رواية سر المشرحة كاملة جميع الفصول بقلم مصطفى محسن
أنا الدكتور مجدي عبد الوهاب، عندي ٤٥ سنة، طبيب شرعي بقالي أكتر من ١٥ سنة بشتغل في المهنة اللي ناس كتير بتشوفها مخيفة، لكن بالنسبة لي كانت رسالة قبل ما تكون وظيفة. متجوز من هناء، الست اللي استحملتني بكل ضغوطي وعصبيتي وغيابي الطويلة عن البيت، وعندي ابن اسمه يونس، وده أغلى حاجة ربنا رزقني بيها، بل أقدر أقول من غير مبالغة إنه الحاجة الوحيدة اللي حسيت إني طلعت بيها من الدنيا. كنت دايمًا بقول لنفسي إن الإنسان ممكن يخسر أي حاجة إلا أولاده، لأن فقدانهم مش مجرد وجع، ده موت من نوع تاني. طول عمري كنت مؤمن إن الحقيقة أهم من أي شيء، وإن الطبيب الشرعي لو خان ضميره يبقى شريك في الجريمة، لكن اللي حصل في الليلة دي خلاني أفهم إن الإنسان مهما كان قوي، بييجي عليه وقت ينهار قدام نقطة ضعفه الوحيدة. الساعة ٠٢:٢٥ جالى اتصال من المستشفى وبلغونى ان فيه جثة رجل اعمال مشهور ولازم اروح المشرحة حالا قومت لبسة ونزلت من البيت الاجواء كانت شتوية كل البيوت مقفلة ومايش حد فى الشوارع، ركبت عربيتى ووصلت المستشفى.
-
في البداية اعتبرت الموضوع روتيني جدًا، مجرد حالة وفاة هفحصها وأكتب التقرير وأرجع بيتي. قرأت الاسم على بطاقة الجثة. كان سلطان الزين. الاسم ده معروف في البلد كلها. رجل أعمال من العيار الثقيل، يملك شركات وأراضي وعلاقات مع شخصيات نافذة، والناس كانت بتقول إن كلمة منه ممكن تغيّر مصير ناس كتير. دخلت غرفة التشريح، وكشفت الغطا عن الجثة. كان راجل في منتصف الأربعينات، بدأت الفحص بدقة، وبعد دقائق اكتشفت أثر رصاصة واضحة في الصدر. كملت التشريح، وكل المؤشرات أكدت إن الوفاة نتيجة طلق ناري مباشر أدى إلى نزيف حاد ووفاة شبه فوري. مسكت التقريرالمبدئي لقيته كاتب إن الوفاة بسبب أزمة قلبية مفاجئة. قلت لنفسي: "واضح إن في حد مش فاهم طلع التقرير ده بدات اشك ان فيه حاجة غلط." رجعت مكتبي، وبدأت أكتب التقرير الحقيقي. كنت مركز في كل حرف، لأن أي كلمة هكتبها هتحدد مصير القضية. كتبت بوضوح: "سبب الوفاة: طلق ناري نافذ في الصدر." وقبل ما أوقع التقرير، رن التليفون. رقم مجهول. رديت:
-
"ألو." جالي صوت من راجل هادي جدًا، لكن نبرته كانت تخوف: "مساء الخير يا دكتور مجدي. ياريت التقرير يثبت إن الوفاة طبيعية." قلت له بعصبية: "إنت مين؟" رد من غير تردد: "واحد بيحاول يحافظ عليك." قفلت السكة وأنا متضايق، وقلت في نفسي الموضوع ده شكله كبير بس مهما ضغطوا عليا مش هغيّر الحقيقة. فجاة التليفون رن تاني رديت قولت الو. نفس الصوت قال: "بص من الشباك." قمت وأنا متوتر، وقربت من الشباك المطل على الشارع الجانبي للمشرحة. شفت مراتي هناء ماسكة حضنة يونس. كانوا جوا عربية سودا ومسكينهم اتنين رجالة. حسيت إن قلبي وقف. صرخت بكل قوتي: "يوووونس!" لكن الصوت رجع في التليفون وقال: "قدامك عشر دقايق تغيّر التقرير، وإلا مش هتشوفهم تاني." في اللحظة دي حسيت إني اتكسرت. طول عمري كنت شجاع في شغلي، لكن قدام ابني كنت ضعيف جدًا. قعدت على الكرسي وبصيت للتقرير اللي كتبته. الورقة دي كانت بتمثل الحقيقة، لكن الحقيقة أحيانًا بيكون تمنها أغلى من قدرة الإنسان على الاحتمال.
-
افتكرت ضحكة يونس، وطريقته وهو بينام في حضني، وكلمة "بابا" اللي كانت بتنسيني تعب الدنيا كلها. وبعد صراع مرير، ركنت التقرير الأصلي وكتبت تقرير جديد: "سبب الوفاة: أزمة قلبية مفاجئة." بعد أقل من ساعة رجعت هناء ويونس البيت. يونس جري عليا وهو مرعوب وقال: "بابا، الناس دول كانوا وحشين أوي." حضنته بقوة وأنا حاسس إن جزء مني كان مفقود. في اليوم التالي اتقفلت القضية رسميًا واتدفن سلطان الزين، واتدفنت معاه الحقيقة. لكن الحقيقة زي النار تحت الرماد، ممكن تفضل ساكنة سنين طويلة، لكنها في لحظة واحدة تشتعل وتحرق كل شيء. مرت الأيام والسنين، وكبر يونس قدام عيني. من طفل صغير بيستخبى في حضني إلى شاب قوي التحق بكلية الشرطة، وبعد سنوات بقى ضابط مباحث معروف بذكائه وشجاعته ونزاهته. كنت كل ما أشوفه ببدلته الميري أحس بفخر كبير، لكن الفخر كان ممتزج بذنب بيخنقني. كنت عارف إن ابني بيحارب المجرمين كل يوم، بينما أبوه في يوم من الأيام ساعد مجرمين على الإفلات من العدالة.
-
الذنب ده كان بياكل من قلبى كل ليلة. كنت أصحى مفزوع وأنا شايف سلطان الزين في أحلامي، واقف قدامي وهدومه ملطخة بالدم، ويبص لي بعينين مليانين عتاب ويقول: "ليه خنت الأمانة يا دكتور؟" ومع مرور الوقت بدأت صحتي تتدهور. آلام في صدري، أرق مستمر، وإحساس داخلي إن نهايتي قربت. وفي يوم، وأنا قاعد لوحدي في المكتب، فتحت درج وأخرجت مفتاح الخزنة اللي خبأت فيها الحقيقة طوال ثلاثين سنة. واتصلت بيونس وقلت له: "تعالى يا ابني، عاوزك في موضوع مهم." وصل يونس بسرعة، وأول ما دخل لاحظ الإرهاق في ملامحي. قعد قدامي وقال: "مالك يا بابا؟" بصيت له وحسيت إن اللحظة اللي هربت منها طول السنين وصلت أخيرًا. قلت له: "أنا غلطت غلطة كبيرة، وخايف أموت وذنبها في رقبتي." يونس قال: "غلطة إيه يا بابا؟" حكيت له كل حاجة. من لحظة وصول جثة سلطان الزين، لاكتشافي إنه مقتول، لخطفك أنت وأمك، ولحظة ضعفي اللي غيّرت التقرير فيها.
-
كان يونس نظراته كانت مليانة صدمة ووجع. قال: "يعني واحد اتقتل، واللى قتلة عاشوا كل السنين دي أحرار؟" نزلت دموعي لأول مرة قدامه وقلت: "كنت خايف عليكم. سامحني يا ابني. مديت يدي وأعطيته مفتاح الخزنة. قلت له: "افتح الخزنة وهتلاقي ملف باسم سلطان الزين. فيه كل الحقيقة، والأدلة اللي احتفظت بيها طول السنين دي." يونس خد المفتاح، وبص في عيني وقال: "أوعدك يا بابا، لو المجرمين دول لسه عايشين، هجيبهم بنفسي." ابتسمت لأول مرة منذ سنوات، وحسيت براحة بسيطة دخلت قلبي. يونس وقف وهو معاه المفتاح، وقرب من الخزنة وفتحها وطلع ملف مكتوب عليه تقرير سلطان الزين فتح الملف من قبل ما يعرف إن الملف اللي هيفتحه مش بس هيكشفله سر جريمة قديمة، ده كمان هيفتح عليه أبواب حرب خطيرة مع عيلة معاها فلوس ونفوذ وما تعرفش الرحمة.
-
