخفي خلفها انهيارًا كاملًا.
ما إن تجاوزت بوَّابة المنزل حتى ارتدت نظارتها سريعًا، وكأنها تحتمي بها من العالم…ومنه هو تحديدًا..حين وجدته يدلف بسيارته داخل الكمبوند، اتَّجه بنظراته إليها..
استقلَّت سيارتها دون أن تلتفت نحوه، بينما ارتجف جسدها بعنف، واختنق حلقها بغصَّة حارقة.
وضعت يديها فوق المقود، تحاول السيطرة على ارتعاش أناملها، أدارت المحرِّك بصعوبة…
وفي اللحظة ذاتها، أوقف سيارته وترجَّل منها، لتقع عيناه على أضواء سيارتها المشتعلة..كأنَّها ستغادر المكان.
تجمَّد لثانية…
ثم اندفع بخطواتٍ نحوها، يجب الحديث معها، لكنَّها لم تمنحه حتى فرصة واحدة.
انطلقت بسيارتها خارج الكمبوند..
وقف يراقب اختفاءها، وعيناه معلَّقتان بسيارتها حتى اختفت تمامًا.
استدار مع دلوف سيارة بلال إلى الداخل، وبرفقته رولا.
ترجَّل بلال أوَّلًا، ثم التفت يساعد زوجته على النزول، قبل أن يرفع عينيه نحو يوسف.
رمقه بنظرةٍ صامتة…ثم تحرَّك بجوار زوجته دون حتى أن يمنحه كلمة واحدة.
أمَّا يوسف…فاكتفى بالصمت.
تحرَّك ببطء نحو منزل والده، ومنه صعد مباشرةً إلى غرفة والدته، يأتيها كلَّ يومٍ يطمئن عليها دون حديثٍ بينهما، يعلم أنَّها تكون مستيقظة ولكنها تهرب بتصنُّعها النوم، شهرًا كاملًا انقلبت بها حياتها وكأنَّ الحياة تعاقبه ككلِّ مرَّة.
طرق الباب بخفَّة، وما إن سُمح له بالدخول حتى دلف للداخل.
كانت رحيل تساعد ميرال على الاستلقاء، اقترب من والدته وهو ينظر إلى رحيل ملقيًا السلام.
تناول جهاز قياس الضغط، وبدأ يفحص مؤشِّراتها دون أن ينطق بكلمةٍ واحدة.
قالت ميرال بهدوءٍ متعب:
_ رحيل…سبيني مع يوسف شوية.
أومأت رحيل ثم قالت برفق:
_ هروح البيت أشوف آسر…أصله هيسافر سوهاج بالليل.
غادرت الغرفة بهدوء، لتسود لحظة صمت موجعة بين الأمِّ وابنها.
أشارت له ميرال أن يجلس.
جلس أمامها مباشرة، وعيناه متعلِّقتان بوجهها الشاحب.
فهمس متسائلًا:
_ حاسَّة بإيه دلوقتي؟
أجابت:
_كويسة الحمد لله.
استدار بكامل جسده نحوها، ثم قال بصوتٍ خافت اختلط بالندم:
_ماما…أنا عارف إنك زعلانة منِّي… وعارف إنِّي قسيت عليكي بالكلام.
أنا آسف…متزعليش منِّي.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت بصوتٍ يحمل وجع عمرٍ كامل:
_ ما قولتش حاجة غلط يا يوسف… إنتَ قولت الحقيقة كلَّها.
ثم تنهَّدت وأضافت:
_ المهم…كنت عايزة أقولَّك حاجة.
سافر تاني يا ابني…ارجع لمكان ما كنت، ومتخافش…مش هنطلب منك ترجع تاني، وانسى إنِّ ليك أم كأنَّها ماتت من وقت ماسا بتك طفل.
انتفض قلبه بعنف.
رفع رأسه إليها بسرعة:
_ ماما…ارتاحي دلوقتي، وبعدين نتكلِّم.
لكنها نظرت إليه بعينين سُحبت منهما الحياة، وقالت بصوتٍ مرتعش:
_ سافر يا يوسف…وربِّنا يوفَّقك.
وزي ما قولت لك اعتبر إن أمَّك ماتت… زي زمان.
هنا شعر وكأنَّ أحدهم غرس سكِّينًا مباشرةً في صدره.
شحب وجهه بالكامل، وارتجف جسده بعنف، حتى شعر أن قلبه توقَّف للحظة.
هبَّ من مكانه فورًا، وجلس بجوارها يسحبها إلى أحضانه بقوة، ويخشى أن تضيع منه فعلًا.
_ بعد الشرِّ عليكي…متقوليش كدا أبدًا.
انفجرت بالبكاء داخل حضنه، و قالت بصوتٍ ممزَّق:
_ حاولت أحميك…ومكنتش أعرف إني بموِّتك بإيديا.
أغمض عينيه بقوة، ثم ضمَّ وجهها وقبَّل جبينها قبلةً طويلةً مرتجفة، وانسدلت دمعةً حارَّة من عينيه فوق بشرتها.
دمعةُ رجلٍ تمنَّى لو أنها قادرة على محو كلِّ ما فعله بها.
ضمَّها لصدره أكثر، وهمس بصوتٍ مخنوق:
_ إنتِ متعرفيش إنتِ بالنسبالي إيه…
أنا آسف…عارف إنِّي وجعتك.
أوعدك مش هزعَّلك تاني…بس ارجعي لينا، البيت من غيرك ضلمة… وضحكتك هيَّ اللي كانت منوَّرة حياتنا، مفيش روح في بيتنا ودنيتنا.
ابتعد قليلًا ينظر لعينيها المبلَّلتين، وحاول استعطافها بأخته:
_ شمس حامل ومحتاجاكي جنبها… وأنا كمان محتاجك يا ماما.
ولو مش عايزاني أسافر تاني…أوعدك مش هعملها.
نظرت له وكأنَّ روحها عادت إليها قليلًا، ثم همست:
_ بجد يا يوسف؟ يعني مش زعلان من أمَّك؟ أُمال ليه أبوك بيقول إنَّك بتجهِّز ورقك وهتسافر؟.
أمسك كفَّيها سريعًا وقبَّلهما بحبٍّ موجوع:
_ لو إنتي عايزة، أنا مين أصلًا علشان أزعل منك يا ستِّ الكل؟
كلمتين قولتهم وقت غضبي..
أنا بحبِّك أوي يا ماما…ومقدرش أشوفك بتتألِّمي.
والله أموت لو حصلِّك حاجة.
شهقت تضمُّه لأحضانها:
_بعد الشرِّ عليك يا حبيبي، فداك أمَّك يا نور عيني، ابتسمت بوجعٍ ثم
ربتت على يديه بحنان أمٍّ أرهقها الخوف على ابنها، ثم مسحت دموعها وقالت:
_ يعني لو طلبت منك حاجة…هتسمع كلامي؟
ابتسم رغم وجعه، ابتسامة صغيرة مكسورة:
_ اؤمري يا ستِّ الكل.
تنهَّدت قبل أن تقول:
_ مراتك…
اختفت ابتسامته، وكأنها ضغطت على جرحٍ مفتوح.
أطرق برأسه هامسًا بألم:
_ بتوجعيني ليه يا ماما؟…
رفعت يدها تمسِّد على خصلاته بحنان:
_ يا حبيبي…إنتَ أغلى من نور عيني.
وصدَّقني، لو شاكَّة لحظة إنها مش بتحبَّك…والله ما كنت قرَّبتها منك.
البنت بتموت فيك يا عبيط.
أغمض عينيه بألمٍ مرير:
_ وأنا بعشقها…
بس ما لناش نصيب نكمِّل مع بعض.
هزَّت رأسها بحزن:
_ وهترتاح يعني لمَّا تشوفها لغيرك؟
فاكر يوم ما قولتلي إنَّك مستحيل تعيش من غيرها؟
ثم أضافت بحنان:
_ روح صالح مراتك يا يوسف.
أبوك قالِّي إنها عايزة تسافر…وطالبة ورقة طلاقها.
جايلها فرصة شغل في قناة إنجليزية.
رفعت عينيها نحوه:
_ هتضيَّعها من إيدك، البنت بتحبَّك بجنون.
تجمَّدت ملامحه بالكامل.
ردَّد خلفها بصدمة:
_ عايزة ورقة طلاقها؟
أومأت بهدوء:
_ أومال هتفضل معلَّقها؟
بقالك شهر سايبها في بيت أبوها.
ولولا بلال أخدها وسافر بيها…الله أعلم كان هيجرالها إيه..
متبقاش قاسي كدا يا ابن إلياس… أبوك بكلِّ جبروته ما عملش اللي بتعمله ده.
نهض من مكانه بهدوء رغم غضبه الموجوع.
وردَّد بصوتٍ منخفض :
_ عايزة ورقة طلاقها…
تمام..لمَّا ترجع الأستاذة.
قالها ثم تحرَّك نحو الباب، أوقفته ميرال:
_ ليه هيَّ راحت فين؟
توقَّف لثانية، وشدَّ فكِّه بقسوة:
_ معرفش.
مقابلاني متشيِّكة يا ستِّ ميرال اللي بتقولي عليها بتموت فيَّا.
ابتسمت ميرال رغمًا عنها على غيرته الواضحة، وقالت بخبثِ أم تعرف ابنها جيِّدًا:
_ وماله لمَّا تتشيَّك؟
عايزها تعمل إيه يعني، تفضل قاعدة تعيَّط على أطلالك؟
دي بتنزل شغلها يا ابنِ إلياس.. وبعدين مش إنتَ قولت لها انتهينا، خليها يمكن تنسى.
جزَّ على أسنانه بقهر، ثم اندفع خارج الغرفة بخطواتٍ غاضبة…
لكن الحقيقة الوحيدة التي كانت تلتهمه من الداخل…
أنَّه لأوَّل مرَّة يشعر بالخوف الحقيقي.
الخوف من أن يخسرها للأبد.
بعد عدَّة ساعاتٍ كان يقف بشرفة غرفته يتحدَّث مع آسر، وجد سيارتها تدلف إلى الكمبوند، ظلَّ يراقبها حتى ترجَّلت منها، تتحدَّث بسمَّاعة هاتفها وهي تبتسم.
ظلَّ يراقبها وهو يهمس لنفسه:
_ مستعجلة على ورقة طلاقك يا أستاذة ضي...فعلًا هتفضلي تبكي على أطلالي ليه، هفيدك بإيه.
نظر للَّذي بيده وابتسامة حزينة على وجهه، ثم جلس يتذكَّر حديث رولا منذ عودتهما من شرم الشيخ.
_عايزة أتكلِّم معاك.
نظر إليها ثم عاد ينظر للخارج..
سحبت مقعد وجلست بمقابلته:
_تعرف أنا بحبَّك أوي، رغم إنَّك كنت دايمًا قاسي معايا، بس كنت بحبِّ تعاملك مع شمس أوي، وحبِّيتك أوي لمَّا وقفت معايا في مشكلتي مع بلال، رغم إنَّك ضربتني بالقلم، بس عرفت وقتها من خوفك وحبَّك ليَّا، إنتَ مبتعرفش تعبَّر بالكلام، لكن جوَّاك حنان كبير.
كان يستمع إليها بصمتٍ موجع..
حمحمت وتابعت:
_إنتَ مكنتش موجود ولا شوفت اللي ضي عاشته بسبب طلاقك في الفترة دي، بس كلِّنا شوفنا هيَّ كانت عاملة إزاي، أه زي ما قولت اشتغلت وأثبتت نفسها واتخطبت، بس إنتَ مكنتش شايفها إزاي الفترة دي..
أنا بس اللي أقدر أقولَّك إنَّها كانت ميِّتة، لأنِّي جرَّبت إحساسها، أوعى تفكَّر إنَّها كانت قوية، أبدًا، دي كانت بتنهار من ذكر اسمك بس.
اقتربت تستند على الطاولة ومدَّت يدها وأدارت وجهه:
_اللي إنتَ عملته غلط ومؤلم أوي، أنا معرفش إيه اللي حصل بينكم لكن اللي أعرفه مفيش حببيب بيقدر يعيش بعيد عن حبيبه، ضي صعبانة عليَّ أوي يا يوسف، ما ضيَّعهاش علشان متندمش بعد كدا.
نهضت وظلَّت تنظر لصمته بقلبٍ يتألَّم، خطت بعض الخطوات ولكنَّها توقَّفت على كلماته....
_كنتوا فين يا رولا؟.
استدارت إليه وردَّت:
_كنَّا في شرم الشيخ، بلال حاول معاها تغيَّر جو، هيَّ تعبانة أوي يا يوسف، وكمان بتفكَّر تسافر علشان تبقى عارف، وعمُّو أرسلان بيشجَّعها جدًّا، وشايف إنَّك بتأذيها وبس، أتمنَّى تراجع نفسك.
قالتها وخرجت وتركته غارقًا بأفكاره، استمع إلى إشعارٍ ما على هاتفه، فتح الهاتف على أحد البرامج الإخبارية، ظلَّ للحظات حتى ظهرت بهيئتها التي تخطف القلب قبل العقل.
ظلَّ يراقب كلَّ إنشٍ بها، ابتسامتها التي تخفي حزنها خلفها، وشفتيها المطلية بالأحمر وكأنَّها تعلن أنَّها تحرَّرت من كلِّ ما يؤلمها.
ظلَّ يستمع إلى برنامجها؛ حتى انتهى وتُغلق الشاشة على أسماء كل المعدِّين بالبرنامج، حتى سقطت عيناه على اسم نور.
نصب عوده وخرج وهو يتمتم:
_عايزة ورقة طلاقك وماله يا أستاذة ضي.
_يوسف...تمتمت بها غرام حين دلف إلى المنزل.
_جعان يا طنط غرام، ما أكلتش من إمبارح، هاتي كلِّ الأكل اللي عندك في أوضة بنتك.
أوقفه أرسلان غاضبًا:
_إنتَ رايح فين يلا؟!
_جاي أتعشَّى عند بنت عمِّي في أوضتها فيها حاجة دي؟.
جزَّ أرسلان على أسنانه، وتوقَّف أمامه كاد أن يقبض على عنقه:
_لا مفيهاش يا حبيب عمَّك، وعايز تحلِّي كمان؟.
_لا ما ليش في الحلو، بس ممكن فنجان قهوة، أصلي بفكَّر أسهر للصبح.
_لا والله..مش محتاج مزِّيكا كمان؟!
_كفاية بنتك..!!
قالها واستدار، تحرَّك أرسلان خلفه:
_يوسف!!..توقَّفت غرام أمامه:
_أرسلان علشان خاطري.
دفعها بعيد عنه:
_انت بتستهبل ولا بتستعبط
_بغض النظر عن الكلمتين المترادفتين، شكلك ساقط نحو، مش مشكلة
بنتك جاية لأيُّويا اللي هوَّ أخوك، بتشتكيني وعايزة ورقة طلاقها، يرضيك أسلِّمها ورقة الطلاق من غير عشوة؟.
_إلهي يتعشَّى عليك فار ديله مقطوع يابنِ إلياس.
_أرسلان حرام عليك، ما تدعيش عليه.
اتَّجه ينظر إلى زوجته بذهول:
_هوَّ البغل دا كلُّه هياكله فار إنتي كمان!!.
_أيوة..اتخانقوا وانسوا تعشُّوني.
تمتم بها وصعد إلى غرفة ضي:
_الواد طالع للبتِّ في أوضتها، وإنتي واقفة تتفرَّجي.
