رواية فلتر زائف الفصل الثامن عشر 18 بقلم نرمين قدري


 رواية فلتر زائف الفصل الثامن عشر 

كان النجاح يطرق الأبواب بقوة.
و اسم "الساحرات الثلاثة" أصبح يتردد في كل مكان.
والأهم من النجاح نفسه...أن أيام العمل الطويلة جمعت القلوب أكثر مما جمعت المشاريع.
في إحدى الأمسيات...
كانت وسام تقف في شرفة الفيلا بعد انتهاء احتفال صغير بنجاح أحدث الحملات.
الهواء كان هادئ.
بينما كانت تحاول للمرة الأولى منذ شهور أن تأخذ استراحة حقيقية.فكان ضغط الشغل كثير عليهن 
سمعت خطوات خلفها.ولم تحتج للالتفات.فهي تعرف صاحبها.
وقف زين بجوارها للحظات دون أن يتكلم.ثم قال مبتسمًا:
- أول مرة أشوفك سايبة اللابتوب أكتر من عشر دقايق أيه اللي حصل خير.
ضحكت وسام بخفة و قالت : 
- مناسبة تاريخية فعلًا. بس انا بجد تعبت ومحتاجة افصل ،
بس كان لازم اضغط علي نفسي علشان أحفر اسمي وسط عمالقة التسويق اللي انا وسطهم والحمد لله قدرت اطلع اول السلم 
نظر إليها للحظة.و همس بحنان جعل قلبها يخفق بشده 
- علي فكرة أنا فخور بيكي.قوي بجد لمعت عيونك فكل مرة بتنجحي فيها بكون عاوز اقولك أن اهو وشايف نجاحك وتعبك شابف مجهودك واجتهادك 
رفعت عينيها نحوه.وتوقفت الكلمات داخلها.لأنها شعرت أنه لا يتحدث عن المشروع فقط.بل عن رحلتها كلها.
عن تعبها.وعن كل معركة خاضتها بصمت.

في الداخل...كانت ريهام تراقب المشهد من خلف الزجاج.
فضربت زينب في ذراعها.و قالت لها 
- بصي بسرعة تعالي .
التفتت زينب.
ثم اتسعت ابتسامتها.
- أخيرًا. جبل الجليد اتحرك 

-تفتكري حد فيهم هيعترف.بحبه للتاني 
قالت زينب وهي تعبث بخصلات شعرها:
- بصراحة... مش عارفة. الاتنين عنيدين بشكل يجنّن. بدل ما يقولوا كلمة حلوة، كل واحد فيهم بيرمي تلميحات ويمشي. متوقّعش اعتراف قريب.
ضحكت ريهام وهي تراقب المشهد من بعيد: وقالت 
- بس نظراتهم بتقول كلام أكتر من أي اعترافهم لبعض واظن أن كلنا ملاحظين ده .
في الخارج...
استمر الحديث بين زين ووسام.
تنقلا من العمل إلى الأحلام المؤجلة، ومن الذكريات القديمة إلى أشياء لم يتحدثا عنها من قبل.
وكانت الدقائق تمر دون أن يشعر أي منهما بالوقت.
أما وسام...
فكانت تشعر بأن قلبها يخون كل محاولاتها للتماسك.
كلما ابتسم زين، ازداد اضطرابها.
وكلما نظر إليها بتلك النظرة الهادئة، شعرت بأن نبضات قلبها تتسارع أكثر.
حتى خُيّل إليها أن خفقاته أصبحت مسموعة.
وأخذت تكرر داخلها:
اهدا بقااا كفايا انت حاسة أن قلبي هيقف من كتر الدق 
لكن قلبها لم يكن ينوي الاستماع.
أما زين...
فكان يشعر بشيء مختلف.
شيء دافئ لم يعرفه منذ سنوات طويلة.
راحة غريبة.
كأن وجودها بجواره يخفف عنه أعباءً لم يتحدث عنها لأحد.
نظر إليها للحظة أطول من المعتاد ثم قال بهدوء:
- تعرفي يا وسام... في ناس بنقابلهم بالصدفة، لكن بيبقوا قادرين يغيّروا أيام كاملة من غير ما يحسوا.
ارتبكت وسام من كلماته.
وحاولت إخفاء توترها بابتسامة صغيرة.
- وده مدح ولا مجرد ملاحظة؟
ابتسم زين وهو ينظر إليها مباشرة:
- اعتبريه حقيقة.
للحظة...
ساد الصمت بينهما.صمت قصير...
لكنه كان ممتلئًا بالمشاعر أكثر من أي حديث.
وفي حركة عفوية، تحركت يداهما فوق الطاولة في الوقت نفسه.
وتلامست أصابعهما للحظة خاطفة.
لحظة صغيرة...
لكنها كانت كافية لإشعال فوضى كاملة داخل قلبيهما.
شعرت وسام بحرارة تسري في وجنتيها.
واحمر وجهها بشدة.
أما زين فبقي ينظر إليها مبتسمًا دون أن يبعد عينيه.
ازدادت نبضات قلبها حتى ظنت أنها ستفضحها.
فنهضت بسرعة وهي تشير نحو المنزل:
- أظن... ريهام وزينب مستنينا.
ثم استدارت قبل أن يلاحظ ارتباكها أكثر.
لكنها سمعته يقول خلفها بصوت هادئ جعل قلبها يقفز مرة أخرى:
- وسام...
التفتت إليه.
فابتسم وقال:
- سعيد جدًا بالليلة دي.
ولم تعرف لماذا...
لكن تلك الجملة البسيطة أشعلت داخلها من المشاعر ما لم تستطع إخفاءه.
فابتسمت بخجل وهمست:
- وأنا كمان.
ومع مرور الأيام...
أصبح التقارب أوضح.
رسالة صباحية للاطمئنان.اتصال سريع بعد يوم عمل مرهق.و اجتماعات تتحول إلى أحاديث طويلة.
ونظرات أصبحت تفضحهما أكثر من الكلمات.
حتى بدأت العائلة والأصدقاء يلاحظون. ذلك وكل ذلك لم يعترف أحد للاخر بما يحمله من مشاعر اتجاه ولكن العاشق تفضحة عيونه 
وفي إحدى الليالي...
كانت الشركة تحتفل بتوقيع عقد ضخم.
وكان الجميع حاضرًا.موظفون.و عملاء. شخصيات إعلامية.وأصدقاء مقربون.
بينهم ريهام وزينب. ووسام.وزين.وهانى الذي كان مهتم بالبوفبة والأكل كالعاده 
مد زين يده نحو وسام وأمسك يدها برفق أمام الجميع.
ثم قال بهدوء:
- بعد إذنكم... محتاج أكلمها في موضوع مهم.
واختفى بها بعيدًا عن الأنظار.
نظر هاني إليهما وهو يلتهم إحدى السندوتشات وقال:
- أوعدنا يا رب.
قاطعتْه ريهام فورًا:
- قول يا رب الجبل ده أخيرًا يتحرك ويصارحها... وكفاية أكل بقى!
ثم أشارت إلى الطبق أمامه:
- وبعدين هو إيه؟! كل دي سندوتشات هياكلها ، بقولك ايه هات واحد انا جعت 
رفع هاني حاجبه معترضًا:
- يعني سايبة البوفيه الطويل العريض وجاية عاملة عقلك بعقل السندوتشات اللي معايا؟! وكمان عينك على واحد منهم؟! معندكوش أكل في بيتكم؟
انفجرت زينب ضاحكة بينما هزت ريهام رأسها بيأس.

وعند زين ابتعد بها عن صخب الحفل وأصوات الموسيقى والضحكات.ولأول مرة منذ أشهر...
وجدا نفسيهما وحدهما تمامًا.ساد الصمت بينهما.
ذلك الصمت الذي لا يكون فارغًا أبدًا...
بل ممتلئًا بكل الكلمات التي خافا من قولها.
كانت وسام تشعر أن قلبها فقد انتظامه تمامًا.

حتى خافت أن يسمع زين صوت خفقانه.
أما زين...
فكان ينظر إليها وكأنه يراها للمرة الأولى.
أو ربما...
للمرة الأولى يسمح لنفسه أن ينظر إليها كما يريد.
ابتسمت وسام بخجل وهي تحاول الهروب من نظراته.
- مالك بتبصلي كده؟
ضحك بخفوت.و قال هامسا :
+ بذمتك هو في جمال كده 
ثم وقف ورفع وجهها له وقال بهمس يكادو مسموع 
+ ب ح ب ك 
احمر وجه وسام وارتبكت 
لم تستطع الرد.
فاكتفت بهزة صغيرة من رأسها.
اقترب خطوة.
ثم قال بصوت دافئ:
+ كل مرة بقول لنفسي إني اتعودت عليكِ... أكتشف إني لسه بتوه فيكي من أول وجديد.
ارتجف قلبها.وشعرت بحرارة تسري في وجنتيها.
فأخفضت عينيها سريعًا.
لكن زين لم يبعد نظره.وكأنه كان يحفظ تفاصيل تلك اللحظة.تفاصيلها هي.
همست بخجل:
- زين... متبصليش كده.الناس حولينا و انا بتكسف بجد 
ابتسم وقال وهو يقترب منها ويحاول مسك يدها: 
- أعمل إيه؟ أنا بقالي شهور بحاول مبصش.بس مقدرتش بصراحة 
رفعت عينيها إليه.فتلاقت النظرات.
وللحظة...
اختفى كل شيء حولهما.الحفل.،الناس،.الأصوات، .الوقت نفسه.
ولم يبقَ سوى قلبين يعرفان الحقيقة ويحاولان الهروب منها.
شعرت وسام أن أنفاسها أصبحت أثقل.
وأن كل كلمة كانت تريد قولها تذوب قبل أن تصل إلى شفتيها.
أما زين...
فلم يعد قادرًا على الاحتمال أكثر.
وقال بصوت خرج محمّلًا بكل ما أخفاه طويلًا:
- تعبت من إني أتصرف وكأنك مجرد حد عادي في حياتي. انا بجد يا وسام عمري ما تعلقت بحد كده قبل كده عمر قلبي ما دق لحد انتي جيتي بشقاوتي وعنادك و عشوائيتك غيرتي كل القواعد شقلبتي حاله كله انا بجد يا وسام بحبك بحبك بحبك قوي 
اتسعت عيناها.وتسارعت نبضاتها أكثر.
فأكمل وهو يبتسم لها بعشق واضح:
- تعرفين انك شقلبتي حالي ببساطة أنتِي أول حد أفكر فيه الصبح..أو ما بصحي من النوم 
وآخر حد بيفضل في بالي قبل ما أنام. وده شعور جديد عليا ما كنتش اتخيل في يوم أن ده يحصلي انا كنت رافض الحب اصلا ما كنتش مؤمن بحاجة اسمها حب 
وجيتي انتي وبمنتهى السهولة كسرتي كل القواعد 
تعرفي يا وسام إنتي وأجمل صدفة حصلتلي من سنين.

شعرت وسام أن العالم كله يدور حولها. وأن قلبها يذوب من فرط السعادة.
فهمست بصوت مرتجف:
- زين...بس كفاية بجد قلبي مش مستحمل انا حاسة أن بحلم عمري ما تخيلت أن ححب حد قوي كده 
ابتسم وهو ينظر مباشرة إلى عينيها.
ثم قال أخيرًا:
- بحبك يا وسام.بحبك أكتر مما كنت متخيل.
وأكتر مما قدرت أخبي.
و اكتر من أي كلام ممكن أوصف بيه اللي جوايا....
ابتسمت وسام وسط خجلها وسعادتها.
وكانت نظرتها إليه كافية ليعرف أن قلبها كان يحبه منذ زمن طويل. 
ضحك زين علي شده خجلها وقال ؛
+ اللي يشوفك وانتي قلبتي فروله ما بشوفكيش وانتي عاوزه تجيبي رنا من شعرها
لكن في زاوية أخرى...كانت رنا تراقب كل شيء.
وعيناها تمتلئان بالحقد.لقد رأت ما يحدث.
ورأت كيف أصبحت وسام أقوى.وأكثر نجاحًا.
وأقرب إلى زين. وان زين يميل لها 
وأدركت شيئًا مهمًا.أنها لن تستطيع هزيمة وسام بالمواجهة المباشرة.
لذلك اختارت طريقًا آخر.طريقًا أكثر خبثًا.
على مدار أسابيع...
بدأت تنفذ خطتها بهدوء.تزرع أنصاف الحقائق.
وتحرف بعض الكلمات.وتستغل المواقف.
وتوهم الجميع بأنها تغيرت.
بل وأصبحت تساعد زين في بعض الملفات المهمة.
حتى كسبت ثقته المهنية تدريجيًا.
دون أن يلاحظ ما يحدث خلف الستار.ثم جاءت الضربة الأخيرة.
كانت رنا تعمل بصبر شديد. لم ترتكب خطأً واحدًا. ولم تترك أثرًا خلفها.
بل كانت تبني فخها قطعةً قطعة.
بدأت أولًا بالحصول على نسخ من بعض المراسلات الداخلية الخاصة بالشركة.
ثم حرصت على تسريب معلومات غير مكتملة في أماكن محددة.
معلومات صحيحة...لكنها ناقصة.
والحقيقة الناقصة أخطر أحيانًا من الكذب الكامل.
بعد ذلك...
بدأ بعض العملاء المهمين الذين كانوا يتعاملون مع شركة زين يتواصلون مع شركة "الساحرات الثلاث".
وكانت وسام ترفض استقبالهم أو التفاوض معهم.

لكن الغريب...
أن هؤلاء العملاء كانوا يتلقون بعد أيام عروض أسعار ومقترحات تفصيلية مطابقة تقريبًا للمشروعات التي يناقشونها مع شركة زين.
وكأن أحدًا ينقل المعلومات من الداخل.
ثم ظهرت رسائل بريد إلكتروني. رسائل مرسلة من حساب وسام.
تحتوي على تفاصيل دقيقة تخص أحد أكبر المشروعات الجديدة.
وتم إرسالها إلى شركة منافسة خارجية.
الرسائل بدت حقيقية تمامًا.التوقيت كان صحيح.
والتوقيع الإلكتروني صحيح.
وحتى عنوان الجهاز المستخدم كان مطابقًا لجهازها.
ولم يكن أحد يعلم أن رنا استعانت بخبير تقني لتجهيز كل شيء مسبقًا.
لكن ذلك لم يكن كافيًا. لذلك جاءت الضربة الأقوى.
خلال اجتماع مجلس الإدارة...
ظهر تقرير مالي سري.
التقرير يثبت أن شركة الساحرات الثلاث كانت تستعد لتقديم عرض منافس لنفس المشروع قبل إعلان المناقصة رسميًا.
أي أنها كانت تعرف التفاصيل قبل الجميع.
والأخطر...
أن النسخة الأصلية من المشروع وُجدت محفوظة داخل مجلد إلكتروني يحمل اسم وسام.
هنا بدأ الشك يتحول إلى اتهام.ثم جاءت الكارثة الأخيرة.
أحد العملاء الكبار أعلن فجأة فسخ تعاقده مع شركة زين.
وأمام الجميع أخرج مراسلات تؤكد أن فريق وسام تواصل معه قبل أسابيع وعرض عليه شروطًا أفضل.
ورغم أن الرسائل كانت مزورة بالكامل...
فإن الأرقام والتواريخ والمرفقات كانت صحيحة بصورة مرعبة.
حتى زينب نفسها لم تستطع تفسير ما يحدث.
أما ريهام...
فبدأت تشعر أن هناك شيئًا غير منطقي. لكنها لم تملك دليلًا واحدًا.
كانت كل الأوراق ضد وسام.كل الرسائل ضدها.كل التقارير ضدها. كل الوقائع تشير إليها.
بل إن بعض الموظفين شهدوا أنهم رأوها أكثر من مرة تراجع ملفات المشروع بنفسها.
وهو أمر طبيعي بحكم عملها...لكنه تحول فجأة إلى دليل إدانة.
أما زين...
فكان يقف وسط الحطام. مشروع ضخم مهدد بالضياع.
عملاء يغادرون.
وسمعته المهنية تتعرض لهزة عنيفة.
وفي كل مرة ينظر إلى الأدلة...كان يجد اسمًا واحدًا يتكرر أمامه.
وسام.
المرأة التي وثق بها أكثر من أي شخص آخر.
والمرأة نفسها التي أصبحت كل المستندات تؤكد أنها خانت تلك الثقة.
حاولت وسام أن تشرح.أن تدافع.أن تطلب فرصة واحدة فقط.
لكن الغضب والخذلان كانا أقوى من أن يسمحا له بالاستماع.
ولأول مرة منذ عرفها...نظر إليها زين وكأنها شخص غريب تمامًا.
أما رنا...
فكانت تراقب المشهد من بعيد.
وتبتسم.
لأن خطتها لم تجعل زين يشك في وسام فقط...
بل جعلته يعتقد أن الدليل على خيانتها موجود أمام عينيه. 
حاولت وسام تبرير ما يحدث ولكن 
زين لم يمنحها فرصة للدفاع عن نفسها. لكثرة غضبه منها واهتزاز اسمة في السوق كل ما يدور في عقله عنها استغلت مشاعره اتجاها لصالحها 
وتحولت المسافة الصغيرة بينهما إلى جدار من الصمت.
حاولت ريهام فهم ما يحدث.وحاولت زينب الإصلاح.و حاولت زينت أيضا توضح لاخوها أن وسام رفضت أكثر من عميل ولكن الأمور كانت تتعقد أكثر. كانت الاوراق محكمة وكلها تدين وسام بشده 
وفي الخلف...كانت رنا تبتسم.لأن خطتها تسير كما تريد.
ثم جاء الحفل السنوي الكبير للشركة.
الحفل الذي حضره الجميع.
وكانت وسام موجودة رغم الألم الذي تحمله.
تحاول أن تبدو قوية.
ومتماسكة.وكأن شيئًا لم يحدث.
وفجأة...
صعد زين إلى المنصة.وطلب من الجميع الانتباه.
ساد الصمت.ونظرت وسام نحوه باستغراب.
كما فعل الجميع.
ثم قال:
- عندي إعلان شخصي مهم.
ارتبك الحضور.
وتبادلت النظرات.
أما قلب وسام...فبدأ ينبض بعنف دون أن تعرف السبب.
وفي تلك اللحظة...
تقدمت رنا إلى جواره.وسط دهشة الجميع ثم أخرج زين علبة صغيرة.وبصوت ثابت قال:
- أتمنى تقبلي.ان تكوني شريكة حياتي 

تعليقات