رواية علي راحتي الفصل الأول بقلم اية شاكر
ـ إيه ده إنت أعمـ.ـى مش شايف قدامك!؟ كنت هتدوس البنت! ولا عشان راكب عربية تمشي بقا تدوس على خلق الله.
نزل شاب من عربيته والصدمه ظاهره على ملامحه... مردش عليا يمكن خاف من طريقتي وانفعالي عليه.
وعنده حق برده؛ بنت زي القمر زيي...
واقفه تزعق لشاب في الشارع... آه ما أنا بسكوته بس تعـ...ورك عادي.
وكان معايا كامل الحق إني أنفعل أولًا: لأني مبغلطش ثانيًا: لأن البني آدم ده كان هيدوس طفله من أهل بلدي بعربيته لولا ستر ربنا ثم إني جريت سحبت البنت من قدام العربية بسرعه قبل ما تصدمها.
الطفلة حضنتني بخوف وعيطت في حضني لحد ما شافت أهلها وجريت عليهم ووقفت أنا أكمل الخنـ.ـاقة... لأن عمري ما بدأت حاجه ومكملتهاش.
بصيت للشاب اللي لسه ساكت وزعقت:
- إنت إيه؟ ماشي كده وخلاص! مش تاخد بالك!
مردش عليا فانفعلت أكتر:
ـ إيه؟ مبتردش ليه؟ أعمى وأطـ.ـرش كمان ولا إيه!
رد بانفعال:
ـ في إيه؟ إنتي بتتكلمي كدا ليه! احترمي نفسك أحسنلك.
رفعت حاجبي وقلت بانفعال أشد:
ـ أنا محترمه غصب عنك... أنا أصلًا مش بكره في حياتي إلا الدقِيِنه.
ـ إلا إيه ياختي؟
ـ الدقِيِنه اللي زيك... اللي عاملين فيها شيوخ وفاكرين إن ناقصلهم جناحين عشان بيبقوا ملايكه وهما مايه من تحت تبن.
حرك ايده وهو ضاغط على أسنانه وشكله بيحاول يتحكم في أعصابه، وقال:
ـ يابنتي احترمي نفسك.. والله هعلي صوتي عليكي!
ـ ومالو وريني هتعلي صوتك ازاي! ما إنت من الدقينه اللي ملهومش قدره بقا.
في اللحظة دي اتدخل والده اللي واقف جنبه بيبصلي شويه ويبصله شويه:
ـ خلاص يا عمار... خلاص يا بنتي، الحمد لله الطفله كويسه ومحصلهاش حاجه، ملهاش لزمه الكلام ده.
وجهت الكلام لوالده باحترام، لأنه راجل ظاهر عليه الإحترام:
ـ طيب وبالنسبه للخضه دي مش المفروض ناخد عليها تعويض منه يا عمو؟!
زفر الشاب ضحكه ساخرة وقال:
ـ قولي بقا إنك عايزه فلوس... إيه ده؟ إنسانه مش طبيعيه بجد.
شوحت بايدي وأنا بقول بصوت واطي لكن وصله:
ـ يا عم روح يعني إنت اللي شكلك طبيعي! ما تشوف ابنك يا عم الحاج هو بيتكلم كدا ليه ده!
قولت أخر جمله وأنا بضـ.ـرب كف بكف بسخربة، فرد الشاب بانفعال:
ـ إنتي مش ممكن تكوني بنت طبيعية! أنا مشوفتش كده!
طبطب والده على كتفه وهو بيقول:
- خلاص يا عمار عيب كده.
- أنا اللي عيب كده! حضرتك مش شايف وسامع طريقتها يا بابا؟
قالها وهو بيبص لوالده، فشوحت بإيدي مره تانيه.
ديرت ظهري وروحت ناحية أهل الطفلة وأنا بقول:
ـ يا عم روح الله يسهلك.
شكرني والد الطفلة واللي نرڤزني إنه شكر الشاب لأنه اعتذرلهم بلطف مش لايق عليه وأكدلهم إن الطفله اللي ظهرت قدامه فجأة...
ورجع ركب عربيته بعد ما رماني بنظرة معرفتش أفسرها يمكن غضب، أو حِده أو ممكن مستغرب من طريقتي اللي أنا نفسي مش فاهماها...
كل اللي يعرفني بيقول إني جريئة.. هو عشان بعرف آخد حقي كويس جدًا من غير ما أتحرج أبقى جريئة؟!
مش بحب أتكلم عن نفسي لكن للضرورة أحكام ومضطره أعرفكم بنفسي؛ أنا «سهيلة» طالبه في تالته كلية تربية، بنت حلوه مش بسعى للفت الأنظار لكن حضوري دائمًا ملفت، خفيفة الظل ومليانه طاقة إيجابية وجريئة ونحط مليون خط تحت جريئة عشان نتناقش فيها بعدين.
محجبه بس يادوب الحجاب مغطي شعري.. ولبسي ممكن ميعجبكوش زي ما هو مش عاجب أهلي بس أنا بحاول ألبس واسع... وبعدين على راحتي محدش ليه دعوه بيا...
بحط ميكب خفيف ومع إني مش محتاجه بس مبقتش أقدر على بُعده... وهنا بتكلم عن الميكب هو أنا ليا غيره!
شخصيتي حالمه شويه بحب قصص الحب والرومانسية ونفسي أعيش قصة حب بس غصـ.ـب عني جوايا جعفر بيطلع كل ما أضطر أتعامل مع أي شاب! وعندي وش خشب يكرّه أي شاب فيا وفي أي حد ليه علاقه بيا...
- شكرًا يا أستاذ.. نورتنا والله، شكرًا.
دا كان صوت والد الطفله وهو بيشاور للشاب وهو ماشي بعربيته وبيشاور لأهل الطفله وبيلقي السلام وهما بيردوا عليه بامتنان وكأنه عملهم معروف!
استفزوني ولما شكروني مره تانيه، وكمان عاتبوني عشان اتعصبت على اللي اسمه «عمار» ده، اتنرڤزت عليهم:
- طيب تصدقوا أنا غلطانه... الحق عليا كنت بحاول أجيب حق بنتكوا وانتوا ولا على بالكم!
ومشيت وأنا بضرب كف بكف وبقول:
- مش عارفه والله الناس حصلها ايه!
دخلت للقرية بتاعتي وأنا لسه بستوعب اللي عملته من شويه.. ولسه المشهد بيدور في راسي؛ الطفله، صوت الفرامل، وملامح الشاب، ولحيته الي لونها غريب، مش عارفه هو محنيها هي وشعره ولا إيه!
- شاب غريب جدًا.
وافتكرت سخريته مني... وطريقة كلامي معاه ولساني الطويل اللي عايز قصه زي ما بيقولوا!
وقفت قدام مكتبه صغيره على ناصية شارعنا ودخلت أشتري كشكول وأقلام..
وقفت للحظه قدام الرفوف بتظاهر بالبحث عن كشكول مناسب لكن عقلي كان أسـ.ـير الموقف اللي حصل ولسه مشغول بـ عمار... مسكت القلم وكلمت نفسي بصوت:
- ياربي! وأنا كان مالي! ليه عملت كده؟ بس هو مستفز برده!
- اسم الله عليك يا سهيله بتكلمي نفسك يا حبيبتي.
قالتها صاحبة المكتبه، فاتعصبت:
- وإنتي مالك يا ستي خليكي في حالك؟ والله ما أنا شاريه... امسكي.
واديتها القلم وخرجت أنفخ بضيق.. وأنا بكلم نفسي:
- كان بيقولي احترمي نفسك... والمفروض كنت قولتله نفسي وأنا حره فيها أحترمها ولا أقل أدبي عليها إنت مالك! إنسان مستفز.
وهزيت راسي بابتسامة ساخرة وأنا بكمل كلام:
- تلاقيه متضايق عشان بنت زعقتله في الشارع... طيب دا أنا المفروض كنت ضـ.ـربته كمان.
مشيت خطوتين واللي حصل بيدور في رأسي لحد ما سمعت صوت ست من بلدنا:
ـ ماشيه على الأرض ولا في السماء... إيه الجمال ده كله يا سهيله.
ابتسمت لها بمجامله وبعد مشيت همست:
ـ يا ستي الله يسهلك، عينكم دي اللي جيبانا الأرض.
قابلني عربية بحصان خارجه من الشارع ولأن الشارع ضيق كنت هدخل فيها، فهمست:
ـ يا عم ركز إنت وحصانك.. هتدخل فيا!
وقف أخويا الصغير "تميم" بالعجله بتاعته قصادي وهو بيقول:
ـ اركبي يا سهيله بدل ما تمشي.
ـ قال يعني هتركبني مرسيدس! شكرًا ياخويا اتكل على الله.
ومشي وضحكته بترن...
أخويا دا غلطة العيله زي ما بيقولوا.. لأن أمي مكنتش عايزه تخلف تاني بعدي أنا وسَليم أخويا الكبير.. بس تميم جه الدنيا...
رفعت راسي وتأملت السماء اللي كانت رماديه والشارع بقى شبه خالي من الناس والأعمده اللي بدأت تنور بمصابيحها الصغيره الصفراء...
ولما وصلت قدام البيت كان فيه مفاجأة منتظراني دا ولا في الأحلام، ولا في الأفلام، رددت:
- يا سنه سوخه يا ولاه.
اتسمرت مكاني مصدومه للحظه...
وبدأت ألف حوالين العربية؛ نفس العربية السوده بنفس الرقم واقفه قدام البيت، فضحكت ببلاهة وأنا بقول:
- يا ليله بلون عربيتك!
وبصيت للسماء:
- يارب ما يطلع اللي في بالي...
وشاورت لأخويا اللي بيلعب مع أصحابه في الشارع:
- تميم تعالى... العربيه دي بتاعت ضيوف الجيران... صح؟
- لا دي بتاعت ابن عمو سامي صاحب بابا من زمان، جه يزورنا... شوفي ابنه اداني ميه جنيه.
وخرج مئة جنيه من جيبه يفرحني عليها وهو فرحان..
تجاهلته، وقولت وأنا بشاور على دقني:
- ابنه ده دقِيِن؟
- أيوه. بس شاب قمر وملون وشكله مؤدب ود*مه خفيف.
سقفت بايدي ولحنت وأنا بضحك ببلاهة:
- يا صلاة العيد، يا صلاة العيد، يا صلاة العيد.
فتحت باب البيت بهدوء عشان أدخل أوضتي من غير ما حد يشوفني لكن قفشتني أمي:
- كويس إنك جيتي يا سيلا... يلا يا تشيلي العصير يا الفاكهه، تختاري ايه؟
ضحكت:
- لا مش هينفع والله... وأختار إني أغير هدومي، ما هو مش منطقي يعني آجي من الكليه كده أشتغل يا ست البيت يا كُمل.
وقبل ما أحاول أفلت من أمي كان صوت بابا بيرن في ودني:
- تعالي يا سيلا عمك سامي عاوز يسلم عليكي.
لحنت بهمس:
- يا صلاة العيد، يا صلاة العيد.
والتفت لوالدي ببطء وأنا بقول بابتسامة مش عارفه أمنعها:
- مش هينفع يا بابا، أولًا أنا تعبانه ثانيًا بطلت أسلم على رجاله... وإنت عارفني قراراتي مبتنزلش الأرض أبــــدااا.
- سهيله!!
قالها والدي وهو بيجز على سنانه ومبرق عينه، فقلت:
- لا لا متبرقش.. في داهيه أنا وقراراتي، ما هو مش منطقي برده القرار ده، وكله الا بر الوالدين...
والتفت لأمي أقول:
- هاتي يا أمي أشيل أنا الفاكهه عشان لو ايدي ارتعشت متتكبش ويبقى شكلكوا وحش.
كنت محرجه جدًا... وأعصابي بتترعش ودقات قلبي بتتصارع جوه.
دخل والدي وبعده دخلت أمي وأنا واقفه قدام الباب واللي إسمه «عمار» ده قاعد قصادي...
كنت شيفاه وماما بتديله العصير وأخده منها بابتسامه مهذبة وهو بيبص ناحية الباب فلمحني ولمحته، وبصلي وبصيتله... اختفت ابتسامته وارتعشت شفايفي بابتسامة مرتبكه...
واتفاجئت لما جه يحط العصير على الترابيزة فوقع من إيده كوباية العصير واتكب على السجاده، حاولت أمنع ضحكتي اللي صممت تفضـ.ـحني وتخرج بس مسكت نفسي بسرعه ودخلت للأوضه وأنا شايله صنيه الفاكهه وكلي ثقه في نفسي... أصلًا المفروض هو اللي يكون مكسوف لأنه أولًا في بيتي ثانيًا كب على نفسه العصير زي العيال الصغيرة...
وتقدمت خطوه وعقلي مشغول باللي حصل وبحاول أمنع ضحكتي على ارتباكه بعد ما وقع العصير على هدومه..
وأثناء ما والدي بيساعد «عمار» يمسح هدومه ووالدتي بتشيل الكوبايه من على الأرض..
تقدمت كمان خطوه ومأخدتش باللي من عتبة الباب مع إني بدخل الأوضه دي كل يوم...
ووقعت أنا والصينية على الأرض..
شهقت أمي بصدمة عشان الأطباق كانت من النيش..
بصيت لأمي وعاتبتها:
- ليه يا ماما ليه يا حبيبتي كده؟ ما إحنا عندنا صنيه ألمونيا مش بتتكسر وأطباق ألمونيا. لزمتها ايه نطلع حاجات النيش دي! أهي اتكسـ.ـرت.
وفي ظل الجو المُربك ده وكله بيبصلي، قمت من على الأرض وبصيت لوالد عمار وقلت:
- ازيك يا عمو سامي، حضرتك منورنا والله.
قربت منه ومديت إيدي سلمت عليه بحراره وأنا بقول:
- مع إني مش بسلم على رجاله بس حضرتك مش منهم طبعًا.
انتبهت للي قولته وبدأت أوضح قصدي وأنا بقول بضحك على الموقف وعلى العك اللي بقوله:
- وطبعًا مش قصدي إنك مش راجل... أكيد حضرتك فاهم قصدي.
