رواية خيانة تحت سقف واحد ( كاملة جميع الفصول ) بقلم هاجر سلامه

 


رواية خيانة تحت سقف واحد كاملة جميع الفصول بقلم هاجر سلامه 

كان السكون يلفُ أرجاء الشقة الأنيقة، إلا من صوت طنين خفيف لآلة التنبيه في الخارج، وصوت ارتطام الصحون ببعضها في المطبخ. 
وقفت رحيل أمام الموقد، تتفقد اللمسات الأخيرة لمائدة العشاء التي أعدتها بحبٍ وصبر. 
كانت ترتدي فستاناً منزلياً بسيطاً يبرز رقتها، وقد صففت شعرها بعناية، ورسمت على وجهها ابتسامةً عذبة تخفي خلفها إرهاق يومٍ طويل في ترتيب المنزل.

كانت تظن في قرارة نفسها أن "حمدي" ليس رجلاً قاسي القلب، بل هو فقط "قليل الكلام" أو ربما لم يتعلم بعد كيف يترجم مشاعره إلى كلمات، فقررت أن تكون هي المبادرة دائماً بالود.

دخل حمدي من باب الشقة، يلقي بمفاتيحه على الطاولة بإهمال، ووجهه يرتسم عليه تجهمٌ غريب، وكأن جدران المنزل تضيقُ عليه بمجرد دخوله.

اقتربت منه رحيل بلهفة وهي تقول: "حمد الله على سلامتك يا حبيبي، وحشتني.. الأكل جاهز، عملتلك النهاردة كل الأصناف اللي بتحبها.

"لم ينظر إليها، بل توجه مباشرةً نحو الأريكة وجلس وهو يزفر بضيق.
 لم تستسلم رانيا، بل جلست بجانبه وبدأت تحكي بصوتٍ هادئ: "عارف يا حمدي، النهاردة عديت على ماما هبة، كانت فرحانة بيا أوي وقعدنا نضحك، وبعدين نزلت اشتريت الخضار، وقابلت أختي وبقينا نخطط لـ..."

فجأة، قاطعها حمدي بصوتٍ جهوري اهتزت له جدران الغرفة، والتفت إليها بعينين تملؤهما الحدة والنفور:"بقولك إيه؟ أنا مش طايق أسمع صوت نفسي! إيه الرغي ده كله؟ وجعتي دماغي من أول ما دخلت.. هو مفيش وراكي غيري؟

"تسمرت رحيل في مكانها، وشعرت وكأن صفعةً قوية لُطمت بها روحها قبل وجهها.
 ابتلعت غصتها وقالت بصوت مرتعش:"أنا بس كنت بحكي لك يومي مشي إزاي.. مكنتش أعرف إن كلامي بيضايقك يا حمدي.

"وقف حمدي فجأة، وأشار بيده نحو الباب ببرودٍ قاتل:"بقولك إيه، خدي شنطتك وروحي عند أمك شوية.. أنا محتاج أقعد لوحدي، صداع وقرف مش عايز كلام زيادة.. يلا!

"ظلت رحيل تنظر إليه بذهول، تجمعت الدموع في عينيها لكنها أبت أن تسقط أمامه. 

نظرت إلى مائدة الطعام التي لم تلمس، وإلى الشموع التي أطفأها برود كلماته قبل أن يشتعل لهبها.

انسحبت بهدوء نحو غرفتها، لم تنطق بكلمة واحدة، بل لملمت القليل من أشيائها وهي تشعر بوخزة في قلبها تخبرها أن هذا الهدوء الذي يطلبه، خلفه عاصفة ستقتلع استقرارها قريباً.

 لم تكن تعلم أن ذهابها لبيت والدتها هذه المرة، سيكون بداية النهاية لحلمٍ ظنت أنه سيستمر للأبد.خرجت من باب الشقة

 بينما كان هو قد أشعل سيجارته وأمسك بهاتفه، يبتسم لشاشة الهاتف ابتسامةً لم ترَها رانيا طوال شهور زواجهما

تسلل الليلُ بخيوطهِ الرمادية إلى أركان المنزل، بينما كانت رانيا تسير في ردهة بيت والدتها شاردة الذهن، قلبها لم يطاوعها على البقاء بعيداً، كانت تلوم نفسها قائلة: "ربما كان مضغوطاً في عمله، ربما أثقلتُ عليه بحديثي التافه". 

قررت أن تعود لتصالحه، اشترت في طريقها الحلوى التي يحبها، وكانت المفاتيح ترتعش في يدها وهي تفتح باب الشقة بهدوء، ظناً منها أنها ستفاجئه بوجودها.لكن الصمت الذي خيّم على الشقة لم يكن صمتاً مريحاً، بل كان مشحوناً بأنفاسٍ غريبة.

 سمعت ضحكةً أنثوية رقيقة تأتي من جهة غرفة المعيشة، ضحكة لم تكن غريبة عليها تماماً، لكنها كانت في غير محلها.

 تيبست الدماء في عروق رحيل، سقطت علبة الحلوى من يدها لترتطم بالأرض مُحدثةً صوتاً شق سكون المكان.

اندفعت نحو الغرفة لتجد المشهد الذي ذبح كرامتها؛ حمدي يجلس وبجانبه فتاة يمسك يدها، تلك الفتاة التي طالما حذرتها منها حماتها . حبيبة الماضي التي ادعى أنها صفحة وطواها.

صرخت رحيل صرخةً مزقت نياط قلبها:- "حمدي!! إيه اللي بيحصل هنا ده؟ أنت بتعمل إيه في بيتي ومع مين؟

"ارتبك حمدي للحظة، لكنه سرعان ما استعاد بروده، بينما وقفت الفتاة بتحدٍ تنظر لرانيا بشماتة.

 في تلك اللحظة، كانت الحماة "هبة" قد صعدت على صوت الصراخ، دخلت لتجد الكارثة أمام عينها.
اندفعت هبة نحو ابنها، وجذبت الفتاة من يدها بعنف وهي تصرخ:- "يا خيبتك يا حمدي! بتعمل كدة في مراتك؟ وفي بيتها؟ اطلعي بره يا بت أنتي، مش عايزة أشوف وشك هنا تاني! 

"نظرت هبة لرحيل التي كانت تنهار أرضاً وهي تنتحب، ثم التفتت لابنها بغضب:- "مشيها يا حمدي.. مشيها فوراً وإلا مش هتعرفني!

"وقف حمدي بكل جبروت، ولم ينظر حتى لدموع زوجته، بل قال بلهجة قاسية ومستفزة:- "محدش هيمشي.. اللي مش عاجبه الباب يفوت جمل! رحيل، اسمعي بقى عشان أنا زهقت من التمثيل.. أنا أصلاً متجوزك غصب عني عشان أرضي أمي، لكن قلبي وعقلي مع دي."أشار للفتاة التي تقف بجانبه وأكمل:- "أنا مش بحبك ولا عمري هحبك، والبت اللي أنتي شايفة إنها غلط دي تبقى حبيبتي اللي كان نفسي أتجوزها لولا ضغط أمي، وكام شهر كدة وهطلقك وهتجوزها هي.. فهمتي ولا لسه؟

"شعرت رحيل وكأن الأرض تدور بها، الرؤية أصبحت مشوشة، وصوت نبضات قلبها يطرق في أذنيها كطبولٍ مزعجة. لم تتحمل صدمة الخيانة مع صدمة الاعتراف بالجفاء، فخارت قواها وسقطت مغشياً عليها قبل أن تكمل صرختها الأخيرة.

هجمت هبة على ابنها تلطم صدره بقهره:- "يا ظالم! بتضيع بنت ناس زي دي عشان واحدة باعت نفسها ليك ولغيرك في الحرام وهي لسه آنسة؟ والله لتدفع ثمن غدرك ده غالي، وهتلف وتدور وترجع تندم يوم ما الندم مش هينفعك!

"نظر حمدي لوالدته بلامبالاة، وأمسك بيد الفتاة وسار نحو الباب قائلاً:- "وفري نصايحك يا أمي.. أنا عارف أنا بعمل إيه كويس."

خرج وترك خلفه حطام امرأة، وأماً تبكي على ضياع ابنها في طريق الغواية. وبعد دقائق، بدأت رانيا تستعيد وعيها ببطء على رائحة العطر القوي الذي كانت تحاول حماتها إفاقتها به. أول ما نطقت به رحيل وهي ترتجف:- "هاتي لي تليفوني يا ماما هبة.. أنا عايزة بابا، مش هقعد هنا ثانية واحدة تانية."

تعليقات