رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الثامن 8 بقلم سارة بركات


رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الثامن 


مرت ساعات منذ أن حدثت تلك الأحداث وسكَنَ الليل عندما حلَّ وقتُ الفجر، وفي شقة جوداء و سيلفانا، اعتدلت جوداء من سجودها لرب العالمين وأخذت تتلو التشهد الأخير لتُنهي صلاتها، قامت بالتسليم وبعدما انتهت تنهدت بارتياح وظلت جالسة على سجادة صلاتها تدعو الله وتُلِّحُ بالدعاء لأجل نفسها وعائلتها ولأجل زميلتها سيلفانا؛ فهي جوداء هكذا دائمًا عندما تُحِبُّ أحدًا تدعو الله له بقلبٍ نقيّ حتى وإن كانت لا تعلمه جيدًا، حتى وإن كانت سيلفانا لا تعرفها سوى منذ عدة أيامٍ قليلة إلا أنها شعرت أنها كالأخت والصديقة بالنسبة إليها.

وعلى الجهة الأخرى كانت سيلفانا نائمةً في غرفتها تحلم بذلك الكابوس المُستمر والذي عاشته في الحقيقة ومن بعدها تدمرت حياتها، همسه بصوته المستفز بالنسبة إليها وهو يخبرها بأن كل شيءٍ سينتهي قريبا، مُخدرةٌ تمامًا لا تستطيع التحرك للدفاع عن نفسها وعن طفلها، سماعها لتخبط أدوات الطبيب في الغرفة ثم نومها لتستيقظ من نومها بسرعة وهي تتعرق وتضع يدها على بطنها تتحسسها، انهمرت عبراتها دون أن تشعر، وأردفت بقهرِ أمٍ خسرت طفلها:

- اشتفت إليكَ كثيرًا عزيزي، لقد مر عامًا على خسارتي إياك حبيبي، أوتدري أنه إذا كنتُ هرُبتُ فقط وقتها واختفيت وأنجبتك لكانت حياتي الآن أفضل! أنا تائهة بدونك طفلي.

ثم ابتسمت بين بكائها وهي تتذكر آخر مرة ابتسمت بها ثم استأنفت تتحدث إليه كأنه مازال بداخلها:

- كانت ثيابُكَ التي قمتُ بتجهيزها لك رائعة للغاية، كنتُ أتمنى لو أراك ترتديها ولكن ......

ثم عادت تبكي بقهر وهي تزيل يدها عن بطنها بارتعاش وصمتت تبكي فقط وبعد دقائق بسيط هدأت واختفت ملامح الحزن من وجهها وحل محله البرود والقوة، اعتدلت من فراشها لتذهب داخل حمامها وقامت بغسل وجهها، وبعد أن انتهت توقفت لتنظر لوجهها بالمرآة بملامح خالية من المشاعر وأردفت بوعيد:

- أقسمُ أنني لن أتوقف حتى أصل لمُبتغاي، حتى وإن متُّ وأنا أفعل ذلك فهذا شرفٌ لي!

وفي منزلٍ آخر كانت إيلينا متكئة على جانبها بالفراش تنظر أمامها بشرود تتذكر كل ماحدث اليوم! لقد أُعجبت به حقًا، لكن كيف في خلال دقائق بسيطة ينهدم كل شيء؟! .. حقًا كانت ستُفكر بالزواج به فقد كان لطيفًا ومتفهمًا! كيف يكون من المافيا الإيطالية؟! وكيف يكون أيضًا من آل مارينتوس!!، انهمرت عبرة من مقلتيها قامت بمسحها بسرعة في ذات اللحظة التي دخلت بها والدتها لغرفتها.

- ايلينا حبيبتي، هل أنتِ مستيقظة.

ولكن إيلينا لم تتحدث إليها، اقتربت والدتها ذات الشعر الأبيض والتجاعيد البسيطة الموجودة بجسدها وجلست بجانبها، ربتت على ظهرها بهدوء وأردفت:

- ماذا هُنَاكَ عزيزتي؟ هل قابلتي دييجو؟

ابتلعت إيلينا ريقها بغصة لا تريدُ أن تلتفت لوالدتها لأنها ستنهار الآن! الأمر سهل أن تتخطاه إيلينا ولكن الأصعب أن والدتها لن تتخطاه! لأنها لم تتخطى من الأساس.

- حبيبتي؟ ماذا هُنَاك؟ هل تبكين إيلينا؟

ثم أدارت والدتها وجهها نحوها لتجدها تبكي في صمت مما جعلها تتحدث بقلق:

- ماذا هُناك إيلينا؟ لماذا تبكين؟

وهُنا انفجرت إيلينا من البكاء لتنهار بين ذراعيها متحدثة بألم:

- أعتذر أمي، أعتذر على كل ماحدث لكِ ولكل ماحدث لنا .. أنا آسفة حقًا سامحيني حبيبتي.

عقددت والدتها حاجبيها بعدم فهم وأردفت بقلق:

- يا فتاة، ماذا هُنَاك أخبريني؟

شهقت إيلينا بصوتٍ عالٍ من البُكاء وأردفت بصعوبة:

- إنه هو .. كان هو .. لقد كان هو منذ البداية .. إنه دييجو.

- لا أفهم شيئًا حبيبتي، تحدثي بهدوء.

ابتلعت إيلينا قليلاً لتستطيع التحدث بوضوح:

- لقد أخفى هويته الحقيقية أمي، إنه من آل مارينتوس وليس ذلك فقط فهو من المافيا الإيطالية.

شهقت والدتها ووضعت يدها على قلبها بألم ..

- آل مارينتوس!

ابتلعت والدتها وهي تنظر حولها دون فهم ثم نظرت إليها:

- هل شعر بشيءٍ إيلينا؟

ابتلعت إيلينا وأردفت ببكاء وصعوبة:
- أنا فقط أخبرته بنصف الحقيقة.

قطبت والدتها حاجبيها وتساءلت بِحِيرة:

- وماهي؟

ابتلعت إيلينا غصتها وأردفت بهدوء:

- نصف الحقيقة هو أن أحدًا من المافيا الإيطالية قتَل أبي، والنصف الآخر أن القاتل كان من آل مارينتوس نفسهم.

صمتت قليلاً لتستأنف حديثها وهي تنظر في عين والدتها آريانا الحزينة:

- أعتذر أمي، كان يجب ألا أخبركِ بما حدث؛ فأنا أعلم أنكِ لم تتخطي موت أبي.

صححت والدتها حديثها:

- نحن .. نحن لم نتخطى موته إيلينا.

ظلت بين ذراعي والدتها شاردة في تلك الذكريات السوداوية .. حينما ألقى لهم أحد رجال كبيرُ آل مارينتوس أموالاً طائلة تعويضًا لهم عما حدث من أحد أبناء العائلة، الذكريات مشوشة، لقد كانت فقط في الثانية عشر من عمرها! ولكنها تتذكر ذلك المشهد جيدًا جثة والدها المُلقاة أرضًا بإهمال أمام باب منزلهما، جثته الغارقة في دمائِه، صرخاتٍ قوية، وفزع وانهيار وهن يقمن بضم جثته بقوة .. انهمرت عبرة أخرى من عيني إيلينا وهي تُغمض عينيها لتستكين بين ذراعي والدتها التي تبكي في صمت.

وعلى جهةٍ أُخرى ككانت كارلا مبتسمة بسعادة وهي تُطالع هاتفها البسيط وتقرأ بعينيها البريد الإلكتروني الذي وصلها بالأمس بمجرد أن خطَّت قدماها باب غرفتها البسيطة التي تسكنها بالإيجار، تقرأ الرسالة الترحيبية الخاصة بشركة آل إيفانوف والتي تُعلِن عن موعد بدء الوظيفة بما في ذلك راتبها .. الراتب الضخم والسخي! يا الله إنها لم ترى مبلغ كذلك من قبل في حياتها .. وبسبب فرط سعادتها تلك فهي لم تنم منذ الليلة الماضية، تفكر بالكثير والكثير، نظرت حولها تُطالع غرفتها المهترأة وأول شيءٍ ستفعله هو البحث عن مكانٍ آخر للسكن وأيضًا يكون بالقرب من الشركة، لأن مكان تلك الغرفة بعيدٌ إلى حد كبير.

تنهد رومان باستسلام وهو يضع يده أعلى رأسه وينظر حوله لقد تدمر مطعمه بالكامل وانهالت وابلٌ من الأسئلة على رأسه الشرطة يريدون أن يعلموا ماذا حدث ولكنه اكتفى بقول أن بعضًا من أعضاء المافيا الإيطالية قد احتلوا المكان وقاموا بتدميره، وقعت عينيه على الشريط الأصفر الذي وُضِعَ أمام باب مطعمه، ولكنه انتبه على وصول رسالة على هاتفه، رسالة جعلته يعقد حاجبيه بتعجب لقد وصل مبلغ ماليٌ ضخمٌ على حسابه وما زاد تعجبه أيضًا هو وصول رسالة أخرى في ذات الوقت بنفس المبلغ المالي .. وصلته رسالة من السيد سايلِس.

- أعتذر.

رفع حاجبيه بدهشة كما آتته رسالةً من رقمٍ مجهولٍ آخر:

- أعتذر.

ضحك .. حقًا ضحك بشدة على تلك الرسائل الغريبة، وبعد وصلة الضحك التي دخل بها تلك تنهد بهدووء وهو يُطالع مطعمه بابتسامة:

- حسنًا يا عزيزي، لنُعِد تجهيزكَ مرة أُخرى.

كان لوكا يُطالع شاشة حاسوبه الشخصي بابتسامة وينهي بعض الكلمات البسيطة والتي تعبر عن انتهاء الفصل الأول من روايته الجديدة، تنهد بارتياح والتفت يُطالع الوقت لقد وجد أن الصباح قد حل بالفعل، أردف بهدوء:

- حسنًا قرائي الأعزائي لقد حان وقت إبهاركم بالجديد.

ثم ضغط على زر النشر مما أتى إشعار على هواتف كل من يقومون بمتابعة أليكساندر ميخاييل والذي زاد مُتابعوهُ بكثرة في الأيام الماضية.

اعتدل من فوق فراشه وقام بغلق حاسوبه ليخرج من غرفته لينزل على أدراج القصر ثم يدخل للمطبخ، وبمجرد أن أضاء ضوء المطبخ صرخ بفزع عندما رأى دييجو جالسًا في المطبخ بحُلتهِ السوداء.

- ماذا تفعل هُنا دييجو؟

رفع دييجو عينيه نحو لوكا ثم نظر أمامه بشرود ولم يُجيبه، اقترب لوكا نحوه بحظر:

- دييجو، ماذا هُنَاك؟ ولماذا تجلس هُنا؟ لما لست في غرفتك؟

أردف دييجو بشرود وحزن:

- أردتُ الإخنفاء؛ فلم أجد مكانًا أفضل من البقاء في الظلام الدامِس للمطبخ.

جلس لوكا أمامه بهدوء وأردف باستفسار:

- لماذا كل ذلك؟

ابتلع دييجو وأردف:

- لوكا، أنا لا أتقبل كوني فردًا من آل مارينتوس، أنا أريد حياةً بسيطة، أريدُ زوجة وأطفال، أريدُ عائلة صغيرة تخصني وحدي .. أقسم أن هذا كُل ما أريده لوكا.

التمعت عيناه وهو شارد وربت لوكا بهدوء على يده الساكنة على الطاولة الصغيرة، مردفًا بهمس:

- وماذا يمنعك، دييجو؟

رفع دييجو رأسه وأردف بعبرة انهمرت من مقلتيه:

- ذنبي يمنعني، كأنني كُتِبَ عليَّ العذاب بسبب ذلك الذنب!

عقد لوكا حاجبيه وأردف بعدم فهم:

- ذنب! أي ذنب؟! ماذا فعلت دييجو؟

هز دييجو رأسه نافيًا وأردف:

- لا شيء، أنا فقط سأغادر.

اعتدل من مقعده ليُخرج من المطبخ وصعد إلى غرفته؛ أما لوكا فقد كان جالسًا في حيرة من أمره، ويتسائل ماذا فعل دييجو ليتحدث هكذا؟ ولكنه اعتدل ليشرب الماء ويبحث عن شيءٍ ما ليأكله قبل أن ينام ويتمنى من كل قلبه أن لا يأمر ديميتري الخدم بإيقاظه!

استيقظ ستيفانو من نومه ليعتدل على فراشه ويفتح هاتفه ينظر للوقت، وابتسم بهدوء عندما تذكر يوم أمس واعتدل ليتجهز وقد قرر أن اليوم سيعمل في المتجر ولن يذهب للشركة مع ديميتري، وأثناء تبديله لثيابه ابتسم بهدوء وهو يُمسك بهاتفه مرة أخرى يتصل برقم قد دونه أمس!

كانت نائمة بهدوء ولكن ما أربك نومها قليلاً هو صوت هاتفها المتحدث:

- رقم غير معروف يتصل الآن.

ثم أصدر هاتفها رنته المعتادة بجانب ذلك الصوت الآلي المُتكرر الذي يصدر في هاتفها، اعتدلت تبحث عن هاتفها بيدها ثم التقطته عندما وصلت أصابعها له وضغطت على زر الإجابة، وتحدثت بصوتٍ ناعس:

- مرحبًا.

- هل أيقظتُك؟

صمتت متفاجأة من سماعها صوته على هاتفها، وابتلعت وهي تعتدل فوق فراشها:

- كيف أخذت رقم هاتفي؟

ابتسم ستيفانو ليتحدث بهدوء:

- حينما كُنا جالسين ولم تجدي هاتفك وقربته لكِ، لقد كان معي أدون رقم هاتفكِ، أعتذر إذا قمتُ بمضايقتكِ.

- لا لا لا شيء.

ثم صمتت خجلة؛ أما هو فقد تحدث:

- أتوقعُ مجيئكِ للمتجر اليوم؛ لذلك أنا أنتظركِ.

أردفت بخجل:

- حسنًا، سآتي.

ثم أغلقا سويًا لتعتدل من فراشها تستند بيدها على الجدار جانبها لتقترب من خزانة ملابسها تفتحها بهدوء وأخذت تتحسس ثيابها لتعلم أيهم سترتدي اليوم كانوا عدة فساتين زهرية مختلفة الألوان اختارت واحدًا منهم شعرت بنقشته البارزة بين أصابعها لتبتسم وهي تسحبه من الخانة لتغلقها بعد ذلك.

كانت جوداء في المطبخ تقوم بتجهيز طعام الفطور المصري لتخرج سيلفانا من غرفتها هي الأخرى وتقترب منها لتسحب قطعة من الطعام وتضعها بفمها وتمضغها بتلذذ:

- أعشق طعامكم الدسِم يا فتاة.

ابتسمت جوداء وهي تستكمل تجهيز الطعام وأردفت:

- بالهناء والشفاء سيلفانا، لماذا استيقظتي باكرًا هكذا؟

أردفت سيلفانا بتنهيدة:

- قلقتُ في نومي، وبقيت في الغرفة قليلاً وحينما لم أستطع النوم قررت الإستيقاظ لأشارككِ في تناول هذا الطعام الشهي.

ثم أخذت قضمةً بالشوكةِ من طبقٍ آخر، وتحدثت:

- ما إسمُ هذا الطبق؟

أجابت جوداء بالمصرية بانشغال:

- جبنة حادقة بالطماطم.

- ماذا؟

التفت لها جوداء وأردفت باستيعاب:

- اه .. إنها جبن لاذعة مع الطماطم، هل أعجبتكِ؟

تحدثت سيلفانا بتذوق:

- أجل رائعة للغاية، هل فكرتي يا فتاة أن تقومي بافتتاح مطعمٍ مصريٌ هُنا؟

أنهت جوداء تحضير الأطباق وتحدثت:

- لست طاهية بارعة، أنا فقط أقوم بطهي الطعام الذي قامت والدتي بتعليمي إياه.

ثم اقتربت نحو الطاولة الصغيرة الموجودة بالمطبخ وتابعتها سيلفانا والتي حملت باقي الأطباق وجلستا سويًا ..

- فكري قليلاً جوداء واتركي ذلك العمل المُرهِق، إنهم لا يقدرونكِ.

نظرت لها جوداء وأردفت:

- أنا مجرد مُذيعة مصرية تريد أن تحصل على لقمة العيش وإذا لم ينجح الأمر معي هُنَا، سأعود إلى موطني.

ثم شردت لتُكمل بهمس:

- ويبدو أنني سأعود.

تحدثت سيلفانا باستفهام لأنها لم تسمعها: 

- ماذا قُلتِ؟

أجابت جوداء بابتسامة:

- لقد برد الطعام؛ فلنبدأ.

بدأت الإثنتان تتناولان الطعام بهدوء وكل واحدةٌ فيهما عقلها شارد بما يؤلمها، أما بالنسبة لجلوريا فقد انتهت من ارتداء ثوبها وخرجت من شقتها بهدوء لتسير في شوارع روما في الصباح الباكر تستنشق هواءها العليل، بينما لم تنم إيلينا لتخرج لتعمل في المشفى في الوردية الصباحية لكي تنسى ماحدث بالأمس، ليتقاطع طريقها مع جلوريا حيث سارت كلاً منهما في طريقها.

كان ديميتري واقفًا أمام مرآته في الغرفة يُغلق أزرار أكمامه بهدوءه الطاغي، وبمجرد أن انتهى خرج من غرفته الضخمة لينزل على أدراج القصر بهدوء وكاد أن يخرج منه أوقفه أحد الخدم:

- سيدي.

التفت ديميتري نحوه يُطالعه باستفسار:

- هل نوقظ السيد دييجو والسيد لوكا؟

صمت ديميتري لثانية ثم تحدث:

- لا.

- كما تريد سيدي.

ليلتف ديميتري ويخرج خارج القصر حيث قام سائقه بفتح باب السيارة له، وهز ديميتري رأسه له ليصعد داخل السيارة ثم تحرك سائقه بعد ذلك وخلفه سيارات رجاله.

انتهى سايلس من ارتداء ثيابه السوداء وتوقف قليلاً شاردًا في المرآة يفكر بشيٍ ما ولكنه هز رأسه بيأسٍ؛ ليدلف خارج غرفته بقصره بجمود ثم يخرج من القصر بعد ذلك آمرًا سائقه أن يتحرك.

كان ديميتري يقف في مقبرةٍ ضخمة وخلفه رجاله يحملون العديد من باقات ضخمة من الورود، أشار لكل رجل أن يضع كل باقةٍ في مكانها عند كل قبرٍ أمامه ثم بعد ذلك أمرهم بالخروج من المقبرة، كان يُطالع كل قبرٍ على حِدَة أسفل عدساته الشمسية السوداء، ظل واقفًا على قديمه لدقائق طويله ينظر إلى قبورهم كأنه يتحدث بينه وبينهم دون كلام! فقط قلبه ماكان يتحدث إليهم، وما أن أنهى حديثه الداخلي لهم التفت وغادر من المقبرة، ليصعد سيارته ويتحرك سائقه بعدها وخلفه رجاله.
رواية/ جحيم آل مارينتوس.. بقلم/ سارة بركات 

انتهت سيلفانا من ارتداء ملابس العمل ووضعت القليل من مساحيق التجميل؛ فهي جميلة حقًا لا تحتاجها ولكنها شعرت بوجود بعض الهالات أسفل عينيها فقررت أن تُخفيها، خرجت من غرفتها بملابسها الرسمية وقابلت جوداء التي أمسكت هاتفها .. 

- أنا ذاهبة جوداء.

- حسنًا سيلفانا، انتبهي إلى نفسك.

-لا تقلقي.

ثم خرجت من المنزل لتسير بهدوء ولكنها تفاجأت بسيارةٍ سوداء ضخمة تقف أمام المنزل شعرت أنها رأتها قبلا ولكنها قررت أن تتجاهلها وتسير في طريقها ولكن السيارة تبعتها سرعت خطواتها قليلاً ولكن السيارة أطلقت مزمارًا كأن الراكب يُناديها، توقفت والتفتت تنظر خلفها لتقف السيارة بالقرب منها وتُفتَح النافذة الخلفية لها..

- آنسة سيلفانا، اركبي.

ذلك ماتحدث به سايلِس بهدوء لترتبك سيلفانا للحظات متفاجأة بوجوده ينتظرها أمام منزلها بعد كل الذي حدث أمس، ولكنها ابتلعت بارتباك وصعدت لتجلس بجانبه، وبمجرد أن استقرت بمكانها تحرك السائق .. عم الصمت في السيارة لثوانٍ انتظرت سيلفانا أن يتحدث ويقوم بتوضيح ماحدث أمس ولكنه لم يتحدث، حمحمت وقررت أن تتحدث هي:

- سيد سايلِس.

همهم سايلس دون أن ينظر إليها:

- هل يُمكن أن تقوم بتوضيح ماحدث بالأمس؟ من هؤلاء؟ ومن أنت؟ و من أين أتت تلك الأسلحة التي يحملها رجالُك؟

التفت برأسه لتتقابل عينيهما وأردف بهدوء:

- ليس من شأنِك.

عقدت حاجبيها بضيقٍ من طريقته تلك وكادت أن تتحدث، ولكنه تحدث بدلاً عنها ببرود:

- بعد اليوم ستكون هُنَاكَ سيارةٌ خاصةٌ بكِ، لتوصلكِ لمقر الشركة ثم توصلكِ بعد انتهاء الدوام إلى المنزل، أنتِ محظوظة اليوم أنني كنتُ قريبًا من منزلك.

تحدثت سيلفانا برسمية:

- لستُ بحاجةٍ إلى عطفكَ سيد سايلِس فأنا أستطيع الذهاب اللي العمل وحدي.

أردف سايلِس بتأكيد:

- بالطبع أنا أعلم ذلك؛ ولكنكِ مساعدتي الشخصية؛ لذلك يجب أن يكون لكِ قيمتكِ بين الجميع.

عقدت حاجبيها تفكر في حديثه، تشعر أنه أهانها حقًا تحاول أن تفكر وظلت طوال الطريق شاردة بكلماته تلك، إنها حقًا لا تتحمل ذلك، بعد مرور دقائق وصلت سيارة سايلِس أمام الشركة، ليفتح له رجاله باب السيارة ليدلف خارجها بهيبته المًعتادة ويلتفت لسيلفانا يَمدُ يده نحوها بطريقة راقية، أمسكت بيده تخرج من السيارة بهدوء، ثم دخل الإثنان الشركة بهدوء تحت أنظار جميع الموظفين، ليقتربا من المصعد ودخلاه ثم أُغلق الباب عليهما، وبمجرد أن أُغلق الباب وضغط سايلِس زر الطابق المُراد. 

- ماذا كنت تقصد سيد سايلِس بحديثك الذي كنت تٌخبرني به عندما كُنَّا بسيارتك؟ هل كنت تقصد أنني لست ذات قيمة؟

التفت سايلِس برأسه نحوها يُطالعها باستفهام..

- أجبني.

ذلك ماتحدثت به بغضب مكتوم، ولكن سايلِس أجابها ببرود كالصقيع:

- أنتِ تتحدثين بناءًا على ماترين به نفسكِ، لذلك إذا كنتِ ترين نفسكِ دون قيمة فأنتِ حقًا كذلك.

لم تشعر بنفسها سوى وهي ترفع يدها لتقوم بصفعه ولكنه أمسك بكفها بحركة سريعة منه، ثم دفعها نحو جدار المصعد خلفها يضغط بجسده على جسدها وأردفت بصراخ:

- اتركني يا هذا.

تحدث سايلِس بفحيحٍ في المقابل:

- أقسم يا آنسة سيلفانا أن لصبري حدود؛ فأنتِ حقًا لا تعلمين من أنا، أحاول أن أكون ذلك الشخص الراقي والهادئ ولكن صدقيني أسفل هذا القناع ماهو أسوأ بكثير، أتمنى أن تحتفظي بذلك القناع، فإن دُنيا جحيمي أهونُ بكثيرٍ من نارها! 

ابتلعت بارتباك ورعبٍ في آنٍ واحد وهي تنظر في عينيه الغاضبتين، ظلا الاثنان هكذا قريبان من بعضهما أنفاسهما مختلطة، وجهيهما قريبين للغاية، خفف سايلس قبضته على ذقنها لكنها ظلت مُلتفة حولها .. شعرت سيلفانا بقلبها ينتفض بعنفٍ داخل صدرها، لم تفهم لماذا ارتجفت بهذا الشكل هل خوفًا منه؟ أم من تلك النظرة التي تشعر وكأنها تلتهما، كانت عيناه قريبتان للغاية سوداويتين وممتلئتين بشيءٍ خطير جعل أنفاسها تضطرب، حاولت أن تدفعه بعيدًا ولكنها لم تستطع كأنها ذابت تحت نظراته لها وقبضته القوية، لقد كانت مُحاصرة به بالكامل، ارتجفت شفتيها دون وعيٍ منها لتتوقف أنفاسها حينما نزل سايلس بنظره نحو شفتيها ببطء كأن هُناك شيئًا بداخله قد انهار أمامها؛ أما هو فقد كان يحاول التماسك بصعوبة يضغط على فكه بغضب بينما أنفاسه الساخنة تلفح وجهها كأنه يقاتل شيئًا بداخله حتى لا يفعل ما سيندم عليه لاحقًا، لكن قربها وارتجافتها تلك ونظرتها كانت كفيلة بإشعاله.

ليهمس بغضب مكتوم:

- واللعنة.

أوقف المصعد بيده الأخرى قبل أن يصل للطابق المُحدد الوصول إليه واقترب منها ليُحكم يده بقوة على ذقنها لكي لا تستطيع الإبتعاد، ارتجف جسدها بين ذراعيه بينما اتسعت عينيها للحظة قبل أن تنغلقا بضعف تدريجي تحت ذلك الشعور العنيف الذي اجتاحها دفعةً واحدة، ولكنها وضعت يدها على صدره العريض تضغط عليه بضعفٍ ليبتعد عنها وبدلاً من ذلك شعرت بدقات قلبه القوية أسفل يدها، حاولت إبعاده وهو شعر بها ليبتعد عنها بعينين غاضبتين وبضعفٍ منها رفعت يدها وصفعته ولكن صفعتها له لم تكَن قوية، وأردفت بصوتٍ مهزوز:

- إياك أن تقترب مني مُجددًا.

خرجت من حصاره لها بضعف لتقوم بتشغيل المصعد مرة أخرى حيث فُتحت أبوابه خلال ثانية وخرجت بجسد مرتعش من المصعد وفي ذات الوقتِ تائهة، تبحث فقط عن الحمام لكي تُهندِم مظهرها، حاولت إخفاء ملامحها أمام زملائها ونجحت في ذلك، دخلت الحمام وطالعت وجهها بالمرآة كانت حُمرة شفتيها مُلطخة وقامت بغسل وجهها تحاول أن تُخفي تأثير تلك القبلة الجامحة والتي سببت أيضًا في سخونة وجنتيها؛ أما بالنسبة لسايلِس فبمجرد خروجها من المصعد وهو لم يستوعب مافعلته .. لقد صفعته؟ حسنًا هو أخطأ ولكنها من تسببت في استفزاز ما بداخله نحوها بسبب نظراتها تلك وشغبها ذلك و..... هز رأسه نافيًا ليستفيق ويخرج من المصعد بهدوءه المًعتاد ثم ذهب نحو مكتبه.

كان ديميتري جالسًا بسيارته في طريقه للشركة ينظر خارج النافذة نحو الطُرق ولكن وصل صوتها لأذنه حيث قام سائقة بتشغيل برنامجها، بل وسمع تأففه أيضًا ..

- ماذا هُناك إسماييل؟

تحدث السائق بضيق:

- إنهم يقومون ببث حلقاتٍ قديمة سيدي، لا يوجد أي جديد، أخاف أن تكون الآنسة جود قد حدث لها شيء.

تحدث ديميتري بهدوء:

- لا تقلق هي بخير.

تحدث سائقة باستفهام:

- كيف علمت سيدي؟

لاح شبح ابتسامة على وجه ديميتري الذي قال بهدوء:

- لأنك يا إسماييل قمت بتوصيلها أمس إلى منزلها.

- ماذا؟

دُهِشَ السائق من حديثه .. وابتلع وهو ينتبه للطريق متسائلا بهدوء:

- كيف؟ أقصد لم لَم تٌخبرني يا سيدي؟ كنتُ أريد أن ألتقط صورة معها لأجل عائلتي إنهم يحبونها كثيرًا، من كانت من بينهم؟ المُسلمة صحيح؟ 

تنهد ديميتري ثم أردف بنبرة جادة:

- لقد كثًرَت أسئلتك إسماييل قُد بحرص.

ابتلع إسماييل ريقه بصعوبة وأومأ بهدوء ينفذ أوامر سيده .. أما ديميتري فقد كان ينصت بهدوء للبرنامج الذي يُذاع، وأخذ يتساءل هو الآخر:

- لماذا يقومون بإذاعة حلقاتٍ قديمة؟

ابتسمت جوداء عندما رأت إشعار يخص أليكساندر ميخاييل ودُهشت أكثر عندما وجدته قد بدأ بكتابة قصة جديدة ونشر منها فصل واحد.

أخذت تقرأه بابتسامة واسعة منبهرةٍ بكل قصة جديدة يقوم بكتابتها؛ وغير ذلك فهو حقًا يسعى لتطوير ذاته، تنهدت وأخذت تكتب له تعليقًا مثل الباقين.

"إن محتواك رائعٌ للغاية أليكساندر، أتمنى لك التوفيق وأن يعرفك العالم عما قريب."

ثم أغلقت هاتفها حينما شعرت بالملل وأخذت تفكر أين ستذهب اليوم، لأنها لم تعُد تُطيق الجلوس بالمنزل وحدها هكذا، تنهدت لتدخل غرفتها لترتدي ثيابها فهي تنوي أن تتمشى قليلاً وبعد مرور بضع دقائق أغلقت باب الشقة خلفها وهي تلفظ دعاء الخروج من المنزل ثم أخذت تتمشى قليلاً تحرك قدماها شردت بالطريق لتفكر بخصوص بقائها هُنا ولكنها في النهاية لا تصل لأي نتيجة، تلك الحيرة التي لا تنتهي بداخلها؛ لذلك قررت أن تستخير الله قبل أن تنَم بالمساء، مرت أمام متجر مخبوزات وتذكرت المتجر الشهير الذي تحب مخبوزاته جدًا لذلك قررت أن تذهب إليه لتشرب فُنجانًا من القهوة وتتناول بعضًا من مخبوزاته، وفي تلك الأثناء كان ستيفانو يراقب جلوريا الساكنة على طاولتها تبتسم للفراغ، حيث كان يقوم بإعداد كوبين من القهوة ويقوم بتجهيز المعجنات التي سيتناولاها سويًا، تاركًا ماولو منشغلاً بطلبات الزبائن ويتأفف لاعنًا تحت أنفاسه بسبب تحكمات ستيفانو المتغطرس كأنه هو من يمتلك المتجر!

- تفضلي.

ذلك ماقاله ستيفانو وهو يضع فنجاني القهوة أمامها ثم وضع المخبوزات بجانبهما، ثم جلس أمامها مُبتسمًا بهدوء..

- الرائحة شهية.

ذلك ماتحدثت به جلوريا بابتسامة هادئة، همهم ستيفانو وهو يرتشف القليل من قهوته وتناول معها المخبوزات بعدما قام بتقطيعها، بينما توقفت جوداء أمام المتجر بابتسامةٍ واسعة لتدخله لتقترب من الفتى المُراهق الذي يقف في المتجر ..

- مرحبًا.

التفت ماولو نحوها وأردف برسمية: 

- مرحبًا.

تساءلت جوداء بمرح:

- أنت جديدٌ هُنا صحيح؟ لم أركَ قبلاً.

- أجل آنستي جديد أنا وزميلي الآخر.

ثم استأنف بجفاء:

- تفضلي ماهو طلبك؟

تعجبت جوداء من حديثه كأنه يشعر بالضيق:

- مابك يا صغير؟

ولكنها انتبهت أنه ينظر بضيق نحو شابٍ يجلس مع فتاة .. إنها هي الفتاة الكفيفة التي قابلتها من قبل، التفتت جوداء برأسها له وأردفت بهدوء:

- حسنًا أنا أريد......

وأخبرته بطلبها وشعرت به يتأفف ثم تركها ليقوم بتنفيذه .. عقدت حاجبيها بعدم فهم ثم تحركت تبحث عن طاولة لتجلس بها، ولكن المتجر كان مزدحم تنهدت باسستلام، ثم عادت تنظر لجلوريا التي كانت تضحك وتتحدث مع الشاب الذي تجلس معه، التفتت مرة أخرى تنتظر طلبها وأخذت تنظر لقائمة المشروبات والمخبوزات أيضًا لحين انتهاء ماولو من طلبها، كان ستيفانو يتحدث دون توقف مع جلوريا ويهيم بابتسامتها تلك ولكن سُرعان ما اختفت ابتسامته عندما لمح سيارة ديميتري خارج المتجر.

- جلوريا، سأذهب للحمام.

ثم تركها دون أن يضيف كلمة أُخرى تعجبت بسبب ماحدث لثوانٍ ولكنها قررت أن تنتظره بينما تُكمل فطورها، أما بالنسبة لستيفانو فقد اختبأ يراقب دخول ديميتري للمتجر، همس بتعجب:

- ما الذي أتى بديميتري الآن؟! ثم إنه لا يأتي لهذا المتجر أبدًا.

ولكنه ذُهل عندما وجده توقف بجانب فتاةٍ مُحجبة، فُتحت عينيه بصدمة وذهول ..

- مُسلمةٌ يا ديميتري؟ّ!

بينما كانت جوداء تقرأ الموجود بالقائمة..

- لكنتكِ الإيطالية مُمتازة.

توقفت عن قراءتها والتفتت برأسها نحو صاحب الصوت، لتراه يقف بجانبها دون أن تتقابل عينيهما، تنهدت وأغلقت دفتر القائمة وأردفت بهدوء:

- ماذا تُريد؟ لماذا تُلاحقني؟

- أنا ألاحقك؟! حقًا؟؟ بل أنتِ من تظهرين بكل مكانٍ أظهر به.

عقدت حاجبيها بضيق وتقابلت عينيهما للحظات ولكنها هربت بنظراتها بعيدًا عنه وأردفت:

- حسنًا.

صمتت قليلاً ثم استأنفت بهدوء:

- شكرًا لك على مساعدتك لنا بالأمس.

لكنه لم يتحدث إذ أمسك بدفتر القائمة وأخذ يطالعه بهدوء ثم عم الصوت بينهما لثوانٍ قطعه تلك المرة صوته:

- لما لم تذهبي لعملكِ؟

ابتلعت ريقها كأن التوضيح صعبٌ جدًا بالنسبة إليها، لاحظ ديميتري محاولاتها في أن تبقى هادئة، وانتبه على خلو طاولة في المتجر ... 

- هل من الممكن أن نجلس؟

التفتت نحوه برأسها بعدم فهم ولكنها رأته يشير نحو طاولة قد فرغت للتو .. 

- ولم قد أجلسُ معك؟

تسائلت بحيرة جعلت ديميتري يضيق عينيه بهدوء ثم أردف:

- لا بأس، سأجلس أنا.

ثم تركها ليجلس على الطاولة وأشار لأحد رجاله حيث دخل وقام بتنظيف الطاولة ثم عاد ليخرج من المتجر كأن شيئًا لم يكن .. كان ديميتري جالسًا يتصفح القائمة ليختار ما يُريد، ولكنه انتبه على جلوس جوداء أمامه والتي تنهدت باستسلام مُردفة بتلقائية:

- حسنًا إن الأمر يصعُبُ شرحه، ولكنهم قاموا بالإستغناء عني، وذلك لأنني رفضت موعد العمل بالليل، لقد حذرتهم مرارًا وتكرارًا أنني فتاة، لا أستطيع الخروج وحدي في الليل .. ولكنهم أصروا لم يهتموا لما حدث لي في المرتين السابقتين، ياسيد ديميتري.

تحدثت بذلك اللقب بغضب مما جعلت ديميتري ينظر إليها بدهشة لثانية ثم تنهد وهو يقوم بغلق دفتر القائمة:

- إنهم حقًا مروعين، كيف لم يقوموا باحترامك؟

تحدثت جوداء بحماس وغضب في آنٍ واحد موافقة لحديثه:

- أجل هذه هي الحقيقة، لم يقوموا باحترامي، ثم إن كرامتي عزيزة علي! لذلك أنا بصدد قرار العودة لموطني، لأنني أشعر أن ذلك المكان أصبح لا يُشبهني أو هو لا يشبهني منذ البداية بالفعل.

انتبهت جوداء على الفتى وهو يضع طلبها أمامها ثم تحدث لديميتري:

- هل أستطيع أن أعد لك شيئًا، سيدي؟

- لا، أشكرك.

وأشار له ديميتري بالرحيل، أومأ الفتى بهدوء وعاد ليُكمل عمله ثم التفت نحو جوداء المحتقنة وأردف بهدوء:

- أكملي.

- أقول ماذا أم ماذا سيد ديميتري؟ لم يُقَّدروني! لقد أنشأت ذلك البرنامج بصوتي وذلك بعد فضلٍ كبيرٍ من الله، ثم بعد كل ذلك يقومون بالإستغناء عني ولم يحاولوا حتى معي! ثم إنهم يقومون بعرض جميع حلقاتي القديمة.....................

أخذت تقُصُّ عليه ضيقها بسبب مديرها ومكان العمل بطريقتها التي جعلته شاردًا بها قليلاً للحظات ولكنه يستفيق لينتبه لها ولكن سٌرعان ما ثبتت عينيه بعينيها ولكنها لم تكُن منتبهة تمامًا سوى بإفراغِ غضبها في الحديث لقد كتمت ما بداخلها كثيرًا ولكن لا لن تستطيع الكتمان أكثر من ذلك، وبعد أن انتهت رشفت قهوتها والتي أصبحت دافئة وأخذت تتناول قطعة المخبوزات بضيق ..

- إنكِ حقًا غاضبة.

ذلك ماقاله ديميتري بهدوء لتتقابل عينيه مع جوداء والتي هدأت ملامحها قليلاً عندما استوعبت مافعلته! لقد أذنبت وليس مجرد ذنب، بل إنه لذنبٌ عظيم! انتفضت بسرعة تترك الطاولة وأردفت بهدوء:

- أعتذر، أنا آسفة يجب أن أرحل.

ثم رحلت دون أن تترك قيمة طلبها ولكن ديميتري من وضع مبلغ مالي على الطاولة بإهمال وخرج خلفها دون أن يفهم لما هربت هكذا.

- يا آنسة.

ولكنها لم تلتفت له وبحركة تلقائية من ديميتري أمسكها من ذراعها ليجعلها تلتفت نحوه لتنتفض كالملسوعة وأبعدت ذراعها عنه وأردفت بذهول:

- كيف تلمسني؟ ابتعد.

ثم توقف يُطالعها بعدم فهم ولكنها تحدثت بهدوء تحاول التوضيح:

- أنا أعتذر، ولكن هذا مُحرَمٌ في ديني، أن أجلس وأتساير معك على طاولة واحدة ثم نندمج في الحديث بيننا هذا مُحرمٌ حقًا .. أنا حقًا آسفة لأنني من تسببت في ذلك، آسفة.

ثم كررت أسفها بصوتٍ مهزوز وتركته لترحل وتلك المرة لم يوقفها .. كل ذلك حدث بمراقبة ستيفانو لما يحدث وعقد حاجبيه:

- حقًا يا ديميتري؟!

ولكنه تنهد باستسلام وعاد يجلس على طاولته مع جلوريا والتي ابتسمت بهدوء:

- لقد تأخرت ستيفانو.

أردف باعتذار:

- أعتذر حقًا، في ماذا كُنا نتحدث؟

ابتسمت ابتسامة خافتة وتحدثت:

- كنتُ أخبرك أن لدي فحصًا طبيًا اليوم، لأجل قرنيتي.

ابتسم ستيفانو وأردف:

- أجل بالطبع، ما رأيك في أن أذهب معكِ؟

ابتسمت بإحراج:

- ولكنني هكذا أقوم بتعطيلك عن عملك.

أمسك ستيفانو يدها بتقائية وأردف:

- لا، أنت لا تفعلين ذلك حقًا .. هيا دعينا نذهب.

أومأت بهدوء واعتدل يُساعدها لتقف وأشار لماولو أنه سيرحل والذي تنهد بارتياح بدوره.

خرجت سيلفانا من الحمام وقلبها يدق الطبول ولكنها حاولت أن تُهدئ من روعها وتتصرف كأن شيئًا لم يكُن مُحَاوِلةً أن تتجاهل خوفها من رد فعل سايلِس بسبب صفعها إياه، اقتربت من مكتبه بخطواتٍ مذبذبة ثم طرقت على بابه بهدوء لتدلف داخل المكتب ولكنه تحدث بهدوءٍ بارد بمجرد دخولها:

- آنسة سيلفانا لقد تأخرتِ ولدينا إجتماعٌ هام خلال دقائق.

ملامحه هادئة وقاتمة في ذات الوقت، يتصرف كأن شيئًا لم يحدث، ولكن لما تلك القُبلة يا سيد سايلِس؟، القُبلة التي أحرقت قلبي! 

.............................................


تعليقات