رواية قلبي تحت حراستك الفصل السابع 7 بقلم هاجر عبدالحليم

 

 

 

 

 

رواية قلبي تحت حراستك الفصل السابع بقلم هاجر عبدالحليم


— "صوفيا.. مرات آسر يعني إيه؟"
آسر التفت لآيلين، عيناه كأنهما خرجتا من محجرهما، وجهه صار شاحباً، كأن صاعقة أصابته. قبضتيه مشدودتان حتى ارتجف الجلد فوقهما، رجلاه تتزلزلان تحت ثقل الحقيقة. جسده كله مشدود، كأنه مستعد للانفجار.
صوفيا اقتربت خطوة، ثم خطوة أخرى، كل خطوة كأنها تضربه برق في قلبه، وعيونها لم تفارق وجهه، تنظر فيه بتحدٍ، بغضب، وبوجع لا يحتمل.
— "هي إزاي تقول كده؟ مش اختك! مراتك!.. انتو متجوزين فعلاً؟!"
آسر ابتلع صوته، لكنه رفع حاجبيه كما لو أنه يحاول بناء حاجز ضد الصدمة. قلبه ينبض بعنف، يدي مرتعشتان، لكنه تمسك بالتحكم:
— "يعني أنا دخلت ع ضرة… ههه… انت ضحكت عليا… وفهمتني أنا أول ست ف حياتك بتكون معايا وبليل تترمي ف حضنها!"
صوفيا اندفعت خطوة أخرى، جسدها يقترب منه، كتفيها مشدودان، يديها تلوحان في الهواء، كأنها تحاول أن تصنع جداراً من الغضب والخذلان بينهما.
آسر تحرك فجأة،
— "تعالى نتكلم بره."
في حركة واحدة، شدها برفق لكنه بحزم، جسده يلتصق بجسدها لحظة قصيرة، كل نبضة منه تخرج غضباً وقلقاً، ثم دفعها برفق إلى الخارج. صوفيا لم ترحمه، يداها ترفرفان في الهواء، كتفيها مشدودان، كأنها تريد أن تمسح كل أثر من وجوده على مساحتها.
قبل أن يخرج، التفت إلى إلين بعينين مشتعلة بالغضب والعتاب، كل شعاع منها يوجّه اللوم:
— "حسابي معاكي لما أرجع!"
إلين وقفت، صمتها كأنه جبل، عيونها تلمع بالدموع
.....
قبل ما تخرج صوفيا من الممر…
إيده مسكت دراعها فجأة.
قبضة قوية… ثابتة… مفيهاش تردد… كأنها بتوقفها غصب عنها قبل ما تضيع منه.
جسمها اتشنج فورًا… كتفها شد… ولفت له بنظرة مشتعلة.
— "صوفيا لو سمحتي… أنا غلط، آه كدبت… أيوة أستاهل بعدك… وأي موقف تاخديه مني أنا مش بنكر دا كله… بس خلينا نعاتب بعض بهدوء… من غير ما حد يغلط في التاني."
قالها بصوت واطي…
لكن نبرته فيها أمر واضح…
وعينيه ماسكة فيها كأنه خايف تسيبه في أي لحظة.
صوفيا حاولت تسحب إيدها بعنف… دراعها بيتحرك بقوة… لكن قبضته كانت أقوى.
— "سيبني! أنا مش طايقة أبصلك!"
صوتها ارتفع… ونفسها بقى سريع…
عينيها لمعت بدموع مكبوتة… بس رفضت تنزل.
— "مش طايقة المكان! عايزة أمشي من هنا!"
رفعت إيدها الحرة وزقته في صدره دفعة سريعة…
بس هو ما اتحركش… ولا حتى اهتز.
— "أنا كويس إني شكّيت فيك وجيتلك هنا… كنت هتفضل مخبي عليا لحد إمتى؟!"
ضحكة ساخرة طلعت منها… مهزوزة… موجوعة:
— "بصراحة؟ إيلين بتحبك… روحلها يا باشا… خدها في حضنك… وطبطب عليها… وقولها صوفيا خلاص اتبخرت!"
قالت آخر جملة وهي بتشاور بإيدها حوالين نفسها… كأنها بتمسح وجودها.
— "ودلعها بقى… عشان بيني وبينك… شكلها هتولع دلوقتي!"
ابتسمت ابتسامة جارحة…
لكن عينيها كانت بتصرخ غيرة.
آسر شدها ناحيته فجأة…
المسافة بينهم اختفت… أنفاسهم بقت قريبة.
— "بلاش تتمسخري عليا."
قالها وهو مميل وشه ناحيتها…
عينيه ضاقت… وفيها تحذير واضح.
— "ويلا نتكلم في أوضتنا… الخدم رايحين جايين… ومش حابب مشاكلنا تطلع لحد."
— "إنت خُنت!"
قالتها وهي بتخبط بإيدها في صدره مرة تانية… أقوى.
— "الخيانة الحاجة الوحيدة اللي مستحيل أسامح فيها!"
صوتها اتكسر في آخر الجملة…
مش ضعف… وجع.
— "إنت خلتني أحس إني خربت بيت… وأنا معرفش إنه موجود أصلاً!"
سكت…
ماردش…
لكن فجأة سحبها معاه.
إيدها حاولت تقاوم… رجليها ثبتت مكانها لحظة…
بس قوته غلبتها.
فتح باب أوضته… ودخلها…
وقفل الباب وراه… بالمفتاح.
صوفيا لفت له بسرعة…
ضهرها بقى لازق في الباب… 
— "إنت بتقفل الباب ليه؟!"
آسر قرب خطوة… ببطء…
خطوة تقيلة… محسوبة… كأنه بيحاصرها مش بيقرب بس.
— "عشان محدش يقاطعنا… وعشان مش عايزك تخرجي."
رفع المفتاح قدامها… ولفه بين صوابعه:
— "مش هديهولك غير لما تسمعي كل اللي عندي."
صوفيا ضحكت… ضحكة قصيرة… حادة:
— "هو بالعافية؟!"
— "آه… بالعافية… إذا كان عاجبك."
هي رفعت دقنها بتحدي…
قربت منه خطوة المرة دي… بعند:
— "لا يا حبيبي… مش أنا اللي حد يغصبها على وضع مش عاجبها."
عينها في عينه مباشرة… بدون خوف.
— "هتطلقني بالذوق كده… عشان والله لأخلي أيامك سواد."
إصبعها اتحرك ناحيته بتحذير:
— "وأحذر مني… النار اللي جوايا كفيلة تقربني من أي حد يهمك… وأأذيه."
الفك بتاعه شد…
عضلاته برزت…
وفجأة… قرب… ومسك دقنها بإيده… بقوة.
لف وشها ناحيته غصب عنها.
— "اتكلمي على قدك."
صوت واطي…
بس مرعب.
صوفيا بصتله… عن قرب جدًا…
نفسها لمس شفايفه تقريبًا…
لكن عينيها؟
نار.
— "قدي كبير… لا إنت ولا غيرك يقدروا يوصلوا له."
لحظة صمت… مشتعلة.
آسر ساب دقنها ببطء…
لكن إيده فضلت قريبة من وشها… كأنه مش قادر يبعد.
صوته نزل… أخطر:
— "صوفيا… لازم تعرفي…"
بلع ريقه… عينه لمعت لأول مرة بصدق مكشوف:
— "أنا حبيتك بجد."
إيده اتحركت… وقبضت على دراعها تاني… بس أهدى:
— "متعلق بيكي… ومستحيل أسيبك تروحي مني."
قرب أكتر… جبينه كاد يلمس جبينها:
— "إنتي الونس… اللي لو خرج من حياتي… هضلم."
صوفيا ضحكت… بس الضحكة اتكسرت نصها…
دمعة هربت رغم عنها… مسحتها بسرعة بعصبية.
— "آه طبعًا… بأمارة إنها لسه على ذمتك."
رجعت خطوة لورا… كأنها بتفصل نفسها عنه:
— "لازم تختار… يا أنا يا هي."
سكت لحظة…
وبعدين قالها وهو بيبصلها بثبات:
— "اللي بعمله عشانها… مش حب."
صوته بقى أتقل:
— "ذنب."
رمشت…
جسمها كله هدي لحظة… كأن الكلمة خبطتها.
— "يعني إيه؟"
آسر بعد… لف ضهره لحظة…
إيده في شعره بعصبية…
لف ضهره لها لحظة… إيده دخلت في شعره بعصبية…
نفسه طلع تقيل… كأنه بيحاول يلم شتات نفسه قبل ما يتكلم.
صوفيا كانت واقفة مكانها…
بتبص له… قلبها بيدق بعنف…
غضبها لسه موجود… بس فضولها غصب عنها شدها
— "إيلين بنت عمي…"
صوته خرج أهدى… بس فيه وجع:
— "وأبوها… كان مسافر برة سنين طويلة… وسابها وهي صغيرة."
صوفيا ما اتكلمتش…
بس حاجبها اترفع… عينيها بتراقب كل حركة فيه.
آسر كمل… عينه مش ثابتة… بتتحرك كأنه بيشوف الماضي قدامه:
— "من وقتها… وهي اتغيرت."
إيده نزلت على جنبه… اتقبضت:
— "بقت منطوية… بتخاف… بتعيط بالساعات… وتصرخ عشان أبوها يرجع."
صوفيا شفتها ارتعشت لحظة…
بس رجعت قست نفسها… صوتها طلع ناشف:
— "وده يخليك تتجوزها؟"
آسر رفع عينه فيها فجأة… نظرة حادة:
— "آه."
الكلمة خرجت صريحة… من غير تبرير.
ثانية صمت عدت… تقيلة.
بعدين صوته هدي تاني:
— "لأن أنا الوحيد… اللي كانت بتهدى معاه."
قرب خطوة… صوته بقى أعمق:
— "أنا كنت أمانها… وأنا اللي كنت بشوفها بتنهار كل يوم."
صوفيا بصت له…
نظرتها اهتزت… بس رجعت قست:
— "كمل."
آسر نفس ببطء… كأنه داخل على أصعب جزء:
— "أنا ما حبيتهاش…"
قالها وهو مركز في عيونها… عايزها تصدق.
— "عمري ما شفتها غير مسؤولية انا حاسس بوجع ف ضميري اللي مش بينيمني كل يوم
سكت لحظة…
وبعدين صوته اتكسر لأول مرة:
— "عشان الحادثة كانت بسببي."
صوفيا جسمها كله شد…
إيديها نزلت من على صدرها من غير ما تحس:
— "إزاي؟"
آسر بعد بنظره عنها…
كأنه مش قادر يبصلها وهو بيقول ده:
— "كنا متخانقين…"
إيده اتحركت في الهوا بعصبية:
— "وسبتها ومشيت مكنتش عايز اتكلم معاها"
نفسه بقى أسرع…
— "خرجت ورايا… وهي أصلاً حالتها مش مستقرة… كانت بتجري… بتصرخ باسمي…"
صوته بدأ يتهز… رغم قوته:
— "وأنا… ما وقفتش ولو ثانية واحدة تبص ورايا."
ثانية صمت…
تقيلة… خانقة.
— "العربية خبطتها."
الكلمة وقعت بينهم كأنها صدمة.
صوفيا شهقت بخفة…
إيدها اتحركت لا إراديًا على بقها…
عينيها وسعت… الصدمة كسرت جزء من غضبها.
— "ومن يومها… وهي مش زي الأول."
صوته بقى أخفض:
— "مش بتخرج… مش بتستحمل بعدي… ولو قسيت عليها… ممكن تأذي نفسها وتنتحر ومش ببالغ ابدا ياصوفيا."
رفع عينه فيها تاني…
نظرة فيها وجع حقيقي:
— "الدكاترة قالوا حالتها النفسية خطيرة… وعندها مشكلة في القلب."
بلع ريقه:
— "حتى… العلاقة… ممكن تموتها."
صوفيا جمدت مكانها…
كل كلمة بتقع عليها تقيلة…
لكن الألم جواها ما اختفاش.
— "عشان كده… أنا مش بقرب منها ولا عايز اطفال 
قالها بهدوء… واضح.
— "وجودي جنبها… بس عشان ما تموتش لانها اللي باقية من ريحة اهلي ووصيتهم ليا اني احافظ عليها
الصمت ملأ الأوضة.
صوفيا بصت له…
نظرتها متلخبطة… بين تعاطف… ووجع… وغيرة لسه بتحرق.
— "وأنا؟"
قالتها بهدوء…
بس الهدوء ده أخطر من الصريخ.
قربت خطوة… ببطء…
— "أنا موقعي من الاعراب ف حياتك اي؟
آسر وقف قدامها… قريب جدًا…
إيده اترفعِت ببطء… لمست خدها… بحذر… كأنه بيستأذن:
— "إنتي…"
صوته نزل… دافي:
— "الحاجة الوحيدة… اللي اخترتها بإرادتي."
عينه ثبتت فيها:
— "أنا ما اخترتش إيلين… هي اتفرضت عليا."
نفسه قرب من شفايفها:
— "بس إنتي… أنا اللي جريت عليكي."
إيده نزلت على دراعها… قبض عليها بخفة… عكس الأول:
— "أنا ما حبتش غيرك."
صوفيا قلبها اتلخبط…
بس فجأة… زقته بإيدها على صدره.
— "بس كدبت عليا!"
صوتها اتكسر… الدموع لمعت:
— "خليتني أعيش في وهم!"
آسر استقبل الدفعة… بس ما بعدش…
بالعكس… مسك إيدها قبل ما تبعد:
— "خفت أخسرك."
قالها بسرعة… بصدق مكشوف:
— "خفت تمشي لما تعرفي."
قرب أكتر… صوته بقى خشن من المشاعر:
— "وأهو… عرفتي… وعايزة تمشي."
صوفيا سكتت…
صدرها بيطلع وينزل بسرعة…
قلبها بيشدها له… ووجعها بيزقها بعيد.
همست… بعناد مكسور:
— "أيوة… همشي وحالا."
وفي النهاية…
لما شدها لحضنه…
جسمها قاوم الأول… إيديها خبطت في صدره…
لكن مع كل كلمة منه… مقاومتها ضعفت… مش لأنها سامحت…
لأنها اتكسرت.
—  كررتها مليون مرة وانتي بردو عنيدة اخرة عنادك دا اي؟ انتي ملكي ولو عايزك ف اي لحظة هاخدك عشان دا حقي فيكي وانتي مراتي."
إيده على ضهرها… ضاغطة… مثبتها فيه.
— "شيل إيدك!"
صوتها خرج مخنوق… وهي بتحاول تزقه…
لكن إيديها وقفت على صدره… بدون قوة كفاية تبعده.
— "مهما حصل… إنتي بتاعتي."
همست… بصوت مكسور… راسها مائلة بعيد عنه… كأنها بتهرب من حضنه وهي جواه:
— "وأنا بغير…"
نفسها ارتعش:
— "بغير عليك منها بطريقة بتوجعني. مش هستحمل اشوفها معاك هنا ومحتاجة وقت استوعب انا مش قادرة اتعامل معاك كأنه مفيش حاجة حصلت"
آسر قرب وشه من شعرها… غمض عينه لحظة… كأنه بيرتاح فيها رغم العاصفة:
— "استحملي شوية وخدي وقتك بس جمبي انا مستعد استحمل كرهك ليا مش بعدك طول م انتي كرهاني يبقي حساني لكن لو مش فارقلك خالص ساعتها انا اللي هخاف سبيني اصلح كل اللي باظ قدامك وافهمي
إلين مسؤلية وانتي الحياه اللي جاية
.....
آسر دخل الغرفة بعنف، دفع الباب برجله، الأرض اهتزت تحت قدمه. صدره ارتفع وانخفض بسرعة، كتافه مشدودة، ويداه مقبوضتان بشدة كأنها تحاول كبح الانفجار الذي بداخله. عيناه مولعتان بالغضب، كل شعرة من شعره واقفة من التوتر، وعضلات فمه متصلبة، كأنه على وشك الانفجار.
— "حالا تديني تفسير!"
صوته لم يكن مجرد كلام… كان تهديدًا، أمرًا، وهوسًا بالسيطرة يملأ الغرفة.
إلين وقفت مقابله، عيونها متسعة، قلبها ينبض بسرعة جنونية، يدها ترتجف وهي تحاول تثبيت خصلات شعرها المتطايرة حول وجهها. تنفسها كان متقطعًا، لكنها حاولت أن تجعل صوتها هادئًا:
— "تفسير؟ تفسير لإيه؟ أنا مقولتش غير الصح… هتخبي عليها ليه مهما عدى الوقت… طلع نزل… قل كتر هتعرف إنّي مراتك… وإنك ليا… تعالي اقعد جمبي!"
آسر شعر بصدمة،:
— "إنتي… رميتي الجملة زي القنبلة فوشها… وحطيتني فوش المدفع قدامها… وقليتي بيا وبنفسك… أنا بقالي فوق الساعة بقنع فيها تقعد ومتمشيش! ايش حال اصلا… هي فكرتك اي اللي غير رأيك؟"
إلين رفعت يدها، جسمها كله رجفة، عيونها تلمع بالغيرة والغيرة المختلطة بالهوس:
— "مش هتمشي… دي لازقة فيك بغرة… مش راضية تطلع… كأنها ما صدقت تلاقي راجل يعبرها… وبعدين اه… هي فكرتي طلعت عيلة… ومش عايزاها تتم… خلاص… هو أنا مش من حقي أغير على جوزي يعني؟"
آسر تجمد، عينيه اتقلبت غضبًا، كل عضلات وجهه متوترة:
— "انتي متعرفيش أنا اتجوزت مين… دي صوفيا… من أشهر عارضين الأزياء في الشرق الأوسط!"
إلين انفجرت، صرخت بعصبية، جسدها كله متقلب بين الهوس والخوف، أنفاسها متقطعة، عينها تلمع بالدموع:
— "متتكلمش عليها قدامي… وتغليها… ماشي؟ أنا مالي… مش يخصني مين م تولع… حالاً دلوقت تطلقها وتغور من حياتتنا!"
آسر قبض على كتفها بقوة، جسده مشدود، صوته انفجر بعصبية محكومة:
— "اسمعي… أنا حابب علاقتكم تكون كويسة… أنا ورايا قضايا كتير… وكلها فوق دماغي لوحدي… راعي إني ظابط… شايل هموم الناس على كتافي… ومش هبقى فاضي لشغل الحريم دا… حبة مراعية شوية… ومتتكلميش عليها وحش… مش هقبلها لا عليكي ولا عليها
إلين صرخت، جسدها كله رجفة، صوتها يقطّع الهواء، عينيها مشتعلة بالهوس والحزن معًا:
— "انت بتزعقلي… بتزعقلي… ناقض تضربني عشانها… تعالي… إديني قلمين… تعالي!"
آسر صدم، يديه ترتجف، يحاول تهدئتها بنظراته المتوترة:
— "هو أنا من أمتي مدّيتها عليكي أصلاً؟ عمرها ما هانتك ولا ذلتك يا بنت عمي!"
إلين 
— "كل دا عشانها… هي سحرتلك ولا إيه؟ أنا بنت عمك… أنا أبقالك منها… هي مش خيرتك… أنا كمان بخيرك… بلاش تفتكر إنّي عشان عاجزة أبقى محتاجاك… أقسم بالله أموت نفسي!"
آسر رجع خطوة، صوته هادئ لكنه جاد، عيناه تحاول تهدئة هوسها، كتفه يتحرك قليلًا مع كل نفس:
— "بلاش الطريقة دي معايا… أنا مش بتهدد… وبلاش تعتبري خوفي عليكي إني ضعيف قدامك… مع أول تهديد هرجع ورا… انتي مراتي… وهي كمان مراتي… يعني ليها حق فيا زيك بالظبط!"
إلين صرخت، 
— "لا… مش زيي… عمرها ما هتكون زيي أبداً!"
اقتربت منه، جسدها كله رجفة، أنفاسها متقطعة وسريعة، عينها تلمع بالهوس:
— "تعالي جمبي!"
آسر صوته صار صارم، لكنه واقف مكانه
— "مش هاجي… ولازم تعرفي مش كل شيء تحت أمرك… حاولي تغيري العادة دي فيكي… وحسي باللي حواليكي شوية."
إلين اقتربت أكثر، صرخت بصوت أعلى، جسدها كله اهتز:
— "بقولك تعالي!"
آسر بصوت أعلى، حاسم:
— "لا… يعني لا!"
تركها، ومشى بعيدًا، وزق الباب بعنف خلفه. إلين اتنفضت من الخضة، وقفت وسط الغرفة، عيونها مليانة دموع وهوس، صرخت، عيطت، جلست على الكرسي، وبدأت تكسر كل شيء حولها… الطاولة، الكراسي، والزجاج… كل شيء صار ضحية لهوسها، غضبها، وحبها الذي لا تستطيع السيطرة عليه
.....
صوفيا كانت قاعدة على الكنبة، رجليها مطويتين، عيناها مركّزة على الأرض. الهوا كان ساكن، والساعة في الحائط بتدق بصوت يملأ الغرفة بالوحدة.
آسر دخل بخطوات هادئة، نظر لها بابتسامة خفيفة، صوته واطي لكنه دافئ:
— "تعالي نامي جمبي قاعدة عندك ليه؟"
صوفيا رفعت عينيها ببرود، دون ما تتحرك:
— "مليش مزاج وملكش كلام معايا."
آسر ابتسم بخفة، وكأنه يقبل رفضها بدون نقاش:
— "تمام أوى."
بدأ يجمع هدومه، وكأنه هيخرج، لكن صوفيا شعرت بغيرة خفية تتسلل لقلبها. رفعت حاجبها:
— "رايح فين؟ هتروحلها؟؟"
آسر وقف، بصرامة هادئة، نظر لها بعينين ثابتتين:
— "هنام برة… وهسيبلك الأوضة خالص. لا رايح عندها… ولا عندك انا تعبت بجد ومحتاج افصل ومبقاش عندي طاقة للمناهدة نامي براحتك ومش هزعجك"
رفع كتفه بخفة، ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم خرج. صوفيا جلست لحظة، قلبها ينبض بسرعة، نظرت للخلف على الباب المفتوح، وغصّة غريبة ملأت صدرها.
...
إلين وقفت قدام الطاولة، عيونها مشتعلة بالغضب والحيرة، يديها ترتجف خفية.
— "عرفتي هتعملي إيه؟"
الخدامة وقفت متوترة، تمسك المخدر في إيدها الصغيرة، عرقها بين جبينها:
— "آه… ياهانم…"
....
صوفيا بدأت تتحرك بحذر، جسدها مشحون بالخوف والصدمة. لم تصدق أنها خُدعت مرة أخرى، لكن هذه المرة كان الخداع أقوى بكثير، أعمق من أي خداع سبق. ضحك عليها بكل برود، وجعلها تصدق أن المرأة التي ترافقه في القصر هي أخته، بينما الحقيقة كانت مختلفة تمامًا… كانت زوجته.
في تلك اللحظة، شعرت صوفيا بالخيانة تقطر في قلبها، وقررت أن تأخذ الأمور بيدها. لم ترد أن يصبح الجنين سببًا آخر لتوريطها أو لإحساسها بالعجز امامه فتحت الدرج، أخرجت البرشام، وأخذته بيد مرتجفة. أي لحظة يمكن أن يكتشف ما تفعله، لكنها لم تبالي بالخوف. نامت بعد أن ابتلعته، ودموعها تنساب على خديها، وهي تمسك ببطنها بحذر،
كانت خائفة… خائفة من أن هذه الطريقة قد تجعلها لا تُصبح أمًا ثانية أبدًا، لكن لم يكن أمامها خيار والطريقة الوحيدة لتبتعد عن قبضته وسيطرته عليها، حتى لو كلفها الثمن أن  لا تسمع كلمة "ماما" مرة أخرى،
فزعت صوفيا من نومها، وأنفاسها متسارعة، ويدها تنساب غريزيًا إلى بطنها… تضغط عليه بقلق.
لحظات قليلة مرت… ثم أدركت.
لا شيء.
اختفى ذلك الدفء الذي غمرها في الحلم، وترك خلفه فراغًا ثقيلًا. لمعت عيناها، لكنها تماسكت، كأنها ترفض تصديق أن ما شعرت به كان وهمًا عابرًا.
مرّت يدها على بطنها مرة أخرى… هذه المرة أهدأ، وأكثر حذرًا.
كأنها تخشى أن تتأكد.
أو تخشى أن يكون الحلم لن يعود.
ابتلعت غصتها، وقلبها يثقل بالألم…
ليس بسبب الحلم وحده…
بل خوفًا من ألا يتحقق أبدًا.
...
في صباح اليوم التالي…
عاد آسر من عمله، خطواته ثقيلة من الإرهاق، وملامحه مشدودة كأنها تبحث عن خللٍ خفي في أرجاء القصر. عيناه تدوران بقلق، حتى توقفتا عند الخادمة الواقفة قرب الباب. جسدها متوتر، ويدها تقبض على شيءٍ صغير كأنه سرٌّ خطير.
— "ياباشا…"
اهتز صوتها، والخوف واضح في عينيها.
رفع آسر حاجبه، وقلبه بدأ يخفق بسرعة:
— "في إيه؟ حصل حاجة؟"
أخذت الخادمة نفسًا عميقًا، تحاول السيطرة على ارتجافها، ومدّت يدها نحوه:
— "بص يا بيه… أنا شغالة هنا من أيام المرحومة الله يرحمها… ومينفعش أبقى ساكتة لو المدام إيلين ناوية تعمل مصيبة… لازم أقولك قبل ما يحصل أي حاجة."
تجمّد آسر في مكانه، عضلاته شدّت، ويده توقفت في الهواء، كأنه ينتظر الضربة القادمة.
— "إيه المصيبة دي؟ قولّي على طول! وقعتي قلبي"
مدّت له كبسولة صغيرة:
— "مدام إيلين… ادتني الدوا دا وقالتلي أحطه في أكل مدام صوفيا… وأنا معرفش ده إيه."
خطفها آسر بسرعة، قبض عليها بقوة، وعيناه اتسعتا بصدمة، جسده كله توتر:
— "دي حبوب هلوسة؟!
انا متصورتش الموضوع يوصل معاها للاذية!"
تراجعت الخادمة خطوة، العرق يتجمع على جبينها:
— "يالهوي حبوب هلوسة!"
سكت آسر لحظة… عيناه اشتعلتا، وكل ما حوله صمت، بينما داخله امتلأ بالغضب والقلق.
في الداخل…
اندفعت صوفيا إلى غرفة إيلين، خطواتها سريعة، تضرب الأرض بعصبية، وعيناها تشتعلان بالغضب.
— "أنا حالا هتصل بالمصحة عشان تاخدِك!"
صرخت، وجسدها كله مشدود.
تجمدت إيلين، واتسعت عيناها:
— "مصحة؟ ليه… أنا كويسة، مش مريضة ف عقلي!"
انفجرت صوفيا:
— "لا، مريضة فيه!"
اقتربت منها، جسدها يرتجف من الغضب:
— "مش عشان قاعدة ف أوضة وعايزة اللي ياخد باله منك بسبب ظرفك الصحي ده… عمره ما كان إنه أي غلط تعمليه نعمل نفسنا مش شايفينه… مش هتصعبي عليا!"
تنفست بحدة، وعيناها امتلأتا بالدموع والغضب:
— "أنا من امبارح كنت ناوية أطلق منه وأسيبهولك… بس دلوقتي لا… عايزاكي بقا تموتي بغيظك!"
ارتجف جسد إيلين، وصوتها خرج ضعيفًا:
— "أنا… أنا هخليه يطلقك…"
استمرت في الصراخ، بينما صوفيا تقف أمامها، عيناها مليئة بالصدمة.
فجأة—
اندفع آسر إلى الداخل، فتح الباب بعنف، وتجمّد مكانه.
المشهد أمامه كان كفيلًا بإسقاط قلبه.
صوفيا واقفة، عيناها مشتعلة بالغضب… وإيلين أمامها، ترتجف…
وفجأة—
ارتطم كف صوفيا بوجه إيلين بقوة.
دوّى الصوت في الغرفة كأنه زلزال.
ترنحت إيلين للخلف، عيناها اتسعتا، ودمعة انزلقت دون وعي.
وقفت صوفيا، صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وعيناها تشتعلان، ويدها ما زالت معلقة في الهواء.
اندفع آسر، أمسك بذراع صوفيا بعنف، وعيناه تمتلئان بالغضب والصدمة.
— "إنا سمعتِ كل حاجة يا آسر
— أنا ضربتها عشان تستاهل حد يفوقها من اللي فيه… مش ضربتها عشان زعلت منها… هي قالت للخدامة تحطلي حبوب هلوسة! أنا مش خايفة على نفسي… خايفة عليها هي! واحدة بينها وبين الموت شعرة… ومش بتفكر لو ماتت هتقابل ربنا ازاي وهي في الحالة دي. اسمعني، يا تتصل بالمصحة ييجوا ياخدها… أو أنا هتصل بالبوليس وهبلغ عنها!"
كانت إيلين جالسة، تبكي، جسدها يرتجف.
تركها آسر واتجه إليها بسرعة، احتضنها بقوة، وملامحه تتصارع بين الغضب والخوف:
— "انتي عايزة تدمري مستقبلها؟"
رفعت صوفيا رأسها، بعينين مليئتين بالتحدي:
— "لا… أنا عايزاها تعيش حياة أحسن… تقابل اللي يقدرها!"
اشتد صوته:
— "أنا جوزها ومش هديها لحد!"
ابتسمت صوفيا بسخرية مرّة:
— "وهتفضل ع ذمتك كتير!"
نظر لها بثبات:
— "لحد ما أموت!"
ضحكت بسخرية حادة:
— "حلو… يبقى تطلقني وانتو اشبعو ببعض! أصلا أنا كلمت يامن وهسافر بكرة أعمل عمليتي، وبصراحة ناوية استقر هناك… ف ياريت ننهي الموضوع بسرعة."
اتسعت عينا آسر بصدمة، وابتعد قليلًا عن إيلين، صوته أصبح باردًا:
— "عايشة لوحدك انتي ها ولا كأن في حمار في حياتك ليه كلمة عليكي؟"
رفعت رأسها بتحدٍ:
— "لأني مش شايفاك."
اشتعلت عيناه:
— "أنا ليه عندك حق ومستعد أطلقك… لو غير كده، رجلك مش هتخطي عتبة القصر ده!"
ضحكت دون تأثر:
— "ملكش عندي حاجة."
وفجأة—
حملها آسر من الأرض رغم مقاومتها وصراخها، واتجه بنظره نحو إيلين، التي وقفت كتمثال، وكلمات صوفيا تتردد في رأسها.
— "ثواني بس… هعلمها الأدب… شكلها من النوع اللي بييجي بالسك… هوريها إن الله حق… وجاي لك."
رفعت إيلين رأسها ببطء، عيناها ممتلئتان بالصدمة… لكن هذه المرة، كان فيهما قرار.
— "طلقني يا آسر!"
تلاقت عينا آسر وصوفيا في لحظة صامتة…
مشحونة…
خطيرة…

تعليقات