رواية انتقام الفهد الفصل الثامن عشر 18 بقلم سهر احمد


 رواية انتقام الفهد الفصل الثامن عشر 

"بداية الحرب... والمخزن الأسود"
 بعد مرور شهر كامل...

رجعت الحياة شكلها هادي.
راوية وريكو عاشوا أول شهر في 

جوازهم وسط حب وضحك، لكن فهد 

عمره ما نسي المكالمة الأخيرة... ولا الملف... ولا اسم يوسف المنياوي.

كل ليلة كان يقعد هو وعمرو يقلبوا في الصور والخرائط، يحاولوا يلاقوا أي 
خيط يوصلهم للحقيقة.

وفي صباح يوم...

كان فهد قاعد في الصالة، قدامه الملف مفتوح.

عمرو دخل وهو شايل كوبايه شاي.
— كنت سهران على الورق ده يا خوي؟

فهد رفع عينه.
— كل ما أبص فيه... أحس إن في حاجة ناقصة في جزء من الحقيقة ناقص لازم يكمل

عمرو قعد جنبه.

— الراجل قال المخزن الأسود.

— والملف فيه خريطة.

— يعني أول خطوة معروفة.

فهد هز رأسه.

— أيوه... شكلها كده 

— بس مش هنروح لوحدينا.

في اللحظة دي...
الباب خبط.

دخل ريكو وهو بيضحك.
— صباح الخير يا رجالة صباح الخير يامرات اخويا صباح عسل ياماما وفاء 

راوية من وراه قالت وهي بتبص لفهد:
— بالله عليكوا... متخرجوش في 

مصيبة جديدة. وانا قلبي مش مرتاح ولا مطمن حاسه المرة دي هخسر حد فيكم بجد 

فهد ابتسم.
— متقلقيش يا بنتي لا تقلقي يارورو

راوية ضحكت.
— أول ما تقولي "متقلقيش"... أعرف علي طول إن في مصيبة.
الجميع ضحك.

ريكـو قرب من الترابيزة.
شاف الملف.
ابتسم وقال:

— خلاص...يافهد معاكم في الليلة دي مش هسيبكم تروحوا لوحدكم

فهد ابتسم وقال ده عشمي فيك ياريكو كنت مستني منك ده انت عمرك مسيبتني في اشد حاجتي ليك

 ريكو قال ده كلام ياصاحبي انت اخويا اسيبك ازاي ياشق 

عمرو بقلق قال — جه وقت التنفيذ؟

فهد بصلهم وقال 
— جاهزين يارجاله للحرب؟

ريكو رد من غير تردد:
— من يوم ما حكيتلي كل الحقيقة.

— الحرب دي بقت حربي أنا كمان.

عمرو ابتسم.
— كنت عارف إنك هتقول كده.

فهد فتح الخريطة.
وأشار على نقطة بعيدة.

— المخزن هنا جاهزين

— منطقة صناعية قديمة برة القاهرة.

— مقفول من أكتر من تلاتين سنة.

ريكـو عقد حواجبه.
— وإحنا هنخش كده عادي؟

عمرو رد:
— لع في خطه.
— هندخل بعقل ياريكو

فهد قال بثبات:
— من النهارده...

— مفيش حد  فينا هيتحرك لوحده.

— أي خطوة...

— إحنا التلاتة سوا.

ريكـو مد إيده.
— على بركة الله.

عمرو حط إيده فوق إيده.

— مع بعض ياخوي

فهد حط إيده فوق إيديهم.
— واللي يبدأ الحرب...

لازم يكملها للآخر.
بعد ساعتين...

وصلت عربية سوداء قدام المخزن القديم.

المكان كان مهجور.

البوابات الحديد كلها صدى.

والشبابيك مكسورة.

الهواء بيصفر بين الجدران.

ريكو نزل من العربية.
بص حواليه.
— المكان يخوف.

عمرو بصله.
— علشان كده محدش بيقرب منه.

فهد طلع الورقة من الملف.
قارنها بالمكان.
— هو ده.

— مفيش شك.

فجأة...
سمعوا صوت عربية جاية بسرعة.

التلاتة استخبوا ورا سور متهدم.
العربية وقفت.

نزل منها أربعة رجالة.
كلهم لابسين أسود.

واحد منهم قال:
— فتشوا المخزن كويس.

— الباشا قال الملف لازم يختفي قبل ما يوصلوله.

فهد همس:
— يبقى إحنا سبقناهم.

عمرو مسك سلاحه.
— نشتبك؟

فهد هز رأسه.
— لأ.
— نستنى.

ريكـو ابتسم.
— أول مرة أشوفك هادي كده.

فهد رد وهو مركز بعينه على الرجالة:
— اللي بيستعجل...
بيخسر. لازم نكون ازكي منهم

بعد دقائق...

دخل الرجالة المخزن.

فهد أشار بإيده.
— يلا ياريكو انت وعمرو استعدو بدائو يتحركوا

دخلوا من باب جانبي مكسور.
المكان كله تراب.

وصناديق خشب قديمة في كل مكان 

وفجأة...

عمرو وقف.

— استنوا...

بصوا اهنا اكده

نور الكشاف وقع على الأرض.

كانت آثار أقدام جديدة.

ريكـو نزل على ركبته.
— لسه طازة.

— يعني في حد دخل قبلنا بدقايق.

فهد رفع سلاحه.
— خليكوا حذرين ممكن يكون فخ نلبس فيه

وفجأة...
سمعوا صوت صرخة قوية جاية من 

آخر المخزن.
التلاتة جريوا.

ولما وصلوا...

وقفوا مكانهم في صدمة.

كان في راجل كبير مربوط في كرسي.

وشه مليان دم.

وأول ما شاف فهد...
رفع راسه بصعوبة.

وقال بصوت متقطع:
— فهد...

أخيرًا... وصلت.
أنا...

كنت مستنيك من تلاتين سنة.

اتسعت عينا فهد.
— إنت تعرفني؟

الرجل ابتسم رغم ألمه.
— أعرفك...

أكتر مما تتخيل.
وقبل ما يكمل كلامه...

دوى صوت طلقة نار من أعلى المخزن.
واخترقت كتف الرجل.

صرخ ريكو:
— قناص اللي عامل كده بس هنلخقه خليك انتوعمرو مع الراجل ده اساعفوه وانا هلحقه 

عمرو رفع سلاحه ناحية السطح.

وفهد اندفع يحاول ينقذ الرجل.

لكن صوت الرجل خرج ضعيفًا وهو 

بيحاول يمسك إيد فهد:
— اهربوا...

هو... هنا...

هو بيراقبكم من أول ما دخلتوا...اهنا ياولدي

فهد قرب من الرجل بسرعة، وركع قدامه.
— مين هو؟... اتكلم!

الرجل كان بيتنفس بصعوبة، وشفايفه بتترعش.

— اسمعني... الوقت قليل...

عمرو بص للسقف بحذر.
— فهد... لازم نمشي من اهنا.

فهد هز راسه بعصبية.
— مش قبل ما أعرف الحقيقة.

ريكو وقف يراقب الممر الطويل.
— المكان مش طبيعي... حاسس إن حد بيتفرج علينا وبيرقبنا من بعيد 

الرجل ابتسم ابتسامة باهتة.
— إحساسك صح...
بعدين رفع عينه لفهد.
— أنت شبهه...

شبه أبوك... لدرجة تخوف.

فهد اتجمد.
— تعرف أبويا؟

الرجل أغمض عينه لحظة.
— كنت صاحبه...

وأقسمت له... لو جه اليوم ده... أوصلك للحقيقة.

عمرو قرب.
— يبچى قولها متشتتوناش كل شويه حد يظهّر يچول انه صاحب ابوي

الرجل بلع ريقه بصعوبة.
— أبوك... يوسف المنياوي...
ما ماتش...

وفهد قال بسرعة:
— عارف كل. ده مش جديد علينا 

— قول الجديد.

الرجل بص حواليه كأنه خايف.
وبعدين همس:
— هو...

كان سجين.

سكت الجميع.

ريكو قال بعدم تصديق:
— سجين ازاي يعني؟

الرجل هز راسه.
— سجين... لكن مش في سجن عادي.
— مكان محدش يعرفه.
— مكان بيختفي منه الناس.

فهد قبض على هدومه.
— مين اللي حبسه؟

الرجل حاول يتكلم.
لكن فجأة...

انطفت الأنوار بالكامل.
غرق المخزن في ظلام دامس.

راوية كانت كلمة الرجل الأخيرة ترن في ودان فهد.
"مكان... بيختفي منه الناس."

عمرو طلع كشاف صغير من جيبه.
نور خافت ملأ المكان.

لكن...

الكرسي اللي كان مربوط عليه الرجل...
بقى فاضي.

فهد شهق.
— مستحيل!

ريكو لف حوالين نفسه.
— راح فين؟!

عمرو قرب من الكرسي.
الحبال كانت مقطوعة.

وكأن حد فكها في ثوانٍ.
على الكرسي...

كان فيه ظرف أسود.

فهد فتحه بسرعة.

كان جواه ورقة واحدة.
مكتوب فيها:
"لو عايز تكمل الطريق...

ارجع للمكان اللي بدأت فيه الحكاية."

عمرو رفع عينه.
— يعني إيه اختفي في حقيقي موضحتش؟

ريكو قال وهو بيفكر:
— المكان اللي بدأت فيه الحكاية...
أكيد يقصد الصعيد.

فهد هز راسه ببطء.
— لا...

في مكان أقدم من الصعيد.

عمرو استغرب.
— فين ده؟

فهد بص للصورة القديمة اللي كانت في الملف.
وأشار بإصبعه على بيت قديم ظاهر في الخلفية.

— بيت أمي ليلى.

— هناك بدأت كل الأسرار.

في نفس اللحظة...

سمعوا صوت خطوات بطيئة.
حد بيقرب منهم.

الخطوات كانت ثابتة...
وهادية...

لحد ما وقفت.
رجعوا سمعوا صوت رجل بيقول:
— أخيرًا...

وصلتوا للمكان الصح.
استدار التلاتة بسرعة.
لكن ماكانش فيه حد.

بس كان فيه جهاز تسجيل صغير فوق 
صندوق خشب.

فهد ضغط زر التشغيل.

واشتغل تسجيل بصوت واضح:
"
يا فهد... لو بتسمع الرسالة دي، يبقى 

معناه إنك وصلت لنص الطريق... لكن اللي جاي أصعب بكتير. لو عايز تنقذ 

أبوك... ارجع لبيت ليلى القديم... وهناك 

هتعرف أول اسم في قائمة الخيانة."
انتهى التسجيل ساد الصمت.

عمرو بص لفهد.
— هنرجع.من غير الحقيقة؟

فهد قفل الملف بإيده.
وعينه مليانة إصرار.
— هنرجع...ياعمرو

ولو آخر يوم في عمرنا.
هنعرف الحقيقة مش هسكت لحد مانوصل لكل اللي عايزين. نوصله

ريكو ابتسم.
— يبقى من النهارده...
إحنا مش بندور على الحقيقة وبس...

إحنا رايحين نواجهها.

خرج التلاتة من المخزن.

لكن من فوق سطح المبنى...

كان شخص مجهول واقف يراقبهم.

ابتسم وهو بيقفل منظاره.
وقال بهدوء:
— ممتاز...

كل حاجة ماشية زي ما أنا مخطط.
بعدين أخرج صورة قديمة.
كانت تجمع...

يوسف المنياوي...
وليلى...
وحماد...

وشخص رابع، وجهه ممزق من الصورة.
نظر إليها طويلًا...
بعدين قال:
— جه وقت ترجع الذكريات...

وقبل ما يركب عربيته...
رن هاتفه.
رد بهدوء.

جاله صوت غامض يقول:
— هل فهد عرف الحقيقة؟

ابتسم الرجل وقال:
— لسه...

هو عرف اسم أبوه...
لكن لسه ميعرفش...

إن الخائن كان أقرب واحد لقلبه.

تعليقات