رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والسادس والعشرون
هل انكشف سره بتلك السرعة؟ هل ستضيع سمعته ويفقد كل شيء بسبب تلك النزوة التي حاول مراراً عدم الاندفاع إليها، لكن في النهاية نفسه ضعفت وسلكت نفس الطريق الذي سار فيه والده؟
ـ ساكت ليه يا سيادة المستشار؟!
صاحت لبنى بانفعال وهي تراه يقف صامتاً:
ـ كبرت وعقلك راح منك!
تسارعت أنفاس هشام وتراجع بخطوات مرتجفة إلى الوراء وهو لا يستوعب أن علاقته مع زينة علمت بها هي الأخرى، وبنبرة صوت ساخرة واصلت لبنى حديثها:
ـ ما ترد يا سيادة المستشار، ولا كنت فاكر أني هفضل لوقت طويل مغفلة؟ لأ، وكل شوية تقولي بقيتي ست مجنونة، وعقلك راح منك!
وارتفعت نبرة صوتها وأخذت تهز خصلات شعرها التي صبغتها:
ـ شوف غيرتلك لون شعري كمان وخليته زي لون شعرها، ولا حلو اللون عليها وعليا أنا لأ؟!
لم يكن عقل هشام معها، بل كان مع تلك المصائب التي سقطت على رأسه دفعة واحدة وجعلته يشعر أن الحياة كخرم الإبرة.
ـ بتخوني يا هشام، بتخوني مع حتة عيلة وبنت مين...
وقبل أن تسترسل لبنى في حديثها، اخترق مسامعه صوت والده:
ـ هشام.. هشام، تعالَ خدني لبنت أخوك، قلبي قلقني عليها.
جحظت عينا هشام وأسرع بإغلاق فم لبنى، وقد بدأ للتو ينتبه إلى علو صوتها ووجود والده معهم في المنزل:
ـ اخرسي خالص!
هزت لبنى رأسها رافضة وحاولت التملّص منه والصراخ:
ـ هشام.. هشام، أنت مبتردش عليا ليه؟
أسرع بالهمس في أذنها:
ـ لبنى، أرض الفيوم هتكون ليكي، فاحفظي لسانك!
التمعت عينا لبنى وتوقفت عن حركتها، فتركها هشام وأسرع بتخطّيها وفتح الباب.
ـ هشام، خدني لـ زينب، بنت أخوك فيها حاجة وأهل جوزها مخبين عليا.
ـ اهدأ يا سيادة اللواء، وتعالَ ارتاح في أوضتك.
أزاح نائل يديه عنه، ثم تقابلت عيناه مع عيني لبنى التي خرجت وراءه من الغرفة بمظهر لم يعهده عليها من قبل، لكنه تجاوز هذا سريعاً وتساءل بحاجبين معقودين:
ـ صوتكوا كان عالي ليه؟
تلاقت نظرات لبنى وهشام، فتنقلت عينا نائل بينهما:
ـ أنتوا كنتوا بتتخانقوا؟
قوّست لبنى شفتيها بوجه حانق وهي تُلقي بنظرة مستهزئة نحو هشام الذي ابتلع ريقه بخوف وانتظر ردها:
ـ خناقنا مش جديد عليك يا عمي، لكن المرة دي الموضوع كبير...
رمقها هشام بنظرة حادة، ثم وقف كجدار سدّ بينها وبين والده:
ـ تعالَ معايا يا سيادة اللواء ومتشغلش بالك بمشاكلنا، وأنا هعرف أراضيها إزاي.
واستدار جهتها واستطرد قائلاً بوجه مُحْتَدّ :
ـ هو أنا عندي أغلى منها؟ دي أم العيال وشريكة العمر.
انفرج ثغر لبنى باستهزاء، فأشاح هشام وجهه عنها ونظر إلى والده الذي ثقلت أنفاسه فجأة:
ـ سيادة اللواء فيك إيه؟ أنت أخدت الدوا بتاعك قبل ما تنام؟
ـ بنت أخوك يا هشام.. أخوك جالي في المنام زعلان مني ومنك.
وبحرقة ونبرة صوت مهزوزة أردف:
ـ صوت أخوك هزني وهو بيسألني: ليه يا بابا هشام يعمل كده؟!
خفق قلب هشام بوجل وارتجف سائر جسده، وقد اقتحمت ذاكرته تفاصيل آخر لقاء بينه وبين شقيقه أسامة:
«ليه بتكرهني؟ أنا ذنبي إيه يا سيادة المستشار؟ قولي ذنبي إيه يا رجل العدل والقانون؟!»
«هفضل أقولها ليك دايماً؛ بكرهك عشان أنت ابنها!»
دمعت عينا أسامة ثم أشاح بوجهه عنه:
«خلتوني أدفع تمن ماليش ذنب فيه، أنا مسامحكم ومسامحه هو كمان، لكن زينب بنتي مالهاش ذنب، دي بتحبك أنت بالأخص.. وصيتي ليك بنتي يا هشام.»
ـ هات إيدك يا عمي أدخلك أوضتك.
قالتها لبنى وهي تمد يدها إلى نائل، وفي عينيها نظرة سعيدة وهي ترى هشام شاحب الوجه ويصارع خوفه، وفي نفسها غمغمت:
«كنت رافض تكتب أرض الفيوم باسمي، دلوقتي هتعمل كل حاجة أنا عايزاها وهقعد حاطة رجل على رجل!»
ـ هشام يا بني أنت رُحت فين؟ ريح قلبي وخدني لـ بنت أخوك.
أتجهت أنظار هشام نحو لبنى التي برقت في عينيها نظرة هازئة، فأسرع بنفض رأسه من أفكاره قائلاً بصوت يتغلغل في نبرته الرعب:
ـ يا بابا لو زينب فيها حاجة كانوا كلمونا، تعالَ معايا أدخلك أوضتك والصبح بنفسي هكلم الدكتور صفوان.
دفع نائل يده عنه:
ـ خدني لـ بنت أخوك دلوقتي يا هشام، أخوك زعلان مننا، قولي هيزعل على مين غير بنته؟!
تجهم وجه لبنى ثم احتدت عيناها في حقد وتمتمت بخفوت:
ـ من حبك فيها اقترحتها عروسة لـ عيلة زيني، لكن بنتي أنا كانت وحشة!
وفجأة انتفض جسد لبنى بفزع عندما صاح هشام:
ـ خلاص بقى يا بابا! أنا فيا اللي مكفيني ومش ناقص!
ابتعد نائل عنه ثم شرع في هز رأسه بأسى وتمتم بنبرة صوت شجية:
ـ روحني بيتي يا هشام، أنا عايز أبات في شقتي وعلى سريري.
...
دلف عزيز بذهن شارد إلى غرفته بالفندق الذي يمكث فيه أيام إقامته بإسطنبول.
ـ ردي يا ليلى!
قالها ثم زفر أنفاسه بضيق وتحرك بالغرفة بدون هوادة، منتظراً ردها بفارغ الصبر.
انطلقت تنهيدة طويلة من شفتيه بعد أن انقطع الهاتف عن الرنين؛ فهو منذ أن أخبرته نارفين باتصالها وهو يهاتفها ويهاتف عايدة، لكن لا أحد منهن يجيب عليه.
ـ معقول دماغك تكون أخدتك لحاجة تانية يا ليلى؟
وبعد أن كان وجهه عبوساً بدأت ملامحه تلين ويبتسم وقد تذكر ما أخبرته به نارفين عن شعورها بعد إغلاق ليلى المكالمة سريعاً قبل أن تذهب الخادمة إليه بالهاتف:
ـ أنا عارف إنك استحملتي معايا كتير يا ليلى، لكن وعد مني هعوضك عن كل حاجة وهكون ليكي عزيز بنسخة جديدة.
...
تهاوت عايدة على المقعد الذي كانت تجلس عليه لساعات وهي تحمد الله على لطفه وكرمه عليهم بعد أن طمأنهم الطبيب على توقف النزيف الداخلي الذي كان يجعل الحالة في موضع الخطر.
ـ ألف حمد وشكر ليك يا رب.
التقطت شهد أنفاسها أخيراً ونظرت إليها، ثم إلى سيف الذي أشار إليها برأسه أن تقترب منها.
أسرعت شهد إلى أحضانها باكية، وظنت أن هذه المرة ستجد ذراعي والدتها مفتوحتين لها، لكن ردة فعلها صدمتها وأصابت سيف أيضاً.
تعالت شهقات شهد بحرقة، فأشاحت عايدة بوجهها عنها واستكملت تسبيحها ودعائها.
ـ ماما!
همست بها شهد بصوت مخنوق، لكن عايدة لم تنظر إليها.
ـ قومي يا شهد.
تمتم بها سيف، فنظرت إلى يده الممدودة وسرعان ما كان يرتجف جسدها:
ـ قولها إني مش هعمل حاجة تزعلها تاني.
احتدت قسمات وجه عايدة وهي تتذكر خداعها لها وعدد المرات التي أقسمت فيها أنها لن تخذلها أمام أحد:
ـ خدها بعيد عني، مش عايزة أشوفها!
زحفت شهد على يديها بعد أن دفعتها عايدة بقدمها وصاحت عليها بقهر:
ـ أنا بنتي خلاص ماتت!
ارتعشت أجفان سيف ولم يستوعب أن عايدة تفوهت بهذا؛ فهو لم يعهدها يوماً قاسية، خاصة مع شهد.
....
تعجب الواقف عند باب الحجرة التي احتجزوها داخلها بعد فعلتها:
ـ هي سكتت فجأة ومحدش سمع ليها صوت؟
صاح المتصل عليه بعد أن جاءه الرد الذي لم يعجبه:
ـ وده يا غبي ميخلكش تقلق؟! افتح باب الأوضة بسرعة!
أخرج سلاحه متأهّباً، ثم أسرع بفتح الباب:
ـ هي راحت فين؟!
عاد المتصل يصرخ عليه:
ـ دور عليها بسرعة، الباشا لما يقوم بالسلامة هتكون ردة فعله وحشة!
جحظت عينا الواقف فجأة، ثم ترنح في وقفته واستدار بجسده ببطء متأوهاً من شدة الضربة التي أسقطتها على رأسه.
ارتجف جسد أشرقت بذعر عندما وجدته ينبطح أرضاً :
ـ أنت مبتردش عليا ليه يا غبي؟ أنا فعلاً مختار رجالة خرعة ملهاش لازمة!
خرجت أشرقت من الغرفة وهي تتلفت حولها خشية أن ينتبه إليها أحد من رجال مراد.
انحبست أنفاسها لوهلة إلى أن تأكدت من عدم وجودهم، ثم فرَّتْ هاربة وهي لا تعرف إلى أي اتجاه تسير حتى تنجو بنفسها.
....
ألقى سيف نظرة آسفة نحو شهد التي عادت إلى مكان جلوسها منكمشة على نفسها وتكتم صوت بكائها.
شعر بالاختناق وعدم قدرته على الوقوف عند تذكره لتلك الليلة التي كاد أن يعتدي عليها بعقل غائب وهي التي لا يراها إلا كشقيقة صغرى، ثم بعدها توالت المواقف التي جعلت كل منهما يحمل في قلبه حقداً نحو الآخر؛ حقد لا يعرف من أين تولد أو متى؟
صوبت شهد أنظارها نحوه بضعف بعد أن أشاح بوجهه عنها، ثم عادت إلى خفض رأسها بخزي وهي تضم سترته على جسدها.
أطرق سيف رأسه، ثم ضاقت حدقتاه فجأة ورفع رأسه سريعاً وحدق بالمكان الذي كانت تجلس فيه ليلى.
....
استمرت أشرقت في ركضها ثم توقفت تنظر إلى الطريق الذي تسلكه وانهمرت دموعها على خديها، فلم تتخيل أن تعيش حياة كالتي تعيشها.
مسحت دموعها بيديها المتسختين واستجمعت قوتها، ثم استكملت ركضها.
أجفلها انطلاق صوت الرصاص ونباح الكلاب، لتسقط على ركبتيها وهي تنظر وراءها في هلع!
....
تنهد سيف براحة عندما أبصر مكان ليلى، ثم سار جهتها وقبل أن يناديها حتى تلتفت إليه سمع صوت بكائها المتقطع.
تجمد في وقفته ثم أغلق أجفانه وقد تذكر الذنب الآخر الذي يحمله على عاتقيه.
ابتلع لعابه وطرد ذلك الشعور الذي يدفعه نحو العودة إلى قوقعته.
شعرت ليلى بالغرابة عندما وجدته واقفاً قربها، فتساءلت بلهفة وقلق وهي تنهض من المقعد الخشبي الجالسة عليه في فناء المشفى:
ـ عم سعيد كويس؟ الدكتور طمنك؟
أخرجه صوتها من شروده ثم تراجع إلى الوراء، وقد أدهشتها فعلته العجيبة:
ـ طمني يا سيف، عم سعيد كويس؟
اختنقت أنفاس سيف، فواصلت حديثها بصوت متحشرج:
ـ أنا قلبي مش هيستحمل فراق حد غالي.
تفاقم الذنب في نفسه ثم أشاح بوجهه عنها قائلاً:
ـ الدكتور قال النزيف الداخلي وقف وده كان سبب الخطورة، ادعيله يا ليلى.
أنسابت دموع ليلى بسخاء، ثم عادت إلى مكان جلوسها بعد أن خارت قواها:
ـ الحمد لله.. الحمد لله.
وبخفوت أردفت وهي تلوم نفسها:
ـ أنا كنت عارفة وسكت، يا ريتني كنت اتكلمت لكن وقفت من بعيد أتفرج!
طأطأ سيف رأسه ثم خرجت تنهيدة طويلة من شفتيه؛ فهو مثلها، وربما هو من كان السبب في دفع شهد إلى طريق كهذا.
ـ محدش بيقرب منها غير وسمها بيصيبه!
غمغم بها وقد توقدت عيناه بالحقد نحو والدته التي لا تفعل شيئاً إلا تدمير حياة الآخرين.
....
في الصباح الباكر، كانت تتوالى اتصالات صالح، وهذه المرة لم تستطع حورية إخفاء شيء عنه:
ـ هنخرج النهاردة بيها من المستشفى وهاخدها معايا الفيلا، ولما ترجع بالسلامة هتفهم كل حاجة من مراد الهتيمي.
أخذ صالح يدور حول نفسه في عجز، ثم هتف بعد أن هداه عقله نحو المكان الذي ستجد فيه زينب راحتها:
ـ عند جدي لأ.. ماما خدي زينب المزرعة وأنا بكرة الصبح هكون عندكم إن شاء الله.
نظر صفوان نحو حورية عند دلوفه إلى غرفة مكتبه بالمشفى، ثم قطب جبينه متسائلاً بعد أن رآها تحدق بالهاتف وتزفر أنفاسها بفتور:
ـ أكيد صالح وطبعاً قولتيله؟
أومأت حورية، فحرك صفوان رأسه ثم تنهد قائلاً:
ـ حقه يقلق، لكن ربنا يستر من ردة فعله لما يعرف كل اللي حصل ويفهم كان هدف الست دي إيه.
كادت أن تتحدث، لكن رنين هاتفها وظهور اسم "هشام" عليه جعلها تقطب ما بين حاجبيها بدهشة وقلق.
....
اعتصر الألم قلب ليلى وهي ترى زوجة عمها تقف عند عتبة باب المسكن وتسأل شهد بقسوة:
ـ رايحة فين؟ أنا مش قولت بنتي ماتت خلاص؟!
اندفعت شهد إليها ثم سقطت عند قدميها تتوسلها:
ـ سامحيني المرة دي يا ماما، أنا ممكن أموت لو مسامحتنيش.
ارتعشت أجفان عايدة لكنها سيطرت على دموعها وصاحت عليها:
ـ ما أنتِ مُتِّ خلاص!
ثم أردفت بنبرة صوت مرتعشة يتغلغل فيها الوجع:
ـ أنتِ مش بنتي، أنا شهد بنتي مش شبهك!
أسرعت ليلى نحو شهد وضمتها إلى حضنها ونظرت إلى زوجة عمها:
ـ خديها بعيد عني مش عايزة أشوفها يا ليلى، آه.. قلبي مش مستحمل!
قالتها عايدة ثم سارت بثقل نحو الداخل وهي تضع يدها على موضع قلبها.
ـ شهد اسمعيني كويس، هي دلوقتي مصدومة ومش مصدقة أنك كنتي بتكذبي عليها.
أجهشت شهد بالبكاء ودفنت وجهها في حضن ليلى تترجاها بضعف:
ـ خليها تسامحني يا ليلى هي بتحبك أوي، أنا ممكن أموت لو ماما مسامحتنيش!
سالت دموع ليلى بغزارة واحتضنتها وهي تشعر بالعار من نفسها؛ لأن صمتها عن أفعالها دفعهم إلى نتيجة قاسية:
ـ هتسامحك يا شهد، وعم سعيد هيخرج بالسلامة وكل حاجة حلوة هترجع لحياتنا من تاني.
...
أغلق عزيز مكالمته مع سيف بعد أن أوصاه أن يذهب للاطمئنان على ليلى ويخبرها أن تجيب على مكالماته:
«معودتنيش على قسوتك يا ليلى، حبك الكبير ليا خلاني فاكر أني هفضل دايماً حبيبك، لكن أنا الغلطان ولازم أرجع حبك من تاني.»
ـ سيد عزيز، آسف على الانتظار.
انتشل عزيز نفسه من الشرود في أفكاره ونهض من المقعد الجالس عليه داخل حجرة الطبيب المختص بحالة نيهان:
ـ لا داعي للاعتذار أيها الطبيب.
ابتسم الطبيب وأشار إليه بالجلوس حتى يتحدثوا عن حالة نيهان:
ـ اسمعني سيد عزيز، حالة السيد نيهان لا تستدعي السفر إلى الخارج، كل ما تحتاجه حالته نقدمه له هنا.
تنهد عزيز، فأردف الطبيب:
ـ أنا أخبرت السيدة نارفين بهذا من قبل، ولو كنت أجد أملاً في سفره لكنت أخبرتها.
انقطع حديثهما عند دخول أحد الأطباء:
ـ الطبيب ليون وصل ويسأل عنك.
نهض الطبيب جان وقال باعتذار:
ـ عذراً سيد عزيز، سأضطر لإنهاء حديثنا لأن يجب عليّ أن أرحب بالطبيب ليون قبل أن ينشغل بتلك الحالات التي تنتظره.
عقد عزيز حاجبيه وهو ينهض وتساءل بفضول:
ـ هل هذا الطبيب مختص بحالة نيهان؟ والتمس لي العذر في السؤال.
ابتسم الطبيب جان وهز رأسه متفهماً:
ـ لا عليك سيد عزيز، الطبيب ليون مختص بحالات الذكورة والعقم!
....
احتقن وجه إلهام وهي ترى هشام يغادر مقر شركة هارون، تتبعته بعينيها إلى أن وجدته ينطلق بسيارته:
ـ يا ترى جاي لـ عدنان ليه يا سيادة المستشار؟
تمتمت بها بسخرية ثم خرجت من سيارتها وقد دار في رأسها العديد من السيناريوهات.
ـ تعرفي لو مكنتيش جيتيلي النهاردة أنا كنت ناوي أجيلك!
هتف بها عدنان فور دخولها غرفة مكتبه، التوت شفتا إلهام بمقت لقطته عيناه سريعاً وضحك:
ـ عارف إن دماغك راحت لمكان تاني.
رمقته إلهام بنظرة مشمئزة، فأردف عدنان وهو يغمز لها بطرف عينه:
ـ زينة تتجوز ونعلن جوازنا.
كادت أن تقاطعه ، لكنه استطرد قائلاً:
ـ قوليلي هتعمل العملية امتى؟ موضوع العذرية ده مهم عند أهل الولد، مش عايز مشاكل خلينا نخلص بقى وتتجوز!
تحاشت إلهام النظر إليه وتساءلت بالأمر الذي يشغل عقلها الآن:
ـ عدنان، هو سيادة المستشار كان هنا ليه؟
تعجب عدنان من سؤالها ثم زفر أنفاسه بضيق:
ـ سيادة المستشار عايز يلغي شراكة كنا هندخلها، لكن مش ده المهم عندي.
تسارعت أنفاس إلهام ثم ابتلعت ريقها بصعوبة، فواصل عدنان حديثه بوجه ممتقع:
ـ عايز يطلق بنته من مراد!
...
اختفت ابتسامة رغد عندما علمت بأن صالح يبحث عن رحلة جوية حتى يعود إلى الوطن في أسرع وقت:
ـ لكن إحنا شغلنا هنا لسه مخلصش يا صالح.
نظر صالح إليها وكاد أن يتحدث، لكن اقتراب ساري منهما جعله يتجه صوبه.
اتبعته رغد ثم تجهم وجهها عند معرفتها أن طائرة ساري الخاصة سوف تنطلق به بعد عدة ساعات:
ـ لا تقلق على الصفقة سيد صالح.
تمتم بها ساري وهو يربت على كتف صالح، ثم ابتسم وهو يتجه بعينيه نحو رغد واستكمل حديثه بنبرة خبيثة:
ـ حتى الآنسة رغد لا تقلق عليها، فهي ضيفة عزيزة لدينا!
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
لو كان يعلم أن لحظات الحب التي ركض وراءها وتنعم بها ستكون عذابه، ما كان سمح لقلبه يوماً أن يضعف وينساق نحو نهاية معروفة؛ نهاية يدفع ثمنها الأبناء والطرف الأضعف في الحكاية، طرف كان محروماً من رفاهية المشاعر وأشياء جميلة لم تكن في عالمه.
«أنا طول عمري شقيانة وبجري على لقمة عيشي يا نائل بيه ومعرفش حاجة عن الحب ولا الدنيا بتاعته، سيبني في حالي الله يسترك.»
«ممكن تسيبي ليا نفسك يا زينب وأنا هخليكي تعيشي دنيا فيها نائل وزينب وبس.»
دمعت عيناها وهي تهز له رأسها رافضة أن تدخل عالماً ليس لها:
«أنت راجل متجوز وعندك ولادك، مسيرك في يوم هترجع لحضنهم.»
وهو كان بارعاً في دور العاشق، وهي كانت عطشه لمشاعر لم تعشها من قبل، ورغم مقاومتها الشديدة حتى لا تنجرف نحو رجل ليس ملكاً لها وحدها، إلا أنها سقطت في عشقه رغماً عنها.
«لو نفضل عايشين هنا يا نائل، لو تكون ليا لوحدي.»
وهذه كانت آخر أمنية لها معه، أمنية قالتها له في هذا المكان، ثم بعدها انكشف زواجهم ودفعت هي وطفلها الثمن.
«قولتلك سيبني في حالي، ليه خلتني أعيش حياة مش ليا؟!»
«قولها إني مجرتش وراك، قولها إني مخطفتكش منها.»
رمقتها هدى بحقد ونظرت إليه:
«طلقها يا نائل، ارمي عليها يمين الطلاق بالتلاتة.»
وهو وقف بينهن كالضائع، مطأطأ الرأس.
«نائل أنا تعبانة ومش هفضل واقفة كتير.»
تلاقت نظراتهم وانتظرت أن تسمعها منه.
«هدى، ممكن تنزلي تستنيني في العربية؟»
انمحت نظرة الشماتة من عيني هدى واستشاط وجهها غضباً، فأسرع باجتذابها من ذراعها مبتعداً بها بضعة خطوات، ثم بعدها انسحبت من بينهما.
«ليه مطلقتنيش قدامها؟ كنت بردت نارها.»
«مقدرتش يا زينب، مقدرتش.. أنا آسف سامحيني.»
واقترب منها حتى يحتضنها لآخر مرة.
«متقربش، حكايتنا خلاص انتهت يا سيادة الرائد.»
وليتنا نختار الحكايات التي نرغب باستكمالها!
استفاق من ذكرياته على صوت زينب بعد أن فتحت عينيها وأبصرت وجوده قربها.
ـ جدو..
أشاح نائل بوجهه عنها حتى يمسح دموعه سريعاً، ثم نظر إليها وهتف بنبرة صوت تحمل لهفته:
ـ كده يا زوزو تخوفيني عليكي؟!
انسابت دموع زينب، فأسرع نائل باجتذابها إلى صدره:
ـ يا حبيبتي أنتِ والنونو ويزيد بخير.
وأردف بعتاب:
ـ أنا كام مرة أقولك لازم تظبطي سواقتك أو متسوقيش خالص؟ لكن العتاب على صالح، لما يرجع هخليه ياخد العربية منك.
تشبثت زينب بحضنه كطفلة صغيرة ثم أجهشت بالبكاء.
ـ اهدي يا حبيبتي، اهدي يا زوزو.. دكتورة حورية قالتلي إنها كانت هتكون حادثة صعبة لولا لطف ربنا بيكم، الحمد لله.
أغلقت زينب عينيها بقوة وارتعش جسدها وهي تستعيد في ذاكرتها ما حدث.. «خدوا الولد بسرعة.»
ـ يزيد.. يزيد!
صرخت باسم يزيد وانتفضت بفزع تبحث عنه:
ـ جدو فين يزيد؟ يزيد راح فين؟!
تجمدت قسمات وجه نائل وانعقد لسانه وهو يحدق فيها.
أتت حورية مهرولة بعد أن استمعت إلى صراخ زينب، وأسرعت إليها قائلة:
ـ يزيد بيلعب في الجنينة تحت يا حبيبتي، قومي معايا أخليكي تشوفيه، ولا أقولك؟ هخلي دادة نعمات تطلعه لعندك.
تنقلت زينب بعينيها في أرجاء الغرفة وأخذت تتحرك بدون هوادة:
ـ يزيد أخدوه مني، كانت عايزة تاخده زي ما أخدت بابا مني!
ضاقت عينا نائل ثم صوب أنظاره نحو حورية التي انتابها الذعر:
ـ هي تقصد إيه ومين؟ أنا ليه حاسس يا دكتورة أنكم مخبين عني حاجة؟
أسدلت حورية أهدابها بعد أن شعرت بأنها وضعت في مأزق صعب:
ـ حفيدتي فيها حاجة مش مفهومة!
أسرعت زينب تخبره بخوف:
ـ طلعت عايشة يا جدو، طلعت عايشة وعايزة تموتني أنا ويزيد زي بابا!
سيطر نائل على غضبه ولانت ملامحه وهو يسألها بهدوء:
ـ قوليلي هي مين يا حبيبتي؟ أنا مش جدو حبيبك وبتحكيلي كل حاجة؟
تمالكت حورية ذلك الوجوم الذي سيطر عليها فجأة وأسرعت قائلة:
ـ سيادة اللواء، خلينا نسيبها ترتاح وبعدين نتكلم في كل حاجة أنت عايز تعرفها.
كاد نائل أن يرفع صوته لكنه ترفع عن هذا.
ـ أرجوك يا سيادة اللواء، اسمع كلامي.
أطلق نائل تنهيدة طويلة بعد أن رأى نظرة الرجاء في عيني حورية، ثم نظر إلى زينب التي ازداد وجهها شحوباً.
....
توقف صفوان عن مواصلة مكالمته عندما استمع إلى صوت والده، وقد عقد حاجبيه في غرابة من مجيئه للمزرعة.
ـ مالك يا دكتور متفاجئ بوجودي وكأنك مكنتش عايزني أجي؟
توتر صفوان وتمتم معتذراً للمتصل:
ـ مضطر أقفل معاك يا دكتور زياد.
التوت شفتا شاكر بسخط وتساءل:
ـ ليه خرجتوا من المستشفى على المزرعة؟ أكيد الكابتن أمر بكده وأنت والدكتورة لازم تنفذوا!
أخذ صفوان نفساً عميقاً واقترب منه:
ـ بابا، ممكن تسمعني؟
رمقه شاكر ثم أشاح بوجهه عنه، فأردف صفوان بعد أن خرجت من شفتيه تنهيدة أخرى:
ـ سيادة اللواء موجود معانا.
رد شاكر وهو يطرق الأرض بعصاه:
ـ عارف إن نائل هنا يا دكتور، ومش عشان المزرعة بقت متنازل عنها لابنك والهانم مراته يبقى خلاص سلطتي راحت من عليها!
هز صفوان رأسه بيأس منه وأسرع بالوقوف أمامه.
ـ أبعد من قدامي يا دكتور.
نظر صفوان إليه ثم قام باجتذابه بخفة نحو إحدى غرف الطابق الأرضي:
ـ تعالى يا بابا معايا واسمعني لمرة واحدة في حياتك.
نفض شاكر يده عنه، فواصل صفوان حديثه برجاء:
ـ كلامي لو معجبكش، اعتبرني ما اتكلمتش ولا قولت حاجة.
حدق شاكر نحوه بنظرة طويلة ثم سار أمامه متعمداً أن يجعل عصاه تصدر صوتاً.
اتبعه صفوان وفي نفسه يتمنى أن يسمعه ويقتنع بحديثه لمرة واحدة.
....
أطبق قصي شفتيه بغيظ بعد أن ألقى صديقه مزحة لم تكن مقصودة، لكنها أصابت هدفها، ولم يكن الهدف مصوباً إلا نحو رجولته.
ـ يا بني أنت مش عريس، ولا شكلك مرفعتش رأسنا!
وأردف صديقه بعد أن قهقه عالياً:
ـ ده أنت أطول مكالمة ليك معايا وأنت عازب كانت ربع ساعة، وكنت قبل ما تقفل تقولي "المكالمات الطويلة للجنس الناعم مش معاك أنت"، دلوقتي أهو أنت عريس وكل يوم تكلمني ونرغي بالساعة أو الساعتين!
نهض قصي من الأريكة التي يجلس عليها قائلاً بعبوس وحنق:
ـ اقفل يا رحيم، ولا أقولك؟ أنا هقفل وهحظر رقمك من عندي.
أنهى المكالمة ثم ألقى بالهاتف على الأريكة، واتجه نحو الغرفة التي تحتلها وحدها:
«طبعاً لإما هتكون نايمة، أو فاتحة اللاب توب بتتفرج على مسلسل وسيباني للقيل والقال.»
فتح باب الغرفة صائحاً:
ـ سما!
احتضنت سما الوسادة وتمتمت بصوت حانق:
ـ مش فاضية دلوقتي.
احتقنت ملامحه واقترب من الفراش:
ـ إحنا من ساعة ما جينا مطروح وأنتِ مبتعمليش حاجة غير النوم والأكل!
لوحت له بيدها حتى يصمت واستدارت بكامل جسدها ثم عادت لاحتضان الوسادة.
استشاط غضباً من فعلتها، وسرعان ما كان يلتقط كوب الماء الذي انتبه إليه للتو ثم سكبه فوق رأسها.
أجفلتها فعلته لتنتفض من وضعية نومها وتنظر إلى ما ابتلَّ من ملابسها:
ـ أنت عملت إيه؟!
تساءلت بها وكأنها لا ترى نتيجة فعلته، فرد عليها:
ـ وهعمل أكتر من كده لو مقومتيش من السرير!
قطبت جبينها بدهشة، فصرخ عليها:
ـ قوليلي إحنا متجوزين ليه؟!
حدقت به دون أن تتفوه بكلمة، لكن عندما صرخ بوجهها مرة أخرى ردت بنفس نبرة غضبه:
ـ معرفش بصراحة إحنا اتجوزنا ليه! أنا عمري ما فكرت فيك كزوج يا قصي... أنت كنت وما زلت أخويا وابن عمي وبس!
توقد الغضب في عينيه واقترب منها ثم أجتذبها إليه حتى يتأكد من صحة ما تقول.
تسارعت أنفاسها عندما اجتاحها بمشاعر جديدة عليها، وقد وجد منها استجابة أصابتها بالعار.
ـ لسه برضو شايفاني أخوكي يا سما هانم؟
تساءل بها بنبرة ساخرة، ثم ابتعد عنها رغم رغبته في المواصلة.
أسرعت بإغلاق أجفانها حتى تهرب من نظرته إليها وظنت أنه يحتقرها الآن.
ـ بلاش نقول كلام أكبر مننا.
فتحت عينيها بعد كلامه تتساءل في نفسها ما الذي يقصده، بينما غادر الغرفة تحت أنظارها المحدقة به.
قضت وقتاً طويلاً في ذهولها حتى استفاقت، ثم جحظت عيناها من الصدمة:
ـ معقول كنت مستسلمة له؟!
....
ضرب شاكر الأرض بعصاه ونهض بغضب بعد أن استطاع نائل استفزازه:
ـ أنا راجل مخادع وغشاش وندمان أنك جوزت حفيدتك لحفيدي؟! نائل يا رفاعي، الزم حدودك معايا!
احتقن وجه نائل واقترب منه يدفعه على صدره متسائلاً:
ـ ولو ملتزمتش حدودي هتعمل إيه يا شاكر؟ أنت من يومك آخرك فاضي، ولولا فلوسك مكنش حد سمع ليك صوت!
اشتعلت عينا شاكر بالمقت وضرب بعصاه الأرض مجدداً:
ـ لولا فلوسي ديه ومكانتي مكنتش قبلت بجوازة حفيدي يا نائل، لأ وكمان أنا وحفيدي أنقذنا حفيدتك من كره ولادك ليها!
وأردف شاكر بعد أن تحولت نظراته المستشاطة لأخرى ساخرة:
ـ مش ده كان كلامك مع نجيب يا نائل؟ ولا أنت شجاع في حاجات وحاجات تانية لأ؟!
أخفض نائل رأسه بخزي من تلك الحقيقة التي تمزقه.
ـ عمي، أنت بتقول إيه؟ ينفع الكلام ده؟!
زفر شاكر أنفاسه بضيق ودارت عيناه بينهما:
ـ بابا، زينب بقت مرات ابننا وحامل في حفيدنا ومبقاش فيه داعي نتكلم في حاجات قديمة.
قالها صفوان ، فأطبق نائل على كفي يديه المرتعشتين ثم تراجع إلى الوراء، وتهاوى على أقرب مقعد.
شعر شاكر بالضيق من نفسه بعدما تراءى إليه انكسار نائل، وتمتم بخفوت:
ـ متزعلش مني يا نائل، أنت عارف إني من يومي لساني بيطلع الكلام الوحش، لكن أنت عصبتني لما اتهمتني إن ممكن أكون السبب في ظهور الست ديه.
أغلق نائل أجفانه وابتلع غصته في صمت.
....
التصقت أشرقت بالجدار بعد أن استمعت إلى صوت صرير الباب، ثم بدأ قلبها يخفق من الخوف عندما انفتح.
رمقها الحارس الذي استطاع إيجادها بالأمس بنظرة حادة، ثم اقترب منها ووضع أمامها صينية الطعام وزجاجة الماء.
برقت عينا أشرقت باللهفة وهي ترى زجاجة الماء وهمست بوهن:
ـ عطشانة.. خليني أشرب.
ابتسم الحارس بخبث وزحزح زجاجة المياه نحوها.
دمعت عينا أشرقت ونظرت إلى يديها المقيدتين ثم إلى قدميها.
تجلجلت ضحكات الحارس بمتعة وهو يرى عجزها:
ـ عايزاني أفكلك إيدك؟
ابتلعت أشرقت ريقها بمرارة وأومأت برأسها، فصرخ عليها:
ـ عايز أسمع صوتك، ولا لسانك خلاص أكلته القطة؟!
وأسرع بالتقاط خصلات شعرها ثم أخذ يهزها بعنف:
ـ قولي "لو سمحت يا حسن بيه عايزة أشرب".
أجهشت أشرقت بالبكاء وغمغمت برجاء:
ـ عايزة أشرب.. عطشانة.
داعب الحارس شاربه وتملكت منه الغبطة وهو يراها مذلولة أمامه:
ـ حسن بيه!
تمنعت أشرقت عن قول ما يريد، فعاد إلى اجتذاب خصلاتها ثم ضرب رأسها بالجدار:
ـ حسن بيه.. حسن بيه!
تمتمت بها بصوت مخنوق من البكاء حتى يتوقف عن ضرب رأسها بالجدار.
ـ أنت بتعمل إيه يا غبي؟! أنت عارف ديه مين؟ ديه مرات البيه!
توقف الحارس حسن عما يفعله والتفت جهة صديقه:
ـ البيه بين الحياة والموت بسببها، ده غير اللي عملته في عابد.
وبحقد أردف بعد أن ألقى عليها بنظرة ساخطة:
ـ وبيني وبينك، ليا عند أبوها حق من سنين، وسبحان الله وأنا شايفها قدامي كده نار قلبي بتبرد!
اتجهت أنظار أشرقت نحوهما وقد اخترقت كلمات ذلك الحارس مسامعها، وعادت تردد برجاء وصوت خافت:
ـ عطشانة.. رأسي بتوجعني.. عايزة أي مسكن للصداع أرجوكم.
....
دلف صالح بيت المزرعة مهرولاً، وأول من وقعت عيناه عليه هو صغيره النائم على حجر والدته.
خفق قلب حورية براحة وفتحت ذراعيها إليه، فاتجه إليه يحتضنها ثم أسرع بتقبيل وجه ويدي صغيره.
ـ حمد الله على السلامة يا حبيبي.
لم يجبها من شدة لهفته على رؤية زينب، وأسرع بالتساؤل:
ـ فين زينب؟ ليه مش وسطكم؟
نظر والده إليه، وقبل أن يجيبه أحد، اتجه مسرعاً نحو الدرج.
ـ هو ابنك ماله بقى عامل زي العيل الصغير مع مراته؟ ولا كأنها أمه!
استنكرت حورية حديثه ونظرت إلى صفوان الذي تولى مهمة الرد على والده:
ـ يا بابا فرصتك المرادي تكسب صالح ليك ويرجع من تاني يعيش معانا في الفيلا، ولا عايز تضيع الفرصة؟
زمَّ شاكر شفتيه بحنق، فهو يكره أن يخضع لأحد، لكن ما دام الأمر ينصب نحو مصلحة العائلة فعليه أن يتبع خطته الجديدة مع صالح:
ـ أما نشوف يا دكتور.
...
دخل صالح الغرفة بأنفاس لاهثة ليجد زينب مستيقظة وتحدق بسقف الغرفة.
وقف مكانه مصعوقاً وشعر بعدم قدرته على التقاط أنفاسه.
ـ صالح..
تمتمت بها فور أن رأته وانسابت دموعها.
اندفع نحوها ثم اجتذبها إلى صدره وعانقها بقوة.
ـ كانت هتاخد يزيد مني زي ما أخدت بابا يا صالح!
انفلتت دموعه رغماً عنه وهو يسمع نبرة صوتها المتحشرجة:
ـ مروة هي إنجي.. إزاي معرفتهاش؟ إزاي معرفتش الست اللي موتت بابا وأخدت مني كل حاجة حلوة؟!
شدد صالح من ضمها لحضنه بآلم وتركها تهذي دون أن يقاطعها، بينما تراجع نائل إلى الوراء ثم طأطأ رأسه وانسحب من أمام الغرفة.
....
نظر سيف نحو ما تضعه ليلى أمامه:
ـ إيه ده يا ليلى؟
تنهدت ليلى بفتور دون أن تنظر إليه:
ـ الفلوس اللي ادفعت للمستشفى.
أزاح سيف الظرف الورقي سريعاً وهتف بفتور وهو يشيح عينيه عنها:
ـ الفلوس اندفعت من فلوس عمي يا ليلى.
جحظت عينا ليلى فور أن أتى بذكر عزيز وأسرعت بالتساول:
ـ أنت قولتله على حادثة عم سعيد؟!
زفر سيف أنفاسه بثقل وأجابها:
ـ أنا وعدتك إني مش هبلغه، لكن من حقه يعرف يا ليلى، أنتِ متعرفيش عم سعيد غالي على قلبه إزاي.
ابتسمت ابتسامة باهتة وتذكرت اللحظة التي هاتفته فيها:
ـ ليلى، أنا معرفش إيه اللي حصل بينك وبين عمي وهدم حبكم، لكن تأكدي إنه بيحبك أوي.
وبنبرة حزينة أردف سيف:
ـ قالي أبلغك تردي على رسايله ومكالماته وهو راجع بعد يومين.
....
هرولت زينة نحو خالتها وقد برقت عيناها المنطفئتان بالأمل:
ـ خالتو، هشام كلمني قالي إنه عايز يقعد معاكي عشان نقدر نقنع بابا ومراد بجوازنا.
وبأنفاس هادرة ويدين مرتعشتين تمررهما على بطنها أردفت:
ـ قالي إن ده لازم يحصل ما دام في طفل.
تمعنت إلهام بالنظر إلى ابنة شقيقتها البريئة التي تصدق سريعاً خباثة الرجال:
ـ هو قالك كده؟
انفرج ثغر زينة عن ابتسامة وهي تهز رأسها:
ـ أنا سجلت المكالمة ليكي، تحبي تسمعيها؟
ربتت إلهام على خدها بمهادنة:
ـ هاتي يا حبيبتي أسمعها.
أعطتها زينة الهاتف حتى تسمع ما وعدها به هشام.
ـ صدقتي كلامي يا خالتو إنه بيحبني؟
تمالكت إلهام ذلك الشعور الذي سيطر عليها وابتسمت لها، ثم سارت نحو غرفتها وغمغمت في نفسها بوعيد وبقرار أخير اتخذته اليوم وقد سطره هو بيديه:
«بعد ما ضيعتها بتكمل لعبك عليها؟! ده أنت مقرر تسافر وعايز تطلق بنتك من أخوها.. ودّع بقى دنيتك يا سيادة المستشار!»
....
أطبق عزيز أجفانه بوهن منتظراً سماع النتيجة التي ستحدد حالته النهائية هذه المرة.
بدأ الخوف يتسلل إلى فؤاده المتعب، لكنه أزاح خوفه وإحباطه سريعاً وقال في نفسه:
«لو متكتبش ليك الذرية يا عزيز، هيكون أمر الله ولازم تكون راضي.»
وبلسان ثقيل أخذ يردد:
ـ راضي يا رب.. والله المرادي أنا راضي.
رفع الطبيب "ليون" رأسه عن التقارير التي أمامه، وفعل مثله الطبيب الآخر الذي عُرضت عليه حالته، وأخذوا يتناقشون بهمس اجتذب انتباه عزيز، ورغماً عنه كانت الدموع تترقرق في عينيه.
ـ سيد عزيز.
هتف بها الطبيب التركي، فرفع عزيز عينيه واتجهت أنظاره صوبه:
ـ يجب أن تخوض إحدى العمليات أولاً، وبعدها ستتضح النتائج أكثر.
توقف الطبيب عن الكلام بعد أن انتبه إلى شحوب وجه عزيز:
ـ لكن لا تقلق، يوجد أمل كبير في حالتك، لكننا نحتاج إلى قوتك وقوة زوجتك معك.
ثم استطرد الطبيب قائلاً:
ـ هل تستطيع زوجتك القدوم إليك، سيد عزيز؟
....
في الساعة الحادية عشرة مساءً، انتفض هشام من غفوته التي لا يعلم كيف سقط فيها، ثم نظر إلى هاتفه الذي أخذ يستقبل رسائل عدة.
فرك جبينه حتى يستعيد وعيه، ثم التقط الهاتف ودقق النظر فيه.
نهض من وراء طاولة مكتبه في اللحظة التي دخلت فيها لبنى غرفة مكتبه، فرمقته متسائلة:
ـ مالك فيك إيه؟ ولا كأنك شوفت عفريت!
أشار هشام نحو هاتفه وهو يتحرك أمام أنظارها:
ـ حد بعت ليا مكان أشرقت.. البنت ابن عدنان حبسها في قبو وبيعذبها!
خفق قلب لبنى ثم صاحت وهي تتحرك وراءه:
ـ أنا هاجي معاك، أنت السبب في النسب ده يا هشام!
