رواية لولا الغرام ( كاملة جميع الفصول ) بقلم روز امين


 رواية لولا الغرام الفصل الاول 

بسم الله نبدأ
«ما أصفى قلوبنا ونحن في عمر الزهور ، فقد خلقنا الله بأرواحٍ طاهرةً ونفوسًا لا تعرف سوى الحب،ندعو الله في صلواتنا أن يمنحنا السكينةَ ويملؤُ قلوبنا بالسعادةَ والرضا، نناجيه عز وجل أن يجمعنا بأشخاصٍ تأسرنا أرواحهم، تتعلق بهم أفئدتنا،تزهر في حضرتهم ملامحنا، وتأسرنا أدق تفاصيلهم، فنراهن على وجودهم ونكاد نجزم أن الحياة بدونهم مستحيلة،آمِلين أن تسيرُ الحياة على هوى أحلامنا .» 
بقلمي "روز أمين "
_______*_______
«مرهقةٌ هي الحياةُ حين نغادرُ دفءَ الوطن تاركين تجمعات الأهل وضحكاتهم الرنانة، بحثاً عن رغدِ العيش،نتركُ خلفنا كل شيءٍ كان يشبهنا، لنعيشَ حنيناً لا ينتهي وصخبًا بالروح لا يُخمد،وما أجملهُ من شعورٍ حين عودتنا."

في عام ١٩٩٨ ميلاديًا، داخل أراضي المملكة العربية السعودية. 
حالة شديدة من الهرج والمرج داخل المسكن المكون من غرفتين وبهوٍ محدود، وحمامًا وغرفة تحضير الطعام محدودة المساحة، الكل يتسابقُ بحزم أمتعتهم ولملمة أشيائهم الخاصة، بقلوبٍ تتراقصُ ودقاتٍ تتعالى ابتهاجاً بالعودة إلى أحضان الوطن ولقاء الأحبة،اليوم سيطوي السيد «صادق بدران» صفحة سنوات غربته في المملكة العربية السعودية، تلك البلاد الغالية التي قصدها في بداية زواجه سعياً لتحسين أوضاعه المعيشية،فاضطر حينها لوداع وطنه والعمل معلماً للغة العربية، مقابل الحصول على راتبٍ أفضل، وتأمين مستقبلاً زاهراً لنجله «أحمد»ذو الاثنى عشر عاماً، وابنته «دليلة» التي أتمت ربيعها الرابع عشر. 
وطوال تلك السنين،قد تعلّق قلبه شغفاً بتلك الأرض المباركة، ولولا لوعة الاشتياق للأهل والديار، لما ترك تلك الأرض المباركة، التي اختصها الله بمكانة جليلة،السعودية  "مهبط الوحي" ومنبع الرسالة المحمدية التي أضاءت بنورها العالم أجمع،ولا فارق أهلها الكرام،أولئك الذين لم يرى منهم إلا كل طيبٍ ومحمود. 
هتفت زوجته "منى"وهي تتلفتُ من حولها متفقدة المكان للمرة الأخيرة قبل إنطلاقهم إلى مقر المطار: 
-يلا يا صادق، ميعاد الطيارة هيفوتنا. 
-متقلقيش يا حبيبتي،لسه قدامنا وقت.

مر الوقت سريعًا وبعد قليل كان" صادق" يتخذ مقعدهُ في الطائرة هو وأسرته الصغيرة، جلست "دليلة" بجوار النافذة وباتت تتطلعُ من خلف الزجاج إلى السحاب، توسعت بسمتها وهي تشاهد بانبهارٍ عظمة الخالق في ملكوته، فقد أدهشها جمال الأرض وعظمة السماء، ذلك الإبداع الرباني الذي يعجزُ المرء عن إحصائه، ويعجز اللسان عن بلوغ وصفه،فسبحان الذي خلق فأبدع، فأذهل العيون بجمال خلقه،وتبارك الله أحسن الخالقين. 
همس شقيقها باستياءٍ أظهر مدى حزنه الساكن بقلبه: 
-أنا زعلان أوي علشان مش هشوف أصحابي تاني، هو كان لازم بابا يرجع يشتغل في مصر؟، ما احنا كنا مبسوطين هنا. 
وأردف معترضًا بحدة: 
-أنا بحب هنا ومش عاوز أسيب أصحابي يا "دليلة"
ربتت على يد أخيها الوحيد برفقٍ، محاولةً بكلماتها اللطيفة أن تخفف عنه وطأة ما يشعر به من حزن: 
-متزعلش يا" أحمد"، بكرة هيبقى لك أصحاب في مدرستك الجديدة، وتتعود عليهم وكمان تحبهم. 

تبرم باعتراضٍ غير متقبلاً لحديثها، بينما هي كانت أشبهُ بفراشة تحلق بأجنحتها الرقيقة وتتراقصُ من شدة سعادتها،مشتاقةٌ هي لوطنها الأم،لشمسه ونجوم ليله،لربيعه المنعش وصقيع شتائه،لوجوه الناس، ضحكاتهم وحتى همومهم المرتسمة فوق قسمات وجوههم،لأقربائها ومشاعرها المتوهجة لجميعهم،عادت بنظراتها من جديد لتطل عبر نافذة الطائرة وسعادة الدنيا تقفزُ من بين مقلتيها.

تحدث صادق بهدوء إلى زوجته: 
-إن شاءالله هاخد اسبوع راحة،نخلص فيه زياراتنا وعزوماتنا، وبعدين انزل ادور على شغل. 
تطلعت إليه بعينين تشعان رأفة، وهمست حِرصًا عليه: 
-ارتاح لك قد شهر يا حبيبي، انتَ تعبت أوي في تحضيرات السفر وتجهيزات نزولنا، جسمك محتاج راحة يا "صادق". 
-لازم ألاقي مدرسة أتعين فيها قبل ما السنة الجديدة تبدأ يا"منى"، لو كسلت ممكن السنة تروح عليا 
-وايه يعني لما ترتاح سنة في البيت،انتَ تعبت ومن حقك ترتاح...وتابعت:
-والحمدلله احنا حالتنا المادية كويسة.
وضّح لها أسبابه فيما يتعلق بالعمل: 
-هو أنا بشتغل علشان الفلوس بس يا"منى"،يا حبيبتي انا لو قعدت يوم واحد من غير تدريس اموت. 
نطقت بلهفة تجلت بنظراتها الهلعة من مجرد نطقه للكلمة:
-بعد الشر عليك يا" صادق"،متقولش الكلام دا تاني.

إرتسمت على ثغره ابتسامةٍ حانية وهو يطالعها، قبل أن يحتضن كفها بلمساتٍ دافئة،ملأت قلبها بهجةٍ وجعلته يتراقص زهواً. 
       ******
داخل الحرم الجامعي الخاص بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، تحديدًا مبنى (هندسة البترول والتعدين) يقف بجوار بعضًا من أصدقائه، بهيأته الجذابة التي تستقطب قلوب الفتيات وتجعلهن يذُبن به،مزيجًا رائعًا من المظهر الواثق بحاله والشخصية القوية، ملامح حادة وبنية جسدية متناسقة، مع أكتاف عريضة ونظراتٍ ثاقبة لعينيه البنيتين، هكذا كانت مواصفات"رشيد المسيري "الطالب بالفرقة الثالثة كلية هندسة (قسم بترول وتعدين)،كان مندمجًا في الحديث مع أصدقائه غير عابئًا بنظرات من حوله من الفتيات اللواتي تلاحقهُ أينما ذهب،معظمهن كُن معجباتٍ به، ليس لشدة جاذبيته أو جماله المفرط، بل لصفاته الرجولية وصدقه مع الجميع وقوة شخصيته الفريدة، أما هو فلم يهتم بهن،ولما ينشغل بنظراتهن وقلبه قد سكنته إحدى بنات حواء وانتهى الأمر، هي الوحيدة من استطاعت أن تستحوذ على لِبه بل وكيانه بالكامل،" نهلة الخولي"، تلك الجميلة ذات العشرون عامًا، طالبة بالفرقة الثانية بكلية الحقوق جامعة القاهرة، إبنة رجل الأعمال الشهير "منير الخولي"فتاة وحيدة على أربعة أشقاء جميعهم معينون وكلاء بالنيابة العامة المصرية، وبينما كان" رشيد" منشغلاً بالحديث مع أصدقائه، استمع لصوتها الرقيق وهي تناديه بهدوءٍ: 
-"رشيد "
غمز لهُ أحد أصدقائه ويدعي "يحيى عبدالحق"قائلاً بمغزى: 
-كلم يا هندسة. 
لم يعر لتلميحاته اهتمامًا وانطلق صوبها على الفور ليقابلها بابتسامته المعهودة، بينما تابع الأخر بحقدٍ دفين ظهر من خلال كلماته المسمومة: 
-البيه طول الوقت عايش لنا في دور المناضل إبن العامل البسيط اللي جايبها من تحت
ثم حول بصره إلى" رشيد" وفتاته الجميلة، وتابع متهكمًا: 
-وفي الأخر راح رسم الحب على بنت واحد من أكبر رجال الأعمال في البلد، وخلاها تحبه وتتعلق بيه للدرجة اللي بتخليها تسيب محاضراتها كل يوم وتيجي له على هنا، علشان تقعد معاه في كافيتريا العشاق 
وتابع بإبانة:
-علقها بيه علشان لما يتقدم لها يخطبها، أبوها ميقدرش يقف قدام سعادة بنته، وقلبها اللي بقى ملك الباشمهندس الهمام
ابتسم ساخرًا وتابع متهكمًا على صديقه، تحت نظرات جميع زملائهم المستهجنة لكلامه: 
-بالذمة شوفتوا ذكاء وخبث أكتر من كدا ؟. 
بينما هزّ "سامر توفيق"صديق" رشيد" المقرب، رأسه باستسلامٍ أمام خبث تفكير" يحيى" تجاه صديقه،وسرعان ما تدخل ليرد عنه غيبته بكلماتٍ حازمة: 
-إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله دا يا"يحيى"، كلنا عارفين "رشيد" كويس ومتأكدين من أخلاقه، ومتأكدين كمان إن حبه لـ"نهلة الخولي" كان صدفة بحتة، واتولد على إيدي. 

-خليك انتَ كدا مصدق الفيلم الهابط اللي عمله عليك، بإن سهم كيوبيد رشق في قلبه يوم ما كانت السندريلا هتخبطه بعربيتها قدام الجامعة، ونزلت تعتذر له والهلعُ يسكن عينيها،
وابتسم ساخرًا وهو يسترسل حديثهُ المشكك:
-هبل إحنا بقى علشان نصدق العته دا ! 
-مش مطلوب منك أو من غيرك تصدق أو تستنكر يا "يحيى"...ليتابع"سامر "حازمًا: 
-لأن ببساطة الموضوع كله ميخصش حد غير أصحاب الحكاية وبس، وهما يا سيدي مصدقين مشاعرهم ومبسوطين بيها
توقف لبرهة قبل أن ينطق ناصحًا: 
-ياريت يا" يحيى" تطلع "رشيد" من دماغك وتهتم بدراستك أفضل. 
مرر نظراته على الجميع ما وجد إلا الإحتقار والتقليل في نظراتهم،واتهاماتٍ بغيرته العمياء وحقده الدفين تجاه صديقه، واضحة كوضوح الشمس،لذا سارع إلى تعديل نبرته لتحسين صورته أمام زملائه، وتابع بعدما لطف من حدة قوله:
-أنا بتكلم من باب الحرص على صديقي يا شباب، مش عاوزه يسرح بخياله لبعيد وبعدين يتصدم بمرارة الواقع
وتابع بابتسامة جانبية تخفي تشفيه لمجرد تخيل الفكرة: 
-بس للأسف،ساعتها هيكون فات الأوان.

حرك "سامر" رأسه يأسًا وتحرك منسحبًا من المجلس الذي تحول إلى ساحة حرب غير نزيهة لغياب أحد الأطراف.
________
عودة إلى"رشيد" الذي قابلها بابتسامة وأعين يملأها الحنين، لتنطق هي بنبرة تحمل الكثير من الدلال: 
-يعني لو مجتش أنا علشان أشوفك متسألش؟! 
وتابعت ممازحة وهي تبتسم بسحرٍ يخطف الأنفاس: 
-ولا هتتعامل معايا بمبدأ المهندسين يا باشمهندس؟ 
ضيق بين عينيه متعجبًا قبل أن يسألها: 
-ويطلع إيه مبدأ المهندسين دا كمان يا مِتر؟! 
اتخذت وضع الغرور وقد رفعت رأسها وباتت تتحدث بطريقة ساخرة واستحقارٍ مفتعل: 
-مقولتكم الشهيرة، هي الدنيا إيه غير مهندسين، وشوية ناس عاديين. 
لم يستطع كبح قهقهاته التي ارتفعت تحت سعادتها الهائلة، لتنطق مجددًا بعتابٍ مصطنع: 
-يسلام، عجبتك أوي الجملة يا أستاذ! 
-بصراحة شكلك فظيع وانتِ متقمصة دور المهندسين. 
-وحشتني... قالتها بدون مقدمات ليرتجف لها قلبه، ولما لا وهي الحبيبة التي دقت باب القلب وتربعت بالجلوس على قمة عرشه
طالعها بنظراتٍ تهيمُ حنانًا ممتزجًا بعشقٍ هائل متأثرًا باللحظة، وتحدث هامسًا: 
-وانتِ أوي يا عمري. 
أسرت عيناه بنظراتها الهائمة مع ابتسامة ساحرة، مما أربكه وجعله يتحمحم بحرجٍ وهو يشير لها لتسبقه إلى الكافيتريا، جلسا يرتشفان مشروبهما الساخن، وانطلقا كعادتهما في حديثٍ يملأهُ الود والتفاهم، يتبادلان من خلاله تفاصيل يومهما،ويشكلان من أحلامهما المشتركة خارطة لحياةٍ قادمة يتوقان للعيش بداخلها. 
        ******
استقرت طائرة "صادق بدران" وأسرته على أرض مطار القاهرة الدولي،وأخيرًا عادوا لأحضان الوطن،كان بانتظارهم "كمال" زوج "رغدة" شقيقة السيدة "منى "ونجله"وائل" الطالب بالفرقة الأولى كلية الهندسة (قسم بترول وتعدين)، هتفت "منى"وهي تحتضن نجل شقيقتها والتي طالما اعتبرته نجلها البكري: 
-وحشتني يا"وائل"
تطلعت إليه بانبهارٍ وتابعت مشيدة: 
-بس إيه الحلاوة دي كلها يا ولد، ماشاء الله عليك، كبرت وبقيت راجل تملى العين، شكلك اتغير اوي عن آخر مرة شوفتك فيها
أجابها الشاب بابتسامة عفوية: 
-آخر مرة شوفتيني فيها كانت من سنتين يا خالتو، كنت لسه طالب في تانية ثانوي، الوقت أنا في أولى جامعة
ربت "كامل"بحماسٍ زائد على كتف"صادق"وهو يقول: 
-حمدالله على السلامة يا" صادق"، نورتوا البلد
-الله يسلمك يا"كامل"...قالها بهدوءٍ برز من خلال نبراته ليتابع مسترسلاً براحة ارتسمت بقسمات وجهه: 
-يااا، مفيش أحسن من إن الواحد يرجع بلده ويستقر بعد سنين من مرارة الغربة. 
أومأ الرجل بموائمة، ثم استدار يرحب بالصغار بطريقة حماسية وهو يقول: 
-أما تيتا "وفاء" عاملة لكم شوية أكل، هتاكلوا صوابعكم وراه
صفقت الفتاة بحماسٍ بينما لاحظ الرجل إنطفاء ملامح الصغير، فنطق وهو يملس بكفه على شعر رأسه الأسود: 
-مالك يا "حمادة"، مكشر ليه يا حبيبي؟ 
-زعلان علشان سيبنا السعودية...جملة نطقتها" منى" متأثرة لحزن صغيرها الذي ثار معترضًا: 
-أنا مكنتش عاوز أسيب أصحابي يا ماما، ولا مدرستي، ولا المدرسين بتوعي
تنهد "صادق" بمرارة، وقد اعتصر قلبه ألمًا على فلذة كبدهِ الحزين،اقترب منه وانحنى بجسده إلى مستوى الصغير ثم تحدث إليه بحنوٍ علهُ يهدأ ويستكين داخلهُ: 
-مش أنا فهمتك واتفقنا خلاص، وقولت لك ان دي بلدك وبلد أهلك، وكان لازم نستقر هنا في جذورنا
ثم تابع واعدًا بحماس:
- ووعد مني، هقدم لك في مدرسة حلوة أوي، هتتعرف فيها على أصحاب جديدة وهتحبهم. 

صمت الفتى ممتنعًا عن الرد أو حتى ظهور أقل علامات الرضا، فتنهد الأب يائسًا وعاد معتدلاً بوقفته، في حين هتف "وائل" للحد من حزن الصغير ولأخراجه من تلك الحالة المؤلمة: 
-اول ما نروح وتشوف اللي تيتا فوفة عملاهولك، هتنسى أصحابك اللي قاتل نفسك عليهم كدا، وأحتمال تنسى ابوك وامك كمان. 

قهقه الجميع بينما تحمست الفتاة وباتت تسألهُ متلهفة: 
-تيتا شكلها هتدلعنا النهاردة يا "وائل"
أجابها الشاب ليزيد الحماس لديها: 
-يا بنتي دول مقيمين عندكم في البيت بقالهم إسبوع

تكدسوا جميعًا داخل السيارة بعد أن استقلوها، ليتابع "وائل"مسترسلاً حديثه بإبانة:
-فضلوا على إيد العمال اللي جم فرشوا البيت وخلصوه، وبعدها جابوا الشغالة اللي بتساعد ماما نضفت البيت وخلته زي الفل، ومن إمبارح مشوفناش ماما، بايته هي وتيتا عندكم. 

وتابع بما جعل الفتاة تبتلع ريقها بتشهي:
- عمالين يطبخوا ويصنفوا، إيشي حمام محشي بالرز واشي بالفريك، وصواني المكرونة والجلاش، دا غير البط والمحاشي المشكلة 
إنطلق كامل بالسيارة وأتجه بطريقه باتجاه منزل "صادق بدران" الجديد، حيث كان يبعث المال لزوج شقيقته الكبرى"فاطمة"السيد"عزام المهدي"وهو من قام بالإشراف على جميع الإنشاءات، بدايةً من البناء حتى أصبح المنزل جاهزًا للعيش برغد داخلهُ، بعد مدة توقفت السيارة داخل حديقة المنزل،وكانت بانتظارهما السيدة "وفاء" وابنتها"رغدة"، هرولت "منى"إليهما وقبل أن تتطلع على منزلها الجديد، فضلت الإرتماء في أحضان والدتها الحنون لتطفىء نار اشتياق عامين بالكامل،كانت تقف تنتظر عناق شقيقتها ولما طال انتظارها، جذبتها من أحضان والدتهما وهي تقول بمزاحٍ مختلط بلهفة الاشتياق: 
-ما كفاية أحضان يا ست ماما، خليني أخد فرصتي. 

تبادل الجميع الضحكات في حين هرولت" دليلة" لترتمي داخل أحضان جدتها لأمها والتي كانت تكِنُ لها قدرًا كبيرًا من الحب والإحترام، حاوطت السيدة وجنتي حفيدتها وتحدثت بنبرة يقطرُ منها الحنان: 
-ماشاء الله عليكِ يا"دليلة"، كبرتي وبقيتي زي القمر. 
-وحشتيني أوي يا تيتا
-وانتِ كمان يا حبيبتي...ثم اعتدلت والتفتت إلى زوج ابنتها الذي أقبل عليها واحتضنها بودٍ، ربتت على ظهرهِ بحنوٍ ثم أشارت للداخل وهي تقول: 
-يلا ادخلوا،دا أنا عاملة لكم شوية محشي مشكلين،هتاكلوا صوابعكم وراهم. 
هتفت الصغيرة وهي تقفزُ وتتفقدُ الحديقة بمرحٍ والسعادةُ تقفزُ من بين عينيها: 
-الجنينة حلوة أوي يا بابا
وقد تغلب الحماس على صوتها وهي تُشيرُ على إحدى الأركان: 
-بس ناقصها مرجيحة هنا 
-من عنيا يا حبيبتي، بكرة أخدك معايا إنتِ و"أحمد"، واختاروا المرجيحة اللي تعجبكم
نطقت الأم برجاءٍ ظهر بمقلتيها وهي تتحدث إلى زوجها بتمني: 
-وأنا عاوزة كرسي هزاز في أوضتي يا "صادق" لو سمحت
-إنتِ تؤمري يا "منى"...قالها بأعين تشعُ امتنانًا وتابع بكثيرًا من الود لرفيقة دربهِ التي شاركته رحلة كفاحه دون كللٍ أو ملل، وتركت حضن الأهل ودفيء الوطن وذاقت مرارة الغربة من أجل بناء مستقبل أفضل لطفليهما : 
-كل اللي تؤمري بيه يجي لك فورًا يا أم"أحمد" 
توردت وجنتيها وتصبغت باللون الأحمر خجلاً من نظراته المشعة بالغرام، وما زاد من شعور الخجل لديها هي نظرات الجميع التي تصوبت تجاههما،فبرغم مرور الكثير من السنوات على زواجهما،مازالت نار قصة غرامهما التي تغنى بها الجميع مشتعلة لم تنطفيء، نطقت والدتها كي تعفيها شعور الحرج: 
-ادخلوا علشان تاكلو الأول، وبعدين ابقوا اتفرجوا على البيت براحتكم، وشوفوا النواقص. 
انسحب الجميع للداخل تحت سعادة "منى"التي دارت تتفقد منزلُ أحلامها التي شيدته كما تمنت منذ أن اشترى زوجها قطعة الأرض التي تحولت بصبر السنين إلى منزل أحلامهما. 
         ******
بمدينة أخرى داخل جمهورية مصر العربية،تحديدًا مدينة« المنصورة»،داخل منزل يتسمُ بالعراقة مكون من طابقين، داخل الفيراندا الخاصة بالمنزل،تجلس إمرأة في العقد السادس من عمرها،إنها السيدة"رُقية" يبدو عليها الجدية من خلال قسمات وجهها الحادة، ترتدي جلبابًا باللون الأسود ووشاحًا بنفس اللون حدادًا على زوجها الذي توفى منذ أكثر من ثلاثون عامًا،فقد دفنت شبابها معهُ ورفصت عروض الزواج العديدة التي قُدمت لها كأرملة شابة جميلة، وهبت شبابها لتربية أولادها الخمسة،وترتيبهم كالأتي من الأكبر للأصغر سنًا
"فاطمة"متزوجة من السيد"عزام المهدي "منذ أن كان والدها حيًا يُرزق، لديها ولدان،" علي"يبلغ من العمر ثمانية وعشرون عامًا،والصغير"أشرف" صاحب الأربع وعشرون عامًا 
الإبنة الثانية"عايدة بدران"متزوجة ولديها أيضًا ولدان
الإبن الثالث"محمد بدران"متزوج ولديه إبنتان وولد،مقيم داخل القاهرة بعدما ترك المنصورة منذ أن تزوج
الإبن الرابع"صادق بدران"توفى والده وهو بسن العاشرة من عمره، وقد ساعد في تربيته زوج شقيقته الكبرى السيد "عزام المهدي "، فقد كان" صادق" يحترمه ويقضي معظم وقته في منزله الخاص به وبـ"فاطمة"، كي يساعده في المذاكرة. 
والإبنة الصغرى "أماني"التي حظيت بمكانة خاصة في قلب" صادق" لكونها الابنة الصغرى، ولأن يُتمَها المُبكر جعلها أحوج ما تكون لعطف ورعاية الجميع،هي أيضًا متزوجة ولديها أبناء.

تتوسط السيدة بجلوسها إحدى الأرائك الخشبية، تجاورها الجلوس بناتها الثلاثة،كان وجهها مكفهرًا للحد الذي جعل بناتها تخشى حتى الحديث معها،فقد جعل منها وفاة زوجها المبكر إمرأة قوية متسلطة ذات قلبًا قاسيًا حتى على نفسها، لم تكن هكذا في حياة زوجها، لكنها بعد وفاته وجدت نفسها وحيدة ومطالبة بأن تكون السند والدعم والرجل لأولادها الخمسة، وحماية ميراثهم من أراضي زراعية ومنزلاً مبني على مساحة أرض واسعة، فما كان أمامها خيارًا للتحول الجذري، وإلا نهشتهم الذئاب البشرية.

هتفت بعينين تقدحان شرارًا من شدة الغضب: 
-مين يقول إن ابني اللي تعبت وظهري اتقطم على تربيته، يأمن الغريب على حاله وماله ويخَون أهله

حزنت "فاطمة"لأجل حزن والدتها لكن بالوقت ذاته لم يرق لها ظلمها البين لشقيقها وتهويلها لما حدث:
-هو إيه بس اللي حصل لعمايلك دي كلها يا ماما؟!

إحترق داخل المرأة من دفاع ابنتها وهتفت غاضبة: 
-وانتِ كنتي عاوزة إيه يحصل أكتر من كدا يا ست" فاطمة"؟،دا مهنش عليه يبعت لي استناه في بيته زي الست حماته
أشارت على حالها باستنكارٍا: 
-بقى أنا أبقى قاعدة هنا في المنصورة زي خيبتهم، وحماته الغريبة، هي اللي قاعدة في بيت ابني هي وبنتها، وعمالة تتصرف ولا كأن البيت ببت أبوهم
وتابعت بحدة مسترسلة:
-والبيه أخوكِ يستأمن جوز أختها ويبعت له الفلوس ويخليه يفرش البيت ويجهزه على ذوقه،طب كان بعت الفلوس للحاج"عزام"وهو كان اتصرف،دا حتى هو اللي مربيه على ايده ويخاف على ماله زي عنيه، 
ولا حتى كان بعتها لاخوه 

دافعت فاطمة عن شقيقها مرةً أخرى، وراحت تشرح ما حدث: 
-على فكرة يا ماما، انتِ مكبرة الموضوع أوي،"صادق"هو اللي اختار كل الفرش على ذوقه هو ومراته من وقت اجازتهم اللي فاتت، وحول الفلوس لعديله، علشان يشرف على العمال اللي هيجيبوا الحاجة ويرصوها

لطالما لم تتقبل "عايدة" الشقيقة الوسطى زوجة شقيقها "منى"، ولطالما رأتها شخصية متكبرة وتنظر لهم بترفعِ واستنكار، نظرًا لكونها إبنة المدينة"القاهرة" وهم أبناء القرية، لذا قررت مساندة والدتها في الهجوم على شقيقها، لتقول بنيةٍ ليست ببريئة: 
-وهو اخوكِ "محمد" مكنش هيعرف يعمل كدا يا "فيفي"؟!
وتابعت بحدة:
- بصراحة كدا، ماما معاها حق في زعلها
ردت" فاطمة" بما يمليه عليها ضميرها الحي: 
-متغلطيش نفسك وتقولي كلام انتِ من جواكي عارفة انه مكنش هيحصل يا "عايدة"، كلنا عارفين ان" محمد" أخوكِ طول عمره براوي ومبيساعدش حد، "محمد" قافل ومكفي حياته على مراته وعياله وبس. 
قررت "أماني" التدخل لمساندة شقيقتها الكبرى وتهدئة غضب والدتهم، فقالت محاولةً تلطيف الأجواء:
-أنا مش فاهمة انتم مكبرين الموضوع ليه، هو مش "صادق"قال إنه جاي بعد بكرة، وهيقعد معانا إسبوع هو وولاده؟
أشاحت"رقية" بكفيها وبلكنة ساخطة نطقت معترضة: 
-هييجي بعد إيه،بعد ما خلى لحماته تبرطع في بيته وتوضبه على مزاجها؟!، بيته اللي أنا أمه مشفتهوش لحد الوقت؟! 
واستطردت في حديثها بانفعالٍ، والشرر يتطاير من عينيها المشتعلتين:
-زمانها قاعدة هي واللي ما تتسمى "رغدة" فاتحين الشُنط وبيختاروا الهدايا الحلوة لنفسهم، وهيسبولنا اللي يفيض منهم، ما أنا لو ابني تربية أمه بجد، كان جه من المطار بشنطه على هنا

-والله يا ماما انتِ واجعة قلبك على الفاضي، "صادق" لا جايب معاه هدايا ولا أي حاجة، ريحي نفسك بقى
سألتها وعيناها تفيضان بالشك: 
-وانتِ عرفتي منين الكلام دا يا "فيفي"؟! 
أجابتها بيقينٍ أنهى شكوكها وأراحَ فكرها: 
-"صادق" بنفسه هو اللي قايلهولي يا ماما
تأففت "عايدة"، ثم تمتمت بمرارة ممتزجة باعتراضٍ: 
-يعني حتى الهدية اللي بيجيبها لنا كل كام سنة، استخسرتها مراته فينا. 

-لا حول ولاقوة إلا بالله، حد جاب سيرة إنه مش هيجيب لكم هدايا يا" عايدة"؟!،ولا انتِ عاوزة تشعللي الدنيا وخلاص! 
قاطعتها الأخرى باستهجانٍ:
-مش انتِ يا بنتي اللي لسه قايلة؟!،ولا أنا بتبلى عليه لا سمح الله!
استجمعت هدوئها بنفسٍ عميق، ثم شرعت في إبلاغهم بما دار بينها هي وشقيقها سابقًا عبر الهاتف: 
-هو قرر يجيب من مصر علشان الأذواق بتختلف في الخليج عننا، قالي لما ييجي المنصورة هياخدني أنا وانتِ و"أماني"،وننزل المدينة وننقي بنفسنا للكل، وكمان علشان المقاسات تيجي مظبوطة
وتابعت: 
-وكتر ألف خيره، قالي نقي براحتك انتِ واخواتك وهاتوا كل اللي انتوا عاوزينه

-يا حبيبي يا "صادق"... جملة خرجت حروفها متلهفة مع لمعة شديدة بالعينين توحي بمدى حبورها،مما جعل" أماني" و"فيفي" تتبادلن النظرات المتعجبة ومن ثم أطلقن الضحكات الساخرة على تلك المرأة التي تحولت بلحظة إلى النقيض. 
تجاهلت السيدة حديث بناتها عن الهدايا وتحدثت بجدية إلى ابنتها الكُبرى وقد تجلى الحنينُ بمقلتيها وازداد الحماس بصوتها: 
-خلينا في المهم، انتوا التلاتة تفضوا نفسكم من بكرة وتجولي بعد الظهر، علشان تنضفوا الطيور وتجهزوا المحاشي علشان أخوكم
وجهت حديثها إلى" فاطمة": 
-وانتِ يا "فيفي"، خلي الحاج "عزام "يعمل حسابه، علشان ييجي يدبح لي الخروف الكبير هو و"علي "علشان" صادق "وعياله
لامتها" عايدة" بمزاحٍ أرادت من خلاله تلطيف الأجواء: 
-هتدبحي الخروف اللي مربياه للأضحية علشان "صادق" يا ماما؟ 
وتابعت مسترسلة بمشاكسة: 
-دا أنا باجي أقعد معاكِ اليوم بطوله، عمرك ما فكرتي تدبحي لي فرخة حتى. 

استنكرت السيدة حديث ابنتها وتحدثت بجدية: 
-أنا يا "عايدة"، يخونك البط والوز اللي بعملهولك كل ما تيجي، إذا كنتي انتِ ولا أخواتك البنات يا بِت؟!  

مالت عليها" أماني" واحتضنتها وهي تقول: 
-"عايدة"بتهزر معاكِ يا ست الكل
وتابعت مشيدة بشدة كرم والدتها: 
-دا انتِ البلد كلها بتشهد بكرمك وحسن استقبالك لأي حد يدخل عليكِ يا حاجة. 
نطقت "فاطمة" بصوتٍ مختنق: 
-دا "أشرف" هيتقهر يا حبيبي لما يعرف إن خاله جه وهو مش هنا، ما انتوا عارفين، "علي" و"أشرف" بيعشقوا خالهم "صادق" وبيعتبروه أخوهم الكبير 

عقبت "أماني": 
-وايه اللي يقهره كفانا الشر يا أبلة، لما ينزل أجازته ان شاءالله يبقى ينزل على خاله في القاهرة ويقعد معاه يومين. 

******
داخل منزلًا ذو مساحة شاسعة، يتسم بالفخامة ويبدوا على ساكنيه الرفاهية، ولجت"نهلة الخولي"وهي تقود سيارتها الفارهة وتتحرك بسلاسة داخل تلك الحديقة المنمقة، بعدما استقبلها الحارس المسؤل عن أمن المنزل وقدم لها التحية، ترجلت من السيارة ليستقلها على الفور أحد العمال ويصفها بالمكان المخصص لها، ولچت من بوابة المنزل الداخلية لتجد والدتها تجلسُ بشموخ إمرأةً من الطبقة الأرستقراطية، واضعة ساقًا فوق الأخرى بكبرياءٍ،إنها "راندا أبو المجد " تجاورها زوجة نجلها البكري "مايا العدل" 
تمتمت الفتاة بصوتٍ فاقدًا للحماس: 
-هاي
-حمدالله على السلامة يا "نانا"
-الله يسلمك يا مامي. 
سألتها زوجة شقيقها باستغراب: 
-جاية بدري النهاردة، مش عوايدك؟ 

بابتسامة هادئة أجابتها: 
-لقيت نفسي مصدعة فاعتذرت عن المحاضرة الأخيرة
بلكنة حادة لا تقبل النقاش هتفت السيدة"راندا"بتنويه: 
-مرة تانية متفوتيش محاضراتك تحت أي ظروف،ودايمًا فكري نفسك إنك لازم تطلعي بتقدير إمتياز كل سنة، إنتِ مش مجرد طالبة في الحقوق هتاخدي الليسانس وتقعدي في البيت, ولا هتمارسي بيها المحاماة 
رفعت رأسها لأعلى بكبرياءٍ لتتابع مسترسلة بغرورٍ هائل: 
-إنتِ هتكملي مسيرة إخواتك وتنضمي معاهم للسلك النيابي 
لم تعطي للفتاة مجالاً للرد وتابعت أوامرها بجدية : 
-إطلعي بسرعة غيري هدومك،اخواتك خلاص على وصول
نظرت إلى ساعة يدها الفخمة لتتفقد الوقت وهي تقول : 
-ربع ساعة بالظبط والغدا هيكون جاهز
بهدوءٍ شديد انسحبت الفتاة إلى الطابق العلوي باتجاه غرفتها الخاصة، أغلقت الباب وزفرت بقوةٍ ويأس يملؤ صدرها، كم تطوق نفسها للفرار من هذا السجن وتلك السجانة، نعم، فبرغم مساحة المنزل الجبارة إلا أنها تشعر بأن جدرانه تطبق على صدرها بل وتكادُ تزهق بروحها،كان من المفترض بما أنها الفتاة الوحيدة بهذا المنزل أن تحظى بدلالٍ هائل من الجميع،العكس تمامًا هو ما تعيشه في واقعها،فأشقائها الأربعة أفئدتهم لا تقل قساوةً عن والدتهم، إلا من والدها هو الوحيد الذي يشعرها بحنانه ولكن أيضًا بحدود، إمتثالاً لجملة والدتها التي ترددها دومًا،«كثرة الدلال تفسد الفتيات وتجعلهن يتمردن، ويضعف قدرتهن على تحمل المسؤولية.» 
بعد قليل نزلت من أعلى الدرج لتجد والدها يخرج من غرفة المكتب في طريقه إلى غرفة الطعام،وما أن رأها حتى انفرجت أساريره لتقبل هي عليه مهللة:
-حمدالله على السلامة يا بابا
دللها ببعضًا من جمله المحفزة التي ينثرها بها دومًا: 
-دا إيه الجمال دا كله،معقولة القمر دي تبقى بنتي أنا

أُنير وجهها بإبتسامة ساحرة زادت من جمالها، طوقها بذراعه وتحركا صوب الغرفة، ولچا لينتفض أشقائها الأربعة من فوق مقاعدهم إحترامًا وتقديرًا لذاك الأب العظيم، ابتسم بحبورٍ ظهر على وجهه وهو يقول: 
-حمدالله على سلامة وحوشي 
طالعهم بفخرٍ وسعادة تجلت بنظراته، ولما لا، أربعة رجال جميعهم وكلاء للنائب العام، أجسادهم رياضية وبصحة جيدة،من لديه هؤلاء رجال ولا يفتخر بهم ويحمد الله عليهم،بينما اختلف الأمر حيال تلك التي تستند بكبرياءٍ خلف مقعدها وتطالع أنجالها بكثيرًا من الغرور والكبرياء،أشار السيد للجميع فاتخذ كلًا منهم مقعده، بينما ترأس هو الطاولة،بدأ العاملون بسكب الطعام بتروي واحترام، تطلع الشقيق الأكبر "سامح" إلى شقيقته وسألها: 
-عاملة ايه في دراستك يا "نهلة"؟ 
ليته سألها عن حالها، تطلعت لوجوه من يجتمعون حول تلك الطاولة،لتهاجم عقلها الكثير من الأسئلة المنطقية،مثل
ما بال هذه العائلة لا ترى مني سوى تحصيلي الدراسي؟ ألم يخطر ببال أحدهم يومًا أن يسألني عن حالي، كيف أشعر؟ أو ماذا ينقص قلبي لتكتمل سعادتي؟ لما لا يشعرون بوجودي كفتاة لها الحق في اختيار قراراتها المنفصلة عنهم
جالت بنظراتها بين الوجوه ليصرخ داخلها بما لم يستطع لسانها نطقهُ: 
-أنظروا لي، أنا إنسانة لديها مشاعرًا تتوق لمن يلتفت إليها ويرعاها. 
فاقت على صوت زوجة شقيقها وهي تنبهها: 
-"نهلة"، "سامح"بيكلمك، إنتِ مش سمعاه ولا إيه؟! 
سحبت نفسًا عميقًا كأنها تزيح به جبلًا عن صدرها، ثم أستقرت ببصرها نحو صحن طعامها، بدأت تعبث بالطعام بشوكتها في عشوائية، وبصوتٍ هامس ووجهٍ عابس تمتمت: 
-كويسة،كويسة يا سيادة المستشار 
مضغ والدها ما في فمه من طعام ثم تحدث إليها بحنوٍ: 
-شدي حيلك وخلصي كليتك، ومكانك محفوظ معايا في الشركة 
بسمة هادئة زينت محياها ليفزعها صوت والدتها الهادر: 
-شركة إيه اللي هتشتغل فيها يا" منير"، "نهلة" هتتعين في النيابة مع إخواتها
استقرت ببصرها فوق الفتاة وبنظراتٍ تقييمية تمتمت برأسٍ مرفوع: 
-أمال أنا كنت بدخلها حقوق ليه؟! ما كنا دخلناها تجارة إنجليزي، على الأقل تبقى دارسة المجال اللي هتشتغل فيه 
-طب مش تسألي صاحبة الشأن بدل ما تقرري بالنيابة عنها يا"راندا"؟!... سؤالاً مستنكرًا ألقاه "منير" على مسامع زوجته، لتجيب بكل عنجهية متجاهلة رغبة الفتاة: 
-أنا أدرى بمصلحة بنتي يا "منير"
نقلت نظراتها إلى الفتاة وتحدثت ىابتسامة هادئة: 
-"نهلة"عارفة أنا قد إيه بحبها وعاوزة مصلحتها،وهي بنفسها حابة تكمل مسيرة إخواتها، مش كدا ولا إيه يا نانا؟ 
اكتفت بإيماءة بسيطة وشبه إبتسامة باهتة، ليتابع الجميع تناول طعامه، منغمسين في أحاديثهم الشاملة وكل شيء يخص حياتهم. 
             *****
عودة من جديد إلى مدينة المنصورة
استند إلى سور شرفة حجرته المطلة على الحديقة، ممسكًا بهاتف المنزل ذو السلك الطويل،وللذي يمتد لامتارًا، يهمس لخطيبته بنبرةٍ تفيض عشقًا وهيامًا: 
-إمتى بقى ويخلصوا الكام شهر اللي ابوكِ محددهم علشان نتجوز ، أنا خلاص، مش قادر أتحمل بعدك عني أكتر من كدا،شوية كمان وهتجوز على روحي يا ناس. 
وأردف متأففًا من لوعة فؤاده تحت ضحكاتها: 
-أنا مش فاهم هو ليه قاصد يتعبنا معاه بالشكل دا،ما الشقة وكل حاجة طلبها جاهزة ؟! 

همست بدفاعٍ رقيق عن والدها،ولتخفف من حدة غضب حبيبها وتهدئ من روعه: 
-يا حبيبي أصبر شوية، بابا مش قاصد يضايقك والله، هو بس بيحبني ونفسه يفرحني، هو قال لي انه عاوز يدخلني وأنا مش ناقصني أي حاجة
وتابعت بدلالٍ مقصود: 
-ولا انت عاوز حد من عيلتك يضايقني بكلمة كدا ولا كدا، أصبر يا حبيبي، هانت مفاضلش غير أربع شهور مفيش غيرهم. 
استطاعت بكلماتها أن تُسكن لوعته وتهدأ روحه،كاد أن يجيبها لولا أنه انتفض فزعًا واتسعت عيناه بذهولٍ إثر اقتحام والدته الغرفة صائحة بصوتٍ يرتجف قلقًا: 
-اتصلي باخوك حالاً يا " علي" 
وتابعت بانزعاجٍ تجلى بنظراتها: 
-قلبي متوغوش عليه من الصبح ومش مرتاحة

-ومفيش مرة قلبك يتوغوش عليا ويقول لك اني هقطع الخلف بسبب أم دخلاتك عليا دي يا "فيفي"؟! 

انطلقت ضحكات "داليا" لتصل لحد القهقهة، ليتابع هو بطريقة درامية: 
-حرام عليكِ يا ماما، دنا لسه مدخلتش دنيا ولا حتى شوفتها. 
اقبلت عليه لتنطق بنبرة متهكمة: 
-بطل رغي يا ولا واقفل على النحنوحة بتاعتك وكلم لي اخوك،على فكرة، أبوك لسه كان بيصرخ بسبب فاتورة الشهر اللي فات يا حيلتها
-يا ستي هحاسب أنا الشهر دا، مرضية كدا يا فيفي؟! 

-بطل هزار يا "علي"، واتصلي باخوك... وتابعت بجدية: 
-وقبل ما تقفل مع"داليا" سلم لي عليها
مازحت والدة خطيبها بكلماتٍ لطيفة: 
-والله كتر خيرك إنك أخيرًا أخدتي بالك من وجودي يا  "فيفي"هانم. 

همس"علي"وهو ينبهها:
-إتلمي يا بت، صوت السماعة عالي وممكن تسمعك. 

             *****
في قلب القاهرة،تحديدًا داخل أحد الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان، داخل عالم مغاير تمامًا يضج بالتناقضات عما سبق، حيث الشوارع المتهالكة والمنازل المتواضعة، كانت أصوات ضحكات الأطفال وصخب كُراتهم وهي ترتطم بالأرض تملأ المكان حياةً وتعطيه روحًا ورونقًا خاصًا، وسط الزحام كان يشق طريقه نحو بيته بخطىىً ثابتة، لا تمر خطوة دون أن يتبادل فيها التحية مع جيرانه، فجميع سكان الحارة تعرفه فهو من أبنائها البارين، وصل إلى منزله المتواضع والمكون من ثلاثة طوابق، ورثه والده عن أبيه، الطابق الأول مقرًا للعائلة المكونة من الأب السيد "عبدالرحمن المسيري " ذاك العامل البسيط في إحدى الهيئات الحكومية، والأم السيدة"سامية"ربة منزل، وثلاثة أشقاء ترتيبه بينهما الاوسط، أكبرهم"كريم"الذي يكبر "رشيد" بعامين،بينما الثالثة فتاة "بسمة" بالسادسة عشر من عمرها ، بالصف الثاني الثانوي العام،يسكن الجميع بذاك الطابق،بينما الثاني والثالث مخصص للشابين بعد زواجهما في المستقبل ، ولج من باب الشقة وجد والدته تضع أطباق الطعام فوق الطاولة التي تتوسط تلك الصالة البسيطة، مال بطوله عليها يضع قبلة حنون فوق وجنتها وهو يقول: 
-مساء الفل على ست قلبي وست الناس
إبتسامة خجولة ملأت وجه تلك السيدة البسبطة التي تحدثت بابتسامة هادئة: 
-ربنا يحظك يا "رشيد" يا ابني، ويسعدك ويفرح قلبك يا حبيبي، واشوفك أعلى الناس وأحسنهم يارب 
احتضنها مدللاً إياها بكلماته المعسولة: 
-ويخليكِ ليا يا سمسم يا قمر انتِ
صدحت ضحكتها متمتمة بحياءٍ تربت عليه: 
-يا واد اختشي لابوك يطلع من الحمام وانتَ بتقولي كدا 
قهقه عاليًا وهو يدللها: 
-طب يطلع بس الحاج، وأنا أعلمه الدلع على أصوله بيبقى ازاي
-انتِ جيت يا "رشيد"
إلتفت ناحية الصوت ليرى والده يجفف ذراعيه بالمنشفة، أقبل عليه ليقبل كتفه احترامًا وإجلالاً،ليربت الرجل على رأسه متمتمًا بخفوت: 
-يلا اتوضى بسرعة وتعالى نصلي العصر سوا، على ما أمك تغرف الأكل 
أومأ له وبعد قليل كانوا يجتمعون حول طاولة الطعام،بدأت الأم بسكب شوربة"العدس"ثم تطلعت إلى نجلها وهي تقول:
-هات طبقك يا "رشيد" علشان أغرف لك.
ناولها صحنه وابتسامة رضا فوق ثغره،ما أن تناول إحدى اللُقيمات المنغمسة بهذا الحساء الثقيل حتى أغمض عينيه وهو يتذوق باستمتاعٍ ظهر على ملامحه ليتمتم:
-ياسلام على العدس من أديكي يا ست الكل،احلى واحدة تعمل عدس في مصر كلها،تسلم إيدك وعيونك. 
تبرمت"بسمة"بدعابة: 
-بلاش وحياتك تُشكر في العدس أوي كدا،حاكم ماما اللي يشكر في أكلة من اكلاتها، تمسك فيها اسبوع بحاله على ما تنقل على غيرها 
تعالت القهقهات بينما لامتها والدتها: 
-ماله العدس يا بت، فضل ونعمة ربنا يديمها علينا

مازحها "كريم" وهو يلوك لقمته: 
-بلاش الدعوة دي أبوس إيدك،العملية مش ناقصة نافخة قولون
وتابع وهو يُشير لشقيقه: 
-ناولني بصلاية خضرا من اللي قدامك دي يا "رشيد" 
تدخل والده ليجاريهم في الحوار قائلاً بفخر:
- العدس اللي مش عاجبك دا بيصنع رجالة،وياما خرج وحوش تقرقش الزلط من الجيش 

داعب والده بفكاهة أدخلت الجميع في نوبة من الضحك : 
-وهو انا علشان ربنا كرمني وأخدت إعفا من الجيش، تقوم تجيبهولي لحد عندي يا حاج؟. 

تحدثت والدته بلومٍ: 
-لو مش عاجبك العدس شخلل جيبك وأنا أعمل لك المحمر والمشمر،قال على رأي المثل،اطبخي يا جارية كلف يا سيدي
رفع كتفيه بقلة حيلة وتمتم:
-منين بس يا حاجة،ما كل حاجة على يدك، دانا حتة محاسب غلبان في شركة فكسانة،اللي جاي يدوب على قد المواصلات والقهوة والشاي،واللي بيفيض يدوب ملاليم، بساعد بيها هنا  
حول بصره إلى "رشيد" الذي يتناول طعامه بهدوء،ليغمز بعينيه مسترسلاً:
- الليلة الحلوة دي على الباشمهندس، الأمل كله فيه هو، يأكلنا المحمر والمشمر اللي بتقولي عليه
ثم مازحها متسائلاً: 
-ألا بالمناسبة يا ماما، المحمر وكلنا عارفينه، لكن يطلع إيه المشمر دا؟! 

رفعت كتفيها في حيرة وتمتمت: 
-والنبي يا ابني ما أعرف، أهو طلعنا لقينا أهالينا بيقولوها كدا، المحمر والمشمر 

تعالت القهقهات وصدحت بين جدران المنزل الذي يأج بالسعادة والرضا رغم ضيق الحال. 

             *****
داخل إحدى وحدات التدريب التابعة للجيش المصري،يتسطح فوق سريره الصغير بالحجرة المشتركة مع زملائه،واضعًا رأسه فوق ذراعيه المشبوكتين خلفه،مثبتًا بصره في سقف الحجرة ويبدوا على ملامحه الإنزعاج،اقتحم لحظات خصوصيته أحد المجندين حيث جاوره الجلوس متسائلاً:
-مالك يا "أشرف"، شايل طاجن ستك ليه ؟ 
أطلق تنهيدة حارة قبل أن يتمتم باستياءٍ: 
-أخويا كلمني من شوية وبلغني إن خالي رايح المنصورة بكرة، وهيقعد كام يوم هناك 
تنهد بأسى قبل ان يسترسل: 
-كان نفسي أكون هناك واستقبله بنفسي

سأله الأخر بجبينٍ مقطب: 
-هو خالك مش عايش معاكم في المنصورة ولا إيه؟ 

اعتدل في جلسته مسنداً ظهره إلى خلفية السرير، ثم تحدث بجدية: 
-كان بيشتغل مدرس في السعودية ومنزلش أجازة من سنتين 
-وهو دا اللي مضايقك،يا سيدي لما تنزل أحازة خليه ينزل المنصورة تاني، ويقعد معاك كام يوم اشبع فيهم منه. 
تمتم بخفوتٍ وشرود: 
-ربنا يسهل إن شاء الله. 
              *****
إنسحبت خيوط النهار وتوارت في خجلٍ، لتشرع السماء في إسبال ستائرها السوداء بنعومة،وتغطي الكون بوشاحٍ من السكينة والوقار،
وقفت في شرفتها الخاصة متشبثةً بسورها، وأطلقت العنان لنظراتها لتجوب المكان، متأملةً تلك الزهرات التي تزين الحديقة بألوانها وأنواعها المختلفة ، اغمضت عينيها وبدأت تتنفسُ بانتظامٍ للحصول على بعضًا من السكينة استعدادًا لموعدها اليومي،استمرت على هذا الوضع ما يقارب من العشرة دقائق،ارتسمت على ثغرها ابتسامة هادئة لتنسحب إلى الداخل تزامنًا مع دقات الساعة التي أعلنت للتو تمام الحادية عشرة مساءًا،جلست على مقعدها الملاصق للسَرير، بسطت كفها إلى تلك الطاولة الصغيرة وأمسكت هاتفها المحمول صغير الحجم، حيث كانت بداية دخوله إلى مصر في العام 1996،ولم يكن متاحًا حينها للجميع لغلاء سعره في هذا الوقت،انتفض قلبها بسعادة ولما لا،فقد حان الأن الموعد المحدد للمكالمة اليومية المتفق عليها بينها وبين من رَق له القلب ودَق، ضغطت على زرائر الهاتف لترتفع دقات قلبها مع استماعها لصوت الرنين، وما هي إلا ثواني وكان صوته الحنون يردد،حيث كان يجلس على سريره ممُسكًا الهاتف المنزلي وبانتظار حديثهما الممتع: 
-ألو
أرادت أن تبدأ المكالمة بمشاكسة لطيفة وهي تعاتبه: 
-مفيش مرة تفرحني وترد عليا وانتَ بتقول لي ايوا يا حبيبتي
مطت شفتيها وتابعت مشاكسته بدلالٍ راق له، وتلاعبت بكلماتها على أوتار قلبه:
- كله ألو، ألو، زي ما تكون بتكلم واحد صاحبك، مش حبيبتك ونور عيونك. 
بصوتٍ هامس كي لا يستمع إليه أيًا من عائلته في الخارج، تمتم بابتسامة زادت من وسامته: 
-ما أنا لو ضامن ان انتِ اللي على التليفون مش حد تاني، كنتي هتشوفي الدلال كله
تحولت ملامحها لحادة من شدة غيرتها عليه، لينطلق صوتها جادًا: 
-وانت بقى بترد على مين غيري في الوقت دا يا باشمهندس؟! 

أراد أن يشعل قلبها ويرى نار غيرتها التي طالما أرضت غرور رجولته، وطمأنت قلبه على مكانته بلُبها،تمتم ببرودٍ أشعلها:
- كتيــــــــر، متعديش يا نانا
-رشيــــــد...قالتها بلكنة تهديدية،وتابعت بصوتٍ مختنق بفضل الدموع التي تكونت بمقلتيها:
- إوعى تلعب معايا اللعبة دي، أنا قلبي مش متحمل هزارك دا النهاردة 
انزعج من صوتها ليسألها سريعًا: 
-مالك يا حبيبتي، فيكِ إيه طمنيني؟! 

-متضايقة شوية وكنت عاوزاك تنسيني زعلي

ابتسم يجيبها بحنان: 
-بس كدا، دانا هنسيكِ إسمك مش بس زعلك. 
رق قلبها وبصوت فتاةٍ عاشقة حتى النخاع همست: 
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي، وميحرمنيش منك ابدًا
-ويخليكِ ليا يا قلبي 
سألته متأففة: 
-مش ناوي تجيب تليفون محمول علشان نتكلم براحتنا
وتابعت مبررة انزعاجها: 
-مش عاجبني إنك بترد عليا وانتَ مش عارف مين معاك
-إن شاء الله بعد ما اتخرج واشتغل، وعد مني هجيبه بأول مرتب ليا كـ مهندس بترول. 
-وأنا لسه هستنى كل دا يا "رشيد"؟ 
قالتها بتأففٍ، ثم صمتت تفكر في أمرٍ ما وعلى حين غِرةٍ تابعت هاتفة بحماسٍ زائد: 
-طب أنا عندي فكرة هايلة، وهتوفر علينا الوقت، تليفونك هيكون هديتي ليك في عيد ميلادك الشهر الجاي 
قاطع حديثها بحدة قائلًا:
-تبقي كتبتي باديكي شهادة وفاة علاقتنا لو عملتي كدا يا "نهلة"
بدى انكسارها واضحًا في صوتها الحزين بعد أن خيبت كلماته آمالها: 
-انتَ ليه بتعمل كدا يا "رشيد"، هو احنا مش واحد؟! 

-واحد في كل حاجة إلا في الفلوس... ثم حسم الأمر بكلمة واحدة أنهت النقاش: 
-الموضوع دا مش هنتناقش فيه تاني ، مفهوم؟ 
ازدردت ريقها من حدته، وبصوتٍ مهزوم همهمت: 
-أوكِ. 
أراد أن يسحبها من حزنها فانتقل لحديثًا أخر لتندمج معه وتنسى ما حدث منذ قليل، ما أنقى عشقها له، بلحظة تستطيع كلماته بأن تحملها من قمة إحباطها لعنان السماء، تحلق كفراشةً تتراقصُ من فيض حبورها. 
            ***** 
تجاوزت عقارب الساعة منتصف الليل، استيقظت الأم من غفوتها العميقة لتجد المنزل غارقًا في سكونٍ تام، فمنذ أن غادرت عائلتها بعد مأدبة الغداء، استسلم الجميع لسلطان النوم وغرقوا في سباتٍ عميق، فقد ألقى عناء السفر ومشقة الطريق للوصول إلى أرض الوطن بظلاله على أجسادهم المتعبة. 
التفتت بجانبها فتأملت وجه زوجها الغافي، وقد ارتسمت عليه علامات السلام والسكينة، وكأنه وجد أخيرًا في تراب الوطن وطمأنينة البيت، الراحة التي طال انتظارها. 
تحركت إلى غرفة صغيرها"أحمد" وقد اطمئن قلبها حين وجدته يغط في سباتٍ عميق،ثم تحركت إلى غرفة ابنتها، انزعجت حين وجدت سريرها فارغًا،انتقلت عينيها ببديهية إلى باب الحمام فارتعبت حين وجدته مظلمًا، هرولت للطابق الأرضي تبحث في جميع زوايا المنزل عن الفتاة،لم تترك شبرًا في إلا وفتشت به، ولم تعثر على أثرٍ لها، كانت على وشك الإنهيار والصراخ بصوتٍ عالٍ لولا أهداها الله لفكرة الخروج إلى الحديقة، هرولت لتتسع عينيها بذهولٍ وهي ترى الفتاة ممسكة بسكينٍ حاد وبكامل قوتها تـــــــــــــ..... 
ترى ماذا تفعل الفتاة في الخارج بهذا التوقيت؟!، وما الذي رأته الأم بالتفصيل لتفزع هكذا؟! 


تعليقات