رواية نبضات الصخر الفصل العاشر بقلم هاجر سلامه
مر أسبوعان على الفضيحة المدوية التي عاشتها ميرفت داخل مكتب رئيس مجلس الإدارة.
تحول القصر بعدها إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الصامتة؛ ميرفت انزوت في غرفتها لا تجرؤ على مواجهة نظرات شاكر بيه الحادة، ولا نظرات معاذ الواثقة التي كانت تذبحها في كل مرة تلتقي عيونهما في الرواق.
كانت نايا تعيش في هذه الأيام أجمل فترات حياتها، مستسلمة للاهتمام المفرط والحب الحقيقي الذي يغرقها فيه معاذ، والالتزام بمواعيد الأدوية والحقن التي كانت تأخذها بانتظام وثقة.
وفي أحد الصباحات داخل مقر الشركة الكبرى، كانت نايا تقف مع معاذ ووالدها شاكر بيه في بهو الاستقبال لمراجعة بعض التصاميم الجديدة لفرع الإسكندرية.
وفجأة، شعرت نايا ببرودة شديدة تسري في أطرافها، ودوار عنيف جعل الرؤية تتشوش أمام عينيها بالكامل.
لم تستطع إسناد جسدها، فترنحت وأطلقت آهة خافتة قبل أن تغلق عينيها تماماً وتستسلم لظلام دائم.
انخلع قلب معاذ من مكانه، وتحركت رجولته ولهفته بسرعة البرق؛ فالتقط جسدها النحيل ببراعة قبل أن يلمس الأرض، وصرخ بصوت هز أركان البيت: "نايا! نايا ردي عليا يا حبيبتي! إسعاف بسرعة يا جماعة!"
كان شاكر بيه يقف مصدوماً، يرتجف خوفاً على ابنته الوحيدة، والدموع تجمدت في عينيه وهو يرى معاذ يحملها بين ذراعيه ويركض بها نحو سيارته، قائلاً لشاكر بيه بحسم : "يا شاكر بيه، اطلب الدكتور بتاعها وخليه يجهز غرفتها في المستشفى فوراً، أنا هسبقك بالعربية!"
وصل الجميع إلى المستشفى الخاص، وتم إدخال نايا إلى غرفة الفحص على وجه السرعة. كان معاذ يقف خارج الغرفة يدور حول نفسه كالمجنون، يضرب قبضتيه في الحائط، ويدعو الله بقلب محروق ألا يرميه في فاجعة خسارتها، فـ نايا لم تعد مجرد زوجة على ورق، بل أصبحت هي الروح والنبض لجسده.وقف بجانبه شاكر بيه، ووضع يده على كتف معاذ وقال بصوت متهدج : "اهدأ يا معاذ يا ابني.. إن شاء الله هتكون بخير. أنا شفت خوفك عليها، وعرفت إنك شاري بنتي بجد ومش طمعان فيها.. ربنا يحفظكم لبعض."
خرج الطبيب فجأة من الغرفة، وكانت ملامحه هادئة بل وتحمل ابتسامة مشرقة لم يتوقعها أحد. ركض معاذ نحوه وأمسك بتلابيب بدلته متسائلاً بلهفة عارمة: "أرجوك يا دكتور.. طمئني! ما بها نايا؟ هل ساءت حالة رحمها؟ هل نحن في خطر؟"
ابتسم الطبيب برفق، وربت على كتف معاذ وتحدث : "اهدأ يا معاذ بيه.. لا يوجد خطر على حياة زوجتك. بالعكس، المعجزة الطبية قد حدثت بالفعل! الفحوصات السريعة وتحليل الدم يؤكدان أن مدام نايا.. حامل في أسبوعها الثالث! الدوخة والإغماء هما مجرد أعراض طبيعية بسبب التغير الهرموني المكثف في جسمها."
تجمد معاذ في مكانه لثوانٍ، وكأن الزمن قد توقف. اتسعت عيناه، وانهمرت دموع الفرح الحقيقية على وجنتيه. التفت إلى شاكر بيه الذي صرخ بفرحة عارمة لم يختبرها منذ سنوات : "حامل؟! بنتي نايا حامل يا دكتور؟! الحمد لله يا رب.. الحمد لله!"
دخل معاذ الغرفة بسرعة، ووجد نايا قد استعادت وعيها وتجلس على السرير الطبي بملامح شاحبة ولكن عيناها تلمعان بالدموع بعد أن أخبرتها الممرضة بالخبر. ارتمى معاذ في حضنها وقبل رأسها ووجهها ويديها بفيض من العواطف الجارفة، وهمس في أذنها ب بصوت باكٍ: "عملناها يا نايا.. المعجزة حصلت وبقيتي أم، وهتبقى أحلى أم في الدنيا.. أنا بحبك أوي."
ضمت نايا وجهه بيديها الدافئتين وقالت وسط دموع الفرح: "أنا مش مصدقة يا معاذ.. ربنا استجاب لينا، والرحم المريض شال حتة منك.. أنا بحبك أكتر يا منقذي وسندي."
دخل شاكر بيه الغرفة، واحتضن ابنته بحنان شديد، وقبل جبينها وقال وعيناه تلمعان بفخر: "مبروك يا قلب أبوكي.. مبروك يا أم الوريث الأول لعيلة السيوفي. رفعتي راسي، والشركة وكل الميراث بقوا بتوعك وبتوع ابنك من النهاردة، ومفيش مخلوق يقدر ينطق بحرف."
في المساء، عاد الجميع إلى القصر الفاخر. كان الخبر قد وصل إلى ميرفت عبر خدمها، فنزلت إلى الصالة الرئيسية وعيناها تتطاير منهما شرارات الحقد والغل الأعمى. وقفت ميرفت بملامح مسمومة وقالت باستهزاء: "مبروك يا نايا هانم.. مبروك يا معاذ بيه. لحقتوا نفسكم وعملتوا اللعبة صح عشان تقشوا كل حاجة.. بس ياترى الحمل ده حقيقي ولا حتة تزوير تانية من بتاعتكم؟"
قبل أن تنطق نايا بحرف، تقدم معاذ خطوة ووقف كالجدار العازل أمام ميرفت، ونظر إليها بنظرات قاتلة جعلتها تتراجع خطوة للخلف، وتحدث القاطعة: "الزمي حدودكِ يا ميرفت هانم! زوجتي نايا تحمل وريث هذه العائلة، وأي كلمة، أو تلميح، أو حركة طائشة منكِ تهدد سلامتها أو سلامة طفلي.. سأعتبرها إعلان حرب شخصي ضدي. وأنتِ تعلمين جيداً ماذا يمكن أن يفعل معاذ عندما يغضب.. احذري تماماً."
أمسك معاذ بيد نايا وصعد بها إلى الجناح الفاخر، تاركين ميرفت تغلي في دمائها وتتوعد بخراب القصر فوق رؤوسهم.في الطابق السفلي، كان شاكر بيه يجلس في مكتبه الخاص، يتأمل صورة زوجته الراحلة والدة نايا.
تذكر ملامح ميرفت المسمومة وتهديدات معاذ الصارمة لها.
شعر شاكر بيه بوخزة ضمير وخوف حقيقي؛ فهو يعلم خبث مراته ميرفت، ويعلم أنها قادرة على ارتكاب أي حماقة أو مكيدة مسمومة لإجهاض نايا وحرمانها من هذا الحلم لتفسد شرط الميراث.
التقط شاكر بيه هاتفه الخاص، واتصل برقم شخص غامض ومحترف في أعمال الحراسة والمراقبة الخاصة : "أهلو يا سليم.. اسمعني كويس. أنت من النهاردة هتعين أربعة من رجالتك الموثوقين يراقبوا ميرفت مراتي في كل خطوة برة البيت وجوة البيت.. وتراقبوا تليفونها وتحركاتها.. بنتي نايا حامل، وأنا خايف ميرفت تأذيها أو تعمل لها حاجة في أكلها أو شربها.. أي نفس تتحركه ميرفت، يوصلي تقرير بيه فوراً.. مفهوم؟"رد سليم بصرامة: "مفهوم يا شاكر بيه.. اعتبر مدام نايا في أمان كامل، ورجالتي مش هيغيبوا عن مرتك ثانية واحدة."
اغلق شاكر بيه الهاتف، ونظر إلى جناح نايا في الأعلى وتنهد بارتياح : "أنا ضيعت حق أمك زمان يا نايا بسبب طيبتي.. بس وحياة غلاوتك عندي، ما هسمح لأي حد يمس شعرة منكِ ولا من ابنك.. معاذ درعك في الشغل، وأنا هكون درعك في البيت."
