رواية فلتر زائف الفصل الثاني عشر 12 بقلم نرمين قدري


 رواية فلتر زائف الفصل الثاني عشر 

بدأت وسام  تندمج في الشغل  قد بدأت فعليًا وكأنها حولت مكتبها لخليه نحل 
لم يعد الأمر مجرد شراكة أو تحدي بسيط، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على إثبات نفسها.
في الأيام التالية، اندمجت وسام في العمل بجدية كاملة، ومعها ريهام التي رغم خفتها وسخريتها الدائمة، كانت تعمل بذكاء غير متوقع.
كان الاثنان كأنهما توليفة غريبة، لكنها فعالة بشكل مبهر.
بدأت النتائج تظهر سريعًا…
أفكارهن  مختلفة عن التوقعات ، حلول غير تقليدية، وتنفيذ مبهر جعل فريق زين نفسه يتوقف أمام الشغل بدهشة. الجميع فعلا مبهور بدقة العمل 
وفي أحد الاجتماعات، عرضت وسام افكار  الحملة الجديدة.
كان زين  ينظر للتفاصيل بعين مختلفة… لم تكن نظرة مدير يقيّم عمل موظف، بل شخص يرى شيئًا يفوق توقعاته.كان مبهور فعلا 
ثم قال بهدوء:
+ انتي عملتوا ده إزاي؟ بجد فوق الروعة مبهر وغير متوقع 
تبادلت وسام وريهام نظرة سريعة، قبل أن تقول وسام بثبات:
- شغلنا.هو اللي بيتكلم عننا 
ابتسم زين ابتسامة خفيفة وقال:
+ ده مش شغل عادي… دي أكبر حملة شفتها في المجال الفترة الأخيرة.
ومن هنا، بدأت الشركة كلها تنقلب.
تم دمج مجهود زين مع فريق وسام، وتحولت الفكرة إلى مشروع ضخم…
أكبر حملة تسويقية حصلت عليها الشركة من سنوات.
لكن وسط كل هذا النجاح…كان هناك شيء آخر يتغير بصمت. كانت قلوب تخفق دون أن يشعر بها أحد 
ظلت وسام تعمل لم تعد تغادر المكتب بسهولة. كانت تعمل لساعات طويلة، أحيانًا تمتد لوقت متأخر جدًا من الليل.
في أحد الأيام، دخلت ريهام عليها وهي تحمل حقيبتها:
- أنا ماشية يا سو… مش هينفع أفضل معاكي أكتر من كده، إنتي بقالك كام يوم مش بتخرجي من هنا.
نظرت لها وسام دون أن ترفع رأسها:
+لو  خلصتي شغلك  خلاص  وروحي… أنا لازم أخلص ده. قبل الاجتماع بتاع بكره 
تنهدت ريهام وقالت:
إنتي محتاجة حد ينقذك من الشغل ده قبل ما يبلعك. إنتي عاوزة حد ننچيا علشان يقدر يستحمل سلام يا سو الله معكي و حاولي متتاخريش علشان بابا ميزعقش زي امبارح لاحظتي انك بقالك اسبوع بترجعي متاخر ليميها بدل ما يقلب علينا وانتي عارفة قلبته 
لكن وسام لم ترد.
كانت غارقة في الملفات، وكأن الوقت لم يعد يعنيها.
خرجت ريهام وتركتها وحدها.
مرّت الساعات…واحد تلو الآخر…حتى أصبح المكان شبه فارغ.
وفجأة…
انطفأت الأنوار. حولها و توقفت أجهزة الحاسوب.
وساد صمت غريب داخل الشركة الضخمة.
رفعت وسام رأسها بسرعة:
+ في إيه؟ هو النور قطع حتي لو قطع استحاله شركة بالحجم ده مافيهاش مولود كهرباء 
حاولت أن تتحرك، لكن الظلام كان كثيفًا بشكل مربك.
خطت خطوات بطيئة وهي تنادي بصوت مرتعش قليلًا:
+ حد هنا؟ في حد؟
لا رد.وكان المكان مهجور 
زاد صمت المكان ثقلًا…حتى صوت خطواتها أصبح يزعجها.

لقد توقف كل شيء عن العمل في الدور الذي هي فيه.
انقطع كل شيء تقريبًا.
بدأ قلبها يزداد سرعة، وشعرت لأول مرة منذ فترة طويلة بشيء يشبه الخوف الحقيقي.
بدأت في الانهيار  وحدها في مبنى ضخم فارغ.
تراجعت للخلف بسرعة، حتى اصطدمت بأحد الجدران، وجلست في زاوية صغيرة لا إراديًا.
ضمّت نفسها بذراعيها، وبدأت دموعها تنزل دون سيطرة.
همست بصوت منخفض:
+ مفيش حد… أنا لوحدي.
في تلك اللحظة…
رن هاتفها فجأة.
صوت الرنين كان حادًا وسط الصمت، ومعه أضاءت الشاشة إضاءة خافتة كشفت جزءًا من المكان.جرت مسرعة علي الهاتف وكان الضوء الذي أصدره طوق النجاة 
بيد مرتعشة، أمسكت الهاتف بسرعة.
كان الاسم على الشاشة: زين.
ترددت لحظة… ثم أجابت بسرعة كأنها تتشبث بأي نجاة.
لكن صوتها خرج متقطعًا ومرعوبًا بشكل لم تتوقعه هي نفسها.
في الجهة الأخرى، سكت زين لحظة…
ثم تغيرت ملامحه تمامًا.
وقف بسرعة من مكانه وقال بحدة:
+ إنتي فين؟ وسام مالك 
لكن لم يكن هناك رد واضح سوى صوت أنفاسها المرتعشة
- انا في الشركة .
وفي ثوانٍ… كان زين قد أخذ مفاتيحه وخرج بسرعة جنونية من المكان متجهًا إلى الشركة.
وصل زين إلى الشركة بسرعة جنونية، وكأن كل دقيقة تأخير كانت تقابله بصوتها المرتعش في الهاتف.
دخل المبنى… لكن ما استقبله كان ظلامًا تامًا.
توقف مكانه لحظة، وعيناه تجولان في المكان بعدم تصديق.
+ إيه اللي حاصل هنا؟
خطا خطوة أخرى إلى الداخل، صوته ارتد في الفراغ، لكنه لم يجد أي رد.وكان المكان أصبح مهجور فجاءة 
اتجه بسرعة اتجاه  غرفة الأمن، وهو ينادي:
في حد هنا؟ الأمن فين؟
لكن المكان كان فارغًا تمامًا… لا أحد.
تجمد لثوانٍ، ثم تبدلت ملامحه إلى قلق واضح.
مستحيل…
اتجه بسرعة إلى غرفة التحكم الرئيسية.
فتح الباب بعنف نسبي، وبدأ يضغط على أزرار التشغيل، وعيناه تبحثان عن سبب العتمة.
اكتشف أن نظام الإضاءة الرئيسي مغلق بالكامل، وكأن أحدهم تعمد فصل التيار عن أجزاء من المبنى.
ضغط عدة أوامر بسرعة حتى عادت الإضاءة تدريجيًا في بعض الأدوار.
ثم خرج مسرعًا نحو المصعد… لكنه تذكر أنه متوقف بالفعل، فاندفع نحو السلالم دون تردد.
كان يصعد بسرعة، قلبه يدفعه قبل قدميه.
وفي الأعلى…
كانت وسام ما زالت في زاويتها، جسدها منكمش، ودموعها لم تتوقف بالكامل، تحاول أن تهدأ لكن الخوف ما زال مسيطرًا عليها.
وفجأة…
سمعت صوت خطوات سريعة تقترب.
رفعت رأسها ببطء، وعيناها تبحثان في الظلام الخافت.
وفي لحظة…
ظهر زين.
تجمدت نظراتها عليه لثانية، وكأن عقلها لم يستوعب.
ثم فجأة، وكأن كل حاجز انهار…
اندفعت نحوه بسرعة، وارتمت داخل حضنه دون تفكير.
تمسكت به بقوة، كأنها تتأكد أنه حقيقي وليس وهمًا.
لكنها سرعان ما انتبهت لنفسها، فتجمدت لحظة… ثم ابتعدت عنه بسرعة، وهي تحاول السيطرة على ارتجافها.
نظر لها زين بحدة ممزوجة بقلق واضح:
+ إنتي إيه اللي مقعدك في الشركة لحد دلوقتي؟
أخذت نفسًا متقطعًا وقالت بصعوبة وهي تحاول تثبيت نفسها:
- بحضر للاجتماع بكره… متنساش إن العميل هيكون موجود في العرض الأولي، ولازم يكون على أفضل وجه.
سكت زين لحظة وهو ينظر لها بعمق، كأنه يحاول يفهم هل هي تتكلم بوعي أم أنها تتماسك رغم انهيارها.
ثم قال بنبرة حاسمة:
+ تمام كفاية كده. إنتي مش هتكملي الليلة هنا.
لم تعترض… لم تجادل… كانت مرهقة أكثر من قدرتها على النقاش. كانت تريد أن تصل لمنزلها باي طريقه 
خرج بها من الشركة بهدوء هذه المرة، لكنها ما زالت قريبة منه بشكل غير واعٍ، كأنها تخشى أن يعود الظلام فجأة.
في الطريق إلى منزلها، كان الصمت هو السائد، لكن التوتر بينهما كان واضحًا.
عندما وصلا أمام منزلها، أوقف السيارة.
التفت لها وقال بنبرة أقل حدة:
+ انزلي وادخلي ارتاحي. متفكريش في أي حاجة حاولي تنامي 
اومأت  راسها ، ثم فتحت الباب ببطء.
لكن قبل أن تنزل تمامًا، قال زين بجدية:
- اعملي حسابك… الاجتماع هيكون في الفيلا عندي. متتأخريش إنتي وريهام.
نظرت له وسام لحظة، ثم أومأت بصمت، ونزلت من السيارة.
وبقي زين ينظر في أثرها للحظات قبل أن يتحرك، وعقله لا يزال عالقًا صورتها وهي خائفة

دخلت وسام حجرتها وهي ترتعش من الخوف، وأغلقت الباب خلفها بسرعة وكأنها تحتمي من شيء ما.
لاحظت ريهام حالتها فورًا، فاقتربت منها بقلق واضح:
+ وسام… في إيه؟ إنتي شكلِك مرعوب كده ليه؟
جلست وسام على طرف السرير، وما زالت أنفاسها متقطعة، ثم بدأت تقص عليها ما حدث في الشركة بالتفصيل… الظلام، توقف المصعد، والوحدة داخل المبنى.
كانت ريهام تستمع بتركيز، وملامحها تتغير تدريجيًا بين الدهشة والقلق، ثم قالت بجدية:
- ده مش طبيعي… أكيد في حد عمل كده عن قصد.
صمتت لحظة ثم أضافت وهي تفكر:
- بس مين؟ ومين يستفاد إنك تفضلي محبوسة جوه الشركة؟
في مكان آخر…
لم يسكت زين لحظة بعد أن أوصل وسام إلى منزلها.
أمسك هاتفه واتصل فورًا بمدير أمن الشركة، وصوته كان حادًا وغاضبًا:
+ انتو كنتوا فين؟ وإزاي الشركة تبقى بالشكل ده من غير أي تأمين؟
ارتبك مدير الأمن في المكالمة وحاول التبرير، لكن زين قاطعه بعصبية واضحة:
- أنا مش عايز أعذار… عايز إجابة: مين المسؤول عن إغلاق النور وتعطيل المكان؟
بدأ المدير في التحري السريع داخل النظام وسؤال فريقه، وبعد دقائق عاد بالنتيجة.
أخبره أن أفراد الأمن المكلفين بنوبة المساء لم يكونوا موجودين، وأنه تم إعطاؤهم إجازة في نفس اليوم بناءً على تعليمات غير واضحة.
سكت زين لحظة… ثم تغيرت ملامحه تمامًا.
إجازة؟! مين اللي قال كده؟
حاول المدير التوضيح أن القرار وصلهم بشكل إداري، لكن زين أدرك أن هناك خللًا خطيرًا أو تدخلًا متعمدًا.
تمام قلهم أنهم مرفودين علشان متحققوش من الأمر و مخصوم منهم المكافأة وده اخر انظر الشركة وامي غلطة هلغي التعاقد معاكم 
أغلق الهاتف بحدة، وعيناه تحملان غضبًا واضحًا ممزوجًا بالقلق.
وفي الوقت نفسه…
كانت وسام ما زالت تحاول استعادة هدوئها داخل غرفتها، بينما ريهام تراقبها وتفكر بعمق في كل ما سمعته، محاولة الربط بين ما حدث وبين أي شخص قد يكون وراء هذا التصرف.:
وفي صباح اليوم التالي، جهزت وسام نفسها وارتدت فستانًا لونه بنفسجي، وكانت في قمة الرقة والجمال. وكذلك ريهام. ثم ذهبن إلى فيلا زين.
فور دخولهم، لمحت وسام والدة زين، فجرت مسرعة تطمئن عليها. رحبت الأم بوسام بحرارة، وعرفتها وسام على أختها، وظلت تجلس تحكي معها قليلًا.
ثم نزل زين من الأعلى، في قمة أناقته، ولكنه كان يرتدي ملابس كاجوال غير رسمية.
وكان وسيمًا لدرجة أن وسام لم تستطع أن تنزل نظرها عنه، وبدأ قلبها يخفق بشدة.
ألقى عليهم التحية من بعيد، ثم أشار لهم إلى مكان الاجتماع، وقد حضر جميع العاملين، ومدير الشركة.
وبدأوا في عرض الأفكار، والتي انبهر بها الجميع، وقاموا بالتصفيق لها.
لكن رنا لم تستطع أن تجلس بهدوء، فدبرت لوسام مقلبًا، مما جعلها تسقط في حمام السباحة أمام الجميع، وتحت شهقات ريهام.

تعليقات