رواية الجريمة الكاملة الفصل الأول بقلم حمدي المغازي
هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية.
القتل أبشع جريمة ممكن يرتكبها الإنسان في حق غيره، لأنه مش بس بياخد روح اللي قتله.. لأ، ده كمان بياخد معاه أرواح كل اللي بيحبوه، بياخد ضحكة أم كانت مستنية ابنها يرجع لها آخر اليوم، وبيسرق سند أب كان شايف في ابنه ظهره اللي متسند عليه، وبيكسر قلب حبيبة كانت حالمة بحياة كاملة معاه، القاتل يمكن يفتكر إنه خلص من شخص واحد.. لكن الحقيقة إنه خلّف وراه قلوب كتير مكسورة، وبيوت اتطفى فيها النور، وذكريات بقت وجع بدل ما تكون حياة، والتاريخ نفسه بيشهد إن أول جريمة قتل في تاريخ البشرية كانت بين أخ وأخوه، لما قتل قابيل أخوه هابيل بدون شفقة أو رحمة، ومن يومها والدم اللي اتسفك فضل شاهد إن الجريمة دي مش بس بتقتل إنسان.. دي بتقتل حياة لأسرة كاملة.. وجريمة النهاردة بشعة وبشاعتها مش في طريقة القتل لأ ولا حتى الطريق اللي القاتل نفذ بها جريمته، بشاعتها يا عزيزي في الفكر الشيطاني والتخطيط الثعباني اللي اتزرعوا جواه من وهو في حضن أمه اللي كان كل حلمها انها تجيب ابن تتسند عليه ويحتويها لما تكبر، لكنه كان العكس وخيب توقعاتها لانه كان الشوكة اللي هتعجزها بدري. كوباية الشي التقيل بتاعتك ويلا بينا نبدأ الحلقة.
****
كنت قاعد في مكتبي براجع شوية اوراق وده لما جالي بلاغ عن جريمة قتل:
-ايوة؟
-ازي حضرتك يا يونس باشا، واحشني والله.
-ايه الأخبار يا كمال؟
-قضية جديدة سعادتك.
-قتل برده؟
-هنعمل ايه بس ياباشا، الناس بقوا عاملين زي الحيوانات بياكلوا في بعض، لكن طول ما احنا موجودين هنقدر نرجع الحق لأصحابه.. واخرة كل قاتل هتكون المشنقة لعل الناس تتعظ.
-قولي فين العنوان؟ وزيادة تأكيد ابعتلي اللوكيشن.
-اعتبره حصل يا باشا.
وبعد ما خدت منه العنوان، مفيش دقايق ولقيته باعت اللوكيشن على الواتساب، ولسوء الحظ المكان بعيد وهاخد وقت في الطريق لحد ما أوصل، سحبت مفاتيح عربيتي من على المكتب وخرجت على طول، وعلى قد ما أقدر اختصرت الطريق لحد ما طلعت على الصحراوي ووصلت، المكان عبارة عن أربع طرق للنقل التقيل ومتحاوط بالصحراء، ومفيش غير بنزينة قريبة وعربيات الشرطة والاسعاف، مشيت لقدام خطوتين لحد ما لمحت حد من بعيد جاي ناحيتي.. والشخص ده كان كمال، أتكلم وقال:
-حمدالله على السلامة يا فندم.
-الله يسلمك يا كمال، قولي عندنا ايه النهاردة.
-من كام ساعة جالنا بلاغ عن وجود جثة مرمية على جنب الطريق، اتحركنا على طول للمكان ولما وصلنا لقينا الجثة متحللة وملفوفة في سجادة.
-طب حد شاف حاجة؟
-في واحد معدّي بالصدفة هو اللي بلغ.. ومتحفظ عليه جنب البوكس.
-كويس.. خلّيه موجود علشان اسمع أقواله.. قولي فين الجثة؟
-شاور بأيديه ناحية عربية الإسعاف وقال:
-هناك ياباشا.
اتحركت معاه، وكل ما بقرب خطوة ريحة العفن بتزيد، لحد ما بقيت قدامها.. الجثة، بصيت بهدوء أتأكدت إنها كانت في بداية التحلل وقدرت أحدد بالتقريب ان المجني عليه في التلاتينات، نزلت بركبتي على الأرض لمحت دم متجلط في منطقة الرأس ناتج عن اصطدام بآلة حادة، رفعت وشي ناحية كمال وقولت:
-واضح إن الضربة جات في الرأس مباشرةً، وغالبًا كانت السبب في الوفاة.
-يعني كده احنا قدام جريمة قتل؟
-بديهي يا كمال.. إيه اللي هيجيب جثة للمكان ده غير إن صاحبها اتقتل، واللي عمل كده حاول يتخلص منها هنا.
-معاك حق يا فندم.
-لقيتوه معاه حاجة تعرفنا هو مين؟
-للأسف يا باشا لا تليفون ولا حتى البطاقة.
خدت نفس عميق وقولت:
-القاتل بيحاول يعطلنا، لكن كل حاجة هتبان.
قومت وطلبت منه يبلغ الطب الشرعي وفرق الأدلة الجنائية، وبعدها روحت للشخص اللي بلّغ، كان باين عليه الخوف من تعابير وشه، خدت كام خطوة ناحيته وسألته بهدوء علشان أخف الضغط من عليه:
-اسمك وسنك؟
بلع ريقة وخرج الكلام منه بالعافية:
-جمعة البمبي، ٥٥ سنة.
-قولي يا حاج جمعة اكتشفت الجريمة ازاي؟
-أنا كنت ماشي بالموتوسيكل بتاعي رايح شغلي، خدت بالي من سجادة مرمية على جنب، ومع ريحة العفن اللي كانت جايبه لآخر الطريق قلقت واضطريت أنزل أشوف بنفسي واكتشف وجود جثة بني آدم، مابقتش عارف اعمل ايه سعادتك، ركبي سابت واعصابي شدّت، خوفت واترددت كتير إني أبلغ لحسن أدخل في سين وجيم وأنا راجل غلبان ومليش حد، لكن قلبي مطاوعنيش وبلغت.. ده كل اللي حصل.
-انتَ شغال ايه؟
-عتال يابيه.. شغلي في النواحي دي.
-متعرفش مين الشخص ده؟
-تلاتة بالله العظيم يابيه أنا أول مرّة اشوفه.
-تمام، شايف العسكري اللي هناك ده؟
-عدم اللمؤخذة انهو واحد؟
شاورت له عليه وقولت:
-هتسيب له بياناتك، وهتفضل معانا شوية يمكن نحتاجك تاني.
-خدام سعادتك، أنا من إيدك دي لايدك دي، واللي تؤمر بيه أنا هعمله.
سبته ومشيت ناحية البنزينة، هناك كان كام عامل واقفين بيتكلموا سوا، لكن اللي لفت نظري إن في واحد واخد جنب وقاعد لوحده، روحت ناحيته وقلت:
-اسمك ايه يا بني؟
رفع عينه ليّ بتوتر وقال:
-محمود.. يا فندم.
-محمود ايه؟
-محمود عبد التواب.
-بتشتغل هنا بقالك قد إيه؟
-حوالي سنتين.
-طيب يا محمود، مشوفتش حاجة غريبة اليومين اللي فاته؟
-حاجة غريبة زي ايه يا فندم؟
-حد بيتردد على المكان بقاله فترة؟ عربية راكنه جنبكم هنا وصاحبها خد وقت؟
سكت شوية وبعدين قال:
-ايوة أيوة افتكرت، من خمس أيام كان في عربية سودا واقفة قدام ما طرح ما سعادتك جيت، نزل منها اتنين وفضلوا واقفين هناك معرفش قد ايه.
-والاتنين دول كانوا بيعملوا ايه؟
-الصراحة ما شوفتش، لأني كنت طالع اشرب سيجارة ورجعت على طول.
-امممم، ما دخلوش البنزينة هنا؟
-لأ يا فندم.
-طب ما لمحتش نمر العربية؟
-الدنيا كانت ضلمة، أنا يدوب لمحتهم، ووقفتهم هي اللي خلتني ركزت معاهم شوية، لكن قولت يمكن نازلين يفكوا زنقة ولا حاجة ومحطتش في بالي.. لكن خير يا فندم هما عملوا حاجة؟
-بعدين بعدين.. قولي، أنت لو شوفت العربية تعرفها؟
سكت لثواني وقال:
-مافتكرش، لكن ليه؟
بصيت له لحظة وقلت:
-طيب يا محمود.. فين الأوضة اللي فيها كاميرات البنزينة؟
-جوه يا فندم.. جنب المكتب.
-طب يلا ورّيني.
مشي محمود بسرعة واتحرك قدامي، عدّينا جنب الطلمبات ودخلنا ممر ضيق لحد ما وقف قدام باب خشب صغير.
فتح الباب وقال:
-الكاميرات كلها بتتسجل هنا يا فندم.
دخلت الأوضة، كانت صغيرة وفيها مكتب قديم، وفوقه شاشة موصلة بجهاز التسجيل.. بصيت له وقولت:
-امتى اليوم اللي شوفت فيه العربية والساعة كام؟
-من خمس ايام، يعني السبت اللي فات، لكن مش متذكر الوقت بالظبط.
بدأ محمود يرجّع التسجيل، والشاشة بتعرض الطريق قدام البنزينة في هدوء، عدّت دقايق واحنا مركزين مع كل عربية بتظهر وتعدّي.
-استنى، رجع تاني هنا.
محمود رجّع التسجيل شوية، لكن بعد ما دققنا كويس ما ظهرش أي عربية واقفة في المكان اللي محمود قال عليه، يعني كده العربية معدتش من قدام البنزينة، وللأسف النمر مكانتش باينه من الكاميرا دي بسبب الضلمة، خرجت من الأوضة كلمت كمال وطلبت منه يراجعلي كل الكاميرات اللي على الطرق واديته المعاد.. وكمان يكشفلي عن كل بلاغات الغياب في الفترة الأخيرة علشان نقدر نحدد هوية المجني عليه ونضيق دايرة الشبهات.
بعدها رجعت تاني لمسرح الجريمة، كان دكتور فريد ولبنى وصلوا ولاحظت انهم على وشك ينتهوا من مهمتهم، قربت من دكتور فريد وقولت:
