رواية مالم يحكي الفصل العاشر 10 بقلم دنيا شعبان

 

 



رواية مالم يحكي الفصل العاشر بقلم دنيا شعبان


ـ بطلي إنتِ توترك اللي صدعني ده. محسساني إنك إنتِ العروسة مش هي.

ـ مالك يا عاصم، قاعد في الضلمة كده ليه؟

قالتها أمه لما فتحت باب أوضته، وكان قاعد في البلكونة والغرفة مظلمة.

اتعدل في قعدته على الكرسي ومسح دموعه قبل ما أمه تلاحظ.

شغّلت نور الأوضة ودخلت البلكونة وجلست على الكرسي المقابل ليه.

ـ إيه يا حبيبي، إيه اللي مزعلك؟

قالتها وهي بترتب على رجله.

رد بهدوء:
ـ أبداً يا ماما، مفيش حاجة، مشاكل بسيطة بس في الشغل وهتتحل إن شاء الله.

ـ مشاكل في الشغل برضه ولا اتخانقت مع داليا عشان كده ما روحتش بيتك من امبارح؟

قالتها بشك.

ـ أنا هطلقها.

قالها بدون تردد.

خرجت منها شهقة مصدومة:
ـ تطلقها! هو أنت لحقت؟! إنتوا متجوزين من شهر بس.

ـ كان أكتر قرار غلط أخدته في حياتي.

قالها بندم حقيقي.

ـ ليه بس يا حبيبي بتقول كده؟ لو حصلت أي مشكلة بينكوا فده طبيعي، أي اتنين بيحصل بينهم مشاكل، بس الشاطر اللي يفهم ويكبر دماغه.

ـ تعبت... تعبت من إهمالها ليا ومن برودها معايا في كل حاجة، حتى الكلام يا أمي. دي خلتني أكره الساعة اللي شوفتها فيها.

ـ غريبة! يعني ده أنت كنت هتموت عشان تتجوزها، ما كنتش أتوقع إنك تزهق بسرعة كده.

ـ أنا ما زهقتش، بس مش قادر أستحمل تصرفاتها. تتأخر كل يوم في السهر، وترجعلي وش الصبح، وأنا إيه المفروض؟ أفضل عايش وساكت؟

بصتله باستغراب من كلامه المعاكس تماماً للي كان بيقوله وقت ما كانت نور لسه في حياته.

سألها:
ـ مالك بتبصيلي كده ليه؟

ـ مستغرباك يا عاصم، وحاسة إني مش فاهماك يا بني. لو أنت كنت عايز كل الصفات دي تبقى موجودة في مراتك، ما نور كانت معاك من الأول، وكلنا عارفين كانت بتحبك إزاي. وإنت بنفسك كنت بتشتكي من كل الحاجات دي اللي إنت دلوقتي عايز داليا تنفذها، زي الاهتمام والحب...
إيه بقى اللي اتغير دلوقتي؟

ـ أنا فعلاً ما كنتش فاهم ولا حاسس بقيمة اللي نور كانت بتقدمه ليا. كنت شايف إن ده زن ووجع دماغ وكلام مراهقين، بس خلاص... ضيعت كل ده من إيدي، ضيعتها.

قال آخر كلمة بحزن، والندم بينهش في قلبه.

ـ مفيش حاجة ضاعت ولا حاجة. أنت تقدر تحقق كل اللي نفسك فيه مع داليا عادي، بس حاول تفهمها براحة على طبعك، وحاول تحتويها أكتر من كده، وصدقني هتلاقي كل تصرفاتها المزعجة بالنسبالك اتغيرت.

ـ تفتكري؟

قالها بنفاد صبر وبآخر ذرة أمل موجودة عنده.

ـ قوم، قوم روح بيتك وصالح مراتك، ولازم تتعلم إزاي تعيش وتتعايش مع اللي حواليك. يلا قوم جهز نفسك.

خرجت وتركته في دوامة أفكاره اللي مش بتخلص، ما بين أمل إن داليا ممكن تتغير، وبين الخوف ليكون ده مجرد وهم، ويفضل ندمان طول عمره إنه خسر إنسانة كانت بتحبه زي نور.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡

وقفت السيارة أمام المطعم. نظرت حولها، كان المكان هادئاً. فتحت الباب ونزلت، فاستقبلتها نسمة هواء خفيفة هدّأت من توترها. مشيت بخطوات بطيئة وهي بتحاول تهدي نفسها.

"اهدي يا نور، ده عشاء عادي يعني، وبعدين أحمد هيبقى معاكوا. اهدي... اهدي."

قالتها محاولة تهدئة أعصابها. أخدت نفساً براحة وحاولت تضبط أنفاسها، وكانت مستغربة دقات قلبها العالية اللي مش مفهومة.

"وأنت بتدق ليه دلوقتي؟ أهدى بقى، أنا متوترة جاهزة، مش ناقصاك أنت كمان."

اتفاجئت بحد بيفتح لها باب المطعم بكل احترام. ابتسمت له بلطف، وأول ما دخلت نظرت للمكان، كان خالياً وما فيهوش أي حد، وإضاءة بسيطة جداً في المكان، وورد موجود على كل الطاولات.

أشار بيده إلى مكان الطاولة اللي جالس عليها يونس.

ـ اتفضلي من هنا.

قالها باحترام، ثم اختفى من قدامها.

كملت طريقها لحد ما لمحت يونس، واللي أول ما شافها ارتسمت على وشه ابتسامة جذابة. سرح في جمالها اللي خطف قلبه من أول لحظة. ألقى نظرة على الفستان من أسفل لأعلى، وكانت نظراته كفيلة إنها تزود توترها ودقات قلبها اللي ارتفعت مرة واحدة.

ما قدرتش تنكر بين نفسها إن شكله كان جذاب. بدلته السودة زودت وسامته، فنظرت للأرض بخجل من نظراته ليها.

قرب منها ووقف أمامها.

ـ زي القمر.

قالها بنبرة حنونة مليانة حب.

رفعت رأسها:
ـ ها...

قالتها بتلعثم.

ابتسم على براءتها وردد كلمته:

ـ طالعة زي القمر النهارده.

وقرب أكثر من أذنها ليهمس:

ـ إنتِ دايماً قمر في نظري يا نور.

ثم ابتعد عنها عشان يشوف تأثير كلماته عليها، وزي ما توقع، وجهها احمر من شدة الخجل.

ـ آسف، نسيت أقولك اتفضلي.

وجلسا على الطاولة.

قالت محاولة تهدئة ارتباكها من نظراته لها:

ـ سارة ما عرفتش تيجي معايا، والدتها تعبت فجأة واضطرت تمشي من عندي على طول.

رد عليها وهو سرحان في ملامحها:

ـ أنا عارف.

استغربت رده، لأن سارة مشيت من عندها على طول وما كلمتوش، يبقى هو عرف منين؟

فهم من نظراتها الاستغراب وقال:

ـ سارة كلمتني أول ما نزلت من عندك واعتذرت عن العشاء.

حست بارتياح أول ما سمعت كلامه، وهزت رأسها بهدوء.

سكتوا لثواني قبل ما تسأله:

ـ أحمد فين؟ هو لسه ما جاش؟

وبصت في ساعة يدها وكملت:

ـ اتأخر.

ومسكت موبايلها من على الطاولة وهي بتقول:

ـ هكلمه أشوفه اتأخر ليه كل ده.

نظر لها بتوتر من إنها تعرف حاجة، فسحب التليفون من إيدها.

استغربت فعله، فقال:

ـ أحمد راح لسارة. هو قالي لازم يبقى واقف معاها، عشان لو احتاجت أي حاجة لمامتها يبقى معاها.

هزت رأسها بتفهم.

في نفس الوقت قرب النادل من الطاولة، ووضع الأطباق ثم غادر.

كان بيبصلها وهي بتاكل، ومشاعر الحب مسيطرة عليه في اللحظة دي. ما كانش قادر يصبر أكتر من كده.

كانت بتاكل ومش ملاحظة كل نظراته.

قال مرة واحدة:

ـ نور... أنا بحبك.

سقطت الملعقة من يدها على الطبق، ونظرت له بصدمة.

لم تكن صدمته أقل منها، لكن من داخله كان قد حسم أمره؛ سيخبرها بكل مشاعره اليوم، تلك المشاعر التي أخفاها في قلبه لسنوات طويلة، ولم يعد قادرًا على الصمت أكثر من ذلك.

ما كانش قادر يفهم معنى نظراتها ليه، لكنه قال "بحبك" وهو مش مركز غير في عينيها:

ـ أنا عارف إنك اتفاجئتي بكلامي، بس دي الحقيقة. أنا بحبك من زمان أوي، من أيام ما كنا لسه عيال صغيرة. لسه فاكر كل أيامنا مع بعض، وفاكر لما كنا في المدرسة وفي الفصل، كانت دايمًا نظراتي عليكي، وعمرها ما فارقتك. وفي الدروس، وفي البيت، وفي كل مكان... كنتِ إنتِ كل اللي بشوفه.

عمري ما كان عندي القوة إني أجي وأصارحك بمشاعري. كنت بخاف أخسرك، أو يمكن كنت خايف من الرفض، وساعتها برضه كنت هخسرك، عشان أكيد ما كنتش هقدر أواجهك تاني.

حتى دلوقتي خايف أخسرك. عمري ما حسيت منك بمشاعر تجاهي، ويمكن أكون بجازف دلوقتي، بس صدقيني مش قادر... مش قادر أفضل حابس مشاعري وحبي ليكي اللي مش بإيدي.

إحنا كنا مع بعض طول عمرنا لغاية ما دخلنا الجامعة وقابلتي عاصم. شوفت الحب في عينيكي، بس ما كانش ليا. أنا كنت أتمنى في يوم أشوف نظرات الحب في عيونك، ولو لمرة واحدة بس... ما حصلش.

وبعد السنين دي كلها، عايز أقولك إني بحبك.

كانت بتسمعه وهي مصدومة من كل كلمة قالها. عمرها ما تخيلت إن في حد ممكن يحبها بالشكل ده، أو إنها تستاهل تتحب أصلًا.

ياااه... فيه حاجات كتير شكلي ما كنتش واخدة بالي منها للأسف.

غصب عنها نزلت دموعها على خدها.

أول ما شاف دموعها حس بكسرة في قلبه. للحظة افتكر إنها رفضاه وخايفة تقوله عشان ما تجرحوش.

دموعها كانت قادرة تحطمه، لكن كالعادة ما اهتمش لوجع قلبه.

وما حسش بنفسه غير وهو بيقوم من مكانه وينزل على ركبته قدامها. رفع إيده بتوتر ومسح دموعها بأصابعه.

مجرد ما حست بلمسة إيده، سرت رعشة قوية في جسمها.

فتحت عينيها ببطء ونزلت بنظراتها ليه، وشافت في عينيه الصدق والحب اللي عمرها ما شافتهم مع عاصم.

ولمحت دموعًا محبوسة بيحارب عشان ما تنزلش.

ـ هششش... اهدي. مش عايز أشوف دمعة واحدة في عينك. لو إنتِ مش حاسة بأي مشاعر اتجاهي، صدقيني مش زعلان، بس مش عايز أشوف الدموع دي تاني.

كانت شايفة الوجع في عينه، ورغم كده هو اللي خايف عليها وعلى مشاعرها.

معقول فيه حد بيحب للدرجة دي؟

هو فيه حب أصلًا؟!

اتمنى لو تنفي كل الكلام اللي قاله، لكن سكوتها دمر آخر أمل عنده.

سمع صوت قلبه وهو بينكسر، وحس إن الدنيا بقت سودة في عينيه.

كانت نظراتهم لبعض بتقول مئة حاجة.

وقف، وبص الناحية التانية، ومسح بسرعة دمعة نزلت من عينه بقهر.

رجع بص ليها وحاول يرسم ابتسامة باهتة على وشه:

ـ يلا عشان أوصلك البيت.

اتمنت لو تقدر تقوله على اللي مخوفها.

واتمنت لو كان اعترف لها بحبه من زمان... يمكن كان الوضع اختلف.

فضلت باصة ليه وهو بيجاهد إنه ما يبصلهاش، عشان ما يضعفش قدامها.

خرجوا من المطعم، وفضلوا طول الطريق في صمت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡

وصل عاصم شقته.

أول ما دخل قفل وراه الباب، وبص نظرة سريعة يدور على داليا، لكن باين إنها مش موجودة.

ـ داليا... داليا!

قالها بصوت عالي عشان لو موجودة تسمعه، لكن من دون فايدة.

دخل البلكونة يدور عليها، ما كانتش موجودة.

دخل الغرفة برضه وما لقاهاش.

قرب من غرفة مكتبه، وأول ما فتح الباب ونور النور، اتصدم.

الخزنة كانت مفتوحة.

قرب منها بسرعة وهو هيتجنن من اللي شايفه.

إزاي ده حصل؟

كل الأوراق الخاصة بشغله مش موجودة.

لمح درج المكتب مفتوح، واللي كان شايل فيه المفتاح.

قفل فكه مرة واحدة بغضب، وكل شكوكه اتجهت ناحية داليا.

طلع الموبايل من جيبه ورن عليها، لكن كان بيديله مغلق.

رزع الموبايل في الأرض بعنف، فاتكسر مية حتة.

وقال بصوت أشبه بالجحيم:

ـ داليا... نهايتك على إيدي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ⁦...♡

داخل شقة صفاء...

كان أحمد وسارة قاعدين، وصفاء في المطبخ بتجهز العشاء.

سارة كانت رايحة جاية، وكل شوية تبص في ساعة إيدها وتنفخ بضيق.

ـ اتهدي بقى شوية، دوختيني.

قالها بضيق واضح.

نفخت وقعدت جنبه وقالت بتوتر:

ـ تفتكر اتأخروا كل ده ليه؟ يعني الموضوع بسيط، هيقولها: تتجوزيني يا نور؟ وهي هتوافق، والموضوع خلص خلاص.

ـ وإنتِ بقى عرفتي منين إن الموضوع بسيط وسهل؟ إنتِ جربتي قبل كده ولا إيه؟

قالها بسخرية مريرة.

ـ لأ، بس بتفرج على مسلسلات وعارفة كويس المواضيع اللي زي دي بتاخد وقت قد إيه.

ـ والله؟ وإيه كمان؟

ـ بطل غلاستك دي يا أحمد، مش وقتها خالص على فكرة.

ـ بطلي إنتِ توترك اللي صدعني ده. محسساني إنك إنتِ العروسة مش هي.

ـ هههه، صدق ضحكتني. وبعدين مش صاحبتي ولازم أبقى قلقانة ومتوترة؟ أنا خايفة أوي من ردة فعلها، يا ترى هتكون إيه؟

مسح على وشه بإيده بنفاد صبر:

ـ أنا مش عارف إيه اللي خلاني أسمع كلامك وأجي هنا. قال إيه؟ عشان لما يجوا نبقى نحتفل بيهم. ده على أساس إنك ضامنة يونس هيطلع أساسًا.

ـ أوووف! وبتقول عليا أنا راديو؟ مش شايف نفسك؟ وآه، يونس أكيد هيطلع. طبيعي جدًا لما يوصلها لغاية بيتها، نور بكل ذوق هتعزمه يطلع، وهو طبيعي يرفض في الأول، بس أكيد هيوافق. أنا واثقة.

قاطع مشاجرتهم رنين موبايل أحمد.

أول ما شاف اسم المتصل، قفل على طول.

ميلت سارة برأسها عشان تشوف مين اللي بيكلمه، لكنها فشلت.

لاحظ نظراتها، فبصلها ببرود وسألها:

ـ فيه حاجة يا سارة؟

ـ مين اللي بيكلمك دلوقتي؟

ـ حبيبتي.

قالها ببساطة وهو بيقلب في التليفون، غير مدرك لتأثير الكلمة عليها.

بصتله بحزن، وحست بوجع في قلبها، وهمست بألم:

ـ حبيبتك...


تعليقات