رواية قلبي تحت حراستك الفصل الثامن بقلم هاجر عبدالحليم
الصمت كان خانقًا…
لم يكن أحد يتحدث… جميعهم يرمق بعضهم البعض.
إيلين كانت تتنفس بسرعة… عيناها تتنقلان بين آسر وصوفيا…
وفجأة قالت:
— "شايلها قدامي عادي،
وعينيكم مشتاقة لبعض عادي برضو،
وأنا قاعدة بتفرج عليكم انتو الاتنين كأني في فيلم اتفرض عليّا أكون فيه."
آسر نظر إليها بضيق:
— "مش وقته بقى… كفاية أم الفلسفة دي.
أنا خلاص مبقتش عارف أرضيكم إزاي انتو الاتنين.
وبعدين إيه طلقني دي؟
إنتي أصلًا عارفة خطورة الكلمة؟ ولو نفذتها عواقبها عليكي إنتي هتكون عاملة إزاي؟
مش كفاية تسيب ونتكلم بالعقل؟"
إيلين صرخت:
— "هو إنت خليت فيا عقل أصلًا؟!"
صوفيا تحدثت بحدة:
— "إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟"
إيلين لفتت لها بسرعة:
— "إنتي آخر واحدة تسأليني السؤال ده… فالأحسن ليكي تسكتي وبس."
صوفيا بحدة:
— "لا، مش هسكت… أتكلم براحتي.
وبلاش ونبي دور المظلومة ده…
أنا اللي اتخدعت لوحدي."
إيلين:
— "آه… بدل ما يكون عندك دم وكرامة وتبعدي، كملتي معاه!
يا بت، اللي زيك ميقعدوش ثانية واحدة معاه…
بس انتي قيمتك بتبكي في الزاوية… ابقي الحقّيها بقى!"
صوفيا:
— "خديه يا أختي… مش عايزاه."
آسر دخل بينهم بسرعة:
— "هو أنا مش مالي عينكم ولا إيه؟!
عمالين ترموني لبعض زي الكورة!
بطلوا خناق… دماغي هتتفجر!"
إيلين بغيرة:
— "بص في عيني… وقولي إني أهمك أكتر منها."
سكت… لم يكن هناك رد.
إيلين هزت رأسها ببطء:
— "خلاص… فهمت. الرسالة وصلت.
أنا تقيلة عليك…
ولما بكون موجودة حياتك بتتعقد… ومش هتعرف تعيش.
وياريت تعترف بده."
نَفَسها اختل:
— "أنا… مش قادرة أتنفس كويس…
قلبي واجعني…"
وقعت.
آسر جرى إليها بسرعة… أمسكها قبل أن تصطدم بالأرض.
صوفيا تجمدت للحظة…
ثم تحركت فورًا:
— "وسع! سيبني أشوفها!"
ركعت بجانبها… ويدها تتحسس نبضها بسرعة:
— "النبض ضعيف… لازم مستشفى حالًا!"
آسر حملها… وقبل أن يتحرك… نظر إلى صوفيا:
— "محتاجك."
صوفيا توقفت… مترددة نصف ثانية…
ثم مشيت خلفه.
…
باب السيارة انفتح بسرعة…
آسر وضع إيلين بحذر، يده خلف رأسها ليحافظ على ثباتها.
— "حاسس إن إيديها ساقعة أوي…
وشفايفها كأن حد سممها…
كل دقيقة بتعدي من عمرها…
أنا لازم أتصرف."
صوفيا ركبت بجانبه بسرعة، يديها على إيلين تحاول تفوقها:
— "امشي يا آسر! بسرعة!"
انطلقت السيارة… صوت الفرامل والزحام اختفى أمام دقات قلبهم.
آسر مسك المقود بعنف… عروقه بارزة… وعيناه تتابعان الخلف.
— "حاولي تفوقيها عشان خاطري."
صوفيا ردت بسرعة:
— "مش محتاجة توصيني… أنا إنسانة وعندي قلب،
وبحس بالست اللي زيي.
وميرضنيش أبدًا تبقى قدامي واحدة بين الحياة والموت ومساعدهاش…
خصوصًا لو إنسانة ضعيفة."
اقتربت من إيلين… خبطت على خدها بخفة:
— "إيلين… إيلين فوقي…
يا لهوي عليّا يا بت، فوقي بقى!"
مفيش استجابة.
آسر بصوت متوتر:
— "خلاص… أنا قربت أوصل.
صوفيا… أنا مش مطمن…
قلبي مقبوض كأن في حاجة وحشة هتحصل."
صوفيا بهدوء:
— "الواحد لازم يتفاءل خير…
إنت كده بتتعب نفسك.
سيبها على ربنا… وهو قادر يحلها من عنده.
ربنا يطمنك عليها."
…
الثواني مرت وكأنها ساعات.
قدام المستشفى…
آسر نزل بسرعة، حمل إيلين إلى الداخل:
— "حد ييجي! حالة طارئة! بسرعة… مراتي بتموت!"
الممرضون جرىوا نحوهم… أخذوا إيلين بسرعة.
صوفيا وقفت لحظة… تحدق فيهم وهم يبتعدون…
إيدها ارتعشت… لكنها تمسكت بنفسها.
…
بعد قليل…
آسر واقف أمام غرفة الطوارئ… يتجول مضطربًا، يده في شعره… غير ثابت.
صوفيا جالسة على الكرسي… صامتة… عيناها عليه.
— "إيه يا آسر… خيلتني
روح اقعد في حتة…
ولا أقرأ لك قرآن وندعيلها…
بدل ما إنت عامل زي الخيال رايح جاي.
هتتجنن كده… عقلك هيشت يا حبيبي."
آسر توقف… نظر لها:
— "طبعًا… ما إنتي حاطة إيدك في المية الباردة.
ما هي اللي جوة مش تهمك…
تموت، يجرالها اللي يجرى، مش هتهز فيكي شعرة.
دي واحدة عندها قلب…
يعني كل الضغوطات اللي عدت عليها كفيلة تقضي عليها!"
صوفيا بحدة:
— "أنا بس بنصحك…
عشان شايفاك بتجلد ذاتك.
وهي جوا بين إيدين ربنا…
لا أنا ولا إنت نقدر نعمل حاجة غير الدعاء.
ولو وصلت لكده…
فده قدرها…
وكان ممكن توصله بيك أو من غيرك."
…
باب الغرفة انفتح…
خرج الدكتور… وجهه جاد.
آسر تحرك نحوه بسرعة:
— "هي عاملة إيه؟!"
الدكتور نظر إليه:
— "الموضوع بجد مش سهل…
الحالة مريضة قلب،
وجيالنا والنبض أصلًا ضعيف."
قلب آسر سقط:
— "يعني إيه؟"
— "اتعرضت لضغط عصبي شديد…"
صوفيا قامت بسرعة:
— "أدّى لإيه؟ هي مش هتفوق؟"
الدكتور نظر لها:
— "محتاجين نستنى يوم كمان…
لو الحالة استقرت، تبقى أزمة وعدت ونتعلم.
لكن لو لا قدر الله حصل العكس…
نتمنى نصمد قدام قضاء ربنا."
…
الصمت عاد… لكن هذه المرة كان أثقل.
آسر واقف… لا يتحرك… كلام الدكتور يرن في أذنه.
الليل مر ببطء…
آسر واقف، عينه مثبتة على باب الغرفة… كأنه ينتظر حكمًا لا يستطيع تقبله.
صوفيا صامتة… تتبادل نظرات معه، ثم تبصر الأرض محاولة السيطرة على دموعها.
…
فجأة…
جهاز داخل الغرفة أصدر صوتًا حادًا ومختلفًا، غير متوقع.
آسر انتفض… وقف:
— "انتي سمعتي صوت؟ في صوت جاي من أوضة إلين!"
باب الغرفة انفتح بسرعة…
ممرضة خرجت، تصرخ بقلق:
— "دكتور بسرعة! الحالة ف خطر! النبض وقف خالص!"
قلب آسر سقط… كأن الأرض اختفت من تحته:
— "مستحيل… مش ممكن… لااااا!"
ركض نحو الباب… لكن أحدهم منعه:
— "ممنوع تدخل حضرتك!"
صوته انكسر… مرتعش:
— "دي مراتي! وهدخل! محدش يقدر يمنعني… هي دلوقتي مرعوبة ومستنياني!"
دموعه سالت… صوته يرتجف:
— "سيبوني بقااااا!"
صوفيا تقدمت بحذر… أمسكت بذراعه:
— "استنى يا آسر… بلاش تزعق… احنا ف مستشفى كده… غلط!"
لكنه دفع يدها بعنف:
— "ابعدي عني… عايز اروح لإلين…"
داخل الغرفة…
الأطباء مجتمعون… أجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة… ترتفع ثم تهبط، ثم تطول… كأن الزمن توقف.
آسر واقف بالخارج… نفسه متقطع… عروقه بارزة… صوته متكسر:
— "لا… لا… لا… ابوس إيدك… لا… بلاش تحمليني ذنب تاني… أنا مش قده…"
الكلمات تتكرر بلا وعي… الألم واضح… عيناه مليئتان بالرعب والانكسار.
صوفيا واقفة بجانبه… تحاول السيطرة على نفسها… دموعها بدأت تنهمر بغصب عنها.
…
ثوانٍ… كأنها عمر كامل…
وفجأة—
الصوت تحول إلى خط مستقيم.
طاااااااااا…
الصوت قطع كل شيء… صمت مطبق… كأن الكون كله توقف.
آسر جمد…
— "…"
لا صوت… ولا نفس…
خرج الطبيب… وجهه جاد بلا أي تعبير… نظر إلى آسر، ثم قال بصوت هادئ وقاتل:
— "البقاء لله."
الكلمة سقطت… وكأن الأرض اختفت تحت أقدام آسر.
نظر إليه وكأنه لم يسمع…
— "إيه؟"
الدكتور خفض عينه:
— "حاولنا… بس القلب وقف."
سكت… ثم قال:
— "آسف."
ومشى.
…
آسر بقي واقف… غير قادر على الحركة… عينيه مثبتتان على الباب… جسده متجمد.
صوفيا نظرته… قلبها متقطع… وانفجر عياطها بغصب عنها:
— "آسر… بالله عليك بصلي…"
فجأة—
ضحك… ضحكة خفيفة… غريبة… غير مناسبة… مليئة بالألم والصدمة…
نظر إلى الباب كما لو كان يخاطبها:
— "هي بتخاف من الضلمة… بتخاف من الناس… هي مش هتموت… مش هتعمل فيا كده… لازم اتكلم معاها… غصب عن الكل…"
…
داخل الغرفة…
إيلين نائمة… وجهها هادئ… جامد وبارد.
آسر اقترب ببطء… قلبه يتقطع… جلس بجانبها… لمست يده يدها… باردة كالثلج.
سحب يده بسرعة… كأنه اتلسع.
ضحك مرة أخرى… دموعه تتدفق بلا توقف:
— "بتتدلعي عليا…"
هزها برفق…
— "هزارك وحش… انتي حتى خليتي الدكاترة يضحكوا عليا… أكيد رشيتيهم عشان يقولوا الكلمتين الخايبين دول…"
مفيش رد.
صوته بدأ يتكسر… الكلمات تخرج بصعوبة… جمر الألم ينهش صدره.
اقترب أكثر… جبينه لمس يدها… شعر بالفراغ…
— "أنا قولتلك… مش هسيبك…"
نفسه اختنق…
— "إنتي اللي سبتي… اهو… ومش هترجعي تاني أبداً…"
سكت… ثانية… اثنتان… وفجأة—
صرخ وهو يأخذها في حضنه:
— "إلييييييييييييين!"
صوت نابع من قلبه… وجع صافي… بلا تمثيل… كل إحساسه محترق بالكلمات.
مسك يدها… ضغط عليها… دموعه تنهمر بغزارة:
— "قومي! والله ما هزعلك… ولا هغلط في حقك تاني… هعمل كل اللي إنتي عايزاه! بس قومي!"
صوت آسر يهتز… جسده كله يرتجف…
— "أنا آسف… سامحيني… سامحيني عشان خاطري…"
لكنها… ساكنة… هادئة… النهاية واضحة… بدون رجعة.
…
خارج الغرفة…
صوفيا واقفة عند الباب… غير قادرة على الدخول… دموعها تتساقط بغصب عنها…
إيدها على بطنها… قلبها متقطع…
— "معقول ماتت بسببي؟"
رجعت خطوة إلى الوراء… كأنها لا تحتمل رؤية النهاية… ثم خرجت من المستشفى… وكأن العالم كله توقف حولها.
…
داخل الغرفة…
آسر وضع رأسه على يد إيلين… غارقًا في دموعه… همس بصوت خافت:
— "أنا كنت هختارك… والله كنت هختارك…"
سقطت دمعة على يدها الباردة…
— "بس… الموت خدك مني بدري…"
.....
بعد مرور شهرين من موت إلين، حبس آسر نفسه في القصر، غير قادر على التحدث مع أحد، مكتفيًا بشغله فقط، وقلبه يتمزق من فراق إلين وخسارة صوفيا. مضى أكثر من شهرين دون أن يعرف عنها شيئًا.
في إحدى الليالي، كان الصمت يخيّم على المكان، لكنه كان مزدحمًا داخليًا، دوشة صاخبة تتردد في أعماقه.
جلس آسر، منحنيًا إلى الأمام، يضع يده في شعره ويشدّه بعنف، كأنه يريد إيقاف عقله عن التفكير. فجأة صرخ:
— "البيت فاضي ليه؟!
مبقاش فيه روح ليه؟!
راحت فين؟!"
تنفّساته متقطعة، ينظر حوله كما لو كان ينتظرها أن تظهر من أي زاوية:
— "أنا خسرت الاتنين…
كنت فاكر إني أقدر أوازن بينكم…
أدي لكل واحدة حقها…
بس طلعت لا بعرف أحب… ولا حتى بعرف أختار…"
ضحك ضحكة مكسورة:
— "لا… وغبي كمان."
رفع وجهه، عيناه حمراوان مليئتان بالرعب والندم:
— "تعرفي؟ أنا فهمت الدرس…
متأخر… بس فهمته."
صوته أصبح واطيًا، أقرب إلى الرجاء:
— "لو ترجعي دقيقة بس…
دقيقة واحدة… وتبقي قدامي…
هعرفك إنك مش عبء… ولا ذنب…
إنتي كنتي… كل حاجة."
انهمرت دموعه وهو يواصل:
— "كنتي طفلة متعلقة في إيد واحد…
وأنا سيبت الإيد دي تقع…"
قرب يده من صدره وضربه بعنف:
— "شايفة قلبي؟!
أهو اتكسر… ميت حتة…
نفس وجعك… بالظبط… أنا حاسس بيه دلوقتي."
صوته احتب:
— "حقك عليا…
سامحيني يا بنت عمي…"
قام فجأة، خبط على الترابيزة… الكوباية وقعت وتحطمت… صوتها دوّى في المكان… لكنه لم يلتفت إليه:
— "اتخطفتي من بين إيديا…
كنتي بتتألمي قدامي… وأنا طنشت!
شايفك… سامعك… بس ولا كأني شايف ولا سامع!"
ارتفع صوته، أصبح هستيريًا:
— "كنتي مستنية كلمة…
كلمة واحدة مني… صادقة…
وأنا كنت بخاف أقولها!"
وقف، نفسه يتسارع، عيناه ملؤها الجنون:
— "دلوقتي افرحي…
ربنا جابلك حقك…"
ضحك بمرارة:
— "أنا خسرتك… وخسرتها…
خسرتكم انتوا الاتنين…"
سكت لحظة، ثم صرخ:
— "أعمل إيه دلوقتي؟!
أعيش لمين؟! وليه؟!
أعاقب نفسي إزاي؟!
أوجع نفسي قد إيه عشان كفاية؟!"
وضع يده على رأسه، شد شعره بعنف:
— "صوتك مش راضي يسيبني…
كل ثانية… كل نفس… إنتي…"
فجأة سكت… والدموع تنهمر… بلا صوت.
وبهدوء مرعب قال:
— "أنا مش هنساكي…
ولا هخف من ذنبك…
وأنا أستاهل ده…"
غمض عينيه… ونفسه خرج ثقيلًا:
— "بس يا ريتك… كنتي استنيتي ثانية كمان…
كنت هقولها… والله كنت هقولها…"
عاد الصمت… لكن هذه المرة كان هناك رجل محطم من الداخل، بلا شيء يعيده كما كان.
كان باب الشقة مواربًا، وصوفيا واقفة خارجه، تسمع كل كلمة:
— "كنت هقولها… والله كنت هقولها…"
انهمرت دموعها، لكنها لم تستطع التحمل، دفعت الباب ببطء، والصوت أحدث صدى خفيفًا في المكان الساكن، ساكن لدرجة أن كل نسمة هواء كانت مسموعة.
آسر لم يلتفت في البداية، حتى رفعت صوتها المهزوز:
— "آسر"
جسمه تجمد، وكأن الوقت توقف، لف ببطء، وعيناه وقعتا عليها… سكت… كما لو لم يستوعب ما يرى.
— "صوفيا"
صوته خرج بالعافية، مكسور، مليء بالدهشة والوجع:
— "إنتي رجعتي بجد ولا أنا اللي بقيت بهلوس من كتر قعدتي ف بيت طويل عريض لوحدي… مش بسمع غير صدى صوتي وانا بتكلم…"
اقتربت صوفيا خطوة، عيونها مليئة بالدموع، لكن فيها ثبات غريب، وقلبها يخفق بحذر، وصوتها حاد بالراحة:
— "أنا جيت عشان اخد حاجتي…"
سكتت لحظة، ثم أكملت بهدوء:
— "عايزة اقولك اني بعد ما مشيت من المستشفى عندك سافرت مع يامن وعملت العملية."
آسر رمش… غير مصدق، قلبه بدأ يدق بسرعة، رأسه عاجز عن الاستيعاب:
— "سافرتي؟ وعملتي العملية؟!"
صوفيا ابتسمت ابتسامة خفيفة تلمع في عينيها:
— "اه… كنت متوترة… غير التردد اللي كان بييجيلي من وقت للتاني… بس قويت نفسي… وقلت مش هخسر… على الأقل لو موت… ارتحت. كان نفسي انت تبقى تتصل وتعرف اخباري… بس محدش بياخد كل اللي عايزه… يلا الحمد لله… بس هبشرك… رغم اني كنت هموت فعلا ف غرفة العمليات… بس لحقوني ع آخر لحظة…"
الكلمة نزلت عليه كأنها حياة بعد موت، صوته كاد يختنق من الفرح، وعيناه اتلمعت لأول مرة منذ أيام…
آسر اقترب خطوة، عينيه مليئة بالدموع والفرحة المختلطة بالصدمة:
— "نجحت؟ بجد؟!"
صوفيا هزت رأسها: آه… وفجأة انفجر، ضحك وهو يبكي، ارتجف، ركض نحوها، مسك يدها، حضنها بكل قوته:
— "الف مبروك يا حبيتي… الف مبروك… فرحتلك والله… انتِ تستاهلي تكوني أم… كفايا حنيتك اللي لو اتوزعت على الدنيا كلها هتفيض لدنيا تانية!"
صوفيا بصت له متأثرة، قلبها مليء بالدموع والفرحة:
— "أنا كويسة… كويسة أوي دلوقتي…"
سكت فجأة… والفرحة في عينيه اختلطت بالوجع:
— "جيتي عشان تاخدي حاجتك؟"
ضحكت صوفيا بخفة، ابتسامة هادئة:
— "بصراحة… لا… دي حجة."
آسر نظر إليها بعينين صادقتين، صوته مليء بالرجاء:
— "يارب يكون اللي ف بالي صح…"
صوفيا قبضت على يده برفق، وقالت بابتسامة مليئة بالثقة:
— "صح… بس ممكن ندي لنفسنا فرصة نتنفس من كم الضغوطات دي."
آسر هز رأسه، ويده لا زالت ماسكة إيدها… والصمت هذه المرة كان مليئًا بالحياة، بداية جديدة، وأمل متجدد.
في غرفة النوم، جلست صوفيا، تفرك يديها، غير متأكدة من وجودها هناك، لكنها كانت بحاجة لرؤيته.
خُبط الباب، وكان آسر:
— "آسر… ممكن أخش؟"
صوته حذر ومتردد.
— "طبعا… تعالي."
وقف آسر عند الباب:
— "أنتِ مش هتغيري ولا اي؟ بقالك ساعة باللبس دا!"
صوفيا قامت وقالت:
— "هغير… دلوقتي."
قبل أن تذهب للحمام، التفتت له ورجعت وجلست تتأمل فيه:
— "إيه… بتبصيلي كدا ليه؟ شكلي في حاجة غلط؟"
آسر ارتبك قليلًا.
ابتسمت صوفيا، عيونها مليانة حنية وخفة:
— "آه… دقنك مستفزة أوي. من إمتى وانت بتسيبها بالشكل ده؟"
آسر بحرج:
— "أصل بصراحة الفترة دي مش مهتم بنفسي أوي."
صوفيا تقدمت خطوة، جادة ومهتمة:
— "أنا مش حابة أشوفك في الحالة دي."
ضحك آسر بخفة:
— "طيب… أغير الاستايل كله طالما مش عجبك؟"
ابتسمت صوفيا ابتسامة صغيرة:
— "بالظبط… ده اللي هيحصل."
بعدها مدت يدها بهدوء وحنان:
— "تعالى… هحلقلك دقنك."
آسر اقترب، وابتسم لأول مرة من قلبه.
صوفيا جلست أمامه، تحمل الشفرة الصغيرة، تحلق له دقنه بهدوء، ويدها ممسكة بيده برفق.
آسر حنّ بجسده قليلًا، وعيونه مليئة بالدموع:
— "بجد… كنت محتاج دا…"
صوفيا رفعت رأسه، نظرت له بعينين مليئتين بالحنان والحزم:
— "لازم تفوق… بقالك شهرين نفسيتك زي الزفت… خلاص… الحياة مش هتقف على حد. الله يرحمها… أنا مش بقولك تنساها… ربنا يعلم إنك عملت كل اللي عليك لحد آخر لحظة."
آسر رجع رأسه لأسفل، صوته يهتز من الوجع:
— "كانت مريضة قلب يا صوفيا… يومين بس ضغوطات مقدرتش عليها… وقف قلبها من كتر الزعل… غمضت عينيها… معرفتش تفتحها تاني."
صوفيا قربت منه أكثر، حطت يدها على خده وهو يتنفس بصعوبة، وابتسامة رقيقة ظهرت على شفايفها:
— "آسر… يا حبيبي… افتكرها دايمًا… ادعيلها… طلعلها صدقة… والله… انت م ليك ذنب… انت عملت اللي عليك لحد آخر لحظة… وربنا يشهد."
آسر رفع عينيه عليها، دموعه بدأت تتلألأ، لكنه ابتسم بخفة لأول مرة منذ شهور
— "تفتكري… هقدر أتخطي؟"
صوفيا قربت منه أكثر، لفتت يده في يدها وهي مستمرة بحلق دقنه، وكأن لمستها تقول له كل شيء بلا كلام…
آسر بعد الشفرة من إيدها، ونظر إليها بحب واحتياج، حضنها جامد، وهي استسلمت للحظة دي.
.....
كانت الغرفة هادئة… لكن قلبيهما لم يكونا كذلك.
وقفت صوفيا أمامه، عيناها معلقتان به، فيهما رهبة خفيفة، لكن خلفها ثقة واضحة.
اقترب آسر خطوة، وصوته منخفض:
— "متوترة؟"
ابتسمت بخجل:
— "شوية بصراحة."
رفع حاجبه بخفة:
— "طب ده كويس… عشان أنا كمان متوتر."
ضحكت ضحكة خفيفة كسرت التوتر:
— "دي جديدة عليّا."
اقترب أكثر، حتى كادا يلتصقان:
— "أصل إحنا أهو مع بعض… وجودك معايا حاسس إنه إداني حياة جديدة… بعد ما كنت شخص ميت."
صمتت لحظة، وقلبها يخفق أسرع…
— "آسر…"
ابتسم بحب:
— "قلبه ونور عيونه."
نظرت إليه بثبات:
— "أنا عايزة أكون معاك."
لانت ملامحه كثيرًا:
— "متأكدة؟"
مدّ يده وأمسك يدها، وضغط عليها برفق:
— "عايزانا نتمم جوازنا سوا؟"
هزّت رأسها مبتسمة:
— "أيوه… أنا مستعدة."
خرجت الكلمة هادئة… لكنها مفعمة بالإحساس.
عندها اقترب أكثر، ووضع يده حول خصرها، وجذبها إليه برفق…
ثم، بحركة سلسة، حملها بين ذراعيه.
شهقت بخفة وهي تتمسك به:
— "بتعمل إيه؟!"
ابتسم وهو يحملها:
— "متخافيش."
ظلت عيناها عليه، وقلبها ينبض بسرعة، لكنها كانت مطمئنة.
خطا بها بضع خطوات، ثم وضعها على السرير برفق شديد، كأنها شيء ثمين.
وقف لحظة يتأملها، بينما جلست أمامه، وأنفاسها متسارعة قليلًا.
جلس بجوارها بهدوء، تاركًا مسافة صغيرة بينهما…
— "مش مصدق إن كلها ساعات… وتكوني بين إيديا."
نظرت إليه وهزّت رأسها:
— "هتوجعني؟"
اقترب بيده من وجهها، وأزاح خصلة من شعرها عن عينيها:
— "إنتي جميلة أوي… وأنا مستحيل أوجعك… بالعكس… هكون حنين عليكي أوي."
خجلت، وأدارت وجهها قليلًا:
— "يا لهوي… بجد على بصتك دي."
ضحك بهدوء:
— "مالها بصتي؟"
عادت تنظر إليه:
— "كأنك مش شايف غيري في الدنيا."
أجاب فورًا، بصوت صادق:
— "ما إنتي كده فعلًا."
ساد الصمت لحظة…
مدّ يده، وأمسك يدها، وقبّلها برفق…
ثم اقترب منها ببطء…
وتركت لهما اللحظة نفسها، بلا خوف، بلا كلمات إضافية…
بإحساس واحد واضح:
حب… وأمان… وبداية جديدة بينهما.
انتهت احداث الرواية نتمني أن تكون نالت اعجابكم وبانتظار آراءكم في التعليقات شكرا لزيارتكم عالم روايات سكير هوم
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
