رواية حين يجبر العشق الفصل الحادي عشر
في صباح اليوم التالي ....
في جناح سلطان...
كان السكون يملأ الجناح...
سكونًا هادئًا لا يقطعه سوى صوت أنفاس منتظمة.
فتح سلطان عينيه ببطء.
ظل للحظات مستلقيًا دون حركة.
يشعر بثقل الألم في كتفه المصاب.
لكنه لم يهتم.
لأن انتباهه كله كان منصبًا على تلك النائمة إلى جواره.
حور.!!!! كانت مستلقية قربه.
رأسها فوق ذراعه السليمة.
ويدها الصغيرة ما تزال متشبثة بكفه حتى أثناء نومها وكأنها تخشى أن يختفي إن تركته.
ظل ينظر إليها طويلًا يتأمل ملامحها الهادئة وآثار الإرهاق التي تركها السهر على وجهها.
وفجأة...
عادت تلك الكلمات إلى رأسه من جديد.
"قوم يا سلطان..."
"علشان خاطري قوم..."
"أنا أول ما شفت الدم مغرق ذراعك حسيت إن قلبي اتسحب مني..."
أغمض عينيه للحظة.
لكن صوتها عاد يهمس داخل ذاكرته بوضوح أكبر.
"بحبك يا سلطان..."
"من زمان أوي..."
"لو كانوا خيروني ألف مرة...
كنت هختارك إنت برضه..."
فتحت عيناه ببطء.
واستقرتا عليها من جديد لثوانٍ طويلة.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة.
هادئة ،وصادقة.
ابتسامة رجل يسمع لأول مرة شيئًا لم يكن يتوقعه أبدًا.
رفع يده السليمة ببطء.
وأزاح خصلة شعر انسدلت فوق خدها.
ثم ترك أصابعه تستقر لحظة عند جانب وجهها.
كأن عقله ما زال عاجزًا عن استيعاب أن كل تلك الكلمات كانت حقيقية.
وفي الخارج...
كانت هانم تصعد الدرج المؤدي إلى جناحه.
فقابلتها سارة في الممر.
وقالت بلهفة:
— طمنيني يا حاجه هانم ...اخبار سلطان إيه النهارده؟
تنهدت هانم بحزن : خير يارب ، اديني طالعه اطمن عليه ...
ترددت سارة قليلًا ثم قالت: عاوزه أشوفه؟
نظرت إليها هانم للحظات.
ثم قالت: تعالي معايا... أدخل أطمن عليه الأول وبعدين هخاليكي تدخلي تشوفيه.
أومأت سارة موافقة.
واتجهتا معًا نحو الجناح.
في الداخل...
كان ما يزال غارقًا في تأمل وجه حور.
حتى وصل إليه طرق خافت على الباب.
مرة...ثم ثانية...ثم ثالثة...
لكنه لم يعير الطارق اي اهتمام ...
وبعد لحظات...فُتح الباب.
ودخلت هانم.!!!!!
فتوقفت خطواتها فورًا وسكنت ملامحها.
نظرت إلى الفراش.
إلى حور النائمة فوق ذراع سلطان.
وإلى سلطان المستيقظ الذي كان ينظر إليها.
استدار سلطان مجفلاً وتلاقت عينا الأم بابنها وساد صمت قصير بينهما ....
ثم قالت هانم بهدوء جامد: واضح إني جيت في وقت مش مناسب.
نظر اليها سلطان بغضب مكبوت من اقتحامها لمساحته الخاصه ،فعقد حاجبيه وقال ببرود غاضب: مين سمح لك تدخلي عليا اوضه نومي ؟؟
رفعت حاجبها باستنكار: خبطت على الباب أكتر من مرة ...
ثم تابعت هازئه : بس واضح انك ما سمعتش ؟؟
اجابها بنفس النبره الغاضبه : ولما محدش رد... كان المفروض تستني مش تدخلي كده من غير اذن ...
اشتدت نظرات هانم نحوه بغضب ....
وفي تلك اللحظة...
شعرت حور بالأصوات حولها ....
فرفرفت بأهدابه ثم فتحت عينيها ببطء.
ورفعت رأسها.
لكن ما إن وقع بصرها على هانم حتى تجمدت مكانها.
واتسعت عيناها بصدمة.
ثم نظرت الي سلطان وأدركت فجأة أنها كانت نائمة فوق ذراعه !!!
فانتفضت محاولة الابتعاد عنه فورًا.
لكنها لم تستطع.
لأن أصابعه كانت قد أطبقت على يدها تمنعها من الحركه ...
رفعت رأسها إليه بدهشة.
أما هو...
فشدد قبضته قليلًا مانعًا إياها من الابتعاد.
ثم قال بهدوء: مكانك !!!
ازداد ارتباكها واحمر وجهها بشدة.
بينما كانت هانم تراقب المشهد بصمت.
ثم قالت ببرود: انا كنت جايه اطمن عليك...
بس الحمد الله لقيتك كويس ...
سكتت لحظه قبل أن تضيف وهي تنظر إلى حور: نايمه ومطمنه في حضنه ولا كانك انتي سبب في كل البلاوي ....
اختفت الألوان من وجه حور.
وانخفض بصرها تلقائيًا.
لكن هانم أكملت بمرارة : من يوم ما دخلت دار العامرية وإحنا ما شفناش خير.
الأول صفوان...
ودلوك اللي حصل لولدي ...
اشتدت أنفاس حور.
وشعرت بالإهانة نفسها تعود من جديد.
لكن قبل أن تنطق بحرف...
جاء صوت سلطان هادئًا وحاسمًا: كفاية يا أمي.
ساد الصمت ورفعت هانم عينيها إليه ببطء.
أما سلطان فأكمل: اللي حصل لابويا قضاء وقدر ملوش علاقة بحور.
ثم أضاف دون تردد: واللي حصلي أنا كمان ملوش علاقة بيها.
عقدت هانم حاجبيها.
وقالت باستنكار: إنت لسه بتدافع عنها؟
رد بهدوء ثابت: انا بدافع عن الحق.
ثم نظر إلى حور للحظة قصيرة.
قبل أن يعود بنظره إلى أمه.
وأضاف: ومش هسمح لحد يحملها ذنب حاجة هي بريئة منها.
اتسعت عينا حور ونظرت إليه بعدم تصديق.
أما هانم...
فظلت تحدق فيه لثوانٍ طويلة.
كأنها لا تستوعب ما تسمعه.
ولا تستوعب أن ابنها يقف أمامها بهذا الوضوح بسبب حور.
ثم قالت بجمود: ارتاح دلوك يا ولدي ...
واستدارت متجهة نحو الباب.
وما إن فتحته...
حتى ظهرت سارة.
كانت واقفة بالخارج.
تنتظر خروج هانم لتدخل وتطمئن على سلطان.
لكن خطواتها توقفت فورًا وتجمدت مكانها.
و عيناها انتقلتا إلى الداخل.
إلى حور الجالسة فوق الفراش إلى جوار سلطان.
وإلى يده التي ما تزال ممسكة بيدها.
ثم إلى نظراته الهادئة المستقرة عليها.
نظرات لم ترها منه يومًا.
شعرت بشيء ثقيل يهبط داخل صدرها.
شيء يشبه الخسارة.
أما هانم...
فمرت بجوارها بغضب دون أن تتكلم
وغادرت الممر كله.
بينما بقيت سارة مكانها.
تنظر إلى المشهد بصمت.
ورفعت حور عينيها فالتقت نظراتها بنظرات سارة.
نظرت اليها بابتسامه متحديه وشددت من ضغط يدها علي يد سلطان ....
في تلك اللحظة لاحظ ابتسامتها وحركت يدها ، فالتفت سلطان نحو الباب.
فرأى سارة.
ساد صمت قصير.
قبل أن يقول بهدوء: عاوزه حاجه يا ساره ؟؟
انتفضت سارة كأنها أُمسكت متلبسة بشيء.
ثم أجابت بسرعة؛ كنت جاية أطمن عليك.
هز رأسه مرة واحدة وقال:الحمد لله.
لم يزد حرفًا.
ولم يدعها للدخول.
ولم يترك يد حور.
وكان ذلك كافيًا.
كافيًا لتفهم كل شيء.
فابتلعت غصتها بصعوبة.
وقالت بصوت خافت: الحمد لله إنك بخير.
ثم استدارت وغادرت.
وبقيت حور مكانها.
وقلبها يخفق بعنف.
بينما عاد سلطان ينظر إليها.
وفي عينيه شيء جديد تمامًا...
شيء لم تره منه من قبل.
......................................
✦
باصابع مرتجفه مدت ساره يدها واغلقت الباب عليهم بهدوء ...ثم تابعت السير في الممر بخطوات بطيئة.
لكنها لم تكن ترى شيئًا أمامها.
كل ما كانت تراه...
يد سلطان الممسكة بيد حور ونظرته إليها.
وتلك الحماية الواضحة في صوته وهو يدافع عنها أمام هانم.
أغمضت عينيها بقوة وشعرت بشيء مؤلم يشتعل داخل صدرها.
غيرة....غيرة حادة لم تعترف بها لنفسها من قبل.
لأنها للمرة الأولى رأت الحقيقة كاملة.
حور لم تعد مجرد زوجة فرضها المجلس على سلطان.
بل أصبحت جزءًا مهماً من حياته.
وربما.. أصبحت طريقاً إلى قلبه أيضًا.
توقفت خطواتها فجأة.
وعادت إلى ذاكرتها كلمات صبري.
لازم تبعديها عنه..."بأي طريقة..."
فتحت عينيها ببطء.
وظلت واقفة مكانها للحظات طويلة.
تقاوم الفكرة ، ثم تذكرت نظرة سلطان لحور مرة أخرى.
فاشتد الألم داخلها وأدارت وجهها نحو الباب المغلق خلفها.
قبل أن تهمس لنفسها بصوت بالكاد سمعته: يمكن دي تكون الطريقة الوحيدة فعلًا...
ثم استقامت في وقفتها ومضت في الممر ببطء.
بينما كانت فكرة خطيرة جدًا...تبدأ لأول مرة في التكوّن داخل رأسها.
.................................
✦ داخل جناح سلطان... ✦
ساد الصمت في الجناح بعد ماحدث ...
وظلت حور جالسه مكانها للحظات.
تشعر أن قلبها ما زال يخفق بعنف من كل ما حدث.
نظرة هانم وحديثها ودفاع سلطان عنها ورؤية سارة لهما.
ويد سلطان التي ظلت متمسكة بيدها أمام الجميع.
أخفضت بصرها سريعًا.
ثم سحبت يدها برفق من بين أصابعه.
وهذه المرة تركها دون اعتراض.
فنهضت بسرعة من الفراش.
وكأنها تبحث عن أي شيء يشغلها.
أي شيء يبعدها عن النظر إليه.
وما إن وقعت عيناها على علبة الدواء حتى أسرعت نحوها.
هاتفه بتوتر: معاد الدواء.
قالتها بسرعة وهي تلتقط العلبة.
أما سلطان...
فظل يتابعها بعينيه يراقب ارتباكها الواضح وحركتها المتعجلة وطريقتها في الانشغال بأي شيء إلا به.
حتى قال بهدوء: مالك؟
التفتت إليه سريعًا.: مفيش.
رفع حاجبه بشك: لا فيه.
هزت رأسها وهي تخرج الأقراص: قلت لك مفيش.
ظل ينظر إليها لحظة ثم قال: اومال ليه بتهربي بعيونك عني؟؟
توقفت يدها للحظة.
ثم عادت تكمل ما تفعله وكأنها لم تسمع.
لكن احمرار وجنتيها كان كافيًا.
فمال برأسه قليلًا وقال: حور.
حور وهي تتحاشي النظر اليه : نعم؟
بصيلي ... هتف بها آمراً ..
رفعت عينيها إليه للحظة خاطفة ،ثم خفضتهما فورًا.
فلمعت عيناه بشيء أقرب للمرح.
وقال : أهو... طلع فيه حاجة فعلًا.
تنهدت بخجل وهي تحاول إنهاء الحديث:
أصل... يعني والدتك شافتنا واحنا نايمين كده.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال ببساطة شديدة:وايه يعني؟؟
رمشت بدهشة.
فأكمل : إنتِ مراتي.
وازداد ارتباكها.
أما هو فأضاف بهدوء : وإحنا متجوزين وفي اوضتنا وعلي سريرنا ايه الغريب في كده؟؟
عضت شفتها بخجل وقالت: برضه كان موقف محرج.
مال برأسه قليلًا واراد مشاكستها : محرج ليه؟
نظرت إليه باستنكار خجل : بجد بتسأل؟
أومأ بهدوء.
فقالت وهي تزداد حرجًا: مش حابه يعني انها تشوفنا كده ، الموقف محرج ....
رد فورًا بمشاكسه : انا بقي مش شايف فيها اي احراج ....
اتسعت عيناها وهي تقابل نظراته الماكره
وأدركت أنه يتعمد إحراجها.
فهتفت معاتبة: سلطان!
فأجاب بمنتهى الجدية: نعم؟
— إنت بتستعبط ... هتفت بها بحنق ...
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة صغيرة.
وقال: لا.
لكن نظراته كانت تقول عكس ذلك تمامًا.
فأشاحت وجهها عنه وهي تتمتم: ربنا يصبرني عليك.
فخرجت منه ضحكة خافتة قصيرة.
تجمدت حور مكانها.
ونظرت إليه بدهشة.
أما هو فرفع حاجبه وقال: في حاجه؟؟
وكأن شيئًا لم يحدث.
فزفرت أنفاسها بضيق مصطنع.
ثم تناولت الأقراص والكوب.
واتجهت نحوه بسرعة.
مدت يدها بالدواء قائلة: اتفضل ...
نظر إلى يدها الممدودة ثم رفع عينيه إليها.
— مستعجلة أوي كده ليه؟
ازدادت حيرتها : علشان تاخد الدوا.
هز رأسه ببطء. ثم قال وهو لا يزال ينظر إليها:لا... علشان تهربي مني.
اتسعت عيناها.
وشعرت بحرارة تسري في وجهها.
أما هو فاستند إلى الوسادة أكثر.
وكأنه مستمتع بكل لحظة.
فقالت مرتبكة: سلطان... خد الدوا.
ظل ينظر إليها ثوانٍ أخرى.
ثم أخذ الأقراص أخيرًا وتناولها. وأعاد إليها الكوب ولم يرحمها من نظراته ...
فتنفست حور الصعداء.
ظنًا منها أن الحديث انتهى.
لكنها فوجئت به يقول: على فكرة...
رفعت عينيها بحذر: نعم؟
— لحد دلوقتي مش فاهم برضه إنتِ مكسوفة ليه.
ازدادت حيرتها وخجلها ؛ يعني إيه؟
فقال وهو ينظر إليها: أصل اللي نام مرتاح طول الليل مش إنا؟؟
اتسعت عيناها فورًا بعدم فهم ...
بينما أكمل بهدوء:أنا اللي طول الليل نايم وذراعي مش حاسس بيه.
احمر وجهها بشدة وهتفت بخجل : تستاهل
رفع حاجبه من ردها الغير متوقع : نعم؟
ارتبكت فورًا وقالت بسرعة: أقصد... علشان محاولتش تصحيني.
ظل ينظر إليها لثوانٍ.
ثم مال برأسه للخلف قليلًا.
وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة.
وقال:عادي.
سكت لحظة وهو يتأمل ارتباكها.
ثم أضاف بنبره عابثه وهو يغمز لها بطرف عينه : ما أنا زي جوزك برضه.
واشتعل وجهها بالكامل.
فاضطرت لإشاحة بصرها بعيدًا.
بينما خرجت منه ضحكة خافتة أخرى.
هذه المرة دون أن يحاول إخفاءها.
أما حور...
فشعرت أن سلطان الذي أمامها لم يعد يشبه ذلك الرجل البعيد الجامد الذي تزوجته.
وكان ذلك وحده كافيًا...
ليجعل قلبها يرتبك أكثر.
.................................✦
بعد نحو ساعة...
كان سلطان جالسًا فوق الفراش مستندًا إلى الوسائد خلفه...
بينما وقفت حور إلى جواره ترتب الأدوية فوق الطاولة الصغيرة.
وفي تلك اللحظة...
دخل الطبيب إلى الجناح يتبعه عامر وهانم.
فنهضت حور فورًا من مكانها.
وقال الطبيب مبتسمًا: الحمد لله... شكلك أحسن بكتير النهارده يا شيخ سلطان.
أومأ سلطان برأسه: الحمد الله يا دكتور ...
ثم بدأ الطبيب يفحصه بدقة ثم أزاح الضمادات القديمة عن كتفه ليتفقد الجرح.
حبست حور أنفاسها وهي تراقب الجرح.
بينما لاحظ الطبيب ذلك فابتسم بخفة.
وقال: متقلقيش... الجرح كويس جدًا.
زفرت حور أنفاسها بارتياح.
أما هانم فسألته مباشرة: طمني يا دكتور... ولدي بقى زين؟
ابتسم الطبيب وأعاد تثبيت الضمادات الجديدة ثم قال: الحمد لله... بقى أحسن بكتير مما توقعت.
وتابع وهو ينظر إلى سلطان: بصراحة سرعة تحسنك فاجأتني.
ثم التفت نحو حوروأضاف مبتسمًا: والفضل بعد ربنا يرجع للمدام ...
تفاجأت حور بحديثه ، واطرقت راسها ارضاً بخجل ..
أما سلطان فرفع عينيه إليها فورًا.
بينما أكمل الطبيب: كانت بتابع معايا على التليفون كل شوية.حرارتك كام ...ضغطك عامل إيه ، وأول ما تلاحظ أي حاجة مش طبيعية كانت تبلغني بيها.
ثم ضحك بخفة: بصراحة كانت متابعة حالتك أكتر مني.
احمر وجه حور خجلًا وقالت بسرعة: ده واجبي يا دكتور.
لكن الطبيب هز رأسه مبتسمًا: طبعاً واجبك ، بس مش كل الستات بتقلق زيك كده .
ساد الصمت للحظة.
فالتفت سلطان نحوها وظلت عيناه معلقتين بوجهها ثم قال بهدوء: عندك حق يا دكتور .
رفعت عينيها إليه فتفاجأت بنظرته.
كانت نظرة دافئة...هادئة... وممتنة وشيء اخر لم تعرف معناه ...
فارتبكت واشاحت بنظرها عنه ....
لكن سلطان ظل ينظر إليها للحظات.
وكأنه لا يرى أحدًا غيرها داخل الغرفة.
في حين كانت هانم تراقب المشهد بصمت وشعور بالضيق يتسلل إلى صدرها.
أما عامر...
فاكتفى بمراقبتهما ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة صغيرة سرعان ما أخفاها.
قبل أن يعود بنظره إلى الطبيب.
أما سلطان فالتفت إليه فجأة وسأله: قولي يا دكتور... أقدر أتحرك عادي إمتى؟
رفع الطبيب حاجبيه: تتحرك فين بالظبط ؟؟
أجاب سلطان بجدية: أشوف شغلي.
زفرت حور بضيق فورًا.
أما هانم فهتفت معترضة: شغل إيه بس يا ولدي إنت لساك قايم من الموت بعد الشر ...
هتف عامر معترضاً : شغل ايه بس يا اخويا ، خاليك مستريح وانا هباشر كل حاجه بدالك كانك موجود بالظبط....
لكن سلطان تجاهل اعتراضهما وظلت عيناه على الطبيب.
فابتسم الطبيب وهز رأسه: من دلوقتي تقدر تتحرك عادي.
اتسعت عينا حور.
أما سلطان فاعتدل قليلًا متنهداً براحه ...
لكن الطبيب أكمل سريعًا: بشرط.
عقد سلطان حاجبيه: شرط ايه ؟؟
الطبيب بنبره حاسمه: مفيش أي مجهود.
ولا لف على الأراضي ولا عصبية ولا أي حركة غلط ممكن تفتح الجرح تاني.
أشار الطبيب إلى كتفه المصاب محذرًا: لو التزمت بالكلام ده أسبوعين... هتبقى زي الفل.
أما لو ما التزمتش بالتعليمات فإنت اللي هتتعب نفسك.
أومأ سلطان برأسه بصمت.
لكن النظرة التي تبادلها عامر مع هانم أوضحت أنهما يعلمان جيدًا...
أن سلطان العامري لم يكن يومًا رجلًا يجيد الراحة أو الالتزام بالأوامر.
وفي المقابل...
كانت حور تنظر إليه بعينين ضيقتين.
وكأنها أصدرت قرارها بالفعل.
إذا كان هو لن يسمع كلام الطبيب...
فهي ستجعله يسمعه رغماً عنه.✦
بعد خروج الطبيب وهانم وعامر...
ساد الجناح هدوء ثقيل.
التفتت حور نحوه مباشرة، ورفعت حاجبها بصرامة خفيفة لا تخلو من القلق.: اسمع بقي مفيش خروج ولا شغل.
سكتت لحظة ثم أضافت: لازم ترتاح. إنت لسه تعبان.
نظر إليها سلطان بهدوء ثم تحرك ببطء وهو يقول: أنا زهقت ، انا مش واخد علي الرقدة دي.
رفعت عينيها عليه بسرعة: سلطان، قولتلك ترتاح يعني هترتاح ...
لم يرد.
بل اتجه مباشرة نحو غرفة الملابس.
تنهدت حور في ضيق، ولحقت به بسرعة.
لو سمحت متعندش.
دخل الغرفة وهو يرد دون أن يلتفت: أنا مش متعود أقعد كده كتير.
وقفت خلفه عند الباب وتابعت بعناد : وهتتعود. الدكتور قال أسبوعين راحة.
كان قد بدأ يفتح دولاب الملابس.
ثم أخذ قميصًا ووقف يحاول إدخال ذراعه المصابة فيه.
لكن الألم كان واضحًا في حركته.
اقتربت حور فوراً هاتفه بقلق: استنى... هساعدك.
لم يجب.
فأغلقت المسافة بينهما بخطوة سريعة:هات القميص ...
لكن قبل أن تقترب أكثر...استدار فجأة.
وبحركة واحدة فقط... وجدت نفسها محاصرة بينه وبين دولاب الملابس خلفها.
تجمدت تمامًا واتسعت عيناها منّ المفاجاة..
أما هو فكان قريبًا بشكل مربك، القميص في يده، وصوته منخفض جدًا: لا.
حاولت أن تتحرك لكن ظهرها اصطدم بالدولاب وهو امامها بصدره العريض العاري....
فزاد القرب أكثر.
رفع عينيه إليها وقال بهدوء بطيء:هو أنا قلت لك إني مش عارف ألبسه؟
ارتبكت وتلون وجهها بالوان الطيف : طيب ابعد الأول...
لم يتحرك بل اقترب اكثر و مال قليلًا برأسه وهو ينظر إليها: عاوزاني ابعد؟؟
زاد ارتباكها وخجلها : لا ... اه ... قصدي .
ابتسامة خفيفة عابثه ظهرت على طرف شفتيه ثم قال وهو يقرب القميص منه: هتساعديني ألبسه ولا...
وصمت لم يكمل ترك جملته معلقه لكن نظرته كانت اوضح بكثير من أي كلمة.
تجمدت لثوانٍ ثم قالت بسرعة محاولة الهروب من الموقف: خلاص خلاص... هساعدك ..
مد يده السليمه اليها بالقميص فتناولته منه بيدين مرتعشتين قليلًا.
وبدأت تساعده في إدخال ذراعه المصابة.
لكن كل لمسة كانت تزيد ارتباكها أكثر.
كانت تحاول التركيز وهي تغلق ازرار القميص لكن أصابعها كانت ترتجف كلما لمست يديه جسده الصلب !!!
وهو... كان ساكنًا تمامًا يراقبها فقط مستمتعاً بارتباكها وخجلها ...
حتى انتهت سريعًا، وكأنها تحاول الهرب من المكان كله : خلاص خلصت ...
ثم دفعته في صدره واندفعت خارج الغرفة بسرعة.
واختفت داخل الحمام أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها عليه وهي تلتقط أنفاسها المرتبكة وقلبها كان يضرب بعنف لم تعهده.
أما سلطان...
نظر نحو باب الحمام المغلق.
وابتسامة خفيفة جدًا ارتسمت على شفتيه.
هز رأسه بخفة كأنه لا يصدق ما يحدث..
وقال بصوت منخفض لنفسه: عنيدة...ومجنونة ..
ثم أخذ سترته، واتجه خارج الجناح بهدوء.
وكأن شيئًا لم يحدث لكن ملامحه كانت اكثر راحه وتدل علي استمتاعه بكل لحظة.
.................................
في مكتب سلطان ....
كان الصمت يملأ المكان إلا من صوت خافت لأوراق تُقلب على سطح المكتب.
جلس سلطان خلف مكتبه، يستند بظهره إلى المقعد، وعيناه ثابتتان على الباب.
ثم فُتح الباب ودخل عامر.
أغلقه خلفه بهدوء، وتقدم حتى وقف أمام المكتب مباشرة.
لم يتكلم أحد لثوانٍ.
ثم رفع سلطان عينيه إليه وقال بهدوء:اقعد.
جلس عامر امامه وساله بقلق: خير يا سلطان..
تحدث سلطان بغضب مكبوت: عرفت مين اللي ضرب عليّا النار؟
تنهد عامر ببطء وأجاب: لسه.
ساد صمت قصير ثم تابع سلطان، نبرته أكثر حدة: مين له مصلحة يقتلني؟
اقترب عامر قليلًا وهو يرد: السؤال ده أنت اللي تجاوبني عليه طط
ظل سلطان ينظر إليه دون أن يرمش.
فأكمل عامر: إنت كنت فين ساعتها ...
كنت بتحل مشكلة قتل غلاب الغرباوي.
يعني طبيعي تسأل نفسك... مين مستفيد؟
سكت لحظة ثم أضاف: ممكن يكون حد من عيلة المنصوري أو من الغرباوية ؟؟؟
رفع سلطان حاجبه قليلًا بتفكير ثم ساله وإنت شايف إيه؟
رد عامر بصراحة: شايف إن اللي حصل مش صدفة.
دي رساله واضحه أو تصفية حساب.
ضيق سلطان عينيه قليلًا: ورسالة لمين؟
أجاب عامر مباشرة: ليك... وللعامرية كلها.
ساد الصمت من جديد ثم قال سلطان بهدوء أخطر : وإنت شاكك في مين؟
تردد عامر لحظة، ثم قال: بصراحة... مفيش اسم ثابت في دماغي.
بس كل الطرق بتودّي لحد عاوز يضرب العامرية ...
تنهد سلطان ببطء، ثم مال للأمام قليلًا.
وقال بصوت ثابت أنا مش عايز تخمينات. انا عايز الحقيقة.
اقترب عامر ومال بجسده للامام نحو المكتب: والحقيقة هتعمل بيها إيه؟
رد سلطان دون تردد: العين بالعين ...
ثم سكت لحظة، قبل أن يكمل بنبرة أعمق: مش بس عشان حاول يقتلني، لا ... ده علشان هيبة العامرية ما تتكسرش.
والكل يعرف ان الشيخ سلطان اللعب معاه مش سهل ....
ساد الصمت بينهم وراي عامر شقيقه بشكل مختلف ، بشكل جعله يعيد حساباته معه من جديد ...
أومأ عامر ببطء، ثم قال: تمام بس خلي بالك... اللي عمل كده مش غبي.
ظل سلطان ينظر إليه لثوانٍ ثم قال بهدوء حاسم: وأنا مش ناوي أسيبه يفلت من ايدي.
..................................
✦في دار الرفاعية.....
اجتمعت العائلة حول مائدة الإفطار الكبيرة التي توسطت قاعة الطعام.
جلس هاشم الرفاعي في صدر المائدة بهيبته المعتادة، وإلى جواره زوجته نرجس، بينما جلس هارون ابنه أمامهما وبرفقته زوجته نسمة التي بدت آثار الحمل واضحة عليها مع اقتراب موعد ولادتها.
ساد الهدوء لبعض الوقت، لا يقطعه سوى أصوات الأطباق وادوات الطعام .....
رفع هارون نظره نحو والده وسأله: مفيش أخبار عن سلطان يا بوي؟
وضع هاشم فنجان الشاي من يده وقال بهدوء: الحمد لله... أخباره مطمّنة. حور بتطمني عليه كل يوم، وأنا هكلمها بعد الفطار أعرف أخباره وأطمن على صحته.
هز هارون رأسه مفكرًا قبل أن يقول: طب مش واجب علينا نروح نطمن عليه بنفسنا؟
نظر إليه هاشم قليلًا ثم قال: لما يشد حيله ويقوم بالسلامة نبقى نروح له. دلوقتي الراجل لسه خارج من إصابة، ومش عايزين نكون حمل عليه.
أومأ هارون موافقًا : عندك حق يا بوي.
عاد الجميع لتناول إفطارهم للحظات، قبل أن ينظر هارون إلى ساعة يده فنهض من مقعده وهو يقول: بالاذن انا ... هروح أشوف شغلي وأعدّي على الأرض كمان.
أومأ له هاشم : ربنا يوفقك يا ولدي.
ثم التفت هارون إلى زوجته، فتبدلت ملامحه القوية إلى شيء أكثر لينًا وحنانًا.
انحنى قليلًا نحوها وقال: وإنتِ بقى... اسمعي الكلام.
ابتسمت نسمة بخجل.: حاضر.
أشار إلى طبق الطعام أمامها محذرًا بلطف:
متهمليش أكلك زي كل يوم، وكلي كويس.
تنهدت نرجس والتدتخ وهي تراقبهما قائلة:
سيب البت تاكل براحتها ياولدي ، مش شايفها خجلانه منك كيف؟؟
لكن هارون تجاهل تعليق والدته، وأكمل موجّهًا حديثه لزوجته: لو تعبتِ في أي وقت تبعتيلي فورًا... سامعة؟
هزت نسمة رأسها بابتسامة دافئة: سامعة.
مد يده وربت على كتفها بحنان قبل أن يستقيم واقفًا : ربنا يقومكِ بالسلامة إنتِ والواد.
احمر وجه نسمة أكثر، بينما ارتسمت ابتسامة رضا على وجه نرجس.
أما هاشم فاكتفى بمراقبتهما بصمت، وقد شعر بشيء من الراحة وهو يرى ابنه يحمل ذلك القدر من الاهتمام بزوجته.
...............................
✦ في جناح سلطان ......
كانت حور تجلس في الصالة الصغيرة الملحقة بالجناح، ترتب بعض الاغراض ...
ولأول مرة منذ أيام...
كانت تشعر براحة حقيقية.
الطبيب طمأنها أن حالته تتحسن بصورة ممتازة، وسلطان نفسه بدا مختلفًا...
أهدأ... وأقل قسوة معها من ذي قبل بل ومشاكس ايضاً ...
رن هاتفها في تلك اللحظة.
فما إن وقعت عيناها على اسم والدها حتى ابتسمت تلقائيًا وأجابت سريعًا: صباح الخير يا بوي.
ابتسم هاشم فور أن سمع صوتها. صباح النور يا بتي... عاملة إيه؟
حور بابتسامه : الحمد لله بخير.
تستاهلي الحمد يا بتي ... ثم سالها باهتمام : طمنيني ... سلطان أخباره إيه النهارده؟
جاءه صوتها هذه المرة أكثر إشراقًا مما اعتاد : الحمد لله يا بوي... الدكتور كان هنا من شوية وطمنّا عليه. قال إن حالته أحسن بكتير وإنه بيتعافى كويس.
ابتسم هاشم وهو يسمع نبرة السعادة الواضحة في صوتها. الحمد لله... ربنا يتم شفاه على خير.
حور بنبره صادقه : اللهم آمين يارب ...
سكت لحظة قبل أن يقول: واضح من صوتك إنك مبسوطة النهارده.
ضحكت بخفة دون أن تشعر: الحمد لله... الواحد ارتاح شوية بعد كلام الدكتور.
هز هاشم رأسه وكأنه يراها أمامه.: ربنا يديم عليكم الراحة يا بنتي.
ثم أردف: اسمعي يا حور... بلّغي سلطان إنّي أنا وهارون عاوزين نيجي نطمن عليه.
هزت حور راسها : حاضر يا بوي.
هقوله وأشوف رأيه.
هاشم باستحسان : تمام.
ابتسمت وهي تجيب: أول ما أكلمه وأعرف منه هبلغك.
ماشي يا بنتي... ربنا يحفظكم.
— ويحفظك يا بوي.
أنهت المكالمة وهي لا تزال تحتفظ بتلك الابتسامة الهادئة على وجهها ...
..........................
✦ في مكتب سلطان...
كان سلطان يجلس خلف مكتبه يتابع بعض الأوراق التي تراكمت خلال الأيام الماضية.
ومنذ أن سمح له الطبيب بالعودة التدريجية إلى عمله، بدا وكأنه يحاول استعادة سيطرته على كل شيء من جديد.
سمع صوت طرقات علي باب المكتب ..
هتف دون أن يرفع رأسه : اتفضل...
فُتح الباب ودخلت حور تحمل كوب الماء وعلبة الدواء.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها : شكلك ما صدقت ترجع للشغل ...
رفع عينيه إليها وقال بمراوغه : عندك اعتراض؟
حور بابتسامه حلوه : انا ....لا طبعًا... بس الدكتور قالك من غير اجهاد كتير ...
سلطان بنبره مستفزه: باين اوي انك مش معترضه، بس انا كمان بعمل اللي علي مزاجي ومش باخد اوامر من حد ...
ابتسمت علي عناده واقتربت منه ووضعت الدواء أمامه: خُد الدواء الأول وبعدين اتخانق براحتك.
رفع حاجبه ناظرًا إليها: بقيتي بتديني أوامر؟
حور بمشاكسه : لأ... بس بحاول أحافظ على حياة كبير العامرية.
تناول الدواء وهو يهز رأسه مبتسماً بيأس من ردودها : ربنا يستر من اهتمامك ده.
ابتسمت رغمًا عنها.
ثم تذكرت مكالمة والدها فقالت: صحيح... بابا كلمني الصبح.
رفع عينيه إليها باهتمام. خير؟
اجابته بابتسامه واسعه : كان بيطمن عليك. وقال إنه هو وهارون عاوزين يجوا يطمنوا عليك.
أغلق الملف الذي أمامه وقال ببساطة: اهلاً بيهم البيت بيتهم ...
ابتسمت بحلاوه : هبلغه وهو يبقي يحدد معاك معاد ...
لكن سلطان أكمل بهدوء: خاليهم يجوا انهارده يتعشوا معانا ، هو واهلك كلهم ..
نظرت اليه متفاجئة واتسعت عيناها بعدم تصديق: اهلي كلهم ؟؟؟
ابتسم سلطان علي هيئتها : أيوه.
ظلت تنظر إليه لحظة غير مصدقة ثم ساد الصمت بينهم ...
ثم ظهرت على وجهها سعادة حقيقية لم تستطع إخفاءها.
سعادة طفلة سمعت خبرًا كانت تتمناه : بجد؟
نظر إليها باستغراب خفيف: هو أنا بهزر؟؟
هزت رأسها سريعًا.: غالباً لا ...
ثم أشرقت ابتسامتها أكثر: بابا هيفرح جدًا.
راقب ملامحها للحظات قبل أن يقول: خلاص بلاغيه بسرعه ..
اومأت بسعاده : حاضر.
واستدارت نحو الباب بخفة واضحة.
ثم توقفت فجأة وهتفت بامتنان : شكرًا.
غادرت بعدها مسرعة كي تهاتف والدها ....
وبقي سلطان ينظر إلى الباب المغلق للحظات طويلة.
قبل أن يعود إلى أوراقه وابتسامه سعيده لسعادتها مرتسمه علي ملامحه ...
في تلك اللحظة فُتح الباب مرة أخرى.
ودخلت هانم.
توقفت عند وهي ترى حور تخرج من المكتب بتلك السعادة الواضحة على وجهها.
فعقدت حاجبيها.
ثم دخلت وهي تقول: مالها فرحانة كده ليه؟
رفع سلطان عينيه إليها: علشان أهلها جايين يتعشوا معانا الليلة.
اتسعت عين هانم بغضب ثم قالت بحدة:مين اللي قالهم يجوا؟؟
اجابها بلا اكتراث وهو يراجع بعض الاوراق : أنا.
هتفت بغضب وكأنها لم تصدق ما سمعته : إنت؟
اشتعل الغضب في عينيها وتابعت بحقد: سلطان .... إنت مدي للبنت دي وش زيادة عن اللزوم ....
أغلق الملف أمامه ورفع عينيه اليها ببطء: قصدك إيه؟
هانم وهي تتفتت من الغضب : قصدي إنك بقيت بتعاملها وكأن مفيش بينا وبين أهلها دم.
ارتفعت نبرتها أكثر.
ناسي إن ابن عمها كان السبب في موت ابن اخويا ....
جاء صوته هادئًا لكنه صارم : اديكي قلتيها ابن عمها مش ابوها او اخوها ...
هانم بغل : لكنهما السبب في اللي حصل.
سلطان بلا مبالاه : وده رأيك إنتِ.
ثم تابع بنبره مرتفعه : وبعدين موضوع الدم ده خلص اومال جوزتوني بنتهم ليه مش علشان الدم يقف..
نظرت إليه بغضب : وأنا مش عاجبني اللي بيحصل.
سلطان بنفاذ صبر : وايه اللي بيحصل ؟؟؟
هانم بغضب اسود: إنك سايبها تتقرب لك بالشكل ده ...
سلطان بغضب : دي مراتي وكفايه وقفتها جنبي في تعبي....
هدرت هانم بحقد : ما تقولش مراتك دي جوازه تار ، يعني زيها زي اي خدامه هنا في الدار مش كل شويه تقول مراتي ....
سكتت لحظة ثم قالت: اللي المفروض تبقي مراتك هي ساره .... سارة مناسبه ليك اكتر منها ..
رفع رأسه اليها وفي عينيه غضب حارق...
كز علي اسنانه: سارة؟
هانم بتاكيد ي أيوه سارة.
واقتربت خطوة واكملت : بنت متعلمه ، من المدينه وإنت كنت مرتبط بيها قبل الجواز.
اشتدت نظرات سلطان نحوها بعنف ...
لكنها أكملت: وانت لازم تلتزم بكلمتك معاها.
ساد الصمت داخل المكتب.
صمت ثقيل جعل هانم تشعر للمرة الأولى أنها ربما تجاوزت حدًا لا يجب تجاوزه.
ثم خرج صوت سلطان حادًا وقاطعًا: موضوع سارة انتهى.
هانم بغيظ : بس يا سلطان ...
سلطان بغضب : انتهى.
ثم ضرب بيده على المكتب فارتجفت هانم في مكانها
بينما هو تابع : موضوع ساره أنا نهيته ... ومحدش هيفتحه تاني.
تراجعت خطوة وهي تنظر إليه.
أما هو فأكمل بنبرة أكثر صلابة: وحور مراتي ووجودها في الدار واحترامها مش موضوع للنقاش.
اشتدت أنفاس هانم.
لكن سلطان لم يمنحها فرصة للرد.
لو عندك مشكلة معايا أنا... اتكلمي معايا.
ثم أردف ببرود قاسٍ:
— إنما حور محدش هيجي ناحيتها ... ولا يقلل منها... ولا يحاسبها على ذنب مش ذنبها.
ساد الصمت مرة أخرى.
صمت طويل...
بين أم اعتادت أن يُسمع كلامها.
وابن بدأ لأول مرة يضع حدودًا لا يسمح لأحد بتجاوزها.
..................................
في غرفة سارة... ✦
كانت سارة جالسة أمام المرآة، تعبث بشرود في خصلات شعرها.
منذ أيام وهي تعيش على أعصابها.
كل ما حدث يزيد اضطرابها وكل يوم يمر دون أن يتغير شيء يجعل الخوف يتسلل إلى قلبها أكثر.
رن هاتفها فجأة نظرت إلى الشاشة فوجدت اتصال من والدتها ....
تنهدت قبل أن تجيب بفتور: أيوه يا ماما.
جاءها صوت والدتها حادًا منذ اللحظة الأولى: إنتِ ناوية ترجعي إمتى؟
قلبت ساره عينيها بملل : لما أخلص اللي جيت عشانه.—
ارتفعت نبرة والدتها: يا بنتي افهمي... الراجل اتجوز.
أغمضت سارة عينيها بضيق.
لكن والدتها أكملت: وإنتِ بنفسك اللي قولتيلي كده.
هتفت ساره بغضب : اتجوز... بس ده مش معناه إنه انتهى.
عاندتها والدتها : لا انتهى يا سارة.
قفزت سارة واقفة من مكانها وصرخت فبها :
لا ما انتهاش ...
ساد الصمت للحظة.
ثم خرج صوت أمها أكثر هدوءًا: سلطان باعك يا بنتي.
ارتجف جسد سارة كله وتابعت بغصه: متقوليش كده.
والدتها وهي تضع الحقيقه نصب اعينها : دي الحقيقة.....الحقيقة إنه اختار غيرك.
صرخت سارة بعنف: لا ما اختارش غيري!
ثم اندفعت الكلمات منها وكأنها كانت محبوسة داخلها منذ سنوات : سلطان بيحبني أنا ، طول عمره بيحبني أنا!
تابعت والدتها بمهادنه : يا بنتي...
تابعت ساره صراخها مما جعل والدتها تصمت: اللي حصل إنه ضحى بنفسه علشان الواجب وبس!
بدأت دموعها تتساقط.: طول عمره الواجب عنده أهم من نفسه... أهم من سعادته... أهم من كل حاجة.
تنهدت والدتها بحزن.
لكن سارة لم تتوقف : وأنا مش هسيبه يضيع عمره.
هتفت والدتها بحزن علي حالتها : ولا تضيعي عمرك إنتِ كمان.
هزت رأسها بعنف: إنتِ مش فاهمة.
ارتفع صوتها أكثر وهي تقول بانهيار: أنا تعبت! تعبت من الفقر...
تعبت من الحساب لكل جنيه...
تعبت من الخوف من بكرة...
تعبت من إني أبص لحياة الناس وأقول ليه مش أنا؟
أغلقت والدتها عينيها بألم.
أما سارة فأكملت وهي تبكي: سلطان كان عارف ظروفنا كلها وكان قابل بيها وكان مستعد يتجوزني وأنا معنديش حاجة.
مسحت دموعها بعصبية.ثم قالت بصوت مكسور: وأنا مش أقل من حور لا ده انا أحسن منها.
أحسن منها في كل حاجة.
ليه هي تعيش اللي كان المفروض يبقى ليا؟
ليه؟
لم تجد والدتها جوابًا.
فأكملت سارة بصوت اختلط فيه البكاء بالعناد: سلطان هو الفرصة الوحيدة اللي ممكن تخرجني من الحياة دي.
الفرصة الوحيدة. ولو استسلمت دلوقتي...
يبقى ضاع مني كل حاجه ...
مسحت دموعها بقوة ثم قالت بإصرار مخيف: مهما حصل... أنا هرجعه ليا من تاني ...
ساد الصمت للحظات.
ثم أردفت وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة: هو نسي يعني إيه يعيش لنفسه.
وأنا هفكره.
هفكره إن حياته الحقيقية كانت معايا أنا مش مع حور ......
.............................
بعد قليل .....
كانت سارة لا تزال جالسة على طرف الفراش
الهاتف بجوارها وعيناها الملطخه ببقايا الدمع معلقتان في الفراغ بعد مكالمتها مع والدتها.
انفتح باب الغرفة بعنف ودخلت هانم ...
رفعت سارة رأسها فورًا.
فتفاجأت بملامح الغضب الواضحة على وجهها : خير يا حاجه هانم؟
أغلقت هانم الباب خلفها بعصبية.
ثم جلست أمامها خير إيه بس ، هي طول ما بنت الافاعي دي هنا هنشوف خير ...
عقدت سارة حاجبيها واعتدلت في جلستها : خير ايه اللي حصل ..
أظلمت معالم هانم بغضب اسود وهتفت من بين اسنانها بغل : البيه سلطان عزم أهل حور كلهم على العشا النهارده.
تجمدت سارة في مكانها وارتفع حاجبيها بصدمه: عزم أهلها؟—
شعرت سارة وكأن شيئًا انقبض داخل صدرها.
أما هانم فأكملت بحدة:وبنت الافاعي كانت طايرة من الفرحة مش مصدقه نفسها وحاسبه نفسها ست وليها دار تعزم فيه اللي علي كيفها ..
وخارجة من عنده كأنها ملكت الدنيا.
خفضت سارة عينيها.
في حين ازدادت نبرة هانم توترًا وحقداً : والعيب مش عليها العيب علي ابني ، الشيخ ، الشيخ سلطان العامري...
ساره بغصه : تقصدي إيه؟
تنهدت هانم بعصبية ثم قالت: من ساعه ما فاق من الإصابة وهو متغير بقي يسمعها.
ويعمل حساب لزعلها....
والنهارده أول ما اتكلمت عليها قدامه...
وقفلي وقفة ماعملهاش قبل كده.
رفعت سارة رأسها وتابعت بغيره: قال إيه؟
هزت هانم رأسها بضيق: قال اللي قاله ،
المهم إنه مش مستحمل كلمة عليها.
شعرت سارة ببرودة تسري في أطرافها.
فأكملت هانم: وكل يوم البنت دي بتثبت وجودها أكتر في الدار... وفي حياته.
وكل يوم بيعدي هيبقي أصعب من اللي قبله.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
قبل أن تقول سارة بصوت خافت: لا...
اقتربت هانم منها. لا إيه؟
ساره بامل خادع : سلطان مستحيل يحب غيري.
تنهدت هانم واشاحت براسها الجهه الاخري
وكانها لم تبدُ مقتنعة هذه المرة.
وذلك وحده كان كافيًا لإثارة الذعر داخل سارة.
فقالت بسرعة: سلطان بيحبني أنا هو بس اللي بيحركه واجبه ناحيتها مش اكتر.
هانم بعدم اقتناع : يمكن.
صرخت ساره وقد ازداد الضغط علي اعصابها : مفيش يمكن.
لكن هانم قاطعتها بحدة: الحب لوحده مش كفايه ....
صمتت سارة بعدم فهم ...
فأكملت هانم: البنت بقت مراته وعايشة معاه تحت سقف واحد وبيجمعهم سرير واحد وانتي فاهمه قصدي كويس ...
وكل يوم بيبقي ليها مكان أكبر في حياته.
الكلمات نزلت كصفعة على وجه ساره ...
وارتجفت أصابعها دون أن تشعر.
أما هانم فنهضت من مكانها فجأة.
وقالت بانفعال واضح: كل ده وإنتِ قاعدة تتفرجي.
رفعت سارة عينيها إليها وتابعت بعجز : أعمل إيه يعني؟
هانم بغل : اتحركي قبل ما يضيع منك اكتر من كده ...
سكتت لحظة.
ثم أضافت بصوت أكثر قسوة: لو فضلتي واقفة مكانك...
هي اللي هتكسب وإنتِ اللي هتخسري.
نهضت سارة ببطء.
وقد بدأ الخوف يتحول داخلها إلى شيء آخر.
شيء أكثر خطورة.
أما هانم فنظرت إليها طويلًا قبل أن تقول:
لو بتحبي سلطان فعلاً وعاوزاه يبقى لازم ترجعيه بأي طريقة وبأي تمن.
ثم استدارت وغادرت الغرفة.
وتركت خلفها صمتًا ثقيلًا...
وصدى كلمات ظل يتردد داخل رأس سارة بلا توقف.
"بقت مراته..."
"كل يوم ليها مكان أكبر في حياته..."
"قبل ما يضيع منك..."
نظرت ساره الي انعكاس صورتها في المرآه وهتفت بتاكيد: هرجعك ليا يا سلطان حتي لو غصب عنك .....
...........................
