رواية جحيم ال مارينتوس الفصل العاشر
"بين ذراعي قاتل"
كانت تحاول أن تلتقط أنفاسها محاولةً استيعاب كلماته تلك! ..
- هل أصبحتِ بخير؟
لتتنهد كأن أنفاسها قد عادت إليها من جديد لتقول بذهول غير مصدقة ما سمعته:
- ماذا قُلت؟
عقد ديميتري حاجبيه ليقول:
- لقد قمتُ بشراء المبنى الإذاعي الذي تعملين به.
ابتلعت بصعوبة لتقول بتوتر:
- لماذا؟
- جيدٌ أنكِ تطرقتي في الحديث لهذا السؤال ...
عاد إلى مقعده ليستأنف برسمية:
- شرائي للمبنى سيُساعدني على الدعاية كثيرًا لشركتنا ومشروعاتنا وأي شيء نفعله وذلك سيكون مفيدًا لنا بالطبع .. وخاصة عندما يُعلن عنها صوتٌ يحبُهُ مُوَاطِنُو إيطاليا بأكملِها، وبالطبع سأعطيكِ ما تُريدين.
عقدت حاجبيها بعدم فهم وتعجب لما يقول، ماذا يقصد!! هل يقصد أنها تعمل الآن تحت إمرَتِه؟؟؟ .. ولكنها تساءلت بحيرة كأنه قد خطط لكل ذلك قبلاً:
- وكيف تعلم أنني سأعود للإذاعة؟
أردف ديميتري بلامبالاة:
- نبهت السيد ماركوس جيدًا أن يتدبر أمر عودتكِ.
ثم ابتسم ابتسامةً غريبة وهو يتذكر تهديده له بقتل عائلته ..
لتقول جوداء بارتجاف:
- هل .. هل آذيته سيد ديميتري؟
- صدقيني لقد كُنتُ لطيفًا معه للغاية.
قال تلك الكلمة وهو يتذكر صرخات زوجة ماركوس ليمتثل لأمره وهو يقوم بتوجيه سلاحًا فوق رأسها .. تنهدت جوداء بارتياح:
- حسنًا أشكُرُك على لُطفك سيد ديميتري.. ولكن أنا أرفض عرضك هذا .. وبعد إخبارك لي بهذه المعلومة لن أعود للبرنامج.
اعتدلت لتخرج ولكنه أوقفها ليسأل بهدوء:
- لماذا؟
استدارت نحوه قائلة:
- انا من المفترض أن أسألك لماذا سيد ديميتري؟ لماذا فعلت كل ذلك؟
طالعها ديميتري قليلاً ثم أردف:
- كما أخبرتكِ، هذا في مصلحة شركتي وأعمال العائلة فقط.
ظلت تُطالعه بهدوء ثم أردفت بنبرة هادئة ولكنها في ذات الوقت قوية:
- حسنًا إذا كان هذا مقصدك، سأعود إلى برنامجي ولكن سيدي من فضلك أنا لا أقوم بعمل إعلانات لأحد، إن برنامجي هو مجرد برنامج هادف يساعد الناس على استكمال حياتهم دون اللجوء لإحدى الطرق لإنهائها .. أنا برنامجي يساعدهم على التشبث في الحياة لا نبذها ولا أُريدُ أن أشوه برنامجي بالإعلان عن أعمالٍ لا أعلم ماهيتها هل هي مشبوهة أم لا .. عذرًا ولكن تلك هي الحقيقة سيد ديميتري.
ظل ديميتري يُطالعها بهدوء يحاول استيعاب كلماتها وجرأتها تلك في التحدث عن أعماله أمشبوهةٌ أم لا! ولكنه اكتفى بإيماءةٍ بسيطة وابتسم قائلاً بهدوء:
- لا بأس آنسة جوداء، أنتِ مُحقة .. تستطيعين الذهاب لعملك.
أومات وخرجت من المكتب دون أن تلتفت له ولكنه لم يحيد عينيه عنها قط .. ليقول بحيرة:
- جريئة.
وفي شركة آل إيفانوف:
كانت سيلفانا تختبئ خلف أحد الجُدران في الطابق الأرضي للشركة بعدما أوصلها أحد سائقي سايلس من أمام المنزل كما أخبرها من قبل، كانت تراقب دخول السيد سايلِس للمصعد، ولكنها عقدت حاجبيها عندما توقف قليلاً وأخذ ينظر حوله لثوانٍ قليلة ثم قرر أخذ المصعد .. تنهدت بارتياح عندما رأت أبوابه تُغلَق، لتبتسم بانتصار قائلة:
- كم أنتِ رائعة جوداء .. أحبكِ كثيرًا يا فتاة.
لتقترب من المصعد وتستدعيه لتصعد مع مجموعة من الموظفين وبمجرد عودته للطابق الأرضي، استنشقت رائحة عطره بمُجرد أن فُتِحَت أبوابه كأنه مازال موجودًا بداخله، ولكن لا يوجد شيء، ازدحم المصعد بالموظفين وهي من بينهم لا تستطيع التحرك قيد أنملة يحتك جسدها بهم فهو مزدحم للغاية بحق!؛ كأنهم يتنافسون منس سيصعد أولاً.
تنهدت لتأخذ نفسًا عميقًا تحاول أن تهدأ لأن الأمر لا يُحتَمَل ولكن ماجعلها تهدأ هو رائحة عطره التي رافقتها حتى بعدما امتلأ المصعد، لتشعر بنبضات قلبها كأنه قد أمسك بيدها، شردت للحظات تتذكر تلك القُبلة وكيف إحتواها بين ذراعية ولكنها استفاقت بسرعة لتستوعب ذلك الشيء الذي تفكر به، لتبتلع ريقها بتردد، لتنتبه حينما وصلت للطابق المطلوب، خرجت من المصعد لتسير في طريق مكتبه، لتُطرق الباب بخفوت ثم دخلت بعد ذلك .. لتجده يُولي الباب ظهره وينظر أمامه من خلال اللوح الزجاجي الضخم واضعًا سترته على كُرسي المكتب، مُرتديًا قميصَا أبيض نقي، متناسق تمامًا مع عضلات جسده، مشمرًا عن ساعديه حيث ظهرت عروق ساعديه، لم تنتبه أنه يتحدث في هاتفه وشردت بهيئته تلك وفي تلك اللحظة شعرت أنها تريدُ شيئًا ما ولكنها رمشت بسرعو لتستفيق عندما وصلها صوته:
- أخبرني فقط بالمُستجدات، وأي شيءٍ سيفعلونه سأكون أول من يعلم به.
ليُغلق المكالمة الهاتفية ويلقاه على مكبته ويلتفت للخلف ليجدها تقف عند الباب تراقبه، عقد سايلِس حاجبيه قائلاً:
- لماذا تقفين هُناك؟ ولما أتيتِ متأخرة!
عقدت حاجبيها لتنظر إلى الوقت لتقول بحيرة:
- لقد أتيتُ في موعدي سايلِس.
قال سايلِس بصوت خشن وجاد:
- أريدكِ ان تكوني حاضرة بالمكتب قَبلِي آنسة سيلفانا؛ فأنتِ مساعدتي الشخصية ولستِ مُجرد موظفةً عادية.
أومأت بهدوء:
- حسنًا سيدي.
لتذهب إلى مكتبها متوخية الحذر بأن لا تقترب منه أبدًا، ليعقد حاجبيه لأنها جلست على كرسي مكتبها ولم تتقدم لتسأل عن أي شيء! .. حمحم سايلِس وقال بنبرة جادة ولكن بها بعض اللين:
- آنسة سيلفانا؟
همهمت وهي تضع حقيبتها جانبًا ورفعت رأسها لتُطالعه باستفسار، ليقول بنبرةٍ ساخرةٍ قليلاً:
- هل أقوم بطلب قهوةٍ لكِ؟
عقدت حاجبيها تحاول أن تفهم حديثه ولكنها استوعبت مقصده بمجرد أن تحدث:
- تقدمي اجلسي هُنا.
قال تلك الكلمات وهو يشير إلى كُرسي أمام مكتبه اعتدلت لتقترب نحوه بحذر وهي تراقب ملامحه المتشنجة يبدو أن مزاجه ليس جيدًا اليوم تمامًا .. لتجلس بهدوء وتراقبه وهو يجلس بكُرسيه ولكنه لم يتحدث إذ كان شاردًا وفكه مشدودًا قليلاً كأنه كان يفكر، ومازاده جاذبيه أكثر خصلاته البيضاء الجانبية تلك! هل عُمرُهُ حقًا كبير لتلك الدرجة؟! ولكنها هزت رأسها بسرعة وجدت نفسها تضيع بتفاصيله؛ لتقطع الصمت قائلةً بجدية:
- ماذا هُناك سيدي؟ هل هُناك شيءٌ أزعجك؟
رفع رأسه نحوها ليقول بهدوء:
- لا أدري.
عقدت حاجبيها بعدم فهم:
- كيف لا تدري سيدي؟
صمتت قليلاً ولم يُجيبُها لتقول:
- سيدي، هل هُناك أحدٌ ما يُضايقُك؟
لتتغير ملامح سايلِس للغضب بمجرد أن سألت هذا السؤال:
- لماذا تقولين ذلك؟
حاولت أن تتمالك أعصابها لأن نظراته تلك شعرت بها تخترقها فجأة:
- سمعتُك تتحدث مع أحدهم بالهاتف .. تتحدث عن أحد.
صمت قليلاً ولكنه لم يُجيبها ولكنها استمرت بالحديث:
- هل آل مارينتوس سيدي همُ المُشكلة؟
ليعقد سايلِس حاجبيه وتزداد وتيرة أنفاسه كأنهم كالشوكة بالحلق ..
- ماذا حدث؟
ليقول سايلِس بغضب:
- وما شأنُكِ؟ ثم كيف علمتي؟
ذُهِلت للحظات بسبب ردة فعله تلك ولكن عادت ملامحها للجدية لتقول:
- سيدي، الجميع يعلم بعدائكم .. ثم إن الصحافة العالمية تتكلم عن ذلك أكثر من نجاحكم! .. من فضلك أخبرني ماذا حدث لنتشارك به؛ فكوني مُساعدتكَ الشخصية يُمكنني أن أُساعدُكَ لأن ذلك واجِبي.
صمت سايلِس قليلاً يُفكر ثم قال:
- لقد اشترى ديميتري مارينتوس مبنى إذاعي! وليس مُجرد مبنى إنه المبنى الذي تعمل به صديقتُك.
وسعت عينيها بدهشة بسبب ماسمعته للتو! .. هل سمعت ماقاله حقًا .. ثم لم؟؟ كيف؟ .. ليستأنف سايلِيس بهدوء:
- أنا أعلم جيدًا نوايا هذا الخبيث ديميتري ابن فريدريك .. لقد ورث نباهة والده.
طالعته سيلفانا بعدم فهم ولكن سايلِس قرر أن يُغير مجرى الحديث ليتساءل:
- صديقتكِ تلك العربية المُسلمة .. هل لها علاقة بديميتري؟
لم تفهم علامَ يقصد بسؤاله ذلك .. ليسأل من جديد:
- أجيبيني آنسة سيلفانا من فضلك.
نفت برأسها بسرعة:
- لا ... لا يوجد بينهما أي علاقة .. يعرفان بعضهما سويًا بسبب إنقاذه لها سابقًا فقط ليس إلا، سيدي.
همهم سايلِس وظل صامتًا، قلقت سيلفانا بسبب صمته ذلك ثم قالت:
- سيدي، من فضلك لا تؤذي صديقتي.
رفع رأسه ليُطالعها بعدم فهم ليستوعب حديثها بعد ذلك:
- أنا رجلٌ لا أقبل المساس بأي إمرأة حتى لو كانت عدوتي .. أنا أعلم نوايا ذلك الخبيث يرُدَ لي الضربة بضربةٍ أقوى.
أردفت سيلفانا بعدم فهم:
- ماذا هُناك سيدي؟ لا أفهمُ شيئًا حقًا.
ليبتسم سايلِس بابتسامة هادئة:
- لا يَهُم.
ليعتدل في مقعده ويسحب ملفًا من داخل أحد أدراج المكتب ليضعه أمامها قائلاً بجدية:
- قومي بمراجعة ذلك الملف، أحد عقود المساهمين لدينا.
أومأت بهدوء واعتدلت لتقف من مقعدها لتحمل الملف لتجده ثقيلاً واستدارت لتعود لمكتبها ولكنه أوقفها:
- ومن فضلكِ، قومي بحجز غرفةً خاصة في ذلك المَلهَى الليلي الموجود في وسط روما.
لتتجمد في مكانها وظنت أنها لم تسمع جيدًا لتلتفت نحوه مُجددًا قائلة بعدم استيعاب:
- ملهىً ليلي؟
ليُجيب بهدوء وهو يحمل بعض الأوراق الإضافية بين يديه:
- أجل.
أومات ببطئ ومازالت غير مستوعبة لما تسمعه ..
- وأنتِ ستكونين معي.
اتسعت عيناها بصدمة وشهقت لا إراديًا:
- ماذا تظن نفسك يا هذا؟؟؟
ليرفع سايلِس رأسه عن الأوراق وينظر إليها بعدم فهم:
- عُذرًا؟؟
لتقول بغضب:
- كيف تطلبُ مني طلبًا كهذا؟؟ ماذا تظنني؟
طالعها سايلِس دون أي ردة فعل ثم أردف ببرود:
- لدي إجتماعٌ هُنَاك ومن سأجتمع معهم يحبُون هذا المَلهَى كثيرًا، ومن فضلكِ أخبري عقلكِ أن يتوقف عن إختراغ سيناريوهات سخيفة مثل الأمس.
ثم تجاهلها وعاد ينظر للأوراق التي بين يديه، ابتلعت بهدوء لتعد إلى مكتبها صامتة تحاول التركيز في عملها.
دخلت جوداء المبنى الإذاعي وهي تشتاق لكل مكانٍ به، لقد غابت أيامًلا قليلة ولكنها شعرت أنها قد غابت دهرًا بأكمله، سارت في إتجاه مكتب مديرها وطرقت الباب طرقاتٍ بسيطة ليسمح لها بالدخول، اعتدل السيد ماركوس بمجرد أن رآها ليقُل بترحاب:
- تُسعدُني عودتكِ جوداء، لقد خاب أملي حينما تأخرتِ عن موعد حلقتكِ.
طالعته جوداء لثوانٍ قليلة ولكنها أردفت بابتسامة هادئة:
- لا تقلق، تأخُرِي اليوم لا يعني أنني رفضتُ العودة .. وبالمناسبة .. أنا أيضًا سعيدةٌ بعودتي.
.....................................
كانت كارلا تبحث عن إحدى الشقق السكنية حيث اقترب يوم توظيفها وحتى الآن لم تجد شقةً مناسبة .. حتى رأت إعلانًا أمامها على شاشة الهاتف، أخذت تقوم بمراجعته قليلاً ثم قامت بالتواصل مع صاحبة تلك الشقة لتتفق معها على كل شيء.
بينما كان ستيفانو جالسًا بمتجر المخبوزات عينيه تقعان على مدخل المتجر ينتظرها أن تدخل ولكنها لم تأتِ، التقط هاتفه ليحاول الوصول إليها ولكن كل ما أتاه أن الهاتف مُغلق! قلق كثيرًا وخاصةً أنها لا يوجد لديها أحدٌ سواه ليهتم بها أو يقلق عليها.
استدار يبحث عن ماولو وحينما وجده أشار له أنه سيرحل .. ليُطالعه ماولو بنظرةٍ تخبره أن وجوده هُنا ليس مهم! ليبتسم ستيفانو ثم نزع المريول من فوق جسده ليغادر المتجر بسيارته لينطلق بها كالإعصار حتى وصل إلى منزلها، دخل المنزل بسرعة وصعد الأدراج حتى توقف أمام شقتها التي تسكن بها كما أخبرته عنها سابقًا .. ليُطرِقَ الباب عدة طرقات، ولكنها لم تُجيب .. ليقول بصوتٍ مسموع:
- جلوريا .. أنتِ هُنَا؟
ولكنه لم يسمع صوتها .. ظل يُطرِقُ بابها ولكنها لم تُجيبه .. التفت ليخرج من المبنى ولكنه تصادف مع جارة تسكن أمام بابها أثناء خروجها من شقتها:
- من تُريدُ سيدي؟
ليقول ستيفانو:
- آنسة جلوريا .. هل رأيتها اليوم؟
فكرت السيدة قليلاً:
- لا لم أرها ولم أسمعها تُغلق باب الشقة حتى .. من الممكن أن تكون نائمة.
ثم تركته السيدة لتذهب لعملها .. ولكنه استدار ليقف أمام باب جلوريا من جديد وطرق عليه عدة طرقات ولكنها لم تُجبه .. أغمض عينيه قليلاً يُفكر حتى قرر .. اندفع بجسده القوي نحو الباب بقوة عدة مراتٍ بسيطة حتى كسره ودخل شقتها باحثًا عنها ليجدها مُلقة على أرضية الحمام مُرتديةً منشفتها ولكنها كانت غائبة عن الوعي ورأسها ينزف، ليقول بصدمة وهو يقترب منها:
- جلوريا.
جثا على ركبتيه بحوارها بسرعة وأمسك كتفيها برفق..
- جلوريا .. هل تسمعينني؟؟
لم تصدر عنها أي استجابة .. وشعر في انقباضٍ حاد في صدره وهو يلاحظ شحوب وجهها، مد يده ليتحسس نبضها ثم تنفس الصعداء عندما وجده موجودًا، التقط إحدى المناشف الكبيرة والقريبة منه ولقها حولها جيدًا ثم حملها بين ذراعيه ونهض بها، خرج من الشقة مسرعًا وهي بين ذراعيه غير آبهٍ لنظرات الجيران المندهشين ووصل إلى السيارة ليضعها بحذر في المقعد الخلفي قبل أن ينطلق بأقصى سرعةٍ نحو المشفى، طوال الطريق لم يفارقه القلق، كان يُمسك بيدها واليد الأخرى يتحكم من خلالها بعجلة القيادة، وبعد دقائق قليل توقفت السيارة أمام طوارئ المشفى واندفع للداخل وهو يحملها بين ذراعيه وثيابه ملطخة بدمائها وقال صارخًا:
- طبيب .. أحتاجُ إلى طبيبٍ فورًا.
لتلتفت الممرضات نحوه بسرعة وماهي إلا لحظات حتى أحاط بها الطاقم الطبي وأخذوها منه على السرير المتحرك ليقول ستيفانو بقلق:
- من فضلكم كونوا حذرين .. إنها كفيفة.
لتقول إحدى الممرضات:
- لا تقلق سيدي.
ثم ابتعدوا عنه ووقف مكانه يراقبهم وهم يبتعدون بها عبر الممر الطويل ثم أغلق الباب خلفهم .. كان يتابع بعينيه تلك الغرفة بثقلٍ شديد لا يدري لما هو خائفٌ هكذا! .. استفاق عندما تحدث أحد موظفي المشفى:
- سيدي من فضلك، تفضل معي للإدلاء ببيانات المريضة.
طالعه ستيفانو بعدم استيعاب ليبحث داخل جيوب بنطاله ليستوعب أنه نسي محفظة نقوده والتي تحتوي على جميع بياناته داخل المتجر هُناك .. ليتنهد باستسلام:
- حسنًا دعني أتصل بأقاربي من فضلك، وسآتي إليك.
أومأ الموظف له ليتركه، قام ستيفانو بفتح هاتفه بيديه الملطختان بدمائها وقام بالإتصال بالرقم الذي أتى أمامه مباشرة وكان رقم دييجو لأنه اتصل به منذ دقائق ولم يُجِب لانشغاله بجلوريا.
كان ديميتري ودييجوا جالسان في غرفة الإجتماعات وأمامهما رؤساء أقسام الشركة .. وكان ديميتري من يتحدث يخبرهم عن الجديد وماسيحدث في الأيام القادمة، نظر دييجو نحو هاتفه الموضوع أمامه خلسة أثناء تركيزه في حديث ديميتري لينتبه على شاشة هاتفه تضيء وتُطفأ ليحمله ليجده ستيفانو .. لينتبه ديميتري على تشتت دييجو ليصمت عن الكلام، رد دييجو:
- ستيفانو أنا أحاول الوصول إليك........
ليقطع حديثه ستيفانو:
- دييجو من فضلك، أنا أحتاجك .. أنا بالمشفى.
ليهُبَّ دييجو واقفًا:
- ماذا بك؟؟ هل أنت بخير أخي؟........
ليعقد ديميتري حاجبيه ويأخذ الهاتف من دييجو، ليقول بصوتٍ حادٍ قليلاً:
- ستيفانو ماذا هُناك؟؟ ماذا حدث لك؟
ليُخبره ستيفانو بكل ما يريده ولكنهما قاما بإلغاء الإجتماع وخرجا سويًا من الشركة وصعد ديميتري بجانب دييجو في سيارته لينطلق بها كالصاروخ، وبعد دقائق وصلا المشفى ليجدا ستيفانو واقفًا مُلطخًا بالدماء.
كان لوكا مُمسكًا بهاتفه يقرأ ذلك التعليق المُتكرر مؤخرًا حائرًا في هوية ذلك الحساب الوهمي .. يتساءل من يكون صاحبه؟ أو صاحبته .. ولكنه انتفض من فراشه عندما وجد إسم ديميتري يلوح أمامه على شاشة هاتفه وكاد أن يقع الهاتف من يده ولكنه تمسك به جيدًا وحمحم ليُجيب محاولاً تجهيز جميع الحجج المُختلقة في ذهنه لكي يبرر عدم حضوره اليوم بالشركة ولكنه عقد حاجبيه عندما سمع حديث ديميتري في الجهة المقابلة ليُغلق معه ويُسرِع ليقوم بتغيير ثيابه، وأيضًا ليأخذ ثيابًا إضافية لستيفانو.
بمرور الوقت، دخلت إيلينا المشفى وهي تتحدث مع صديقتها بالهاتف وفي طريقها لمكتبها:
- أنتِ تعلمين أن أُمي تبحث لي عن زوج، ثم إنها لن ترتاح إلا حينما تراني أُمسك بيد زوجي المُستقبلي.
لتضحك صديقتها في الجهة الأخرى قائلة:
- ولكن إيلينا، إنها مُحقة .. منذ سنواتٍ قليلة كنا أطفالاً صغارًا ولكن السنوات مضت بسُرعة لنتفاجأ بأننا قد كَبرُنا!
تنهدت إيلينا قائلة وهي تدخل غرفة مكتبها:
- ولكن يا ميليسا أنا لا أرى ذلك مُطلقًا .. ثم إنني لم أستطع أن أرتاح لأحد.
لتُكمل ميليسا بدلاً عنها:
- عدا دييجو مارينتوس.
صمت إيلينا قليلا ووضعت حقيبتها جانبًا ثم أردفت بعد ذلك قائلة:
- إننا غير مُناسِبَين لبعضنا إطلاقًا، ذلك ما أستطيع أن أقوله.
كادت ميليسا أن تتحدث معترضة ولكن إيلينا أوقفتها متحججة:
- أعذريني ميليسا، سأغلق الآن حسنًا؟
- حسنًا عزيزتي.
أغلقتا سويًا لتشرد إيلينا بذلك اليوم الذي تقابلت به مع دييجو، لتغرق في تفاصيله في تلك اللحظة .. ابتسامته .. تفهمه .. لباقته ... وسامته، ولكن سًرعان ماتبدلت تلك الصورة بمخيلتها بشخصٍ دموي وقاتل.
هزت رأسها نافية تستفيق من تفكيرها ذلك لترتدي معطفها الطبي وشعرت أنها تريدُ القهوة لتركز في عملها لأن الفترة المسائية تكون مزدحمة أكثر من الصباحية، لتخرج من غرفة المكتب وتسير في ممر المشفى بسرعة تفكر في عشرات الأمور في وقتٍ واحد بخصوص مرضاها، كان ستيفانو جالسًا في الإستراحة بثيابٍ نظيفة كان يبدو عليه القلق كثيرًا على جلوريا؛ فلم ينتهي الأطباء حتى الآن، كان يجلس بين دييجو ولوكا ويجلس أمامهم ديميتري يُطالع ثلاثتهم بهدوء ولكنه كان صامتًا ولم يُعَلِّق على شيء، ليعتدل دييجو قائلا:
- هل أجلب لكم قهوة؟
أردف ديميتري بهدوء:
- أجل، ولكن اطلب من الرجال بالخارج دييجو.
ليهز دييجو رأسه قائلاً:
- لا بأس؛ فأنا أحتاج للتمشية قليلا.
هَزَ ديميتري رأسه بهدوء ليخرج دييجو من الاستراحة ليسير في ممر المشفى الطويل بخطواتٍ متزنة ثم اقترب ليدخل الكافيتيريا ولكنه اصطدم بإحداهن بقوة، شهقت بخفوت وهي تفقد توازنها، وامتدت ذراع دييجو تلقائيًا نحوها دون تفكير لتستقر يده حول خصرها بينما أمسك ذراعها الأخرى بيده الثانية، ليتجمد حينما استوعب أن إيلينا بين يديه وهي لم تختلف عنه حيث تجمدت هي الأخرى، كانت يداه لا تزالان ممسكتين بها، لقاءهما ذلك أعاد لها من جديد ذكرياتها في اليوم الذي التقيا به حين ظنت أنه مُجرد رجلٍ طبيعي يعمل بوظيفة ذات دوامٍ كامل ثم اكتشفت حقيقته وحقيقة العالم الذي ينتمي إليه .. عائلة مارينتوس، أما هو فقد كان يُطالعها بذهول وبأعين تلمع في ذات الوقت يتذكر ضحكاتهما سويًا .. عادت إليه الصورة التي خيل له أنها رآها به في مخيلته .. عائلة صغيرة هي وهو وأطفالاً صغار، ولكن استفاق من أفكاره تلك حينما انتفضت كالملسوعة كأنها كانت في غيبوبة هي الآخرى واستفاقت عندما استوعبت أنها بين ذراعي قاتل لتنتفض كالملسوعة لتعتدل قائلة ببرود:
- أبعد يديك عني.
ليتركها قابضًا على كفيه بقوة محاولاً التحكم بغضبه بسبب طريقتها في الحديث معه ..
- كنت أحاول منعكِ من السقوط.
لتقول بضيق وهي عاقدة حاجبيها:
- كان بإمكاني تدبر أمري.
ليرفع حاجبًا بسخرية وهو يتذكر إقتراب جسدها من الأرض .. لتستأنف ببرود:
- هل بإمكاني المرور من فضلك؟
لينتبه أن جسده يمنعها من الدخول للكافيتيريا، أفسح لها الطريق لتدخل ثم تبعها .. شعرت بخطواته خلفها لتستدير نحوه قائلة ببرود:
- لماذا تُلاحقني؟ ألا يكفيك حديثي لك؟ هل تُريد المزيد؟ أين كرامتك يا رجل؟!
كان دييجو يُطالعها ليقول بصوتٍ باردٍ كالصقيع متجاهلاً حديثها:
- من فضلكِ، أفسحي لي الطريق، فأنتِ تحجبينه عني.
طالعته بذهول لعدة ثوانٍ لتتحرك جانبًا قليلاً، وجدته يقترب من العامل بالكافيتيريا يطلب قهوة..
- أربعةً من فضلك .. ثلاثةٌ بدون سكر والرابعة مُعتدلة.
أومأ الفتى بالكافيتيريا ليقوم بتحضير طلبه وهو لم يلتفت لها إذ انتظر طلبه حتى ينتهي، تقدمت هي الأخرى بهدوء لتقف بجانبه لتطلب قهوتها أيضًا .. خلال دقائق قليلة انتهى الفتى من تحضير القهوة لدييجو ووضعها له في حاملٍ لأربع أكواب أمسكه دييجو بحرصٍ ومر من بجانبها كأنها غير موجودة من الأساس .. راقبت طريقه بعينيها خارج الكافيتيريا لتعلم الممر الذي سار به، أخذت قهوتها وسارت في نفس الطريق الذي سلكه دييجو لتراقبه جالسًا مع ثلاثُ رجالٍ آخرين صامتون تمامًا، ومن بينهم ذلك الرجل الذي كان معه بالمطعم في هذا اليوم، وليس ذلك فقط معهم أيضًا الشاب الذي كان مع مريضتها الكفيفة جلوريا، لتتيقَّن تمامًا أن هؤلاء هم باقي أفراد العائلة الكريمة.
- إذهبوا إلى الجحيم.
قالت تلك الكلمات هامسة بغضب وكادت أن تتحرك لتعود لمكتبها تقابلت عينيها مع عينين كالصقر ولم يكن سوى ديميتري الذي طالعها بهدوء، شعرت كأن هُناك صقيع يقوم بتجميدها بمجرد أن رأت نظراته لها، كانت نظراته لها هادئة ولكنها تحمل شيئًا ما .. الغضب؟ هل هو غاضب؟ .. لتشعر بالخوف داخلها دون أن تدري ما السبب لترحل مُسرعةً نحو الإستقبال لتفهم سبب وجودهم هُنا، تحدثت لإحدى موظفات الإستقبال:
- مرحبًا، من فضلك هُناك حجز بإسم أحدٍ من آل مارينتوس؟
طالعت الموظفة البيانات على الحاسوب أمامها لتقول:
- أجل سيدتي.
لتقول بتوجس:
- ماذا هُناك؟ لماذا هُم هُنا؟
لتخبرها الموظفة بكل شيء .. كانوا جميعًا جالسين في الإستراحة يتناولون قهوتهم بهدوء عدا لوكا الذي يتلذذ بقهوته المعتدلة ويرمقهم بتقزز لأنهم يتناولونها بدون سكر..
- لا أدري، كيف تستمعون بقهوتهم المُرة تلك! يكفي مرُ حياتنا إخوتي.
ليرمقونه بهدوء وقال دييجو بنبرة هادئة:
- اتركنا نستمتع بها يا لوكا بطريقتنا الخاصة.
رمقه لوكا ثم وجه حديثه لستيفانو:
- صحيحٌ ياستيفانو، كيف تفعل بنا ذلك .. كيف تقوم بتحطيم إسم العائلة هكذا وتعمل في متجرٍ بسيطٍ للمخبوزات يا أخي؟! عارٌ عليك.
عقد ستيفانو حاجبيه ليرفع لوكا يديه بدفاع:
- دييجو من أخبرني بالتفاصيل كاملةً وكيف تعرفت على تلك الفتاة التي بالداخل.
ليعلق دييجو ساخرًا بنية أن يُخرِجاه من حالته تلك:
- أجل ليس ذلك فقط بل أسمى نفسه ستيفانو موريس!
ليتحدث لوكا بدهشة مصطنعة:
- يا إلهي! كيف تفعل ذلك ستيفانو؟ كيف تمقت إسم العائلة هكذا لدرجة أن تقوم بتغيير إسمك؟
ليقول ستيفانو بضيق:
- لست وحدي من لدي إسمٌ آخر لوكا.
ازدرد لوكا لٌعابه وتقابلت عينيه مع خاصتي ديميتري والذي أردف بهدوء وكأنه قد سأم تلك الجدالات:
- هل انتهيتم من جدالاتكم التافهة تلك؟ أنتم لستُم صغارًا!
ليصمت ثلاثتهم وخلال ثوانٍ قليلة خرج الطبيب المسئول عن حالتها ليعتدل ستيفانو ويقترب منه مُسرعًا قائلاً بلهفة:
- أخبرني أيها الطبيب هل هي بخير؟
ليبتسم له الطبيب متحدثًا:
- أجل لقد أصبحت بخير، يبدو أن رأسها قد اصطدم بسطحٍ رُخامِي مما أدى إلى هذا النزيف الحاد، نقلنا إليها كمية الدماء المطلوبة بعدما قمنا بالتحكم في النزيف وقمنا بعمل جميع الإجراءات اللازمة لتكون بخير، وفي الوقت الحالي سوف يقومون بنقلها الآن لغرفتها ولكنها ستكون تحت الملاحظة لعدة أيام ثم بعد ذلك تستطيع الخروج.
أومأ ستيفانو بهدوء:
- شكرًا لك.
ليتركهم الطبيب ويغادر أما ستيفانو فقد تنهد بارتياح لقد كان قلقًا عليها للغاية، لأن مظهرها وقتها أخافه كثيرًا وقتها، تنهد وتغيرت ملامحه للإرتياح والتفت لأبناء عمومته الذين كان يُطالعونه في المقابل، ليعلق لوكا بصيغة أدبية:
- يبدو أن هُناكَ شيئًا قد وُلِدَ داخل قلبك يا ستيفانو دون أن تنتبه.
ولكن ستيفانو تجاهله وطالعهم بهدوء، وخاصة ديميتري الواقف أمامه بملامح خالية من أي تعبير ..
- من فضلكم لا تخبروا جلوريا أنني من آل مارينتوس.
عقد دييجو حاجبيه قائلاً وهو يُطالعه:
- لماذا؟
حمحم ستيفانو بهدوء:
- هي تظُنني شخصًا عاديًا، شابٌ فقير يسعى للُقمة العيش.
لم يعلق ديميتري على حديثه .. أما لوكا علق بحيرة:
- لماذا قد تفعل ذلك ستيفانو؟
- لا أدري.
أما دييجو ففد ربت على كتفه:
- لا تقلق ستيفانو، لن يخبرها أحد .. فأنا أشعر بك جيدًا.
طالع ديميتري ثلاثتهم بهدوء ولكنه استدار ليغادر دون أن ينطق أي كلمة تحت أعينهم .. ولكن ستيفانو تبعه يحاول التحدث إليه:
- ديميتري .. من فضلك إسمعني.
توقف ديميتري واستدار له بهدوء ولم ينطق بكلمة ينتظره أن يتحدث هو..
- أنا أعلم يا أخي أنني أخرق قانونًا هامًا من قوانينك .. قانونًا لأجلهِ قتلت أختنا فيرونيكا .. ولكنني أريد جلوريا .. أول يوم رأيتها به شعرت بذاتي أخيرًا، شعرت أنني بشرٌ حقًا على الرغم من كل مافعلته، أخيرًا نبض قلبي لفتاة لا حول لها ولا قوة .. فتاةٌ تحتاجني ولكنني أحتاجُها أكثر منها بكثير، وإذا كان هذا لا يُعجبك إذًا اقتلني، لأن لا شيء يُمكنه أن يُبعِدَنِي عنها.
ظل ديميتري ينظر إليه بهدوء لينطق أخيرًا ولكن بنبرة غريبة لم يفهمها ستيفانو:
- أنت لا تفهم شيء ستيفانو .. حقًا لا تفهم أي شيء.
ثم استدار ليغادر بجبروته وقوته وهدوءه الغريب تاركًا ستيفانو يفكر بكلماته تلك ولكنه استفاق ليعود إلى دييجو ولوكا، صعد ديميتري سيارته الخاصة ليتحرك سائقه.
رواية/ جحيم آل مارينتوس .. بقلم/ سارة بركات
في المساء:
توقفت السيارة السوداء الفاخرة أمام الملهى الليلي الشهير في وسط روما، نزل سايلِس من السيارة ثم أغلق سترته السوداء بإحكام قبل أن يلتفت إليها، قائلاً بهدوء:
- هيا.
لتنزل سيلفانا والتي تلعن نفسها مئات المرات أنها قد أتت معه لمكانٍ مشبوهٍ مثل هذا .. كانت ترتدي ثوبًا أسودًا أنيقًا للغاية وبالطبع قد تدبر أمره سايلِس، حيث اضطرت لتغيير ثيابها في الشركة ولكن في حمام السيدات بالطبع فهي تحاول تنفيذ تعليمات جوداء مهما تطلب الأمر .. تحاول أن تأخذ مساحتها بعيدًا عنه.
اقترب سايلِيس منها يضع يده خلف ظهرها يحثها على التقدم ولكنها انتفضت كالملسوعة ليُطَالعها بتعجب ولكن سُرعان ما تجاهل ذلك ليدخل الملهى لتتبعه هي وتنظر حولها داخل المكان بتقزز، وما أن دخلا استقبلتهما الموسيقى الصاخبة والأضواء المُتحركة التي انعكست على الوجوه ولكن سايلِس تجاهل كل ذلك، قادها مباشرة إلى الطابق العلوي حيثُ الغرف الخاصة، لتفتح لهما باب الغرفة مُضيفة ما ترتديه يُظهر أكثر مما يُخفي، لتقول:
- الغرفة جاهزة سيدي.
دخل سايلِس أولا بينما تبعته سيلفانا بحذر، كانت الغرفة معزولة عن الضوضاء الخارجية، تحتوي على طاولة مُستديرة وأريكةٌ فاخرة وواجهة زجاجية تطُل على صالة الملهى بالأعلى.
لتعقد حاجبيها بضيق وكادت ان تتحدث ولكنها تفاجأت بدخلوا العديد من رجال الأعمال داخل الغرفة ليرحبوا بسايلس الذي جلس على الأريكة، لتجلس سيلفانا مُقابله بصمت، ويبدو أن هذا اجتماعٌ ليلي!
وبمرور الوقت كانت تشعر بالنعاس ولكنها تحكمت بنعاسها كانت تراقب سايلس الجالس مقابلها ولكنه كان منشغلاً بأعماله التجارية مع المستثمرين، لم يكن يبدو عليه أي اهتمام بالأجواء الصاخبة خارج الغرفة وكعادته بدا شديد التركيز في حديثه، وفجأة انفتح الباب ودخلت إحدى الراقصات حاملةً بعض المشروبات، وابتسمت ابتسامة واسعة ما أن وقعت عيينها على سايلِس، لتقترب منه متغزلة به:
- مساء الخير أيها الرجل الوسيم.
وضعت الصينية على الطاولة وسايلِس لم يرفع رأسه لها، لكنها تعمدت الوقوف بجواره أكثر من اللازم وهي تبتسم بدلال واضح .. راقبتها سيلفانا بضيق خفي بينما استمرت المرأة في محاولاتها للفت انتباهه ..
- أيُمكنني أن أجلس معكم لبعض الوقت؟
ليرفع سايلِس عينيه وطالعها ببرود جعلت ابتسامتها تتجمد:
- لا.
ارتبكت المرأة للحظة ولكنها لم تستسلم:
- دقيقة واحدة فقط.
قاطعها بصرامة:
- قُلتُ لا.
ساد الصمت لثوان قبل أن تتمتم الراقصة باعتذار وتخرج من الغرفة، لم تفهم سيلفانا الشعور الذي شعرت به وهو يرفض الراقصة أمام الجميع، هل كانت سعيدة حقًا؟ بعد دقائق قليلة انتهى الإجتماع وكانت سيلفانا تراجع بعض الملاحظات في صمت وكذلك كان سايلِس يجلس مُقابلها يُطالع بعض الأوراق التي في يده وفي تلك اللحظة دخلت الراقصة مُجددًا، كأنها ظنت أن رفضه السابق كان مُجرد تمثيل أو أنها لم تستوعبه، رفع سايلِس رأسه نحوها لتبتسم له بثقة واقتربت منه:
- هل مازلت تعمل سيدي؟
لتسحب الأوراق من يده، وراقبتها سيلفانا بضيقٍ مكتوم لتقول المرأة بدلال:
- من المؤسف أن يقضي رجل وسيمٌ مثلك أمسيته في الإجتماعات والعقود.
ليقول سايلِس بهدوء بارد:
- هل انتهيتي؟
وكأن المرأة لم تستوعِب كلماته ليقول سايلِس بصوتٍ حادٍ تقريبًا:
- أخرجي!
لتخرج المرأة بسرعة من الغرفة، أما سيلفانا لم تستطع أن تُخفي ابتسامتها، لينظر إليها سايلِس للحظة قبل أن يعود للتركيز فيما يقرأ، ولكن سيلفانا قطعت تركيزه تلك المرة:
- أريدُ الرحيل سيدي من فضلك، لقد تأخرت.
لينتبه سايلِس للوقت ثم أردف بهدوء وهو يعُيد وضع الأوراق في الملف أمامه:
- حسنًا، هيا بنا.
لتقول سيلفانا بهدوء لتوقفه:
- يمكنك أن تبقى سيدي، يبدو أن لديك الكثير من العمل.
لم يُجيبها سايلِس وأردف بهدوء:
- هيا لنرحل.
اعتدل ليقترب من باب الغرفة وهي تبعته بابتسامة واسعة لا تدري لما هي سعيدة هكذا؟
خرجا من الملهى الليلي وصعدا السيارة وكان الإثنين صامتين، قام السائق بتشغيل أعنيةً روسية شهيرة، جعلت سايلِس شاردًا قليلاً في ذكرياته، ولكن قطع شروده صوتها:
- إن موسيقاها جميلة سيدي.
ذلك ماقالته بابتسامةٍ هادئة، لينظر لها سايلِس بهدوء:
- أجل، جميلة حقًا.
تاهت في نظراته لها حيث لمعت عيناه بشيءٍ غريبٍ لم تفهمه، استأنف سايلِس حديثه وهو يُطالعها في عُمق عيناها:
- أنا أعتذر إذا جئتُ بكِ في مكانٍ مثل ذلك الملهى، إنه لا يليق بكِ حقًا.
احمرت وجنتاها خجلا بسبب كلماته تلك ..
- هذه وظيفتي سيدي، أن أتبعكَ في كل مكانٍ تذهب إليه.
همهم سايلس بهدوء وعادا صامتين تمامًا حتى وصلت السيارة أمام منزلها هي وجوداء، لتنزل من السيارة لتذهب في نحو باب المنزل ولكن أوقفها سايلِس:
- تُصبحين على خيرٍ، آنسة سيلفانا.
التفتت نحوه بابتسامة هادئة وأشارت له، وهو ابتسم لها في المقابل لتتحرك سيارته.
وفي قصرآل مارينتوس كان ديميتري جالسًا في مكتبه الضخم والغارق في الظلام والذي يُماثل ظلام قلبه وأمامه لوح الشطرنج الخاص به، امتدت أصابعه نحو البيدق الأبيض وحركه قطريًا بهدوء ليتوقف امام الحصان الأسود لحظة، ثم أزاحه من الرقعة ليقول بهدوء:
- لقد سقط ستيفانو.
ثم وقعت عيناه على إحدى القطع التي أُزيحت منذ مدة والتي هي عبارة عن الملكة السوداء، فكر قليلاً وهو يُطالع تلك القطعة وأستند بمرفقيه على المكتب وأراح ذقنه وفوق قبضتي يديه داخل ظلام مكتبه والذي لايخترفه سوى خط ضوءٍ بسيط إلتمس جزءًا من وجه ديميتري، انتظر دقائق قليلة ثم أنزل يده ليُمسك بتلك القطعة ليُعيدها للرُقعة من جديد، وفي تلك اللحظة آتته رسالة نصية على هاتفه قرأ محتواها ليعقد حاجبيه ولكن سُرعان ماتبدلت ملامح وجهه ليبتسم ابتسامةً غريبة.
وفي ذات الوقت كان سايلِس في طريقه لمنزله لينتبه على وصول رسالة نصيةٍ له ليقرأ محتواها ليعقد حاجبيه بغضب محاولاً التحكم بأعصابه حيث أن مُحتوى الرسالة كان قادمًا من المافيا:
هناك مهمةٌ تتطلب تعاونًا مع المافيا الإيطالية، سيوافيك السيد ديميتري مارينتوس بكافة التفاصيل، ستكونان شريكان بها.
.................................
