رواية دكتورة في ورطة الفصل السابع 7 بقلم منه مصطفى

 

 

 

 

 

رواية دكتورة في ورطة الفصل السابع بقلم منه مصطفى

وقف سيف فى منتصف الردهة وظلّ تركيزه الأكبر ينصبّ على تلك السكينة الباردة التي تضغط بقسوة على عنق حور.
أما حور ، فكانت تتشبث بالحياة من خلال نظراتها التي تعلقت بـ سيف؛ نظرات استغاثة محبوسة خلف شفتين يرتجفان

بملامح جامدة ونبرة هادئة بشكلٍ مستفز، بدأ سيف يتلاعب بأعصابهم :
"ها.. وبعدين؟ هتفضلوا واقفين كدة كتير قولي بقى يا بطل انت وهو.. انتم عايزين إيه بالظبط قصروا المسافة وقولوا طلباتكم"

تحرك سيف ببطءٍ مدروس، يرمقهم بنظراتٍ خاطفة يميناً ويساراً ليشغل عقولهم به، مُبعداً تركيزهم عن حور لعلَّ تلك القبضة الخانقة حول عنقها تضعف قليلاً.

المجرم بتوتر وهو يضغط بالسكينة أكثر: "انت مين؟ ابعد عن طريقنا أحسن لك"

سيف بإبتسامة باردة: "أنا اللي هيخلصكم من الورطة دي لو شغلتوا دماغكم.. الدكتورة دي ملهاش ذنب، والدم مش هيحل مشاكلكم. اتكلموا.. عايزين إيه "

وفي اللحظة التي بدأ فيها المجرم يفتح فمه ليرد، استغل سيف تلك الثغرة الزمنية واندفع كالإعصار؛ وبحركةٍ خاطفة لا تراها العين، قبض على رسغ المجرم ولوى معصمه بقوةٍ سحقت عظامه بعيداً عن عنق حور. وفي أجزاءٍ من الثانية، كانت حور تستقر خلف ظهره العريض، بعدما سحبها ببراعة ليصبح هو حائط الصد المنيع بينها وبين فوهات أسلحتهم

ولكن.. كان هناك من يراقب المشهد
ومن خلف باب الطوارئ، ظهر فرد رابع من العصابة، وبغدر لا يوصف، رفع ماسورة حديدية ثقيلة وهوى بها بكل قوته فوق رأس سيف من الخلف.

"طاااااخ!"

صوت ارتطام المعدن بالجمجمة هز جدران الممر. سيف، الطوفان الذي لا يقهر، ترنح في مكانه، انطفأ بريق عينيه فجأة، وسقط سلاحه من يده قبل أن يهوي بجسده الضخم على الأرض فاقداً للوعي، والدماء بدأت تسيل بغزارة من رأسه لتغطي وجهه الصلب.

حور صرخت صرخة زلزلت أرجاء المستشفى، صرخة هزت القلوب باسمه:
"سييييييييييييييييييييييييييييييف "

اندفعت بجنون لترتمي فوق جسده، لكن يد غليظة جذبتها من شعرها للخلف بعنف. في هذه الأثناء، خرج مدير المستشفى من وراء مكتبه وهو يرتجف، رافعاً يديه بجبن مقزز:

"يا جماعة.. اهدوا.. خدوا اللي إنتم عايزينه، السجين موجود اهو قدامكم والدكتورة عندكم اهى ، بس ارجوك ملكش دعوة بيا أنا عندي عيال "

خالد بصوت يرتعد من الخوف : "سيبوها.. سيبوا الدكتورة حور، هي ملهاش ذنب.."

وضع أحد المسلحين فوهة السلاح في وجه خالد ببرود:
"كلمة كمان وتقول على نفسك يا رحمان يا رحيم فاهم؟"

تراجع خالد للخلف بخزي ورعب، ونظر للأرض بعجز وهو يرى سيف الغارق في دمه وحور التي تُسحب أمام عينيه، دون أن يجرؤ على تحريك ساكن

فجأة، دوت أصوات سارينات الشرطة من بعيد، وبدأت الأضواء الزرقاء والحمراء تقترب من بوابة المستشفى.

أحد المجرمين بذعر: 
"الشرطة وصلت يا ريس هنعمل إيه؟ كدة مش هنعرف نخرج بالزعيم "

القائد بغل وهو يشد حور من شعرها: 
"هناخد الزفتة دى معانا.. هي دي اللي هتفتح لينا الطريق، البوليس مش هيجرؤ يضرب نار وطول ما هي في إيدنا إحنا في أمان.. يلااااا "

بدأوا بسحب حور نحو الباب الخلفي. كانت تقاوم بشراسة، تضرب بأقدامها وتحاول التملص، وفي لحظة يأس، غرزت أسنانها في يد المجرم الذي يمسكها بكل قوتها.

المجرم بوجع: "آه.. يا بنت الـ.... "
رفع يده ليلطمها على وجهها بقوة أسكتتها للحظة، وأحكم قبضته على خصرها لدرجة شعرت فيها أن أضلاعها ستتحطم.

في تلك اللحظة السوداء، وسط الرعب والدموع وهي تُجر إلى المجهول، رفعت حور يدها المرتجفة نحو رقبتها، وتلمست تلك "السلسلة" الرقيقة المخبأة تحت ملابسها.. تأكدت أنها لا تزال هناك
أغمضت عينيها للحظة وهي تتنفس بصعوبة، وشعرت بوميض ضئيل من الأمل.
نجحت العصابة في التسلل من الباب الخلفي ووضع حور في سيارة دفع رباعي انطلقت بسرعة الصاروخ

وما هى إلا دقائق معدودة داخل ردهات المستشفى، كانت الفوضى هي السيد. وصلت قوات الدعم بقيادة ضباط العمليات الخاصة، ليتفاجأوا بـ سيف ملقى على الأرض، غارقاً في دمائه، فاقداً للوعي تماماً.

اندفع نحوه أحد الضباط وهو يصرخ:
"الإسعاف بسرعة سيادة الرائد سيف مصاب بضربة في الرأس" 

بدأ المسعفون في محاولة إفاقته باستخدام المحاليل والمطهرات. وبعد دقائق من الترقب، فتح سيف عينيه ببطء، ملامحه كانت متشنجة بالألم، لكن بمجرد أن استعاد وعيه وتذكر مشهد السكين على رقبة حور، انتفض كأن مساً من الجنون أصابه.

سيف بصراخ هزّ جدران الممر : 
"حووووور راحت فين  وفين الكلاب اللي كانوا هنا؟"

حاول أحد الضباط تهدئته: "يا فندم حضرتك مصاب، لازم ترتاح.."

سيف بعروق بارزة : "راحة إيه وزفت إيه ورايا على القسم فوراً.. شوية الرعاع دول لو لمسوا شعرة منها أنا هحرق المستشفى باللي فيها "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مديرية الأمن - سباق مع الزمن

رغم الدوار الذي كان يصيب رأسه، رفض سيف الذهاب للمنزل. جلس أمام شاشات المراقبة، وعيناه الحمراوان تتبعان خيوط الهروب. طلب فوراً ملف السجين الذي تم تهريبه، وبدأ يقلب في أوراقه بعنف، محاولاً إيجاد أي ثغرة أو خيط يقوده لمكان اختبائهم.

أخرج موبايل حور الذي سقط منها وجده مغلقاً تماماً. قبض على الموبايل بقوة حتى كادت شاشته تتحطم، ثم اتصل بـ ياسين.

سيف بصوت مخنوق : "ياسين.. حور اتخطفت يا صاحبي. أنا في الطريق لشقتك ، حصلني على هناك حالاً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت الأجواء داخل الشقة كالجنازة. سمر، بمجرد أن أخبرها سيف بالخبر، انهارت تماماً، جلست على الأرض تلطم خديها وتولول بصوت مسموع:
"يا حبيبتي يا بنتي يا وجع قلبي عليكي يا حور.. يا ترى عملوا فيكي إيه يا قلب أمك "

أما سارة، فكانت في حالة صدمة تامة، دموعها تنهمر بصمت وهي تحتضن وسادة حور، ترتجف من فكرة أن صديقة عمرها فى خطر

في تلك اللحظة، رن جرس الباب. قامت سارة بآلية لتفتح، لتتفاجأ بـ آدم واقفاً بملامح قلقة جداً. هو في الأصل اتصل بسيف ليطمئن على جرحه، ولكن عندما أخبره سيف بالكارثة، لم يستطع البقاء بعيداً.

سارة بذهول وصوت مبحوح : "انت؟! إيه اللي جابك هنا"

آدم (بتوتر وقلق حقيقي): "سيف قالي اللي حصل.. أنا جيت عشان.."
قاطعه دخول سيف وياسين في تلك اللحظة. تلاقت نظرات آدم وسيف، وفهمت سارة فوراً أنهم أصدقاء. لكنها، ورغم الموقف لم تعره اهتماماً، بل نظرت إليه ببرود وأفسحت له الطريق ليدخل دون كلمة واحدة.

جلس الجميع في الصالة، اليأس بدأ يتسلل لقلب سيف الذي كان يضرب كفاً بكف. فجأة، انتفض ياسين كمن لسعته عقربة

ياسين بصراخ : "أنا غبي إزاي نسيت " 

سيف بحدة : "في إيه انطق "

ياسين: "السلسلة اللي حور لابساها يا سيف.. أنا كنت حاطط فيها شريحة GPS دقيقة جداً من مأمورية قديمة، تحسباً لأي ظرف "

سيف قام من مكانه وجذبه من قميصه بعنف:
"ولما إنت عارف يا متخلف مقولتش من بدري ليه؟ إحنا بنضيع وقت في الرغي"

ياسين وهو يخرج اللاب توب بسرعة : "والله من الصدمة نسيت اهدى يا سيف.. ثواني والإشارة هتظهر."

خيم الصمت الثقيل على الغرفة، والكل عينه على الشاشة. سمر توقفت عن البكاء، وسارة حبست أنفاسها. وبعد لحظات من التوتر، ظهرت اخيرا نقطة حمراء تومض ببطء على الخريطة في منطقة نائية ومقطوعة.

ياسين: "لقيتها هي في منطقة صحراوية وطرق جبلية.. الإشارة بتتحرك ببطء، شكلهم واخدين طرق وعرة."

سيف (وهو يعمر سلاحه بنظرة مميتة): "جهز القوات يا ياسين.. النهاردة نهايتهم هتبقى على إيدي."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت حور تجلس على كرسي خشبي قديم في غرفة شبه مهجورة، يفوح منها برودة الرطوبة.في البداية، كانت ملامحها شاحبة، تنظر يميناً ويساراً برعب، وعيناها مغلقتان تدعو الله أن ينجيها.

حور بصوت مهزوز: "لو سمحت.. فكني ووالله مش هقول لحد حاجة، حرام عليكم أنا عندي أهل يسألوا عليا، خدوا فلوس خدوا أي حاجة بس سيبوني."

كان الحارس الضخم يقف أمام الباب، ملامحه كالحجر، لا ينظر إليها حتى. صمته استفز حور، وبدأت ملامح الخوف تتلاشى

حور بلهجة مختلفة تماماً: "يا كابتن يا أستاذ دراكولا انت.. هو أنا بكلم خيال مآتة؟ ما ترد يا أخويا "

الحارس ظل صامتاً، فنفخت حور بضيق وقالت:

"طب بقولك إيه، أنا جعت.. انتم خاطفيني عشان تموتوني من الجوع؟ وبعدين انت واقف كده ليه ما تقعد، ده انت رجلك تورم يا شيخ."

الحارس بجمود: "اسكتي أحسن لك، مش عايز أسمع صوتك."

حور بابتسامة مستفزة: "أوه انت طلعت بتتكلم يا كاظم طب والله صوتك حلو يا جدع.. بس انت ايه اللى رماك على الشغلانة السودة دى انت عارف إن الوقفة دي بتعمل دوالي؟ أنا دكتورة وأدرى منك، بكرة تندم وتقول حور قالت.. وبعدين البدلة اللي إنت لابسها دي ضيقة عليك أوي، مش عارف تتنفس صح"

الحارس (بدأ يجز على أسنانه): "قلت لك اسكتي "

حور ببرود: 
"لا مش هسكت، الجو هنا خنقة، والناموس أكلني، وإنت واقف ذي الصنم.. هي العصابة دي مفيهاش حد فرفوش كلهم نكديين زيك كدة يا ساتر يا رب، الواحد يتخطف في مكان عدل حتى، مش في خرابة
ومع واحد وشّه يقطع الخميرة من البيت "

الحارس نفد صبره، فاستدار نحوها بعصبية:
"يا ولية إنتي إيه مابتفصليش؟ أنا لو عليا أضربك طلقة وأخلص، بس للأسف الريس عايزك سليمة."

حور رفعت حاجبها : "تضربني طلقة ده إنت بوق أوي.. طب جرب كدة وشوف انا هعمل فيك ايه ده انا اعملك كفتة مشوية.. وبعدين الطلقة غالية اليومين دول، وفرها لنفسك."

الحارس بزعيق وهو بيفتح الباب: "أنا خارج وسيبهالك خالص إنتي بني آدمة لا تطلق بالمعنى الحرفي"

خرج الحارس ورزع الباب وراه، فابتسمت حور بانتصار وهي تهمس لنفسها: "غور في داهية.. ده انت غلس بشكل"

بمجرد أن تأكدت حور من انصرافه، بدأت تتحرك بالكرسي ببطء وهي تحاول فك يديها، ولحسن حظها أن الحارس لم يحكم الرباط جيداً. فكت قيودها وبدأت تدور في الغرفة كالمجنونة بحثاً عن أي مخرج.

لمحت شباكاً صغيراً في الأعلى. جرت نحوه، كان عبارة عن أسياخ حديدية ثابتة، لكن خلفها ضلف خشبية مقفولة بـ ترباس من الخارج.

حور بهمس: "يا رب.. يا رب ساعدني."
مدت يدها من بين الأسياخ الحديدية بصعوبة، كانت المسافة ضيقة جداً، لكن إصرارها جعلها تصل بآطراف أصابعها إلى حافة الخشب. بدأت تهز الضلفة بقوة حتى انفتح الترباس الخارجي وسقطت الضلفة للخلف، ليظهر لها ضوء القمر الضعيف.

نظرت من الشباك، كانت الأرض بعيدة قليلاً، لكنها رأت طريقاً ترابياً مهجوراً.
حور بصوت واطئ جداً وهي تلتفت خلفها بخوف: "يا ناس حد هنا؟ يا رب أي حد يعدي.. لو سمحتوا "

تعليقات