رواية قلبي لم يكن لي الفصل العاشر بقلم منه الوكيل
قرب منها بسرعة وهو مش مستوعب، عينه اتثبتت عليها وكأنه مش قادر يصدق الكلمة: إنتي… حامل؟!
حور كانت بتتألم ومش قادرة ترد، دموعها نازلة وهي ماسكة بطنها بإيدين بتترعش: آآآآه… مش قادرة… بطني وجعاني…
أدهم بلع ريقه، والخوف بدأ يظهر في عينه لأول مرة، فضل باصص عليها وهو حاسس بالذنب من اللي عمله.
ركب العربية بسرعة وهو بيحاول يركز في الطريق، لكن عينه كانت كل شوية تروح عليها وهي بتتوجع.
بصوت مهزوز حاول يطمنها: استحملي يا حور… إحنا رايحين المستشفى… اهدي بس، أنا معاكي.
حور كانت ماسكة في الكرسي من شدة الألم، وصوتها طالع بالعافية: مش قادرة يا أدهم… بمو..ت… آآآه…
الكلام وجعه، حس إن كل ثانية بتعدي وهو شايفها كده عقاب ليه.
وصلوا المستشفى بسرعة.
نزل أدهم من العربية وهو مش حاسس برجليه من الخوف، فتح الباب وشال حور بين إيديه وهي كانت بتفقد وعيها.
دخل بيها المستشفى وهو بيجري، صوته مليان رعب:فين الدكاترة؟! مراتي تعبااانة!!
الممرضة قربت منه بسرعة: حطها هنا بسرعة لو سمحت.
حطها على السرير، لكن إيده فضلت ماسكة إيدها، كأنه خايف يسيبها.
حور كانت عينيها بتفتح وتقفل، وصوتها ضعيف: أدهم…
قرب منها بسرعة: انا جنبك يا حور مش هسيبك.
هي بصتله بدموع: أنا خايفة…
الكلمة دي كسرت حاجة جواه.
أدهم بلع ريقه، وحاول يطمنها رغم الرعب اللي جواه: مش هيحصلك حاجة… سامعاني؟ أنا معاكي.
الدكتور دخل بسرعة وبدأ يكشف عليها، وأدهم واقف بعيد لكن عينه مش بتفارقها.
الدكتور بصله بجدية:حضرتك جوزها؟
أدهم قرب بسرعة: أيوه… طمني عليها.
الدكتور اتكلم بهدوء: لازم نعرف حالتها ونطمن، هي محتاجة راحة ومتابعة.
أدهم هز راسه بسرعة: اعملوا أي حاجة… بس خليها بخير.
الدكتور طلب منهم يطلعوا بره، وأدهم وقف مكانه لحظة مش قادر يتحرك.
بص لحور وهي بتبعد عنه على السرير، وعينيه امتلوا بالدموع.
لأول مرة يحس إن كل غضبه كان ولا حاجة قدام خوفه عليها.
همس لنفسه بصوت مكسور: أنا كنت هضيعك بإيدي وبغبائي…
خرج أدهم برا الأوضة وهو باصص على إيده اللي عليها د..م حور، قلبه اتقبض وهو مستوعب إنه كان ممكن يخسرها بإيده.
قعد قدام الأوضة وهو ساكت ومكسـ..ور، بيلوم نفسه إنه مقدرش يسيطر على غضبه، ومستني أي كلمة تطمنه إنها بخير.
عدّى وقت طويل وأدهم واقف قدام أوضة الكشف، مش قادر يقعد ولا يهدى.
كل شوية يبص للباب كأنه مستني أي حد يطلع ويطمنه.
لأول مرة من فترة طويلة مفيش غضب في عينه… كان فيه خوف.
بعد وقت، الدكتور خرج.
أدهم قرب منه بسرعة: طمني يا دكتور… هي كويسة؟
الدكتور بصله بهدوء: هي محتاجة راحة وهدوء، حصلها إجهاد شديد، والحمل محتاج متابعة كويسة الفترة الجاية.
أدهم اتجمد لحظة: الحمل… كويس؟
الدكتور هز راسه: أيوه، بس لازم تبعد عن أي ضغط أو توتر.
أدهم نزل عينه، وكأن الكلمة وجعته عارف إن التوتر ده كان جزء كبير منه دخل الأوضة ببطء حور كانت نايمة، وشكلها مرهق وقف جنبها شوية وهو ساكت، كأنه مش عارف يبدأ منين قعد على الكرسي جنبها، وبص لإيدها مد إيده يمسكها… لكن أول ما لمست صوابعه إيدها فتحت عينيها.
بصتله ثواني وبهدوء سحبت إيدها الحركة دي وجعته أكتر من أي صراخ أدهم بص في عيونها : حور…
صوتها كان ضعيف وبارد: مش عايزه اشوف وشك ياادهم..
الكلمة نزلت عليه تقيلة… أكتر من أي صرخة كانت ممكن تقولها.
فضل باصص ليها شوية، كأنه مستني إنها ترجع كلامها أو تبصله بنظرة أهدى… لكن حور كانت مدياله ضهرها وهي بتحاول تمنع دموعها.
أدهم بصوت واطي ومكسور: حور…
قا..طعته وهي مغمضة عينيها: لو سمحت… امشي.
اتنهد وهو بيحاول يمسك نفسه: أنا عارف إني وجعتك.
حور فتحت عينيها وبصتله بوجع: وجعتني؟ إنت كنت هتضيعني يا أدهم .
سكت لأنه عارف إنها عندها حق.
كملت وهي صوتها بيتهز: أنا كنت واقفة قدامك بخاف عليك… وبحاول أرجعك… وإنت كنت شايفني عدوك.
أدهم قرب خطوة، لكن وقف لما شاف نظرتها: أنا كنت مخنوق… ومكنتش شايف غير وجعي.
ضحكت بسخرية وحزن: ووجعي أنا كان إيه؟ مش محسوب ده حتي كنت بتحايل عليك توقف العربيه عشان كنت بمو..ت قدامك وانت مفيش فايده اناني مبتشوفش غير نفسك..
ادهم سكت بوجع.
حور مسحت دموعها: عارف أكتر حاجة وجعتني؟
بصلها.
إني وأنا خايفة ومحتاجة حضنك… كنت بخاف منك.
الجملة دي كسرت ملامحه.
أدهم فضل ساكت لحظة، وبعدها صوته خرج مبحوح وهو بيحاول يشرح، مش يدافع عن نفسه: حور… حسي بيا. أنا كنت في أسوأ وقت في حياتي… أبويا كان لسه ميـ..ت، وأنا كنت مش قادر أستوعب اللي حصل.
بص لها بعينين مليانة تعب: أنا كنت محتاج وقت… محتاج أهدى… قولتلك سيبيني، قولتلك مش قادر أتكلم.
أدهم سكت.
كملت وهي بتحاول تمنع دموعها: أنا عارفة إنك كنت موجوع يا أدهم… عارفة إنك خسرت أبوك… وده عمي أنا كمان اللي خسرته يعني وجعك هو وجعي بس انت جيت عليا..
قرب خطوة وصوته اتهز: بس إنتي وقفتي قدامي وأنا مش قادر أتحكم في غضبي.
حور بصتله بصدمة: يعني أنا السبب؟
أدهم بخنقه من جواه: لا… مش قصدي كده.
حور هزت راسها بوجع، وصوتها طالع مكسور: بس ده اللي بتقوله يا أدهم.
أدهم بص في عيونها، وعينه فيها ندم وتعب واضح: حور… أنا عارف إني غلطان، ومش هغلطك في حاجة. الحمدلله إنك بخير… وابننا كمان بخير.
حور ضحكت بسخرية باينة فيها وجع أكتر من الضحك نفسه: متقولش ابنك… ده ابني أنا..ابنك ده اللي كنت هتمو..ته بإيدك، وأنا أمه.
الكلام نزل عليه تقيل، خلى ملامحه تنهار شوية، وصوته خرج مبحوح: كفاية يا حور… خلصنا... الدكتور قالك محتاجة راحة، وأنا هرجعك البيت وهفضل معاكي.
حور قالت بضيق وهي لسه مجروحة: مش عايزة أقعد معاك.
أدهم مسح وشه بإيده بضيق كأنه بيحاول يلم نفسه: ماشي… نبقى نشوف الموضوع ده بعدين.
حور ردت بسرعة وغيظ مكبوت في صوتها: مفيش بعدين.
أدهم رفع حواجبه بتعب وانكسار بسيط: بالله عليكي يا حور… عدي الليلة دي بس، أنا تعبان.
حور بصت الناحية التانية، ودموعها نزلت غصب عنها، ومسحتها بسرعة كأنها مش عايزة تبان ضعيفة قدامه.
في بيت سليم، كانت سارة قاعدة في البلكونة، ساكتة تمامًا وعينيها معلّقة في السما كأنها مش شايفة حاجة حواليها. ملامحها باهتة، وصمتها تقيل كأنه مخبي وجع كبير.
دخل سليم وقعد قدامها على الكرسي وهو بيطلع تنهيدة طويلة، وبصلها شوية بحزن قبل ما يقرب منها ويشد الكرسي ناحيتها أكتر: سارة؟!
رفعت عينيها له بتوهان، صوتها طالع مكـ..سور وبارد: خير يا سليم…؟
سليم خد نفس عميق وهو باين عليه الإرهاق من حالتها، وصوته طالع هادي بس فيه ضيق واضح: مش ناوية تفكي شوية؟ انتي من ساعة ما خرجتي من المستشفى وانتي على نفس الحالة دي.
سارة كانت قاعدة متجمدة، عينيها في الفراغ، كأنها مش موجودة أصلاً، وبصوت باهت قالت: المفروض أعمل إيه يا سليم؟
سكتت لحظة، وبعدين ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة: أضحك؟ أعيش عادي؟ أقول الحمدلله وخلاص؟
سليم اتنهد بضيق، وفي صوته وجع: ليه بتكلميني كده يا سارة؟
سارة فجأة دموعها نزلت من غير مقدمات، وصوتها اتهز: عشان أنت السبب يا سليم…
سليم اتجمد، ورفع عينه ليها بصدمة: أنا؟!
سارة زودت عياطها وهي مش قادرة تسيطر على نفسها، وكأن كل اللي جواها انفجر: قولتلك ألف مرة إن علاقتنا مستحيلة…خدنا إيه في الآخر؟
أهلي رموني، وضاعت سمعتي، وخسرت ابني اللي كنت متعلقة بيه… وخسرت نفسي يا سليم… خسرت كل حاجة حلوة في حياتي.
سليم قرب منها وصوته كان مكسور: سارة… متقوليش كده. أنا وانتي كملنا عشان بنحب بعض… مكناش نعرف إن كل ده هيحصل.سكت لحظة، وعينه لمعت بالدموع.
أنا خسرت أبويا… ويمكن أنا السبب في مو..ته.
سارة اتغيرت ملامحها أول ما سمعته.
بصتله بحزن بس جواها موجوعه من سليم: سليم… متقولش كده.
هز راسه وهو بيحاول يضحك بس الوجع واضح: بس دي الحقيقة يا سارة… أبويا كان تعبان، وأنا بدل ما أقعد معاه وأفهمه… دخلت في خناقات معاه.
نزل عينه: آخر حاجة بيني وبينه كانت زعل… آخر كلام سمعه مني كان وأنا غضبان.
سارة نسيت وجعها للحظة وهي شايفاه قدامها مكسور.
قربت منه: سليم…
بصلها بعينين مليانة دموع: أنا خسرت أبويا يا سارة… خسرت الشخص اللي مهما حصل كان سندي مليش غيره.
سارة دموعها نزلت: بس متحملش نفسك ذنب حاجة ربنا كتبها وبعدين ماانت معاك اخوك ادهم الكبير ربنا يخليكو لبعض
سليم بص بعيد: أنا كان ممكن أرجعله… كان ممكن أعتذر كان نفسي أنا وانتي في وضع كله راضي عنها.
سارة قربت منه من غير كلام، وحضنته وهي بتعيط بصوت مكبوت: معلش… كل حاجة هتتحل يا سليم… أنا جنبك.
سليم كان صوته مخنوق وهو بيتمسك فيها كأنه خايف يفلتها: متسبنيش يا سارة… أنا مليش غيرك… أخويا مش طايقني، وعارف إن أنا السبب في مو..ت أبويا…
سارة بعدت عنه بسرعة، ومسحت دموعه بإيديها وهي بتحاول تبان قوية: لا… إنت ملكش ذنب في حاجة. ده عمره… وربنا كتبله النهاية دي.
وبعدين أدهم موجوع يا سليم… مش معنى إنه غضبان منك إنه مش بيكرهك.
سليم هز راسه بتعب، وصوته طالع واطي: عايز أنام يا سارة… بس… وانا في حضنك.
سارة ابتسمت ابتسامة حزينة مكسـ..ورة، حضنته تاني وسندته عليها، وهو فعلاً بدأ يهدى بين إيديها، كأن الحضن ده هو المكان الوحيد اللي بيهرب فيه من كل اللي وجعه
جوا الفيلا، كان أدهم ماشي بيها براحة جدًا، ماسك إيديها وبيعدل خطوته على قد خطوتها المترددة. كان حاسس بكل نفَس بتطلعه، وكل آه مكتومة بتسحبها من وسط وجعها.
دخل بيها الأوضة، وقعدها على السرير برفق، وبصلها بنبرة هادية بس باردة: هروح أخليهم يجهزوالك الأكل.
حور غمضت عينيها بتعب ونفسها ضيق، وقالت بصوت يدوب طالع من بين شفايفها: لأ مش قادرة.. مش جعانة خالص، أنا عايزة أنام وأرتاح وبس.
أدهم متهزش من شكلها، وفضل محافظ على بروده وثباته وهو بيرد عليها بلهجة مفيهاش نقاش: هتاكلي.. عشان فيه علاج لازم يتاخد في معاده.
سابها وخرج من غير ما يستنى منها كلمة تانية.
حور اتنهدت بوجع، وبدأت تحاول ترفع إيديها المرتعشة عشان تغير هدومها التقيلة ، بس مع كل حركة كانت بتتحركها، الوجع كان بيمسك في جسمها ويخليها تتراجع وعينيها تدمع من قلة الحيلة وعجزها.
في الوقت ده، الباب اتفتح ودخل أدهم وهو شايل صينية الأكل. عينيه جت عليها وهي بتحاول تقلـ..ع هدومها ومش عارفة، وشاف دموع عجزها المحبوسة. ملامحه الوش الخشب اتحولت لضعف،و عينيه لمعت بنظرة خطفت فيها ملامح القلق.
قرب منها بهدوء، حط الصينية على السرير، وقعد جنبها وهو بيبص في عينيها المجهدة، وقال بنبرة صوت أهدى، وفيها دفا مداري ورا حزمه: كلي الأول.. وبعدين نبقى نغير الهدوم دي سوا.
لوت حور شفايفها ببرود حاولت تصطنعه عشان تداري غيظها، ولفت وشها الناحية التانية وهي بتقول بنبرة حادة:
قولتلك مش عايزة أكل.. هو بالعافية يعني؟!
أدهم بص لعيونها المتحفزة بنظرة حازمة وهادية، وقال بصوت واطي بس فيه أمر مبطن:حور… متخلينيش أتعصب. الدكتور قال تاخدي علاجك بعد الأكل.. وكلمتي هي اللي هتمشي.
رغم التعب والوجع اللي كان هادد حيلها، سخرية حور ممتتش بصتله بتهكم وعين دبلانة وقالت: لسه مصمم تتعصب عليا؟ المرة دي هتعمل إيه يعني.. هترميني من الشباك؟
أدهم ماردش بنرفزة، ولا عينه فلتت منها شرارة غضب.. بالعكس، خد لقمة بإيده وقربها من شفايفها، وبص في عينيها بنظرة رجاء مداري وهو بيهمس: لأ.. المرة دي هقـ...تل نفسي لو مكلتيش.
الكلمة لجمت لسان حور، وبصت في عيونه اللي كانت بتلمع بحنية مفاجئة بقالها كتير مشفتهاش.. الحنية دي بالذات كانت نقطة ضعفها، والسحر اللي بيفك كل حصونها. من غير ما تحس، تاهت في نظراته ولقت مقاومتها بتبخر، وفتحت بوقها تآكل من إيده باستسلام تام.
بعد آخر لقمة، لمعت في عيون أدهم ابتسامة انتصار خفيفة، ومسح طرف شفايفها بمنديل براحة وهو بيقول بخفة: شاطرة.. هجيبلك بنبوني عشان خلصتي الأكل كله.
حور اتغاظت وحست إنه بيعاملها كأنها عيلة صغيرة، فقالت بضيق : أنت لسه شايفني طفلة؟ وإيه بنبوني دي!
أدهم مد إيده وبحركة حنينة خطفت قلبها، مسك طرف مناخيرها وقال بصوت دافي: آه.. لسه شايفك بنوتي.. وحبيبتي.
حور سكتت وبصت له ثواني.. ورغم كل الزعل والكسرة اللي جواها منه، ورغم الشرخ الكبير اللي بين الكبرياء والجرح، لمحِت في عينه حاجة مختلفة المرة دي… لمحِت خوف حقيقي عليها، وندم بياكل في ملامحه.
اللحظة دي دفت قلبها، بس فوقها الوجع القديم وخوفها من إنها تنجرح تاني، فسحبت وشها بعيد عن إيده ببطء وقالت ببرود عشان تحمي نفسها:متحاولش يا أدهم…
إيد أدهم اتعلقت في الهواء للحظة، والابتسامة اختفت من على وشه كأنها مكنتش موجودة، وحل مكانها وجع صامت. بصلها بهدوء وهو بيستوعب كلامها:أحاول في إيه؟
حور بلعت ريقها بصعوبة وهي بتبص قدامها، هربانة من عينيه اللي بتعاتبها: تحسسني إن كل حاجة رجعت زي الأول.. وننسى اللي حصل.
الكلام نزل عليه زي الصاعقة، شق صدره ووجعه. بص في عيونها اللي مشقوطة بالزعل، وقال بصوت واطي ومخلوق بالكسرة:أنا عارف إن الموضوع مش هيتصلح في يوم وليلة.. بس مقدرش أسيبك في الوضع ده. وانتي كمان.. متضغطيش عليا يا حور، أنا موجوع والله.. أنا مش قادر أستحمل الصدمات اللي حصلتلي ورا بعض دي.
كلامه حز في نفسها ووجعها؛ لأنها عارفة إنه شايل حمل يهد جبال، بس كبريائها وجرحها لسه بينزفوا ومش قادرة تصفى بسهولة. اتنهدت بضيق وهي بتحاول تداري دموعها وقالت بلهجة مجهدة: طب عايزة أغير هدومي.. اطلع بره.
أدهم رفع حواجبه بسخرية، وطلعت منه ضحكة ماليها التهكم وهو بيقرب خطوة: أطلع بره؟ يعني مراتي، وحامل في ابني، وبتطرديني من أوضتي؟ لا غريبة دي فعلاً!
حور رفعت راسها وبعين ثابتة حاولت تستفزه: لا مش غريبة.. أصل طالما مش عاجبك كلامي، يبقى اتفضل بره بقا.
أدهم هز رأسه بقلة حيلة، والابتسامة الساخرة لسه على وشه: طيب.. وريني بقى هتغيري هدومك دي إزاي لوحدك.
ومن غير ما يستنى ردها، فك زراير قميصه وقلعه بهدوء، وأخد هدوم تانية ودخل الحمام وقفل الباب وراه. هو كان عارف ومستني.. عارف إن الوجع هيلجمها، وإنها مش هتعرف تتحرك خطوة من غيره. فاتوا كام دقيقة، وفجأة الباب اتفتح.
حور اتخضت واتنفست بسرعة وهي بتداري نفسها، لكن أدهم بصلها بملامح باردة خالية من التعبير وهو بيقول: نسيت الفوطة.
حور لفت وشها الناحية التانية، وعضت على شفايفها بكـ..سرة وإحراج، الصمت طال بينهم لحد ما قفلت عينيها وقالت بصوت يدوب مسموع ومكسـ...ور: أدهم.. ممكن.. ممكن تساعدني؟
أدهم ابتسم ابتسامة خفيفة ظهرت في عينيه قبل شفايفه، وقرب منها بخطوات بطيئة، وقف قدامها وقال بنبرة هادية: ما كان من الأول.. لازم يعني العند اللي فينا ده؟
مد إيده وبمنتهى الرفق، بدأ يساعدها تتخلص من هدومها التقيلة. حور في اللحظة دي كانت حاسة إن وشها بيغلي من الكسوف، عينيها هربت للأرض وضوافرها غرزت في الفراش. أدهم لمح كسوفها وخجلها اللي وحشه، فابتسم بحنية خفت حِدة ملامحه.
ومن غير ولا كلمة، وطى وشالها بين إيديه بهدوء كأنها حاجة زجاج خايف عليها تتكسر، ودخل بيها الحمام. وقفها على الأرض وسندها بضهره، وفتح الماية الدافية لحد ما ملّت البانيو، وبعدين سحبها براحة وقعدها جوه الماية.
أول ما الماية لمست جسمها، أنين خفيف طلع من بين شفايفها من أثر الوجع، أدهم قعد على طرف البانيو، ومسك الشاور وبدأ يغسل لها جسمها بإيده وبمنتهى النعومة، كأنه بيطبطب على وجعها مش مجرد بيحميها. حور استسلمت تماماً للمساته، وسندت راسها لورا وهي مغمضة عينيها، ودموعها نزلت واختلطت بالماية.. دموع من الراحة والوجع مع بعض.
بعد شوية، خلص وفرد الفوطة الكبيرة ولفها حوالين جسـ..مها بهدوء وأمان. ومن غير ما ينطق بحرف، انحنى وشالها تاني بين إيديه وقربها لصد..وره.
حور كانت ساكتة تماماً، مستسلمة لحضـ..نه، ووشها مدفو..ن في كتفه من كتر الكسوف.. مش قادرة ترفع عينها وتبص في عيونه اللي كانت بتراقب كل تفصيلة فيها بنظرة دافية رجعت تظهر من جديد.
حطها على السرير بمنتهى الرفق والراحة كأنها قطعة من الزجاج يخشى عليها من الخدش. وبدأ ينشف خصلات شعرها المبللة بفوطة قطنية وهو ساكت تمامًا، حركاته كانت هادية ومفيهاش أي استعجال. وبنفس الصمت الدافئ، ساعدها تلبس هدومها المريحة من غير ما يربك كسوفها.
لما خلص، بعد خطوة لورا، وبصلها بنظرة هادية وخالية من أي حدة، وقال بصوت واطي ومريح: تقدري ترتاحي دلوقتي.. خدي العلاج ده ونامي.
حور مدت إيدها المرتعشة وأخدت منه حبوب العلاج وكوباية الماية، وبلعتها وهي بتبص له بنظرات ماليها الإحراج واللخبطة، مش عارفة تشكره ولا تفضل زعلانة منه. أول ما خلصت، اتمددت على ضهرها بتعب وجسمها بدأ يسترخي أخيراً.
أدهم سحب الغطا عليها براحة لحد ما غطاها كويّس عشان تدفى، وقام من جمبها ودخل الحمام.. وكل ده من غير ما ينطق ولا بكلمة واحدة، سابهالها صمت مريح، صمت كان فيه حنية وطبطبة أكتر من أي كلام ممكن يتقال.
في شقة سليم، كان الصمت مغيم على المكان، وهو نايم وفي حضنه سارة بسلام تام، مش دريانين باللي بيحصل حواليهم. فجأة، القفل اتمهد والباب اتفتح بهدوء غريب.. ودخلت خطى تقيلة لخطوات مريبة. كذا راجل ملثمين تسللوا لجوا الأوضة زي التعابين، وعينيهم جت على سليم وسارة وهم مستسلمين للنوم.
بإشارة سريعة، واحد قرب من سليم والتاني هجم على سارة. في ثانية واحدة، انقضوا عليهم وكتموا نفسهم بمنديل مخدر؛ سليم حاول يقاوم للحظة بس مفيش فايدة، عينه تقلت واغمى عليه تماماً، وسارة كمان غابت عن الوعي في ثواني.
سحبوها من جنب سليم من غير أي صوت، وواحد منهم اتحرك ناحية الدولاب، فتحه وحط الشنطة السودا مليانة مخدرات، وقفل الدولاب تاني. وبسرعة البرق، شالوا سارة واختفوا من المكان كأنهم مكنوش هنا، وسابوا سليم غرقان في نومة أشبه بالموت.
في نفس الوقت، في فيلا أدهم.. كان نايم جنب حور، بس مكنش مرتاح. ملامحه بدأت تتشنج، ونفسه بقا سريع ومكتوم، وعرق بارد بدأ يغرق وشه ورقابه. السرير كله كان بيتهز من كتر رعب جسمه، وهو عمال يفرك براسه يمين وشمال وبيقول بصوت مخنوق ومتقطع: ماما.. لأ.. متخدوهاش.. بابا.. محدش يسيبني.. متسيبونيش لوحدي!
حور قامت مفزوعة على حشرجة صوته وهز السرير، الوجع طار من دماغها واتخضت عليه خضة العمر. بدأت تهزه وتفوقه بلهفة وخوف: أدهم مالك اصحى يا حبيبي!
أدهم انتفض وقام قعد فجأة وهو بياخد نفسه بصعوبة، كأنه كان بيغرق وطلع لسطح الماية، وعمال يبلع ريقه وصدره بيعلو ويهبط بعنف.
حور قربت منه، وحطت إيدها المرتعشة على كتفه، وقالت بصوت واطي وخايف: أدهم… أنت كويس؟ في إيه؟
أدهم فضل ساكت، عينيه كانت مبرقة ومثبتة على الفراغ قدامه، ملامحه كانت شاحبة وكأنه لسه عايش جوه الكابوس ومشحون برعبه. وفجأة، الحصون اللي بيبنيها دايماً اتهدت، ودموعه نزلت بغزارة.. ضعف تماماً قدام حور، وبص لها بعيون مكسورة ومملية بخوف طفل صغير تاه من أهله: أنا شوفتهم يا حور.. شوفتهم تاني.. أنا مش قادر، حاسس إني بمو..ت من جوايا.
حور عقدت حاجبها بوجع على منظره، وقلبها اتقطع وهو شايفاه منهار بالشكل ده، وقالت برقة: شوفت مين يا أدهم؟
أدهم اتكلم وصوته مهزوز ودموعه مغرقة وشه: شوفت بابا وماما.. سابوني ومشيوا.. كل اللي بحبهم وبمسك فيهم بيمشوا ويسيبوني يا حور.. كله بيمشي!
حور مقدرتش تستحمل، سحبت راسه لصدورها وحضنته بكل قوتها، ودموعها هي كمان نزلت متأثرة بحالته والكسرة اللي في صوته. فضلت تطبطب على ضهره وشعره وتقول بـ شهقة حزن: ربنا يرحمهم يا حبيبي.. أنا جنبك، أنا مش هسيبك أبدًا.. بس ششش، اهدي خالص.. أنا معاك.
أدهم استسلم تماماً لحضنها، د..فن وشه في رقبتها وهو بيتنفس عطرها، ولأول مرة من سنين، حس بالأمان والدفا اللي كان مفتقده من يوم ما أهله فارقوا الدنيا.. ونام في حضنها زي الطفل اللي لقى أمه بعد غيبة.
الصبح طلع وصوت رنة تليفون أدهم قطعت هدوء الأوضة. أدهم فتح عينيه بتثاقل، ومد إيده أخد التليفون ورد بصوت مليان نوم ونعاس: ألو.. مين معايا؟
جاله صوت سليم من الناحية التانية، صوت مرعوب، ومبحوح، وبيتكلم بسرعة: أدهم.. الحقني يا أدهم.. أنا في القسم!
أول ما الكلمة لمست ودن أدهم، اتعدل في السرير كأن كهربا ضربت في جسمه، والنعاس والكسل اختفوا من عينه في لمح البصر. بروق وصرخ في السماعة: سليم؟! أنت في القسم ليه؟ وجوا بتعمل إيه اصلاً؟!
صوت سليم كان متوتر، ومخنوق بالدموع والقلة الحيلة:
أنا مش فاهم حاجة.. مش فاهم أي حاجة! أنا صحيت من النوم لاقيت البوليس فوق راسي وفي القسم دلوقتي.. والناس هنا بتقولي إنهم لقوا في بيتي شنطة مخد..رات!
أدهم سكت للحظة، الدم اتجمد في عروقه، وقلبه بدأ يدق بسرعة جنونية كأنه هيقف، ملامحه اتصلبت وهو مش مستوعب: شنطة إيه؟!
سليم رد بصوت ماليان رعب وكسرة: مخد..ر...ات يا أدهم… بيقولوا دخلوا علي الشقة ولقوها مستخبية في الدولاب عندي وخدو مني ساره يا ادهم أنا بنهار الحقني!
أدهم صرخ بصدمة وهلع هز جدران الأوضة: مخدرات؟؟!!!وووو
