رواية الداهية وسلالة الاوغاد ( كاملة جميع الفصول ) بقلم امل نصر


 رواية الداهية وسلالة الاوغاد الفصل الاول 

في المنزل البسيط والمتوسط الحال في كل شيء، وعلى طاولة السفرة التي جلس عليها بعض أفراد العائلة لتناول وجبة الغداء، وضعت أحلام باقي أطباق الطعام، وما زال صوتها يردد بالنداء على أبنائها حتى يخرجوا من غرفهم وينضموا إليهم:
"يا زفت يا أمجد، سيب اللي في إيدك وتعالى قوم قبل الأكل ما يبرد.. وأنتِ يا ست أريج يا برنسيسة الانتخة، أنا عملت كل حاجة ومش فاضل غير إنك تيجي تاكلي، خلصينا يا بت.."
قاطعها زوجها قائلاً:
"سيبك منهم يا أحلام واقعدي كلي لقمة.. اللي عايز ياكل يتفضل، واللي مش عايز يروح في داهية!"
جلست المرأة لتردد خلف زوجها بسأم:
"عندك حق يا عزام، خليهم يروحوا في داهية.. أنا تعبت وغلب غلبي معاهم، بالذات توأم الهم اللي جوا"
عقب الزوج بلهجة يائسة:
"كلهم يا حبيبتي، مش بس التوأم ولا الكبير العبيط.... أنا خلاص فقدت الأمل في ألاربعة وحطيت صوابعي منهم في الشق
هتف بها عزام وهو يلوك فمه بلقيمة من الخبز، ليفاجأ بصيحة اعتراض صغيرة من خلفه:
"بس أنا معملتش حاجة يا بابا عشان تفقد الأمل فيّا أنا كمان!"
تطلع عزام إلى صغيرته ذات الـ ٧ سنوات بابتسامة مشاكسة، ليزيد من شعورها بالغيظ، فتدخلت أحلام لدرء سوء الفهم بينهما كالعادة:
"تولا حبيبتي، بابا بيناغشك بس عشان يخليكي تطلعي لسانك الطويل ده، لكن هو مش قصده أنتِ خالص يا سكر العيلة."
تبسمت الصغيرة ليزيدها والدها إطراءً:
"وشجرة العسل وزهرة حياتي كلها."

"وإيه كمان يا بابا؟"
هتفت بها أريج وهي تخرج من الغرفة، ليتغضن وجه أبيها بامتعاض دون أن يجيبها، فردت أحلام ببعض الحزم

ـ قولي صباح الخير الاول، قبل ما تخضي الناس بتوجيه الأسئلة 

سمعت منها أريج لتجلس على مقعدها تدعي الطاعة قبل أن تلتفت على قول شقيقتها المدللة وهي تخاطب أباها وتحرك أكتافها بغنج:
- "شكراً يا بابا، ربنا يخليك ليا."
بادلها أبيها بالابتسام صامتًا، قبل ان يلتفت بعدها على صيحة ابنته الكبرى:
- "يا ريتني أرجع لسنها، يمكن كنت لقيت شوية اهتمام."
زفر عزام حانقًا يخاطبها:
- "عايزة إيه يا أريج؟"
- "مش عايزة حاجة يا بابا."
قالتها بابتسامة صفراء زادت من غيظ الرجل، وتدخلت والدتها:
- "كلي يا أريج وبطلي تستفزي أبوكي، ربنا يهديكي يا بنتي."
لوت ثغرها المذكورة، تبدي اعتراضها بصمت وهي تضع الطعام في طبقها، قبل أن ترفع رأسها على خروج شقها الآخر وتؤمها أمجد من غرفته مرددا بالتحية الروتينية قبل أن يجلس سريعًا وينضم إلى المائدة:
- "مساء الخير يا جماعة.. إيه ده يا ماما؟"
قال الأخيرة وهو يومئ بذقنه نحو الأصناف المرتصة أمامه، فردت أحلام بعفويتها المعهودة:
- "في إيه يا بني؟ الأكل فيه حاجة؟"
أجاب رافعًا كفه نحو ما يقصد بانفعال:
- "أنا مش قصدي إن فيه عيب لا سمح الله، أنا قصدي التكرار يا أمي، أكل النهاردة هو هو أكل امبارح، مفيش تجديد؟ اللي يسمع نداكي من شوية يفتكر إن فيه وليمة ميتفوتش العزيمة عليها.. استغفر الله العظيم!"
تلبكت أحلام وظهر على وجهها الحرج، فجاء الرد من زوجها، حيث هتف به غاضبًا:
ـ قطيعة عليك وعلى تربيتك الناقصة! ده اللي موجود يا عديم الذوق والإحساس، فالح بس في الانتقاد وتطلع القطط الفطسانة في اي حاجة تطفحها، وأنت معندكش ريحة الكرامة اللي تخليك تشتغل وتجيب اللي بتحبه، عشان على الأقل ألاقي حد فيكم بيساعدني!"
رد أمجد يدعي الأدب مع والده:
- "مش عارف ليه حضرتك أخدت الموضوع بحساسية كده يا بابا، أنا مجرد بقول رأيي ومش قصدي حاجة وحشة تستاهل كل المحاضرة دي."
تأفف عزام بغيظ منه، لينهي الجدال حازماً:
- "يبقى تاكل وأنت ساكت ومش عايز أسمعلك صوت، ولو مش عاجبك اتفضل قوم من قدامي حالاً، أنا مابحبش النقورة."
قال الأخيرة بصوت عالي أجفل أمجد، فجاء الاخر بمنتهى البرود:
- "خلاص يا بابا، هاكل وأنا ساكت، ماتعصبش نفسك.. كانت غلطة لسان مني متخدهاش على أعصابك."
ختم جملته لينكفيئ برأسه على تناول الطعام، وكأن شيئًا لم يحدث، طالعه عزام بازدراء عدة لحظات، قبل أن يتجه لزوجته سائلًا:
- "فين خيبتي التانية؟ فين كبير الفاشلين؟ ابنك الكبير شاعر الهم الأستاذ نيازي.. فين هو؟"
ردت بتول الصغيرة، لتسبق والدتها:
- "مش موجود دلوقتي يا بابا، انا سمعته بيقول إن عنده ندوة شعر."
أصدر الرجل صوتًا مستهجن قبل أن يعود لطعامه مغمغمًا:
- "على أساس إنه بيفهم في الشعر أصلاً!"
************
بداخل غرفته وبعد أن انهى طعامه، لحقت به شقيقته لتنضم معه، مبادرة بالحديث ساخرة:
- "اللي يسمع اعتراضك في الأول يقول إنك هتقوم الدنيا وتنتفض من أول كلمة تهزيق من بابا!"

​رد أمجد بنزق وهو يرتمي على تخته:

​"من غير ما آكل منابي! إنتي اتجننتي يا بنتي؟ أنا بس بعترض عشان أثبت وجودي وأقول رأيي، لكن غير كدا لأ.. معدتي ما تستحملش الجوع يا حبيبتي."

​تبسمت شقيقته وهي تشاركه الجلوس على التخت مردفة:

​"أيوه فعلاً عندك حق يا توأمي، أهم حاجة طبعاً إن كـرشك يكون مليان..."

​قطعت متنهدة بقوة لتتابع:

​"أنا كمان زيك الأكل ماعجبنيش كالعادة، بس كتمت اعتراضي جوايا عشان عارفة إن الكلام ملوش لزمة، وإيه الفايدة اللي هطلع بيها؟ لا عارفة ألبس اللي بيعجبني، ولا أشتري طلبات كتير ناقصاني."

​"أنا حتى مش عارفة أعيش زي بقية البنات اللي في سني؛ اللي بيقضوا أغلب وقتهم في الكافيهات والفسح في الاماكن السوبر ستارز  الجديدة، ويسجلوا لحظاتهم مع بعض بكاميرات الفون الأحدث ماركة، انا قلبي بيتحسر كل ما اشوف الصور على الاستورز ، كانهم قاصدين يغيظوني .

قالت الأخيرة بصرخة جعلت شقيقها ينطلق ضاحكًا بصخب ويزيد عليها بقوله:
"أنا عارف قصدك على مين.. ماهي ودينا ونورهان صاحبات الجامعة. ده أنا دايمًا بشوفهم في كافيه العم سعيد، أو وهما ماشيين في الشوارع بلبسهم الشيك ومكياجهم اللي يخطف العين".
صاحت به غاضبة:
"بس بقى متبقاش مستفز وتفكرني بيهم.. الملاعين دول شاطرين بس في حرق دمي بالحاجات الجديدة اللي بيشتروها طول الوقت. ده غير خروجاتهم وصورهم اللي في كل حتة.. بجد هيجيبولي في يوم جلطة في المخ ولا شلل نصفي".
قهقه أمجد بضحكاته على تفكير شقيقته الطفولي، مع عبوس وجهها. الآن، حتى توقف قائلًا لها:
"لو كنت مكانك مكنش هيفرق معايا أمرهم يا أريج. افتكري أصلك يا بنتي وأصلهم.. أنتِ حفيدة أدهم الفيومي، يعني من سلالة البكوات والباشوات".
أصدرت بفمها صوتًا مستهجنًا قبل أن ترد ساخرة:
"وإيه الفايدة؟ وأنا عايشة في الحي الفقير ده ولابسة لبس عادي ملوش أي علاقة بالشياكة. ده جدك باع كل حاجة قبل ما يموت، وساب الأجيال اللي بعده تموت من الحسرة".
رد أمجد بتشدق:
"هو باع الأملاك وكل حاجة عشان يلحق اللي فاضل من فلوسه من الدائنين بعد ما شركاته أفلست. جدك ده كان داهية، حط فلوسه كلها في جوهرة نادرة تمنها بيزيد مع الوقت مش بينقص".
صاحت أريج بنفاذ صبر:
"تاني هنقول إيه الفايدة؟ والجوهرة اللي بتتكلم عنها دي، بقالهم سنين وأجيال بيدوروا عليها ومحدش لقى حاجة. ده حتى إحنا فقدنا الأمل وقلبنا القصر المهجور فوقاني تحتاني وبرضه ملقيناهاش. جدك المجنون ده كان قصده يذلنا.. أنا بجد بكرهه".
"ماتشتميش جدك يا أريج.. ده أنا محتاجله جدًا دلوقتي عشان ينفعنا".
هتف بها أمجد بانفعال، ليتجعد وجه أريج باستهزاء قائلة:
"بتقول إيه يا حبيبي؟ قولي تاني كده.. أنت عايز مين؟".
طالعها بنظرة مبهمة للحظات قبل أن يجيب بغموض:
"أنا عارف إن الموضوع صعب على عقلك الصغير ده يستوعبه، بس أنا مضطر أقولك..".
توقف ليستطرد بتأنٍ:
"يسعدني أبشرك يا حبيبتي.. إني بعد سنين من التعب والتدوير عشان ألاقي الجوهرة، أخيراً لقيت الطريقة اللي هتخليني اوصلها بالفعل.

قطبت تستوعب ما يتفوه به قليلًا ثم التمعت عينيها وتوسعت لتهتف سائلة بحماس: إيه هي الطريقة دي؟ قولي يا أمجد بسرعة أرجوك. تبسم يطالع اللهفة على ملامح وجهها بتسلي، ولكنه وما أن هم بإخبارها انتفض مجفلًا معها صوت شجار قوي خارج الغرفة.
************
خرج أمجد مع تؤمه أريج من الغرفة ليفاجأوا برؤية شقيقهم الأكبر نيازي يدلف لداخل المنزل بحالة مزرية، وجهه تجمعت به الألوان المختلفة والانتفاخات التي غيرت ملامحه، ملابسه متهلهلة من الشد والجذب بها، يعرج بقدمه وهو يخطو مستندًا على ذراع زميلته ومعها والدته، ووالده لا يكف عن الصياح
ـ يا فرحتي وهنايا بابني البكري، وهو جاي ساند على دراع النسوان! ده أنا قلبي هيتطير من الفرحة بيك يا راجل، ليه مش عاوز تبطل تسعدني؟ أنا خلاص زهقت وجبت آخري معاك! 
غمغم نيازي بكلمات مبهمة حانقة حتى جلس على كرسيه بمساعدة والدته ولينا صديقته التي اقترب منها شقيقه يخاطبها بتملق: 

ـ:عنك يا لينا، أكيد تعبتي من شيله، أنا مش عارف بجد نشكرك إزاي؟.
استجابت بابتسامة خفيفة قبل أن تُجفل على صيحة عزام: قولي يا ولد، إيه اللي عمل فيك كدة؟ واتخانقت مع مين؟ 
صاح به نيازي: وأقولك إزاي وإنت مش مديني فرصة أصلاً أتكلم؟ إنت نازل فيا تلطيش وتهزيق من غير حتى ما تعرف إيه اللي حصل؟

هدر عزام يضرب على كفيه سائلًا بنزق:
• وإيه هو السبب ده؟ قول لي عشان أدق اللي مد إيده على وشك ده علقة ماينساهاش، عرفني بس مين اللي اتجرأ ووجعك بضربات إيده.. ده لو كان الحق معاك!
• أيوه الحق معايا.
هتف بها نيازي بقوة، وشاركت صديقته الرد عن اقتناع:
• أيوه يا عمي، إحنا كنا في أمسية شعرية تجنن، ونيازي كان واقف بيلقي أبيات من ديوانه، بس شوية الفشلة دول اللي مابيفهموش في الشعر، هما اللي قلوا أدبهم وطولوا لسانهم بكلام زي الزفت على الأشعار، ونيازي لما اعترض ورد عليهم شتيمتهم، هجموا عليه كلهم.
هدر عزام بصوت قوي:
• وليه يرد عليهم أصلاً؟ ليه ما يسببهم يقولوا رأيهم براحتهم, مش عاجبهم الشعر تمام، ولا هو فاكر نفسه جهبز الشعر العظيم، ما انا نفسي مش بيعجبني الهبل اللي بيكتبه.

سمع نيازي ليعقب غاضبًا نحو والده: وبعدين بقى يا بابا؟ ليه مش عاوز تبطل تلطيش فيا وفي شعري؟ أنا مؤمن إني شاعر عظيم، وببني لنفسي مدرسة جديدة الأجيال هتفضل فاكراها من بعدي، وبكرة إنت بنفسك هتعرف إن كلامي صح.
امتعض وجه عزام ليردد بتعب فقد أرهقه الجدال: 
ـ بكرة بكرة! هستنى لحد إمتى؟ أنا صبري نفد وخلاص مابقتش قادر على عمايلكم دي.. أحلام، تعالي ورايا لجوه لو سمحتي. 
قال كلماته وانصرف من أمامهم نحو غرفته، لتلحق به زوجته بعدما ربتت على كتف ابنها بدعم ونظرة مؤازرة، قبل أن تتركه
  شعرت لينا بالحرج هي أيضًا فقالت مستأذنة:

ـ أنا كمان اتأخرت، لازم أمشي دلوقتي عشان ألحق والدتي.. خلي بالك من نفسك يا نيازي. أومأ لها المذكور برأسه وتحركت هي لتغادر فسار معها أمجد حتى باب المنزل يودعها بكلماته:
* نورتي بيتنا يا لينا، كان نفسي الظروف تكون أحسن من كدة عشان نقوم بالواجب معاكي بجد. ألقت لينا بابتسامة ساحرة إليه، تغمغم بكلمات الشكر والإمتنان حتى غادرت المنزل، ليظل هو ينظر في أثرها للحظات قبل أن يعود متمتمًا بالسباب على شقيقه المحظوظ بهذه الفتاة رائعة الجمال
***************
بعد لحظات قليلة 
وصل إلى داخل غرفته فوجد شقيقته ما زالت في انتظاره، ليعبر لها عما يجول داخله بغيظ :
ـ شوفتي يا أريج؟ شوفتي الهبل اللي إحنا عايشين فيه ! حاجة تشل وتنقط.
أومأت برأسها، فتابع يجفلها بقوله:

ـ مش عارف إزاي واحدة زي لينا بجمالها ده، تعجب بأخوكي اللي ما فيه ريحة الجمال! كل ما أشوفهم مع بعض بحس إني هتجنن يا بنتي. 

سمعت منه أريج فلم يعجبها حديثه لتصيح به غاضبةً:
ـ وإنت مالك إنت بالموضوع ده يا غبي؟ إنت نسيت كنا بنتكلم في إيه من شوية؟
ـ  كنا بنتكلم في إيه؟ 
غمغم بها قبل أن يستدرك قائلًا بتذكر: 
ـ أيوه افتكرت دلوقتي افتكرت.. معلش ما تؤاخذينيش يا أختي، جمال البنت دي بيطير العقل! ردت أريج ساخرة: لأ يا حبيبي، ده إنت اللي معندكش عقل من الأساس يا أخويا العزيز.
ضيق امجد عينيه يظهر ضيقه لها ليرد باصطناع العتب:
ـ ربنا يسامحك يا أختي، مش هرد على إهانتك وقلة أدبك دي. ضحكت لتقول وهي تجذبه من ذراعه ليجلس بجوارها:
ـ كدة يبقى خلينا نرجع لكلامنا يا حبيبي يا مؤدب.. قولي بقى، لقيت الطريقة اللي هنعرف بيها مكان الجوهرة؟
تنهد يطالع الفضول على وجهها بصمت، ثم ما لبث أن يستجيب بقوله: ماشي، هقولك الحقيقة، بس محتاج تأكيد منكِ في الأول إن كلامنا ده مش هيطلع لأي حد غيرنا. 
ردت سريعًا بلهفة: 
أبدًا، مش هفتح بوقي بكلمة قدام أي حد، عشان ده أضمن لينا.
أردف هو بتأكيد: فعلاً ده أضمن، لأني مش عاوز القسمة تدخل فيها أطراف تانية، هي هتبقى بيني وبينك وبس.. نلاقي الجوهرة، وأنا هعرف أوصل للي يقدر ثمنها بالملايين عشان نبيعها ونوزع الفلوس مابيننا. 
شهقت صارخة بالحماس: 
ـ أيوه! ونشتري القصور ونعيش الرفاهية التي نحلم بها، اوضة كبيرة لهدومي وحاجتي بس,  جزم من أغلى الماركات العالمية، وشنط جلد وغير جلد، يا ربي، معقول دا يحصل فعلا؟
رد أمجد بثقة مشبعة بالزهو: أيوه يا حبيبتي، وده فعلاً اللي هيحصل، بس معنى كلامك ده إنك موافقة على اللي هنعمله؟
صاحت تجيبه: طبعاً موافقة، ومستعدة أروح معاك لحد سطح القمر وأنا مغمضة عيني، المهم دلوقتي.. إيه هي الطريقة؟ 
ـ هنصحي جدك. 
ـ نعم! 
هتفت مجددًا: 
ـ هنصحي جدك يا أريج عشان يوصفلنا مكان الجوهرة بنفسه، ونوفر على نفسنا تعب التدوير من غير فايدة.
تجمد وجهها وبدا عليها عدم التصديق فتابع أمجد بانفعال: 
بلاش تفكيرك يبقى محدود وتعملي مش مصدقة، أنا بتكلم عن علم، ودي طرق جابت نتيجة مع ناس كتير حول العالم، أنا بقالي شهور بدرس الطريقة دي، ومتابع تجارب في بلاد تانية كتير، لحد ما بقيت عارف كل كبيرة وصغيرة في المجال ده.

أمام هذه اللهجة الواثقة لم تجد أريج أمامها سوى التصديق أو مهادنة شقيقها حتى تتأكد بالفعل من صحة ما يقوله، لذلك سألته: 
ـ طيب، وإزاي ده هيحصل؟ تبسم أمجد يجيبها بابتهاج: هشرحلك كل حاجة دلوقتي

.....يتبع 

الفصل الثاني 

أمام القصر المهجور في المنطقة التي خلت من معظم سكانها توقفت سيارة الأجرة فترجل منها الشاب قبل أن يتناول يد الفتاة ويساعدها على الخروج هي الأخرى، لتهديه ابتسامة ممتنة مع قولها:
ـ "تسلم يا سعيد، كتر خيرك."
تبسم لها المذكور قائلًا بتملق:
"يا حبيبتي يا أريج، إنتي تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا وأكتر كمان، إنتي مفيش زيك."
تبسمت ترد ببعض الحرج:
"تعبتك معايا يا سعيد ومش عايزة أتقل عليك أكتر من كدة، روح أنت دلوقتي وأخويا زمانه جاي في الطريق هياخدني معاه."
اعترض المذكور يقول بقلق:
"أسيبك إزاي لوحدك في المنطقة المهجورة دي وأمشي؟ مش خايفة يطلع عليكي حد من الحرامية ولا يتلم عليكي عيل صايع؟ أنا عارف الأماكن دي بيبقى فيها شباب مش تمام كتير."

عضت أريج على شفتيها من الغيظ، فأكثر ما تكرهه في سعيد ابن خالها هو الإلحاح المبالغ فيه، رغم كل الصفات الحميدة التي يتمتع بها كالشهامة ومساعدته الدائمة لها وخوفه وحمائيته عليها بالإضافة لوسامة طبييعية يتمتع بها ولكنه مع ذلك لا يناسبها نظرا لهيئته وتربيته وسط الأرض والفلاحة، 
لذلك كررت طلبها برجاء:
"يا سعيد يا حبيبي ما تنساش إن أمجد أخويا مش بيطيقك، ودايماً بيتلكك لك عشان يتخانق معاك على أتفه الأسباب."
"أنت صممت تيجي معايا في العربية بعد المحاضرات، فيا ريت تمشي دلوقتي.. أنا قولتلك إن أخويا خلاص قرب يوصل عشان نروح سوا مدافن العيلة اللي هنا، بالله عليك امشي قبل ما يوصل ويشوفك."
تنهد ليحرك أقدامه على مضض، ولكن وقبل أن يستدير عنها تناول كف يدها ليُقبلها ثم قال كارهًا:
"عشان خاطرك أنتي بس، وعشان المتخلف ده ميعملش عليكي راجل، أنا هقوم أمشي.. بس والله قلبي واكلني عليكي وأنتي لوحدك هنا، أمانة عليكي كلميني كل دقيقة طمنيني عليكي."
"ولو حسيتي بأي حاجة تقلقك ما تستنيش، اطلبي ورني عليا فوراً."
أومأت برأسها ترضيه بابتسامة صغيرة منها قادرة على إسعاد قلبه البريء،  حتى اذا ذهب من أمامها لتتنفس أخيرًا الصعداء، ذهبت متجهة نحو القصر، لتخطو داخل مقدمته المتصدعة وقبل أن تصل إلى الباب الداخلي تفاجأت بشقيقها يجفلها بقوله:
"وليه تعبتي نفسك وجيتي يا حبيبتي؟ ما كنتِ فضلتي قاعدة مع (الملزق) ده بره لحد ما الليل يليل واليوم يضيع علينا! بجد غباء مش طبيعي."
أردف بها وتناول المفتاح الصدئ ليُحاول فتح باب القصر، فهتفت شقيقته ساخطة:
"يعني كنت أعمل إيه عشان أخلص منه؟ ده كان لازق لزقة مش طبيعية وعايز يجي معايا بالعافية بحجة إنه خايف عليا من الحرامية والبلطجية في المنطقة المقطوعة دي!"
تجاهل الرد أمجد حتى تمكن من فتح الباب.
ليُصدر صوت صرير مزعج من دفعه للداخل، ثم عقب المذكور على قول شقيقته:
"مش عارف إزاي قادرة تستحملي مرافقة الواد ده وهو دغوف كدة وعلى نياته؟"
تبسمت بزهو وهي تلج لداخل القصر معه:
"وليه مستحملوش؟ ده بينقلي المحاضرات وبيديني المذكرات وبيعمل أبحاث الجامعة بدالي.. بعد كل الفوايد دي بتسألني إزاي مستحملاه؟"
رد أمجد ساخرًا:
"انتهازية واستغلالية من الدرجة الأولى! بتلعبي بمشاعر ابن خالك الولد الريفي البسيط اللي ساب أهله في محافظته البعيدة وجاي يدرس هنا، عشان تاخدي تعبه وتنجحي وتتفوقي من غير أي ضمير."
ضحكت أريج مرددة له:
"تربية إيدك يا أخويا العزيز."
ردد خلفها ساخرًا:
" أيوة يا اختي وتمرت فيكي اوي تربيتي"
أكمل الشقيقان دخول القصر، ولا يعلمون بمن دلف خلفهم، سعيد الذي لم يطاوعه قلبه على ترك أريج وحدها في هذه المنطقة المهجورة، فعاد مرة أخرى ليُفاجأ بها وهي تدلف لداخل القصر المهجور.
فلحق بها سريعًا لتزداد حيرته مع مشاهدة شقيقها وهو ينضم معها، ليكمل هو طريقه خلفهم ويرى ماذا سيفعلان في القصر المتروك منذ عقود دون فائدة، كالبيت الوقف فلا هو يصلح للسكن، ولا هو يمكن الاستفادة من بيعه، وذلك لكثرة المشاكل حوله بتعدد الورثة كما ذكرت له أريج سابقًا.
※-※-※
وفي داخل القصر توقف أمجد أخيرًا بشقيقته في الصالة الكبيرة التي توسطت القصر الكبير ليُنزل حقيبته من خلف ظهره على الأرض ويبحث عن الأوراق والكتب بداخلها، فبادرته شقيقته بالسؤال:
"وقفت هنا ليه؟ مش هندخل لبقية الأوض؟"
رد أمجد وهو يبحث عن شيء ما في الكتاب الغريب الذي أخرجه:
"إحنا مش جايين في فسحة يا حبيبتي عشان نتفرج على الأرض...... اكيد عارفة طبعا أن جثة جدك زمان لقوها هنا في الصالة، كانت مرمية على الأرض جنب الدفاية ، بضربة قوية شقت نص راسه، ومحدش عرف مين القاتل."
"يعني إحنا هندور على القاتل؟"
قالتها أريج بلا تفكير، لتواجه بنظرة نارية من أخيها وهو يجأر بها غيظا:
"وإحنا مالنا ومال القاتل يا غبية؟ إحنا جايين هنا عشان نستعيد روح الراجل من المكان اللي خرجت منه.. فهمتي؟"

أومأت له برأسها بوجه عابس تجيبه:

​ماشي فهمت، بلاش بقى تزيد في الإهانات، إنت عارف طبعي إني مابسكتش عليها، بس هعديها المرة دي عشان عارفة إنك متوتر، بس أنا كمان زيك.

​نهض أمجد عن الأرض يردد وهو يفتح الكتاب الذي بين يديه على الصفحة المحددة:

​لا يا حبيبتي مفيش داعي للتوتر ولا القلق، كل حاجة هتم زي ما إحنا عايزين وهنوصل للي إحنا عايزينه، تعالي بقى قربي عشان نخلص الموضوع ده.

​رددت أريج وهي تخطو خلفه على تردد بخطوات متأنية:

​بس.. بس أنا بدأت أخاف يا أمجد، خصوصاً بعد ما فكرتني بحادثة موت جدي.

​هتف نحوها بحزم:

​مش وقت دلع دلوقتي يا أريج، قربي وقفي قدامي، وأنا هقرأ التعويذة اللي جهزتها زي ما قولتلك قبل كدة، والموضوع هيعدي بمنتهى السهولة صدقيني.

​سألته باستفهام يمتزج باندهاشها:

​وليه لازم أقف قدامك؟ ليه ما أقفش وراك مثلاً، أو في أي حتة تانية بعيد عنك؟

​تلجلج قليلاً، ثم رد بصرامة أجفلتها:

​جرا إيه يا أريج! مش هتبطلي أسئلة النهاردة؟ لو فضلنا نجادل كدة النهار هيخلص والقصر هيلليل علينا، واليوم كله هيضيع مننا.

​أومأت بتخوف لتذعن لمطلبه، ثم وقفت مقابله أمام المدفأة، هم للبدء فيما سيفعله ولكنه استدرك ليذكرها:

​مش عايز أسمعلك صوت يا أريج، مهما حصل قدامك أو شوفتي أي حاجة غريبة، افهمي كلامي كويس يا حبيبتي ، مش عايزين نفضل نعيد ونزيد.

​رددت أريج بنفاذ صبر:

​طيب طيب، ابدأ بقى وخلصنا بسرعة قبل ما أغير رأيي.

​سمع منها ثم بدأ في مطالعة الكتاب والقراءة بصوت عالي بتلاوة كلمات غريبة وغير مفهومة لها على الإطلاق، وكل ثانية ترتفع عيناه نحوها، بشكل أثار بقلبها الخوف وهي تترقب انتهاء هذا الشئ المزعج.

​وخلف أحد العمدان التي تزين الصالة الضخمة تخفى سعيد يراقب هو الآخر وقد بدأ يساوره الشك فيما يحدث أمامه، لقد كان ينوي أن يفاجئهم ويتحدث معهم، لكن بعد الذي رآه أمامه، غلبه الفضول ليعرف ماذا يدبر هؤلاء التوأم، لقد أصبح الأمر مريبًا بشكل أثار اهتمامه وجعله يصر على التريث، حتى يتبين نهاية هذا الأمر.

​وفي الأمام استمر أمجد في القراءة بصوت ازداد علوه وازدادت سرعته وشقيقته تتمسك يدها بحقيبتها وكأنها تتحامى بها، وبداخلها تحصى الدقائق والثواني، وشيئاً ما يحثها على الانسحاب.

والركض بعيدًا عن هذا العته والجنون ولكن مع النظرات الصارمة من شقيقها كانت تتراجع على الفور صاغرة. حتى أصبح الأمر أكثر جنونًا، مع سماعها لهذه الأصوات الغريبة، بشكل متواتر وغير منتظم، يجيء ويذهب، مرة ثم مرة، ثم ازدادت حدته حتى بدأت تتمسك بقماش قميص أخيها لتنبهه علّه يستجيب لها، ولكنه كان منغمسًا بما يفعله، رغم تحديقه الدائم لها، لدرجة جعلتها على وشك البكاء.

​حتى أصبح صوتها يخرج تدريجيًا، وجسدها يهتز تريد الخروج، لكن أخيها كان يمنعها ويشد على ذراعيها مع نظراته الصارمة، وهي تناجيه بعينيها باستجداء للتوقف وعدم الاستمرار، وهو يزيد والصوت يزيد، ثم بدأت تشعر بتحركات غريبة حولها ليزداد هلعها، كي تأخذ قرار الفرار على الفور.

​لكن أمجد تمسك بها بقوة وهي تبكي لتركها وهو يزيد ويسرع بالقراءة والتكرار وشقيقته على وشك الانهيار مما يحدث حتى ختمت بصرخة قوية مع صدور هذا الصوت الغريب بقوة، لتقع على الأرض منهارة، فتوقف أمجد ليربت على وجنتيها بقوله:

​"أريج.. أريج، فوقي يا حبيبتي.. أريج أنتي هنا؟ سامعاني؟"

​استفاقت على الفور لتنزع كفه عنها صارخة بوجهه:

​"إنت لسه فاكر تطمن عليا دلوقتي! بعد كل الجنان اللي كنت بتعمله ده، من غير ما تعمل أي حساب لحالتي ولا لخوفي!"

​مع تأكده من صوت شقيقته وشخصيتها الحقيقة المعروفة إليه، رفع رأسه وتعقد حاجبيه باستغراب أثار ريبتها لتسأله بخوف:

​"إنت ساكت وبتبصلي كده ليه؟ هو حصل لي حاجة؟ ما تنطق يا أمجد في إيه؟"

​هز رأسه ليغمغم بصوت خفيض:

​"الظاهر إن التجربة فشلت، وكل اللي عملته راح ع الفاضي."

​"بتقول إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة!"

​هم ليرد موضحًا لها، ولكنه أجفل على صيحة رجولية قوية من الخلف:

​"يخرب بيتكم! مين اللي صحاني من نومي يا ولاد الكلب يا أوغاد؟"

​ارتفعت رأسها هي أيضًا نحو مصدر الصوت، لتُصعق وتجحظ عينيها بقوة متمتمة بهلع:

​"سعيد؟! هو إيه اللي جاب سعيد هنا؟ وبيعمل إيه؟"

​تقدم المذكور نحوهما، بهيئة تختلف عن هيئته تمامًا، رغم عدم تغير المظهر الخارجي، ولكنه بدا وكأنه شخص آخر بطريقة سيره أمامهم، تمتمته بالسباب المتواصل دون توقف، وهذا الصوت ألأجش الغريب يبدو وكأنه...

​"أنتم مين يا ولد انت وهي؟ وإيه اللي عملتوه ده عشان تقلقوا منامي؟ ردوا عليا!"

"وإلا والله  لأسيب عليكم خدمي يؤدبوكم خير تأديب، أو أقوم انا واجلدكم بالكرباج بأيدي، انطقوا انتوا مين؟".

قالها بصرخة ووجه متغضن بعبوس، جعل أريج تنتفض لتسأله شقيقها:
«هو إيه اللي جرى لسعيد؟»
رمقها أمجد بنظرة غامضة قبل ان يتجه نحو الآخر سائلًا:
«إنت مين؟»
ارتفع طرف شفة المذكور وهو يقف بعنجهبة ليردف باستعلاء:
«وإنت مين أصلاً عشان تتجرأ وتسألني يا إمعة؟ إنت اتجننت يا ولد؟ بتستدعي راجل في مركزي أنا وبعدين تسألني السؤال ده؟ أنا أدهم باشا الفيومي.. أتجاب وأتأخد من نومي بسبب اتنين عيال تافهين زيكم؟»
تسمرت أريج بجمود وكأنها تمثال من الشمع بمقلتين توقفتا عن الحركة تمامًا، وفك تدلى بشدة.
اما أمجد والذي ضرب بكف يده على سطح وجهه عدة مرات، فهذه لم تكن خطته على الإطلاق، وهذ التغير لم يحسب له حسابًا من قبل، رغم كل حذره في التخطيط، ولكنه استوعب سريعًا، ليجيب الرجل:
«أنا أمجد حفيدك يا جدي، ودي أريج أختي التوأم»

...


تعليقات