رواية عاصفة السرايا ( كاملة جميع الفصول ) بقلم هاجر سلامه

 

رواية عاصفة السرايا كاملة جميع الفصول بقلم هاجر سلامه 

"يا فرج الله.. أخيراً يا رب! الحلم اللي بقالي سنين بستناه هيتحقق واكون في بيت يونس.. حب عمري كله!"

كانت فاطمة تقف أمام مرآتها، تتأمل فستان الزفاف الأبيض الذي يزين جسدها كأنه قُطِع من غيمة. كانت الابتسامة لا تفارق وجهها، وعيناها تلمعان ببريق الفرحة الصافية. اليوم ستتزوج من يونس، ابن خالتها الذي نبض قلبها له منذ الطفولة.

فجأة، انفتح الباب بعنف، ودخلت والدتها ووجوه العائلة شاحبة كالموت. صرخت الأم وهي تلطم خديها:
"يا مرارنا الطافح يا بنتي! يونس هرب.. هرب مع أختك فريدة!"

سقطت الكلمات على مسامع فاطمة كالصاعقة التي تشق القلوب. تلاشت الابتسامة، وتجمدت الدماء في عروقها. 
ساد وجوم قا.تل في أرجاء السرايا الصعيدية العريقة. 
لم تكن الصدمة في هروب عريسها فحسب، بل في طعنة أختها فريدة، التي طالما نظرت إلى فاطمة بعين الغيرة والغل لأن فاطمة كانت تفوقها جمالاً ودلالاً. فريدة لم تكن تحب يونس، بل فعلت ذلك فقط لتقهر قلب أختها وتسرق فرحتها.

في مجلس الرجال، كان الغليان يملأ الأجواء. كبرياء العائلة الصعيدية كان على المحك، والفضيحة ستملأ النواحي. وقف كبير العائلة، الحاج علام، ووجه حديثه لابنه الأكبر، يحيى:
"يا يحيى.. مالناش صالح باللي هربوا، غاروا في داهية. بس البنت فاطمة ملهاش ذنب، والناس برا واقفة مستنية الجوازة. أنت اللي هتدخل عليها الليلة مكان أخوك!"

تجمد يحيى في مكانه. يحيى، الذي عاش سنوات يداري حبه القديم لفاطمة في صناديق صدره المغلقة. لقد تعذب لسنوات وهي تذوب حباً في أخيه يونس، حتى قرر أن ينساها، وبالفعل فتح قلبه لامرأة أخرى وبدأ يحبها. لكن الآن، يضعه القدر في مواجهة الماضي.

نظر يحيى إلى والده وعيناه تشتعلان بالصراع:
"يا بوي كيف ده؟ أنت خابر زين إني نسيت، وشايل في قلبي حد تاني وعايز أتجوزها! كيف أخد مرأة أخويا؟"

ضرب الحاج علام الأرض بعصاه معلناً حكماً لا رجعة فيه:
"قولت كلمتي يا يحيى! شرف العيلة وفاطمة هيروحوا في رجلين الناس لو الفرح ده متمش. هتتجوزها يعني هتتجوزها!"

انصاع يحيى لأمر والده بقهر. صعد إلى الغرفة حيث تقبع فاطمة بفستانها الأبيض الذي تحول إلى كفن لأحلامها. 
دخل وأغلق الباب خلفه. التفتت إليه وعيناها مغرورقتان بالدموع، تائهة ومكسورة.

عندما وقعت عيناه عليها، اعتصر قلبه من الألم. شعر بغصة مريرة في حلقه؛ فبرغم أنه يحب غيرها الآن ويخطط لمستقبل آخر، إلا أن رؤيتها بهذا الانكسار أيقظت في داخله بقايا ذلك الحب القديم. آلمه بشدة أنها ستكون له بهذه الطريقة المهينة، وأنها أصبحت ضحية لغدر أخيه.

اقترب منها بخطوات ثقيلة، ونظر في عينيها قائلاً بنبرة حزينة لكنها حازمة:
"اسمعي يا فاطمة.. أنا عارف إن المكتوب واعر علينا احنا الاتنين. أنتِ خابرة إني مكنتش في البال، وإني رتبت حياتي على حد تاني خالص.. بس الشرف عاد، ومكنش ينفع نسيبك لكيلام الناس. الجوازة دي صوري قدام الخلق، لحد ما نشوف هنعمل إيه في المصيبة دي."

نظرت إليه فاطمة، ولم تنطق بكلمة واحدة. كان صمتها أبلغ من أي عويل، وجسدها يرتجف وهي تدرك أن رحلة عذابها قد بدأت للتو، وأنها أصبحت زوجة لرجل ينبض قلبه لامرأة أخرى.

مرت الأيام متشابهة وثقيلة داخل السرايا. تحولت حياة فاطمة اليومية إلى طقوس من الصمت والوجع المكتوم. كانت تستيقظ كل صباح قبل شروق الشمس، ترتدي ثوبها الأسود الذي بات يعبر عن حال قلبها، وتبدأ في الإشراف على أعمال البيت ومساعدة والدة يحيى، محاولةً هروباً بائساً من التفكير في مصيرها.

كانت تجلس على مائدة الإفطار الكبيرة، ويحيى يجلس في مواجهتها. لا نظرات تلتقي، ولا كلمات تتبادل إلا في أضيق الحدود. كان يحيى يغادر السرايا سريعاً ليتحاشى البقاء معها في مكان واحد، فرغم أنه يحاول احترامها، إلا أن وجودها كان يذكره دائماً بذنبه تجاه المرأة التي يحبها وتنتظره.
في المساء، دلف يحيى إلى الغرفة، ووجد فاطمة تجلس بجوار النافذة، تتأمل الظلام في صمت. تنحنح يحيى وقال بنبرة جافة وهو يخلع جلبابه:
"أنا كلمت المحامي انهارده يا فاطمة.. وكتبت ليكي البيت الصغير اللي على أول البلد باسمك، عشان تأمني مستقبلك، وعشان متبقيش حاسة إنك مللوحة في السرايا هنا واصل."

التفتت إليه فاطمة، ونظرت في عينيه بعزة نفس انكسرت أمامها قسوته، وقالت بهدوء وعاميتها الصعيدية:
"كتر خيرك يا ابن خالي.. بس أنا مكنتش مستنية منك طين ولا بيوت. أنا اللي يهمني كرامتي اللي اتدست في الأرض، وأنت بتجهز للسرايا دي ست تانية، وأنا لسه على ذمتك واقرة في أوضتك."

أشاح يحيى بوجهه عنها، وشعر بوخزة في ضميره، لكنه صلب ملامحه وقال:
"أنا قولتلك من الأول يا بنت الناس.. قلبي مش ملكي، والبنت دي صبَرت عليا كتير ومقدرش أكسر بقلبها. الفرح زمانه قِرب، وأنا عايزك تجهزي نفسك وتجهزي الأوضة اللي في الدور التاني ليها.. مش عايز مشاكل في السرايا واصل."

تركت فاطمة الغرفة وخرجت إلى الشرفة الواسعة لتبكي بحرقة في عتمة الليل. لم تكن تبكي يونس الخائن، بل كانت تبكي هذا الانجذاب السري الذي بدأ ينمو في قلبها تجاه يحيى؛ فكلما رأته يتصرف بشهامة كرجل صعيدي حقيقي، كلما تمنت لو كان هذا القلب النابض في صدره لها وحدها. لكنها الآن مجبرة على إعداد عش الزوجية لضرتها بيديها.

وفي تلك الأثناء، كانت الأنباء قد بدأت تصل إلى القاهرة، لتعلم فريدة بالزواج القريب ليحيى، وتبدأ في التخطيط للعودة إلى الصعيد مع يونس، ليس حباً في العائلة، بل لتشمت في أختها التي ظنت أنها أصبحت سيدة السرايا، لتجدها على وشك أن تصبح زوجة مهجورة.



تعليقات