رواية النغم الحزين الفصل الثاني والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كانت العتمة بدأت ترخي سدولها على النجع، وجوه الدوار، كان "نغم" و "سند" قاعدين قدام التلفزيون بيتفرجوا على مسرحية مدرسة المشاغبين وبيضحكوا جامد هما الاتنين وكان "سند" أول مرة يشوفها بالرغم من إنها مشهورة جداً، إلا إنه من صغره مش متعود قوي على فرجة التلفزيون مش من هواياته أصلاً نادراً ما لما كان بيسمعه،
في اللحظة الدافية دي، قطع حبل كلامهم بصوت خبط على الباب، وما كانتش غير "رابحة" اللي دخلت لهم مكانهم بعد ما فتحت لها "جليلة" من غير ما تستنى إذن كعادتها، وعيونها هتتطاير بشر وحقد مالي المكان، اتراجعت "نغم" خطوة لورا بحشمة ورزانة، واتغيرت ملامحها شوية بس فضلت هادية ومحافظة على وقارها وعزة نفسها قدام "رابحة" وحاولت تتجنب الخوف اللي دايماً بتحس بيه في وجودها على قد ما تقدر، والتفت "سند" لوالدته وحافظ على ثبات ملامحه الرزينة واحترامه الكامل ليها وقال بترحيب هادئ يليق بمقامه:
ـ يا مرحب بيكِ يا حاجة، خطوة عزيزة، نورتِ الدنيا كلاتها يا ست الكل.
ما التفتتش "رابحة" لترحيب ابنها، بل وجهت نظراتها الحادة كيف النصال ناحية "نغم"، وكانت عيونها هتنطق بتشفي كبير وهي هتبص لبطن "نغم" بنظرة غل وحقد، والتفتت لـ "سند" وقالت بنبرة عالية فيها كبرياء مصطنع وفخر زايف:
ـ جاية لك يا ولدي ، ورايداك في أمر مهم ويهمني، رايداك تجهز حالك وتلم كبارات العيلة علشان بكرة العصرية طوالي عاد بمشيئة الرحمن، هنروح نخطب لـ "سمير" أخوك زينة بنات الصعيد كلاتها، البنتة الشقرا اللي عينها خضرا، ست الحسن والجمال اللي النجع الغربي كلاته عيتحدت عن جمالها وأصلها وفصلها وعلامها.
"سند" حافظ على هدوء ملامحه ورزانته الطاغية، وما ظهرتش عليه علامات المفاجأة خالص، ورجع بضهره لورا وسند على مقعده الخشبي، وسأل أمه بصوت متزن يدل على حكمة ورزانة شديدة:
ـ صُح ياما؟ والله دي خبر زين يفرّح القلب، "سمير" أخوي من حقه يشوف حاله ويعمر داره بالحلال، وطالما هو عاد ناوي على الاستقرار والخير، أني هفرح له من كل قلبي ويكون دارنا عامر دايماً بالخطوات الزينة، لكن قولي لي ياما، مين البنتة داي؟ ومن أنهي عيلة في البلاد؟
قربت "رابحة" ناحية وشه، ورفعت راسها لفوق وهي بتبص لـ "نغم" بطرف عينها بتشفي واضح وغل، قاصدة تسمعها كل كلمة بحروف من سم وتجرح كرامتها، وقالت بنبرة مليانة كيد وتفاخر:
ـ البنتة من نجع "الشوربجي" يا "سند"، بت الأصول والجاه، عيلتها ناس كبارات ومأصلين في البلد، مالهم يغطي عين الشمس، وناس أسياد وليهم كلمة مسموعة في كل شبر وصوب، ناس مأصلين وأغنيا ومعروفين للجميع، مش مقطوعين من شجرة ولا لاجئين حدا حد! عيلة تشرف الصغير قبل الكبير، وخطوبتهم لـ "سمير" هتكون هزة للبلد كلاتها ورفع راس لدارنا.
"نغم"، في اللحظة دي، كانت حاسة برغبة عارمة في الضحك؛ الفرحة اللي اجتاحت جوارحها وقلبها ما كانتش سايعاها وعايزة تطلع من ضلوعها! أخيراً، الكابوس ده المسمى "سمير" هيبعد عنها تماماً ونهائي، وهيرتبط بست تانية ويخرج من حياتها ومن عقلها الباطن اللي دايماً رافضه وعاش في رعب بسببه، ما حسيتش في الوقت ده غير إن الخبر ده نجدة من عند ربنا ليها، حست بحرية تامة وراحة بال كأن جبل انزاح عن صدرها، وحرصت تبين فرحتها الصادقة قدام حماتها وتبارك من كل قلبها علشان تبين لها إنها مبسوطة، وكمان علشان تدعي إنه يتجوز وتخلص منه نهائي من غير ما تنطق اسمه، فتقدمت "نغم" خطوة برزانة، وقالت بوجه مستبشر ونبرة هادية خالية من أي خبث أو مواربة:
ـ ألف مليون مبروك يا أما الحاجة، ربنا يتمم له على خير يا رب، ويسعده في دنيته الجديدة، ويديم عليكم الفرح وعقبال ما تفرحي بولاده ويملوا عليكِ الدوار، ربنا يوفقه ويتمم الجوازة داي على خير، ويبعد عنه وعنكم كل شر وتعيشوا في أمان.
التفتت "رابحة" ناحية "نغم" بعيون بتشتعل بالغيظ والنار، لأن نبرة الفرح الصادقة والراحة الواضحة في صوت "نغم" ما كانتش هي رد الفعل اللي اتمنته أبداً؛ "رابحة" كانت عايزة تشوف "نغم" مكسورة ومقهورة من أسامي العيلة والجاه والمال، لكن لقيتها مستبشرة وفرحانة ببعد "سمير" عنها، فصرخت في وشها بنبرة جافة وقاسية وخالية من أي رحمة:
ـ وانتِ إيه دخلك في الحديت واصل يا حرمة انتِ؟! مين أذن لك تُنطقي ولا تباركي ولا تحطي خشمك في أمور ولادي؟ أني عاتكلم مع ولدي في أمور خاصة بيناتنا ملكيش دخل بيها عاد، ما تتحشريش بيناتنا واصل، ومالكيش عاد صالح بجميلنا ولا بقبيحنا، ولا ليكِ كلام في وسط العيلة، لمي لسانك دي واقفلي خشمك.
هنا، اتغيرت ملامح "سند" تماماً؛ لمعت عيونه بنظرة حادة زي السيف القاطع، واعتدل في جلسته بقوة، ورغم هدوئه التام اللي بيسبق العاصفة، إلا إن نبرة صوته المبحوحة الخشنة خرجت محذرة وقوية حماية لزوجته وحبيبة قلبه وكرامتها اللي من كرامته، وقال موجهاً حديثه لأمه بكل أدب وهدوء رزين يراعي فيه إنها أمه بس بحسم يقطع أي تمادي:
ـ ياما، استهدي بالله واذكري الله في سرك، "نغم" واصل ما غلطتش ولا قالت كلمة شينة، داي عتبارك لأخوي وتدعي له بالخير والتمام، والكلام الزين ما يتردش عليه بالكلام الواعر والقساوة داي عاد، "نغم" اهنه مرتي، وست بيتي، وحبلة في ولدي اللي عيحمل اسمي، يعني كرامتها من كرامتي، وأني ما أرضاش عليها الكلمة الشينة واصل، حتى لو كانت منيكِ ياما، اتحدتي معاها باللين والمعروف وبكل هدوء كيف ما الأصول والعادات عتقول يا حاجة.
راجعت "رابحة" نفسها شوية لما شافت النظرة الحادة في عيون "سند" وسماع نبرته الحاسمة، وهي عارفة إن غضب ابنها شديد، ومحدش يقدَر يقف قدامه، فزفرت بضيق وحاولت تلطف الأجواء من غير ما تتنازل عن كبرياءها أو تظهر مكسورة، وكمل "سند" كلامه:
ـ قولي لي ياما، إحنا عاد هنروح بكرة على عَمى واصل من غير ما نكون عارفين راسنا من رجلينا؟ هل جستِ نبض الناس دول وعارفة رأيهم وموافقتهم قبل ما ناخد كبارات البلد ونروح نطلب يد بتهم؟ الأصول والرزانة عتقول لازمن نكون خابرين ردهم وموافقتهم المبدئية علشان هيبتنا وهيبة اسم الناجي قدام النجع والبلاد كلاتها.
لوحت "رابحة" بإيديها وطمنته بثقة عمياء وعيونها بتلمع بكبرياء:
ـ اطمن يا "سند" مش عيلة صغيرة أني إياك علشان آخذكم على عماكم وأقل منكم، الناس موافقين ومرحبين وجاهزين من كل شيء وهيستنوا دخلتنا بفارغ الصبر، هما ناس من الجهة الغربية للبلد، وبعاد عنينا وميعرفوش واصل عنينا غير إننا بيت الناجي أسياد البلد ولينّا الشنة والرنة.
وكملت ببجاحة وهي بتبص لـ "نغم" كأنها بتقول كلام عادي:
ـ وكل اللي خابرينه وسامعينه عن "سمير" إنه كان متجوَز ومطلق وما استريحش مع مرته السابقة ومحصلش بيناتهم نصيب ولا عمار بسبب جلعها الماسخ اللي خرب بيناتهم، والبنتة كمان حداهم كانت متجوَزة شهرين بس، وجوزها مات الله يرحمه وهي لساتها نوارة وعاد في ريعان شبابها وزينة البنات، يعني هما شايفين إن "سمير" لقطة وسيد الرجال ليهم، وإحنا شايفين إنها تناسبه وتليق بمقامه وبحسبه، وداي الأصول يا ولدي وطالما الأمور أكده يُبقى التمام قريب.
"سند" هز راسه وفكر في كلام أمه لثواني ووزن الأمور بعقله الكبير، وبعدين اتكلم بنبرة هادية رغم غليانه وغضبه بسبب كلام أمه الناشف:
ـ على بركة الله ياما، طالما كل الأمور واضحة للطرفين وكمان شاريين، وعارفين إنها قسمة ونصيب ومكتوب، يُبقى مفيش مانع واصل ولا عيب في الحديت، أني هبقى مع عيلتنا بكرة العصر طوالي علشان نتمم الخطوة داي ونقرا فاتحتهم، بس رايدك ياما تقعدي ويا "سمير" وتتحدتي وياه زين كلام عقل، ياريت يعدل من أسلوبه وسلوكه هبابة في الأيام اللي جاية، ويغير من طبعه الواعر وطريقة تعامله مع الخَلق علشان ربنا يبارك له في حياته الجديدة ومع مرته الجديدة داي، ويعاملها باللين والمعروف والود علشان المركب تسير وعشهم الجديد يعمر بالخير وما يتهدمش طوالي.
"رابحة" رفعت حاجبها وبصت لـ "نغم" بكبرياء وعيون مليانة غل وتحدي وهي عايرة تفرسها وتولع النار في جوفها من القهر والغيرة:
ـ اطمَن يا ولدي من الناحية داي بالذات خيك هيعاملها زين واصل ماتحملش همه! "سمير" اتغير وتبدل حاله من ساعة الحادثة الوعرة اللي حُصلت له وعِرف قيمة الست زين وعقل، ومرته الجديدة داي عيعاملها كأنها الملكة البرنسيسة في داره، وهتكون هي ست بيته وست الكفر كلاته، ومحدش عيعلى عليها واصل ولا هيكسر لها كلمة، واطمن "سمير" عاد راجل وسيد الرجال وعيعرف كيف يصون حرمته ويجلِعها.
"سند" اتنهد وعمل نفسه مصدق كلام أمه وإن "سمير" فعلاً اتغير، ورغم إنه اطمن شوية لكلام أمه بس مش قوي من جواه، لأن حافظ طبع "سمير" جداً وعارف إن الطبع الصعب ما بيتغيرش بالساهل، ولسه هيرد ويقفل الكلام، جاله تليفون على موبايله، فبص في الشاشة ولقاه تليفون شغل مهم:
ـ عن إذنكم، تليفون مهم من الشغل لازمن أرد عليه دلوك.
خرج "سند" من جنبهم، وأول ما خطوته بعدت وبقى صوته بعيد، ملامح "رابحة" اتغيرت تماماً في ثانية وتحولت لشر مخيف، وقربت من "نغم" بخطوات سريعة زي الحية وولعت عيونها بنيران الحقد والغل، واتكلمت بصوت واطي جداً وفحيح مسموم علشان "سند" ما يسمعش وهي بتتوعد لها بتهديد ووعيد شديد يرتعد له البدن:
ـ اسمعي اهنه يا بت حناوي الخمورجي واوعي تنسي كلامي دي واصل، افتكري زين إنك أنتِ السبب الرئيسي في فرقة ولادي وحرقة قلب ولدي "سمير" اللي قاعد مكسور وضهره محني بسبك وبسبب عمايلك، واللعبة والملعوبة اللي لعبتيها ولفيتي بيها حبالك المسمومة على "سند" علشان يدخل عليكي وتحبلي منه وتثبتي قدمك في الدوار داي وتاخدي مكانه، يمين الله ما هنيكي ولا هتفرحي بيها! أني هحرق قلبك عليه كيف ما حرقتي قلب ولدي ونشفتي دمه، ومش ههنيكي على ولادك واصل ولا هتشوفي راحة بال مع ولادك، والأيام بيناتنا طويلة يا "نغم" وهتفتكري كلامي زين!
سابتها "رابحة" ومشت بسرعة وخطواتها هترزع في الأرض بغيظ مالي جوفها، و "نغم" واقفة في مكانها وجسمها كله بيترعش من الصدمة والخوف، وشها اتقلب تماماً وبقى شاحب وأصفر من كتر الرعب، وحست بوجع مفاجئ وتقلصات شديدة في بطنها من كتر الخوف والرعب من تهديد "رابحة" وعيونها اللي كانت هتنطق بالشر والموت وبتتوعد لولادها،
رجع "سند" الأوضة بعد ما خلص تليفونه بسرعة، وأول ما خطت رجله الباب وعينه جت في وش "نغم"، لمح التغيير المفاجئ ووشها المقلوب والمخطوف، فقرب منها بلهفة وخوف حقيقي وهو بيمسك إيديها بدهشة:
ـ مالك يا "نغم"؟ وشك اتقلب واصفرّ أكده ليه يا بت الناس في دقيقة؟ حُصل إيه خلاكي اتبدَلتي فجأة اكده؟
حاولت تلم شتات نفسها بسرعة، وضغطت على بطنها بإيديها بتداري الوجع اللي حاسة بيه، وبصت له وهي بتحاول ترسم ابتسامة باختصار على وشها، فقالت بصوت هادي ومختصر:
ـ مفيش حاجة هيتهيألك عاد، دي يمكن هبابة تعب ومغص خفيف من أثر الحمل كيف ما قال الدكتور واصل، مفيش حاجة عاد تستاهل القلق، متشغلش حالك علي يا قوي أكده أني زينة والحمد لله حبة راحة وهبقى زينة.
قرب منها وباسها من جبينها وعرفها قبل ما يخرج:
ـ ارتاحي انتِ شوي، أني رايح مشوار شغل هخلصه وهروح أجيب الحاجة و "شيماء" أختكِ كلميها تجهز حالها واصل وأي حاجة هتحتاجها من هدوم وحاجات خاصة تلمها هي كمان، علشان العمال هتاجي تشتِغل في البيت من صباحية ربنا.
ابتسمت براحة وحست لأول مرة إنها متجوزة في بيتها ومملكتها الخاصة، لأن "رابحة" كانت محرجة عليها أي حد يزورها من ناحية أهلها ولا حتى يبات عندها من أخواتها البنات وهما كانوا صغيرين وشكرته وهي بتضغط على إيده بحنان:
ـ ربنا يخليك ليا ويبارك بعمرك يا حبيبي، ويهدي لك عيالك ويبارك لك فيهم، ويخليني ليك طبعاً.
قرب منها وابتسم برجولة:
ـ أهم حاجة يخليكي ليا داي عجبتني قوي، تعرِفي إن رقتك وجمالك دول هما اللي هيخلوني أعشِقك، وبزياداكي دلع دلوك علشان مفاضيش أسيب مصالح الناس المتعلِقة في رقبتي واقعد جارك عاد.
مطت شفايفها بدلع وهي عارفة إن الحركة دي بتغريه وحاوطت رقبته بإيديها الاتنين وباسته من خده برقة ودلال:
ـ ماشي هبطل دلع بس بودعك وأنت خارج ببوسة خفيفة أكده كيف بتوع السيما.
حط إيده الاتنين على خصرها وضغط عليهم جامد برغبة بدأت تلمع في عيونه من رقتها ونعومتها:
ـ لاااه انتِ مهتعديهاش بالساهل يا بتاعة الروايات والسيما اللي لحست لكِ دماغك، والمطلوب مني إني أقابل دلالك الزايد دي بكل هدوء، ولولا الناس اللي مستنياني كنت وريتك كيف يكون "سند الناجي" أحسن من بتوع السيما في حبه وقربه من نغمه، وأعلى كمان على أبطال الروايات بتوعكِ اللي هتنامي تحلمي بيهم بالليل وكأنهم حقيقيين.
ابتسمت برقة ونعومة وبعدت عنه وهي بتغمز له بشقاوة:
ـ طب خلاص روح على شغلك علشان معطلكش أكثر من اكده، وتجيب الذنب فيا ولما ترجع ابقى وريني اللي أنت هتقول عليه يا روحي.
ـ واه يابوي على شقاوتك ودلعك اللي كيف العيال اللصغيرة وأنتِ هتجننيني وياكي يا بت الناس، أني ههملك عاد وهمشي علشان لو قعدت دقيقة كمان مهخرجش ولا هتحرك من جنبك واصل، يلا روحي نامي وارتاحي هبابة.
سابها وخرج وهي دخلت أوضة ولادها تطمن عليهم وقعدت على الأرض جنب سريرهم وهي بتحسس على راسهم بحنية وافتكرت كلام "رابحة" وتهديدها وريقها بقى مر زي العلقم من خوفها عليهم واتكلمت بلسان بيرجف من الخوف وياهم وكأنهم سامعينها:
ـ يا ترى الزمن مخبي لنا إيه تاني يا حبايبي؟ يا ترى هنفضل في أمان من ستكم ولا هتقدر تاخدكم مني وتقهر قلبي عليكم وأموت بحسرتي وأني مهقدرش أبَعد عنكم لحظة واحدة؟ يارب خليهم لي وخليهم في حضني ومتقهرش قلبي عليهم، يارب رد كيدهم في نحرهم وابعد شرهم عني وعن ولادي يارب.
******
قبل "سند" ما يخرج عدى على أمه كانت قاعدة بتغزل شال هي بتحب شغلانة الغزل ودي هوايتها من وهي طفلة، وقرب منها وشكر في صنع إيديها كبداية كلام معاها:
ـ سبحان الله على صنع يدك يا حاجة، هتعملي الحاجة كيف ما قال الكتاب.
بصت له بابتسامة:
ـ منحرمش منك يا ولدي ولا من لسانك الزين عاد.
طبطب على إيديها وبدأ يتكلم معاها وحكى لها جوازة "مهرة" وإنها هتعمل خطوبتها في البلد هنا، وإن الناس اللي هيتقدموا لها هيجوا يطلبوا إيديها منه، وإنها طلبت ترميم بيتهم، وكمل كلامه وهو بيعرفها:
ـ والعمال هتاجي تشتغل الصبح حداهم، وعلشان المكان هيبقى متبهدل أم "نغم" وأختها الصغيرة هياجوا يقعدوا وياها أسبوع، فياريت تتعاملي وياهم على إنهم ضيوف وميشفوش منك إلا كل كرم يا حاجة، ولا ترمي نظرة اكده ولا اكده، ولا ترمي كلمة شينة في وشهم، وفي الوقت دي هتُبقى عيبة في وشك انتِ.
رفعت شفايفها باستنكار:
ـ وه! هما كمان الخدامين بقوا ضيوف وهنشيلهم على راسنا في الزمن دي عاد؟ هي ناسـية إن أمها زمان كانت خدامتي عاد ولا إيه؟ ولا إحنا هنفتحها عابر سبيل إياك للي يسوى واللي ميسواش؟
ضرب "سند" كف على كف ورد على كلام أمه بتعقل ونبرة حادة:
ـ يا أمي لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن، الخدامة اللي هتتحدثي عنيها دي ربت تلت بنتة ينضرب بأخلاقهم المثل، واحدة منهم حكيمة كبيرة في مستشفى الحسين ودكتورة في الجامعة، واللصغيرة هي كمان هتتعَين دكتورة في الجامعة، ولولا إن "نغم" ما كملتش دراستها كانت هتبقى كيف خواتها وممكن أحسن كمان، يعني ملهوش عازة حوار إنكِ هتسخري منيهم دي، وبعدين هما هياجوا وهيقعدوا في الدار التانية مع "نغم" بس لو قابلتيهم في جنينة البيت ولا حاجة بوش سمح وزين، واعملي حسابكِ إنهم ضيوف ولدكِ الكبير يعني إهانتهم كأنكِ هتهنيني ومش هيحصل طيب وقتها.
بصت له بغضب:
ـ وه! كأنكِ هتهددني إياك يا بن بطني؟
رد عليها وهو بيقوم من جنبها:
ـ لا سمح الله يا حاجة ولا بهددكِ ولا حاجة، أني بعرِفكِ ضيوفي خط أحمر بس أكده، سلام عليكم.
سابها ومشي تاكل في نفسها وتكلم روحها بغل وحقد، وعلت صوتها قبل ما يخرج علشان تستفزه:
ـ آه ما إحنا سكتنا له دخل بحماره، وبقى بيتي كيف الزرايب كل من هب ودب ياجي يقرفنا اهنه، تاتكم الهم كلاتكم.
********
كان واقف مستنيها قدام المستشفى كانت خارجة هي وأختها "مريم" وأول ما شافته فتحت بقها بصدمة وقربوا بخطواتهم وبصيت له "مريم" من فوقه لتحته وهي بترفع حاجبها باستنكار:
ـ يا حلاوة يا ولاد! "يونس" أخويا جاي واقف قدام المستشفى ومستني "مهرة" علشان يروحها وأنا كنت أتحايل عليك لما كانت عربيتي بتتصلح وأقول لك تعالى خدني تخترع لي 100 شغلانة! والله أنت عيل واطي.
برق لها عيونه على طريقة كلامها قدام "مهرة" وإنها شتمته:
ـ "شايفة بقى! لو ما اعتذرتيش دلوقتي على الكلمة اللي أنتِ قلتيها الأخيرة دي هجيب البوكس يشيلكِ حالاً وأبيتكِ ليلة في الحجز علشان تتعلمي تحترمي أخوكِ الكبير إزاي."
فتحت بقها بصدمة وكملت بخفة:
ـ "يا نهار على الوطيان الزيادة عن اللزوم! بقى عايز تسجن أختكِ؟ هي دي الرجولة يا "يونس"؟"
حرك راسه لقدام وجاوبها:
ـ "آه رجولة وبرضه لسه بتشتمي لحد دلوقتي؟ طب ماشي يا "مريم" استعدي بقى علشان هشيعكِ رحلة لسجن النسا تتربي فيها هناك."
كل ده و"مهرة" واقفة بتضحك عليهم ومش قادرة تمسك نفسها على محاورتهم قصاد بعض زي القط والفار وسلكت ما بينهم:
ـ "خلاص يا حضرة الرائد قلبك طيب، وبعدين بصراحة هي عندها حق، إزاي كانت تطلب منك تيجي تاخدها وأنت كنت بترفض؟ لو ليا أخ عمل معاي أكده كنت زعلت مني وعِملت وياه كيف ما هي عِملت وياك دلوك بالظبط؟"
غمز لها بخفة وجاوبها بكلام خلي "مريم" دبدبت في الأرض:
ـ "ما هو الناس مقامات برضه يا مهرتي وأنتِ مش أي حد علشان أفضي نفسي وأجي أوصلكِ لحد بيتكِ، ولو عايزاني كمان أشيلكِ أطلعكِ لحد شقتكِ فوق ما عنديش مانع."
حطت إيديها على بقها بخجل وخبطته بشنطتها وردت على وقاحته:
ـ "أنت قليل الأدب على فكرة ومعايزاش أروح وياك."
ضحكت "مريم" بصوت عالي وهي بتتريق عليه:
ـ "يا كسفتك يا حازم! لو أنا منك أتدارى ورا أي حيطة من الكسفة دي، بردتي ناري يا "مهرة"، سيبكِ منه وتعالي لما أوصلكِ أنا وخليه واقف هنا يعد النجوم."
بصت "مهرة" لـ "يونس" لقت معالم الغضب على وشه من عرض "مريم" أخته ليها وقالت لها بنفس خفتهم:
ـ "معلش بصراحة أكده مقدرش أعملها يا "مريم"، إنتي رايداه يزورني أني سجن النسا بدالكِ؟"
ضحك "يونس" في المرة دي ورد لـ "مريم" نفس كلمتها:
ـ "يا كسفتك يا حازم يا اللي واقفة عاملة زي الكتكوت المبلول بعد ما حبيب قلبي كسفكِ! يلا يا روح حبيبتي روحي شوفي عربيتكِ فين علشان تقابلي خطيبكِ اللي كلمني مليون مرة النهاردة علشان يستأذني يخرج معاكي."
ابتسمت لهم وسابتهم ومشيت أول ما سمعت خروج مع خطيبها فعلت "مهرة" صوتها:
ـ "أول ما جت سيرة حبيب القلب طيرتي من قدامي، ما هو من لقى أحبابه نسى أصحابه، الحمد لله إني ما وافقتش على العرض بتاعكِ."
غمز لها بعبث وكمل كلامه معاها بنفس الوقاحة:
ـ "علشان تعرفي إنكِ ملكيش غير صدر "يونس" الحنين اللي يسيب الدنيا كلها علشان خاطركِ يا مهرتي."
ومد إيده ناحية إيدها وكمل:
ـ "تعالي يا قلب "يونس" علشان أوصل لكِ."
لسه هيمد إيده ويلمس إيديها ضربته على إيده بخفة من غير ما حد ياخد باله وحذرته بحدة مصطنعة:
ـ "وه! بعد يدكِ داي هتاخدها حلوانة في سلوانة وهتلمس يدي عادي أكده؟ ولا علشان هركب معاك العربية وحدنا هتفكر إن أني سهلة وهتقدر علي؟ بالله أني صعيدية ودمي حامي وهكلك وكل لو فكرت تعمل حاجة أكده ولا أكده هقاطعك لحد كتب الكتاب ومهخليكش تشوف ضفري واصل."
رفع إيده في الهوا باستسلام ورد عليها ببراءة مصطنعة:
ـ "بريء يا بيه خلاص اهدي علي كدة ما يبقاش كله قفش، حاضر يا ستي هلتزم لحد كتب الكتاب اللي بعد أسبوع إن شاء الله بإذن الله."
تحرك ناحية العربية وفتح لها الباب علشان تركب وركب هو كمان ومشيوا وسألته بمراوغة:
ـ "كأنك متوكد إياك إن إحنا هنكتب الكتاب طوالي أكده؟ مش لما أهلي يسألوا عليك الأول ويطمنوا إن اللي هياخد بتهم هيحطها في عينيه ويشوفوا أصله وفصله وإذا كان اسمه "يونس" ولا "نعمان" ولا ليه اسم تالت؟"
شوح بإيده في الهوا وهو بيرد عليها بغيظ:
ـ "يا دي أم الموضوع ده اللي أنتِ لحد دلوقتي واقفة لي فيه على الواحدة! انسي بقى يا حبيبي، وبعدين أنا واثق إن أول ما أهلك يطلوا في وشي هيقولوا هو ده عريس بنتنا يا بلاش."
ضحكت عليه ووصفته بأكتر صفة بيكرهها:
ـ "مغرور قوي على فكرة بقى."
عدل لياقة قميصه بكبرياء مصطنع وهو بيثبت وصفها:
ـ "يلبق لي الغرور بقى طالما مصممة، إيه رأيك آخدكِ نتغدى برة وكمان نروح سنتر محترم كده تنقي منه طقم قراية فتحتنا قدام عيني علشان أنا شايفكِ كده بتلبسي لبس يلفت الأنظار وأنا راجل ما أحبش اللبس الملفت أبداً."
رفضت بعند محبب لقلبه وواخد عليه معاها:
ـ "لاااه وفر فلوسك أني ما هحبش آكل برة وكمان هحب أنقي الهدوم اللي هلبسها على مزاجي من غير ما تقعد تقول لي أنجزي علشان أني أعرف الرجالة اللي هتخرج ويا ستاتها تشتري معاهم حاجة ما بيتحملوش اللف واصل ما حداهمش صبر."
مدح في كلمتها اللي قالتها:
ـ "الله على كلمة ويا ستاتها! عجبتني قوي منكِ، كريتيف قوي يا مهرتي، خلاص أنا بقيت راجلكِ وأنتِ بقيتي الست بتاعتي رسمي وباعترافكِ."
ـ "وه! هتسيبي الكلام اللي قلته كلاته وهتمسك في اللي على كيفك؟ آه منك أنت يا "يونس" لئيم قوي."
ـ "واه وألف آه منكِ أنتِ يا مهرتي! هتجننيني بتقلكِ عليا ده."
وماداش لها فرصة ترفض أو تعاند أكتر، كمل طريقه وهو هيسوق بمهارة لحد ما وقف العربية قدام مطعم فخم وهادي جداً على النيل، ونزل وفتح لها الباب وحطها قدام الأمر الواقع، وبص لها برجاء حنون في عيونه خلى عنادها يدوب، ودخلوا سوا وقعدوا في ترابيزة معزولة عن العيون، وطلب لها الأكل اللي بتحبه كأنه حافظ طبعها:
ـ "مدي يدكِ وكلي بالهناء والشفاء يا أميرتي الجميلة علشان نروح نشوف حوار اللبس اللي هتلبسيه علشان أنا مش هحلكِ إلا لما أعرف أنتِ هتلبسي إيه وما اتحطش قدام الأمر الواقع وعلشان نعمل ماتشينج مع بعض."
ابتسمت برقة على إصراره وبعد الغدا اللي مر في حكايات وشغابة منه وخجل منها، أخدها وراحوا لأكبر سنتر لبس، وطول ما هي هتنقي وتلف، كان "يونس" واقف معاها بكل صبر وحب، وعيونه مباتنزلش من عليها، وكل ما تقيس طقم وتخرج توريه له، يحرك راسه بإعجاب وعيونه تنطق بالغزل ويلاقيه حلو جداً عليها يغير عليها فيخليها تغيره، لحد ما اختارت فستان رقيق جداً ولونه هادي وواسع يطابق شروط غيرته الصارمة،
وهما راجعين في العربية بالليل، والهدوء بيملأ المكان وصوت أم كلثوم شغال واطي، وبدأ كلامه بنبرة ناعمة وصادقة طلعت من جوة قلبه:
ـ ميرسي يا "مهرة" على اليوم الجميل ده.. أنا بجد عديت أيام صعبة كتير في حياتي بحكم شغلي، بس النهاردة حسيت إن عمري الحقيقي لسه هيبدأ وأنا واقف وسط أهلكِ وبطلب إيدكِ رسمي، أنتِ العوض الجميل اللي جالي بعد تعب كبير، وأوعدكِ إني هكون لكِ "السند" والأمان اللي عمره ما هيخذلكِ أبداً.
"مهرة" بصت له بحب، وحست بدقات قلبها السريعة جوة ضلوعها وعيونها لمعت بدموع الفرحة، وردت عليه بصوت ناعم ورقيق:
ـ وأني خابرة إنك راجل وسيد الرجال يا "يونس"، ومطمنة معاك كيف ما عمري ما اتطمنت قبل سابق لراجل واصل، ربنا يقدم اللي فيه الخير لينا يا رب.
*******
تاني يوم وقت العصرية كده طلعت "رابحة" عند "دعاء" وسألت عليها:
ـ "فين أمك يا "مازن" ناديها لي؟"
نادى على والدته وهو بيشيل محفظته وموبايلـه وخرجت لها ورحبت بيها:
ـ "إزيك يا خالتي، كويس إحنا هنحط الغدا كمان نص ساعة اتغدي معانا بقى عاملة محشي الكوسة والبتنجان اللي أنتِ هتحبيهم."
شدتها "رابحة" من إيديها وقعدتها جنبها وبدأت تتكلم معاها بحرقة:
ـ أني عايزة أفهم دلوك انتِ إيه لازمتكِ في حياة جوزك أبو ولادك؟ ومش بس اكده دي ابن خالتك كمان يعني حقك بالثلث إنه يبقى معاكي طول الوقت، لساتك هبلة وما هتتمسكيش بجوزكِ وبحقوقكِ إنه يبقى ليكِ لوحدك انتِ وعيالك؟
نفخت "دعاء" بضيق وردت عليها:
ـ يوه يا خالتي! ما تسيبي المركب تمشي زي ما هي وأدينا مرتاحين وهو كمان ارتاح والعيال كمان ارتاحوا من خناقنا اللي كان طول الوقت بيناتنا، وأني راضية بحالي ونصيبي وياه وهو راضي."
وكملت بخبث:
ـ ولا انتِ علشان "سمير" هيتجنن على طليقته وما قدرش ياخد معاهم حق ولا باطل إن هو يرجعها عايزة تصدريني أني في وش المدفع بحجة إنه يكون ليا لوحدي؟ لاااه يا خالتي مش هكون الطيشة بين ولادك علشان هما يرتاحوا ألبس أني الهم والغم والنكد من جديد.
وقامت وسابتها تشوف اللي على النار ورجعت ترص الأكل على السفرة وكل ده و"رابحة" واقفة وراها عمالة تسمم بدنها بالكلام وتحاول تقنعها و"دعاء" عاملة ودن من طين وودن من عجين ونادت على بنتها:
ـ يلا يا "سما" علشان تتغدي الغدا جهز يا حبيبتي.
خرجت "سما" وهي حاطة السماعات في ودانها وبتهز كتافها معاها وهي بترد على مامتها:
ـ أني شبعانة لسة فطرانة من ساعتين لما أجوع هبقى أطلب كريب علشان نفسي فيه.
طبعاً الحال ده ما عجبش "رابحة" ولسه هتمسك في "سما" البنت دخلت وقفلت الأوضة عليها فمسكت في "دعاء" وهي بتلومها:
ـ هي البت داي حالها هيتظبط ميتة يا خيبة الأمهات انتِ؟ وكل إيه اللي هتطلبه من برة؟ هو أنتِ ما هتعمليش أكل زين لولادكِ وعلشان أكده هيطلبوا من برة؟
تأففت "دعاء" بزهق من تدخل حماتها في حياتها:
ـ والله يا خالة تطلب وتدلع على كيفها طول ما هي في بيت أبوها، والوكل اللي يعجبها تاكل منه واللي ما يعجبهاش ما تاكلهوش، دي المثل هيقول كل اللي يعجبك والبس اللي يعجب الناس عاد.
خبطتها "رابحة" في كتفها وهي مش عاجبها وضع البنت نهائي:
ـ من زمان وأني عمالة أقول لكِ بتكِ لازم تتختن كيف البنتا كلاتهم، بتكِ مايعة وما هتترباش وتعقل غير لما يصير عليها كيف ما بيصير على كل البنات اللي من دورها.
المرة دي "دعاء" ردت عليها بتصميم وهي بتقفل معاها الموضوع ده تماماً وقلبها وجعها من جواها على حالتها اللي خلتها جامدة وخليتها إنسانة عايشة ميتة وحتى لما جت تتعالج ما تقبلتش العلاج وما قدرتش عليه لأن طبيعتها خدت على كده على الجمود:
ـ شوفي يا خالتي علشان هقفل الموضوع دي وياكي تماماً، أني الموضوع دي ما هعملهوش لبتي وأدمرها كيف ماني اتدمرت، عمري ما هعمل فيها اكده واصل فاقفلي الموضوع وما تفتحيهوش وياي مرة تانية.
شخطت فيها "رابحة" وهي بتضرب على صدرها باستنكار شديد:
ـ يعني بتكِ وصلت لسنها دي ولساتها مطهرتش وإنتِ هتصدقي خرافات الدكتور دي؟ إنتِ متعرفيش إن اللي مهتتختنش هتُبقى من الستات اللي هتمشي في العيب والحرام، وهتفضحنا ويوم ما تتجوز مهتخلفش واصل؟ اسمعي كلامي داي عاداتنا وتقاليدنا وناسنا زمان عمرهم ما يعملوا حاجة عفشة تضرنا واصل، وإن مكنتيش تسمعي كلامي يمين بعظيم آخذها أني وأبوها ولا عمها ونعمل لها اللي البنات كلاتها هتعمله.
ردت عليها "دعاء" بحرقة ودموعها سبقتها:
ـ ونروح بعيد ليه يا خالتي؟ طب ما أني اهو قدامكِ ودتوني لهلاكي وأني عيلة صغيرة ومعرفاش حاجة في الدنيا برجلي، سلبتوه مني أهم حاجة كانت هتخليني ست كيف الستات.
وكملت بدموع انهمرت على خدودها:
ـ أني عايشة جسد من غير روح، عاملة كيف الحيوانات هتنفس وهاكل وهشرب بس محرومة من إحساس أي ست هتحسه، محرومة من إني أكون ست هتحس بقرب جوزها وتتمناه جارها ليها لوحدها، ولما جيت أتعالج قالوا لي لازمن أعمل عملية وهفضل ماشية بعلاجات، بقى عايزاني أدمر بتي وأخليها تحس إحساس القهر المميت اللي أمها عاشته علشان العادات والتقاليد؟
وعلت صوتها جامد بعد ما خرجت عن شعورها ومبقتش عارفة الكلام اللي بتقوله:
ـ يا ختي ياكش تولع العادات على التقاليد على جهل زمان وستات زمان، وأقسم بالله يا خالتي لو ابنكِ سمع كلامكِ ولو إني واثقة في "سند" إنه عمره ما هيعملها، وغفلتيني وخدتيها مع ابنكِ المفقود الشمام التاني دي لا هكون مبلغة عنكم ومودياكم في ستين داهية، بعدوا عن بتي وملكيش صالح بيها عاد، و"سمير" ولدكِ الخمورجي دي مايقربش منها واصل.
اتعصبت "رابحة" عليها جامد وضربتها بالقلم:
ـ اخرسي! هتغلطي في واد خالتكِ الأكبر منكِ، دي إنتِ طلعتي جامدة وعياركِ فالت وعايزة تربية من أول وجديد.
"دعاء" انصدمت لما خالتها مدت إيديها عليها وصوتها علي بقهر:
ـ إنتِ هتُضربيني يا خالتي وهتمدي يدكِ علي بعد العمر دي كلاته؟ والله ما قاعدة لكم في البيت دي وليا أب وخوات رجالة يجيبوا لي حقي منك يا ظالمة.
كانت "سما" قاعدة جوة بترتجف من الخناقة اللي سمعتها وانصعقت وهي بتبص من ورا الباب وشافت ستها بتضرب أمها فحطت إيديها على بقها وكتمت شهقتها وطلعت تليفونها كلمت أبوها وهي بتعيط جامد:
ـ الحقنا يا بابا ستوا "رابحة" حدانا اهنه وهتتخانق هي وماما وضربتها بالقلم على وشها وشتمتها جامد يا بابا.
وكملت بنحيب شديد:
ـ وماما منهارة ومصممة تهمَل البيت وتمشي وستي هتمسك فيها غصب عنها وهتبهدلها بالشتيمة جامد.
انصدم "سند" من اللي سمعه:
ـ "وه، وه! ضربتها كيف دي؟ متعيطيش يا حبيبي ومتخافيش يا قلب أبوكي أني جايلكم اهو مسافة السكة."
أما برة "رابحة" ماسكة في دراع "دعاء" إنها متخرجش:
ـ اعقلي يا "دعاء" أني خالتكِ قبل ما أكون حماتكِ وأمكِ لو عِلمت باللي هتعمليه وياي هتموّتك بيدها، اقصري الشر مطلعيش زرابيني عليكي.
"دعاء" انهارت جامد من عمايل خالتها وعلت صوتها أكثر:
ـ بعدي يدكِ داي عني، إنتِ لو خالتي صُح وهتراعي الأخوة اللي بينك وبين أمي مكنتيش بهدلتيني ولا شتمتيني اكده، ومتفكرنيش إني كيف "نغم" الهبلة اللي كنتوا هتستقوا عليها وتطحنيها ضرب وذل إنتِ وابنك إني هسكت لك، لااااااه يا خالتي أني مش كيف "نغم" ولا هكون، بعدي يدك عنيييييييي.
في اللحظة دي وصل "سند" على السلم وسمع كل كلمة قالتها "دعاء" عن "نغم"، وقبل ما يدخل شاف أخر حاجة ممكن يتوقعها "دعاء" بتحاول تفك إيديها من "رابحة" لحد ما شدتها غصب واتزحلقت في السجادة وطارت بجسمها لبعيد والكرسي الخشب وقع على رجلها وبقت تصوت من الألم جامد، قرب منها "سند" وهو بيبص لهم بغضب جحيمي:
ـ إيه اللي بيُحصُل دي يا أما؟ هتضربيها وتشتميها؟ أني نفسي أفهم في إيه.
ردت عليه "دعاء" بعياط شديد وهي بتحكي له على الحوار كله وانصدم لما سمعه وشاف وشها المورم من القلم اللي أخدته من أمه، واللي كانت عايزة تعمله في بنته وتدمرها، الدم جري في عروقه ورد عليها بحرقة:
ـ انتِ عايزة إيه مني بالظبط يا أما؟ حرام عليكي بقى يا شيخة، تعبت منكِ وتعبت من جريك لتدميري، كيف يا أما تمدي يدك على مرتي وأني قايل لك حريمي خط أحمر وإهانتهم من إهانتي؟ تقومي تزودي البلا طين وتحاربيها وتشتميها؟ حرام عليكي يا شيخة أني قرفت وزهقت وتعبت منك، طلعيني وطلعي بيتي وعيالي من دماغك بقى أني الصبر جاب آخره من صبري.
هنا "دعاء" صرخت جامد وهي بتتألم من وجع رجليها اللي ورمت جامد:
ـ آه يا رجلي هتصرخ علي جامد شكلها انكسرت، آااااه أمك كسرت لي رجلي يا "سند" وعايزة تودي بنتي للموت والهلاك.
قرب "سند" منها ووطى لمستواها وهو بيحاول يلمس رجلها علشان يشوف مدى وجعها فصرخت جامد من الوجع فباسها من راسها باعتذار وطيب خاطرها:
ـ "حقك علي يا "دعاء"، حقك على راسي من فوق والله اللي حُصل دي مهيتكررش تاني واصل، و"سما" يمين بالله هتحاسب عليه قدام ربنا ما حد هيقدر يمسها واصل ولا ياجي ناحيتها، قومي اتسندي علي هنروح للدكتور يشوف رجلك.
كل ده و"رابحة" بتبص عليهم بحرقة وقلبها مولع بسبب إن ابنها عمره ما نصفها لا على "دعاء" بنت أختها ولا على "نغم" ودايماً شايف إنها هي اللي غلطانة، جت "دعاء" تستند على "سند" رجلها وجعتها جامد فرجعت قعدت مكانها تاني وهي بتعيط:
ـ مقدراش أتحرك من مكاني ضهري ورجلي هيصرخوا علي جامد، آاااااه.
في لمح البصر كان موطي وشالها وهو بيبص لبنته المفلوقة من العياط وطمنها:
ـ متقلقيش يا حبيبتي ماما هتُبقى زينة، متخافيش يا بابا.
وأخدها وخرج، فقربت "سما" من ستها وهي بتزعق لها:
ـ حرام عليكي أنتِ وحشة وأني مهحبكيش واصل، كيف تمدي يدكِ على أمي هي عيلة صغيرة إياك يا قاسية؟
قربت "رابحة" منها وهي متغاظة من طريقتها معاها ومثلت الزعل:
ـ هيطلع منيكي إيه عاد لستكِ يا بت "دعاء" وانتِ لساتكِ راقمة بعينك وسامعة بودانكِ أبوكِ وأمك هيشتموني وهيهينوني عاد؟ اشمعنى انتِ اللي هتحترمي ستك؟
بصت لها "سما" بحسرة وسابتها ودخلت أوضتها تعيط بعد ما اتأكدت جواها إن ملهمش سند غير أبوها ولولاه كانوا اتبهدلوا أخر بهدلة، بعد ما عاشت سنين فاكرة إن محدش يقدر يقرب من أمها ولا يعملوا فيها زي ما كانوا بيعملوا في "نغم" بس اللي صاب أمها كسرة نفس ومعاها كسرة ضلوع.
*****
كانت قاعدة في جنينة البيت بتلاعب بنتها وبيهزروا مع بعض بضحك وكانت "شيماء" أختها بتشاركهم اللعب في جو من المرح، فبصت "شيماء" وراها لقت اللي صدمها وقالت لـ "نغم":
ـ الحقي بصي وراكي اكده.
بصت "نغم" والإبتسامة زي ما هي مرسومة على وشها واللي خلاها اتبدلت في لمح البصر لنظرات كالجحيم وعيونها مبرقة بصدمة من اللي شايفاه، كان "سند" شايل "دعاء" وبيجري بيها وهي متعلقة في رقبته، حطت إيديها على قلبها وحست بوجع وغيرة كأنهم بيدبحوا في روحها،
شدتها "شيماء" أختها وهي بتطبطب على ضهرها لما لمحت لمعة الدموع جوة عيونها ولسه هتنادي على "سند" حطت "شيماء" إيديها على بقها:
ـ هتعملي إيه اصبري ومتتعَجليش وتلفتي الانتباه ليكي، مشيفاش حماتك واقفة في بلكونتها هتبص علينا ببسمة تشفي؟ اهدي يا أختي.
دورت "نغم" وشها للناحية التانية علشان تدي ضهرها لحماتها ومتشوفهاش بتقول إيه واتكلمت بغضب شديد:
ـ مشيفاش هيشيلها كيف ولهفته وهو هيجري بيها؟ أني هطق وحاسة إن قلبي هيقف دلوك ومطيقاش حالي، سيبي يدي أني هروح وراهم، وسعي أكده من قدامي.
تحركت "شيماء" وراها ومسكتها من إيديها بسرعة وحذرتها:
ـ على فكرة هي مرته كيف ما أنتِ مرته وكان مبين عليها إنها تعبانة وهي مسؤولة منه كيف ما أنتِ مسؤولة منه فاهدي عاد وروقي أعصابك.
وكملت بابتسامة وهي بتقرصها من خدودها علشان تهون عليها غيرتها وزعلها:
ـ وبعدين أنتِ القمر اللي متربع على عرش حبيبه، أبيه "سند" مبين عليه محبش ولا هيحب في الدنيا كلاتها غيرك يا رقيقة انتِ، وبصراحة بقى مش علشان انتِ أختي هقول اكده لكن الحق يتقال انتِ تستحقي واحد زيه من زمان قوي وعلشان اكده متسمحيش لحد من اللي حواليكم يدخل الزعل والغيرة بيناتكم، لازمن يكون عقلكِ كَبير.
بصت لها "نغم" بدهشة وسألتها باستنكار:
ـ وه! وإنتِ كبرتِ وعقلكِ كِبر وبقيتي بتقولي حكم من ميتى يا شوشو؟
ضحكِت "شيماء" وهي بتحاول تخرج "نغم" من حالة التوتر اللي هي فيها:
ـ وه! أني خلاص كبرت وبقيت داكتورة وهفهم كَتير عن الأول، شيلوا من دماغكم فكرة إني عيلة صغيرة داي بقى.
كل ده و"نغم" مش معاها خالص في المنظر اللي شافته، ولقت نفسها طلعت موبايلها وبتبعت رسالة لـ "سند":
ـ آه يا ترى شايل مرتك قدام الخلق اكده وهي متعلَقة في رقبتك في مشهد ما شاء الله عظيم ورايح بيها فين؟ وجعت قلبي ومراعتش شعوري أني هغير وهتقطع من جواي دلوك، ربنا يسامحك.
