رواية النغم الحزين الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم فاطيما يوسف


 رواية النغم الحزين الفصل الرابع والعشرون 

بسم الله الرحمن الرحيم 
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.


مَا بِهَا الدُّنْيَا تَبْتَسِمُ لِي سَاعَةً وَتَمْنَحُنِي الوَجَعَ أميال،
تُهْدِينِي الفَرْحَةَ فِي كَفٍّ، وَتَسْلُبُ مِنِّي الرُّوحَ فِي الكَفِّ الأُخْرَى،
كَيْفَ لِقَلْبٍ أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ قِطْعَتَيْنِ مِنْ جَسَدِهِ وَكِلَاهُمَا حَيَاة؟
أَيُّ جَبَرُوتٍ هَذَا الَّذِي يَضَعُ أُمُومَتِي فِي مِيزَانِ المَوْتِ وَالفِدَاءِ ،
وَيُخَيِّرُنِي بَيْنَ نَبْضٍ نَبَتَ فِي أَحْشَائِي، وَبَيْنَ أُخْتٍ هِيَ نُورُ عَيْنِي وأبداً لمْ أرضَى لها الإذلال!
لَقَدْ بَاتَتِ الخِيَارَاتُ خَنَاجِرَ تَطْعَنُ الطُّهْرَ، وَتَبْكِي لَهَا سَمَاءُ المَظْلُومِينَ. 

أخد منها الكاس وهو بيغازلها بغرام كعادته:
ـ قمر أقسم بالله قمر، أنا من الليلة سميتك فتاة القمر اللي خطـ.ــفت قلب ابن الهلالي يا أجمل "مهرة" شافتها عيوني.

اتكسفت من غزله والصينية اتهزت في ايديها بتوتر بسبب كلامه ونظراته، كان قاعد على كنبة لوحدة ووسع لها شوية علشان تقعد جنبه، دورت وشها بعيد عنه وقبل ما يجي في نيتها إنها تقعد بص لها "سند" نظرة فوقتها من حالة الهيام اللي كانت فيها، نظرة فهمت معناها بسرعة إنها تخرج ومتقعدش معاهم في اتفاق الرجالة ، فهمت نظرته وخرجت بسرعة بعد ما استأذنت، "يونس" كان قاعد شايط من نظرة "سند" اللي فهم معناها كويس ومبقاش طايق نفسه ولا طايق "سند" هو كمان، أمه وأخته كانوا قاعدين متابعين الموقف ومن جواهم هيموتوا ويضحكوا على منظر "يونس" وغيظه من خروج "مهرة" ، وبدأ خاله يتكلم بعد ما قعد يبص على المكان بأعجاب وأهل "مهرة" وطبعاً والدتها كانت قاعدة في الاتفاق:
ـ احنا طبعا يشرفنا إننا نطلب ايد الدكتورة "مهرة" لـ"يونس" ابن أختي هو ظابط شرطة، واللي تطلبوه عنينا لست البنات، اللي تشاور عليه أيا كان يبقى تحت رجليها .

بص "سند" للعمدة علشان يرد عليه ويكبر بيه، ورد العمدة بترحاب ليهم وهو فخور بـ"مهرة"
والمكانة اللي وصلت لها :
ـ يا أهلا بيكم ، شرفتونا ونورتونا، كفاية سمعتكم الطيبة لما سألنا عنكم، احنا ولا يهمنا مال ولا عفش ولا الحاجات داي تفرق ويانا واصل، كيف ما انتم شايفين بناتنا هنعيشهم في عزنا وعينهم مليانة بالخير ، احنا كل اللي يهمنا راحة بتنا وان ولدكم يعاملها بما يرضي الله ، واللي انتوا هتجيبوه هنرضى بيه، أهم حاجة إنه ميزعلهاش في يوم . 

هنا رد "سند" بكبرياء وهو بيقاطع العمدة باستئذان، بوجه مبتسم:
ـ بعد اذنك يا أبا العمدة، الدَكتورة "مهرة" وخواتها يُتما الاب وملهمش أخ على الأوراق لكن في الحقيقة اهل كلنا ناسهم وهما بالنسبة لنا بناتنا وخواتنا، هنخاف عليهم من الهوا يمسهم، وعلشان اكده يا حضرة الظابط تحطها جوة عيونك، ومتفكرش تزعلها واصل ، والدهبات اللي هتجيبها هنجيب قصادها الطاق طاقين، وكل لوازم الشبكة من فرح ودبايح وضيافة الناس اللي هتاجي من طرفكم تخصنا وعلى راسنا، ياكش تجيبوا ناس مصر كلاتها . 

ابتسمت "أمينة" بفخر لنسبهم وفي اللحظة دي تيقنت إن ابنها مكانش هيلاقي حد أحسن من "مهرة"، مكانتش متوقعة إن البيت اللي هي عايشة فيه بالفخامة دي، كانت جواها رهبة شوية إن أخوها يجي معاهم ويشوف مكان مبهدل وقديم ، وبالرغم من كده مهمهاش، وكانت متكلمة مع اخوها عن ظروفهم علشان ما يستغربش، لكنهم لما وصلوا وقعدوا واستقروا عيونهم بقت تبص للمكان بانبهار، من فخامة العفش والفرش والألوان المنسقة، وحتى طلة "مهرة" اللي متفرقش عن طلة الأميرات وردت عليه:
ـ كرمكم باين يا ولاد الأصول، كفاية استضافتكم وحسن استقبالكم لينا، و ما تقلقوش على "مهرة" هتبقى بنتي التانية وزيها زي "مريم"  بالظبط، و"يونس"  لو زعلها في يوم من الأيام أنا اللي هقف له، ولو إني عارفة إن إبني بيحبها وبيقدرها جدا وعمره ما هيزعلها، وان شاء الله هنجيب لها أحسن حاجة وأغلى حاجة في الدنيا دي ست العرايس كلهم.

اتحمحم "يونس" وطلب منهم بدون خجل:
ـ بعد اذنكم أنا عايز أكتب الكتاب على طول الدكتورة "مهرة" عارفانا كويس لأنها شغالة مع أختي في المستشفى وعارفة عننا كل حاجة، وأنا كمان يعتبر عارف عنها كل حاجة وعلشان كده عايزين نكتب الكتاب على طول والجواز بعدها بكذا شهر لو ما كانش عندكم مانع.

بص "سند"  لحماته وشاورت له بعينيها انه يوافق لأن "مهرة" كانت قايله لهم على الموضوع ده واخدين عنه فكره وكانوا متشاورين فيه إنهم هيوافقوا وهنا رد العمدة لما شاف موافقه سند وام العروسه: 

ـ وماله يا ابني خير البر عاجله طالما كل حاجة ماشية بالرضا بيناتنا ايه اللي يمنع إن الفرحة تدخل بيوتنا نتوكل على الله ونحدد معاد كتب الكتاب. 

رد "يونس" بسرعة ولهفة قبل خاله:
ـ طب تمام إيه رأيكم نخليها الخميس الجاي على طول لأن ماما مش هتقدر تروح الطريق ده كله وترجع تاني فبالمرة احنا موجودين هنقعد هنا في فندق الأسبوع ده لحد ميعاد كتب الكتاب. 

ردت أم "مهرة" عليهم: 
ـ عيب عليك يا ولدي لما تكون جاي بيت صعايدة وعايز تاخد امك واختك تقعدهم في فندق، بيتنا كبير وواسع ويساعي من الحبايب ألف يقعدوا ويانا يشرفونا وينورونا. 

ابتسمت "أمينة" وهي بتطبطب على ضهرها: 
ـ ده احنا يزيدنا الشرف والنور يا أم العروسة القمر، خلاص وأنا مش هكسر لك كلمة، أنا أصلا ما بحبش قعده الفنادق ولا عيشتها. 

أما "سند"  بص لـ"يونس"  وهو بيعرض عليه: 
ـ وانت يا حضرة الظابط هتاجي وياي في استراحة بيتنا تقعد فيها الأسبوع دي، وكمان عشان ما تفوتش أمك وأختك وتطمَن عليهم وتعرف البلد وأهلها وناسها والناس اللي انت هتناسبهم عاملين كيف. 

"يونس"  فرح جدا إنه قرب من مراده وخلاص هيكتب كتابه على " مهرة" ورد عليه بفرحة: 
ـ تمام،  والله الجواب باين من عنوانه وأنتم ناس تشرفوا أي حد. 

رفع العمدة ايده وطلب منهم: 
ـ خلاص يا جماعة نتوكل على الله ونقرا الفاتحة وان شاء الله يوم الخميس كتب كتابهم يتعمل في دوار العمدة والبلد كلاتها تحضره.

وافقوا كلهم على كلام العمدة وقراوا الفاتحة بسعادة، وبعد ماخلصو قراية الفاتحة وشوش "يونس"  أمه باعتراض: 
ـ هو مش بعد قراية الفاتحة المفروض إن أنا أقعد مع خطيبتي و ابارك لها ولا ايه بالظبط؟!
 كفاية إنهم ما رضيوش إنها تحضر معانا قراية الفاتحة ومقفلين عليا قوي.

برقت له بعينيها قوي وردت عليه:
ـ اعقل يا "يونس"  الناس صعايدة انت واخد حقك تالت ومتلت في مصر خروج ومكالمات ومعرفة بيها وشبعان على الآخر، عدي اليوم ده وامشي تبع عادتهم وتقاليدهم. 

بص "يونس"  لـ"سند"  بسماجه وهو بيرد على امه: 
ـ انا مش فاهم يعني هو بص لها إنها تخرج ليه؟ بني آدم متحكم زيادة عن اللزوم، فيها ايه لما كانت تقعد جنبي؟
هو عايز يفرض سيطرته عليا من البداية أنا عارف.

خبطته برجليها بالراحة من غير ما حد ياخد باله وحذرته: 
ـ اتلم يا واد انت هو جوز أختها وفي مقام أخوها الكبير ومن حقه إنه يكبر بيها ويرفع من شأنها ومقامها، أنا شايفه ان هو عمل الصح احترم نفسك يا "يونس"  وبطل تعترض على كل حاجة.

وبعد شويه لما "سند"  حس ان "يونس"  اتخنق وعايز يقعد مع عروسته وشاف نظرات الغيظ والغضب في عينيه محبش ان هو يقفل عليه أكتر من كده وقام وقف وهو بيعرض عليهم: 
ـ ودلوك العشا جاهز علشان يُبقى عيش وملح، خليك انت قاعد يا عريس هنجيب لك العشا ويا العروسة عشان تبارك لها وتاكل براحتك وياها. 

اتنفس "يونس"  أخيراً بارتياح انه هيشوف "مهرة" وهيقعد معاها بقى له عشر ايام ما شافهاش وهيتجنن عليها ومن وقت ما شاف طلتها اللي خطـ.ــفت أنفاسه وهو مش قاعد على بعضه، 

ودخلت "نغم"  أخدت "مريم" و"أمينة"  وأمها وراحو على الصالة و"سند"  أخد الرجالة وقعدوا في مكان جانبي جنبهم علشان الستات تاكل براحتها، والرجاله تاكل براحتها، ودي عادات أهل الصعيد ما بيجمعوش الستات مع الرجالة في الأكل، ودخلت "مهرة"  أخيراً لـ"يونس" و وراها "شيماء"  بطاولة من الأكل عليها أصناف وأشكال من اللي "يونس"  بيحبها وهي عارفاها طبعا، واتعرف عليها "يونس"  وهزر معاها بخفة كعادته وسابتهم "شيماء"  وخرجت وأول طبعا ما اتفرد بـ"مهرة"  قرب منها ومد ايده عشان يمسك ايديها في لمح البصر ضـ.ــربته على ايديه وبصت له بنظرة تحذير وهي بتبص حواليها خايفة ليكون حد شافها: 

ـ هتعمل ايه انت؟!
 اوعاك تمد يدك وتحطها في يدي احترم نفسك يا "يونس" احنا اهنه في الصَعيد مش في فندق 7 ستار اللي حداكم في مصر، اعقل يا "يونس"  وسيبك من الحركات المتهورة بتاعتك داي .

بص لها بعين ونص ومن جواه مليان بالغيظ من حركتها وقرب منها وكل لما يقرب علشان يكون جنبها هي تبعد، لحد ما اتكلم بغيظ:

ـ وفيها ايه يعني لما تسلمي على عريسك هو عندكم في الصعيد العروسة ما تسلمش على عريسها ولا ايه؟
 مش كفاية إنك دخلتِ الحاجة وأول ما بص لك البصة سي "سند"  بيه جوز أختك اخدتي بعضك وجريتي على بره .

ضمت شفايفها باستمتاع وهي شايفه غيظه وكملت عليه بمكر وهي قصده تبعد عنه وبتستخدم معاه نظام التشويق: 
ـ وفيها ايه برده لما اسمع كلام "سند"؟
 يكون في علمك ما تقولش علي إني يتيمة وما ليش راجل، "سند"  هو كَبيري ويعتبر الراجل اللي أني مسؤولة منيه لحد ما تتجوَزني، كل حاجة هيطلبها مني وهيأمرني بيها هسمعها طوالي. 

رفع حاجبه برفض لكلامها ومحاوله استفزازه وعـ.ــض على شفايفه بغيظ وسألها باستنكار: 
ـ قلتي إيه مين الراجل بتاعك سمعيني كده تاني علشان ما سمعتش كويس؟
أقسم بالله يا "مهرة" ان ماعدلتي لسانك معايا وظبطتي كلامك هتشوفي وش "يونس"  على حق، انتي ما لكيش راجل غيري وما حدش مسؤول عنك غيري. 

وكمل كلامه بسخرية وبصوت عالي شويه وهو حاسس بنار قايده جواه من كلامها: 
ـ هو ده يوم الخطوبة اللي بيتكلموا عن حلاوته؟! ده يوم قرايه الفاتحه بتاعنا تحـ.ــرقي دمي بالشكل ده وتحاولي تستفزيني؟!
يا شيخة أبو أم الخطوبات على الجواز على اللي عايز يعرف الستات من أساسه. 

برقت عينيها بصدمة وفتحت شفايفها باستغراب لكلامه ولطريقته :

ـ هاااا ، "يونس" ! ايه الكلام اللي هتقوله دي، وكمان هتعلي صوتك علي من أولها واحنا لسه قاريين الفاتحة، لا يا يا ابن البشوات، شيل دي من دي ونفضها سيرة من اولها وروح لحالك يا ابن الناس طالما هتتحدت وياي بالطريقة العفشة داي.
جز على اسنانه بغضب وهو حاسس بالغيظ والغيره الشديدة عليها من "سند"  وغير كلامها اللي قالته: 
ـ نفض ايه يا ماما سمعيني كده تاني؟!
اظبطي يا "مهرة"  في الكلام معايا علشان انت زهقتيني وعصبتيني، بعد كده ما تسمعيش كلام غير كلامي وما تقوليش كلمة كبيري وراجلي دي على حد تاني الا أنا، بجد ما تنكشينيش ولا تحاولي تستفزي غيرتي عليكِ، علشان انا عارفني غشيم وما بتفاهمش، من الأول كده بلاش تحاولي تعصبيني. 

حست ان هو صعب عليها بسبب كلامها وإنه غيران عليها لكن عاتبته على كلامه وطريقته معاها: 
ـ وانت ينفع اصلا تتكلم معاي بالطريقة داي وتعلي صوتك؟! بدل ما تقول لي الف مبروك جاي تتعصب علي وتزهق وتحمر لي عينيك وكمان انت اللي زعلان وغضبان!
 طب يكون في علمك بقى اني اللي زعلانة منك ومخاصماك يا "يونس" .

مسح على وشه وهو بيحاول يهدي أعصابه وينسى إنه ظابط ويحاول يغير طريقة كلامه اللي متعود عليها مع اي حد، وسكت شويه وبعدين قرب منها من غير ما يلمسها واتكلم معاها بنبرة هادية: 
ـ تمام يا "مهرة"  انتِ عندك حق طريقة كلامي معاكي مش حلوة فعلا، بس برده طريقة استفزازك لغيرتي عليكِ مش حلوة منك، فيا ريت كل واحد فينا يراعي التاني وما يحاولش يستفزه علشان انتِ عارفاني عصبي وما بقدرش أمسك نفسي.

وأخيرا لانت ملامحه وابتسم والغمازات اللي في خدوده ظهرت زادته وسامه على وسامته وغمز لها بعيونه وهو بيبارك لها: 
ـ وعموما احنا كتب كتابنا خلاص كمان خمس ايام وهلمس ايدك براحتي وهعمل كل اللي انا عايزه وما حدش هيقدر يقول لي بتعمل ايه مع "مهرة" مراتك يا "يونس"  حتى انتِ لما اشوف بقى هتعملي ايه وقتها وعايزك بقى توريني شطارتك وقتها .

قلبها دق بقوة بين ضلوعها من طريقة كلامه ونظراته اللي هتاكلها وبقت حاسة إنها قاعده قدامه مش قادرة ترفع عينيها فيه وهو كل نظرة منه ليها بتثبت لها إنه هيمان وهيموت عليها وعلى قربها وردت على مباركته بابتسامة زينت ملامحها الجميلة:
ـ  الله يبارك فيك يا "يونس" ، وبعدين بطل بقى نظراتك داي على فكرة انت بتكسفني جدا واني مش قدك ولا قد حركاتك وخبرتك في الجنس الناعم يا حضرة الرائد يا اللي شكلك متدرب على الهمسات والنظرات دي كويس جداً وحداك خبرة اني ما هفهمش فيها واصل. 

غمز لها بعيونه بشقاوة وهو بيغازلها وبيحك دقنه بعبث:
ـ وماله هو في أحسن من الخبرة في الجنس الناعم، وبعدين بتتكسفي من الهمسات والنظرات امال اللمسات هتعملي فيها ايه يا مهرتي هتدوبي بين ايدين ابن الهلالي.

بعدت عيونها بعيد عنه وقالت له بتحذير:

ـ "يونس" ! والله هقوم وهسيب لك المكان انت وقح قوي على فكرة، اهدى بقى يا عم انت .

غمز لها بشقاوة كعادته:
ـ ده انت اللي عمي وعم أعمامي كمان يا عم انت، وبطل وقمر وروح قلبي وكل كلام الغزل يخلص فيكي يا مهرتي، ياقلب ابن النعمان.

وحرك شفايفه ببطئ باعتراف الحب اللي أثرها ونهاه ببوسة شوق ولهفة على الهوا:
ـ بـحـبــــــــــــــــــــــــك يا مهرتي.

                    *******
كانوا قاعدين بيضحكوا ويهزروا مع بعض و"مريم" كانت بتتكلم معاهم على طبيعتها ومرحها لدرجة ان كلهم بيضحكوا جدا على الكلام اللي بتقوله:

ـ "مش عايزة اقول لك يا " نغم" اخويا يونس كان هاين عليه يقوم يكسر الاوضة فوق دماغنا بسبب ان جوزك خلى "مهرة" تخرج وما تقعدش جنبه، اصلك ما تعرفيش اخويا "يونس" مهووس بحب "مهرة" قد ايه، وجوزك رخم عليه جامد قوي بصراحة.

كلهم ضحكوا جدا بصوت عالي بس "نغم" ضحكتها كانت أعلى لدرجة ان كلهم سمعوها وكان قاعد "سند" شايط وهو بيبص لها بغضب على ضحكتها ووشها اتقلب في ثانية لما شافت نظرته وبعتت له نظرة اعتذار لكنها ما شفعتلهاش عنده، شوية وقامت ناحية المطبخ علشان تكمل واجب الضيافة شافها داخلة لجوه قام واستأذن من الناس انه يدخل الحمام وراح وراها على المطبخ، كانت بتلتفت للناحية التانية بصت لقيت نفسها في حضنه كان واقف وراها، شهقة جامد من الخضة، بص لها بنظرات مرعبة وهو ماسك دراعها بشدة:

ـ كانك ما وعياش انك مش في اوضة نومك علشان تضحكي بالصوت العالي دي يا هانم؟

وسحبها ناحية المطبخ لجوه علشان ما حدش يشوفهم وهو بيكمل كلامه بنبرة غضب شديدة:

ـ ردي عليا دلوك إزاي تضحكي بالصوت العالي دي وفي رجالة غريبة في البيت ولا انتِ هتنسي حالك وما دريناش إنك على ذمة راجل.

بلعت ريقها بصعوبة وما كانتش متوقعة انه يغضب بالشكل ده واعتذرت بهدوء:

ـ والله اني غلطانة حقك علي يا "سند" ، ما اخدتش بالي من صوتي العالي في الضحك، خلاص هخلي بالي بعد اكده وما هكررهاش بس بالله عليك ما تضايقش ولا تزعل.

نفخ بضيق وكأن الضحكة اللي ضحكتها وصوتها العالي حقه مكتسب ليه لوحده وقرب منها وهو بيحاول يهدي اعصابه:

ـ شوفي بقى ممنوع الضحك بالطريقة دي في وسط ناس اغراب امسكي حالك شوي، ما هو ما بقاش موجود وياكي وخطيب اختك يكون موجود وصوت ضحكتك يوصل الشارع التاني وتقولي معلش حقك علي، ما تتكررش تاني يا "نغم"  فهماني ولا لا.

بصت له بنظرة استعطاف وقربت منه وهي بتحضن وشه بين ايديها وبتعتذر له برقة ونعومة:

ـ حاضر حقك علي بس ما تزعلش حالك واني هخلي بالي بعد اكده، خلاص بقى روق عاد وافرد وشك ما هحبش اشوفك زعلان ومتضايق واصل.

ابتسم بهدوء وهو بيشيل ايديها من على وشه وقال لها بمكر وهو متمسك بكفوف ايديها:

ـ حاضر هحاول انسى ضحكتك، او يمكن انتِ اللي بكل الطرق تحاولي تنسيني لما نروح بيتنا، واشوف اذا كنت هتقدري تصالحيني ولا لا.

سهمت في عيونه قوي وهي بتاكل شفايفها ومش عارفة تجيبها له ازاي لكن طلبت منه بنبرة متوترة وعيونها بتهرب منه:

ـ وه يا "سند"  مهتزهقش عاد، دي.... اني كنت هطلب منك اني ابات الاسبوع دي ويا اخواتي علشان نجهز لكتب الكتاب وكمان من زمان ما بيتش وياهم في بيت ابوي ونفسي بجد اني أكون معاهم الاسبوع دي.

برق بصدمة من طلبها وهو بيسألها باستنكار:

ـ سمعيني اكده هتقولي ايه، بقى عايزة تسيبي بيتك وجوزك اسبوع بحاله يا "نغم" ؟! والله ما مصدق اللي سمعته.

اترجته بهدوء وهي شايفة زعله وصدمته من طلبها:

ـ وهو أسبوع هبيت فيه ويا أمي وخواتي كتير يا "سند"؟!
دي أول طلب اطلبه منك على فكرة، مفيهاش حاجة صعبة يعني.

بص لها بنظرة عميقة وشدها بايديه ناحيته وارتطمت بصدره وهو بيسألها:

ـ يعني انتي تقدري تنامي بعيد عن حضني اسبوع بحاله يا "نغم" ؟ لو تقدري تعمليها اني مهوافقش ومهحبش وما عنديش ستات تبات برة بيتها.

غضبت من رفضه وعاتبته بقسوة:

ـ طب ما انت ما هتباتش وياي كل ليلة وبتسيبني وتروح تنام عند "دعاء"  يوم ويوم، وبالرغم من اكده ما هعتبش عليك ولا هقول لك اني من حقي انك تبات في حضني كل ليلة وهكبر دماغي، وكمان اني عارفة حالي من ما ليش راي في أي حاجة تخصني حتى لو كان أسبوع هباته ويا اخواتي يا "سند" .

بص لها بلوم شديد ورد عليها:

ـ يعني انتِ شايفة ان أني مقفل عليكي ما هخليكيش تتنفسي ولا تختاري أي حاجة وياي واني هتحكم فيك يا "نغم"؟

وطت راسها في الارض بحزن شديد بسبب تحكماته فيها وما ردتش عليه فكمل هو بأمر لايقبل النقاش ومهمهوش زعلها:

ـ طب على اكده تمام، حوار بياتي مع "دعاء"  لأن ليها حق كيف حقك ووقتها بتكوني نايمة في أوضتنا وعلى سريرنا اللي بيجمعنا سوا وهكون مطمن كأنك نايمة في حضني بالظبط، أما حوار إنك ما هتختاريش حاجة واصل فاني بقى راجل مفتري يا ستي وهفرض عليكِ حاجات نفسك تعمليها وما هخليكيش تعمليها، واللي انتِ رايداه دي ما هيحصلش يا "نغم"  وما فيش بيات بره بيتك، كبرتي الموضوع التافه دي وعملتي منه حوار ملهوش عازة.

دموعها نزلت سريعة بسبب كلامه خلته زهق اكتر:

ـ كل اما اقول لك كلمتين تعيطي لي وكأني متجوز عيلة صغيرة عاد اني خارج ووقت المولد دي ما ينفض تقومي تمشي وياي من السكات.

ونفض جلابيته وسابها وخرج وقفت مكانها من شدة غيظها دبت في الأرض، مسحت دموعها بحدة وقالت في نفسها:

ـ ماشي يا "سند"  إن ما وريتك الأسبوع دي كلاته من نكد الستات مبقاش أني "نغم" ، بني آدم متملك واول مرة تخنـ.ــقني اكده.

هدت أعصابها وخرجت لهم وهي بتحاول ترسم الابتسامة بالعافية وكل شوية "سند" يبص عليها من تحت لتحت يلاقيها بتهرب بعيونها بعيد عنه، وبعد شوية خال "يونس" صمم ان هو يسافر ويرجع على كتب الكتاب، والقعدة خلصت و"يونس" خرج هو كمان عشان يروح مع "سند"، بص لـ "نغم" انها تقوم علشان يمشوا اترجته بعينيها انها تفضل بايتة بص لها بصة رعبتها خليتها قامت من مكانها ومشيت معاهم،

راح "يونس" للمكان بتاعه اما هو طلع معاها على شقتهم، اول ما دخلوا خلعت حجابها ورمته بزهق وولادها دخلوا يناموا على طول، من غير ما تتكلم معاه ولا كلمة، فسألها:

ـ هتعملي ايه دلوك، اني مصدع.

ردت عليه بوش جامد ونبرة باردة:

ـ مليكش صالح بيا، اني تعبانة وهدخل انام.

نفخ بضيق من طريقتها وجمودها معاه وضرب كف على كف بغيظ:

ـ يا ابوي على الحريم ونكدهم ودماغهم الصغيرة عاد، هو انتي غاوية هم ونكد وخلاص ولا انتي عيلة صغيرة مثلاً علشان بوزك الممدود شبرين دي.

كانت حاسة باختناق من جواها بسبب رفضه وخصوصاً إنها اكدت لاخواتها انها هتقضي معاهم الاسبوع كله وكانت واثقة في موافقة "سند":

ـ اني ولا عايزة انكد ولا عايزة اتحدت في اي حاجة واصل، وانت اللي هتفتح مواضيع نتخانق فيها اني هدخل انام.

بص لها بزهق وقال:

ـ يعني الليلة اللي جوزك هيقضيها معاكي بدل ما تقعدي جاره وتونسيه تقلبيها نكد يا "نغم"؟ طب ادخلي دلوك اعملي لي كوباية قهوة.

دورت وشها بعيد:

ـ هو فى حد يشرب قهوة الساعة واحدة الصبح عاد؟"

حرك راسه ورد بعند:

ـ مليكش صالح، ادخلي اعملي لي قهوة دلوك وافردي وشك وانتي هتعمليها علشان تطلع زينة، مهحبش الحاجة اللي هتتعمل من غير نَفس دي.

ونادى عليها قبل ما تدخل المطبخ وهو بيبص لها بنظرات غير مفهومة:

ـ مش تغيري خلجاتك الاول علشان تُبقي على راحتك، أني مش مستعجل، ليلتنا طويلة؟

بعتت له نظرة مليانة خصام وعتاب وزعل منه وسابته ودخلت الأوضة بتاعتها تغير هدومها، دخل وراها وراح ناحيتها كانت واقفة قدام الدولاب بتطلع بيجامة تلبسها، وكل لما تطلع حاجة ياخدها منها ويرميها وهو بيشاغبها وبيرخم عليها:

ـ مش عاجباني هحسها هتُبقى وحشة عليكي شوفي غيرها.

دبت في الأرض بغيظ وحاولت تبعده عنها:

ـ يوووه بقى، انت فرهدتني وياك، حتى ماعيزنيش البس اللي على كيفي كمان، وبعدين بعد عني شوي معرفاش أتحرك ولا أتنفس من قربك مني الزايد عن اللازم دي.

مسك ايديها بتملك وهو بيثبتها على قلبه ورفع حاجبه بمكر وهو بيجاوبها:

ـ اه ماهيعجبنيش حاجة وهحبك تلبسي على كيفي، مش قلت لك أني راجل مفتري يا ستي.

وكمل كلامه وهو بيشدها على صدره وايده مثبتها على ضهرها بتملك وكمل مشاغبته معاها بعبث:

ـ وبعدين ليه ما عرفاش تتنفسي في قربي؟ اتوحشتك قوي للدرجة علشان اكده مقدراش على وقفتك في حضني من غير ما أضمك يا صغنن؟ اعترفي يا بابا الاعتراف بالاحتياج لحضن سندك فضيلة، وأني هرحب بيكي كمان.

اتململت بين ايديه وبتحاول تفك نفسها من محاصرته وكل دي وهي لسه زعلانة منه لأنه أفسد عليها بياتها مع أخواتها، ومعرفتش تتحرك بين ايديه خالص، دفن ايده بين خصلات شعرها وثبتها بتملك وهمس قدام شفايفها اللي بيرتعشوا من مشاعرها المتضاربة قدامه في اللحظة دي وجننته:

ـ طب هل يعقل يعني إن بجسمك الصغير دي هتعرفي تفلتي من يدي.

وقرب منها وخـ.ــطف بوسة من عينيها الحزينة:

ـ طب إنتي أصلاً نص طولي وكيف العيلة الصغيرة بين يدي ومهتعرفيش تفلتي يمين ولا شمال علشان انتي في قبضة سندك حبيبك اللي إنتي واقفة قدامه دلوك مقدراش تتنفسي علشان هتعشقي قربي منك وباين كمان في عيونك اللهفة هتداري على زعلك الغير مبرر مني ومش في محله خالص يا عيوطة.

هربت بعيونها المكشوفة بعيد عنه وهمست بصوت رقيق طالع بالعافية من سيطرة قربه عليها:

ـ طب شوف انت هلبس ايه علشان اعمل لك القهوة وانام تعبانة طول النهار من تجهيزات قراية الفاتحة.

كان متمسك بايديها وهو بيبص للدولاب وطلع هوت شورت لونه أحمر وقال لها بعيون هتاكلها:

ـ خلاص اختارت لك دي بتُبقى جميلة كيف القمر وانتي هتلبسيه، واني هحبه عليكي.

كانت بتبص له بخجل وهي بتتهرب بعيونها بعيد عنه:

ـ بس دي مكشوف قوي وقصير وأني مهلبسهوش غير وأني داخلة لسريري واخاف "محمد"  يقوم يدخل الحمام ويشوفني بيه مينفعش عاد، هشوف حاجة غيره.

اتمسك بيه وبدا يفك لها ازرار عبايتها ورد عليها بمكر ولهفة:

ـ "محمد"  لساته في أول نومه مهيصحاش دلوك، ويالا بقى ولا تحبي البسه لك أني، علشان مصدع وعايز القهوة اللي هتظبط دماغي ضروري.

مطت شفايفها بحيرة منه وأخدت منه الهوت شورت ودخلت الحمام غيرته بعد ما سابها بالعافية كان مصمم تغير مكانها بس محبش يطول في مشاغبته ليها، مفيش دقيقتين وخرجت من الحمام بهيئتها اللي خطفته وزلزلته وبلع أنفاسه بصعوبة، كانت لسه هتخرج من الأوضة علشان تروح تعمل له القهوة، قام لحقها وقبل ما تخرج حاصرها بين صدره والباب، وقرب منها بيشم ريحة شعرها اللي سحرته وحضنها بتملك، بلعت ريقها بصعوبة من قربه ولمساته واتكلمت بصوت متوتر:

ـ طب بعد يدك هروح اعمل لك القهوة، سيبني بقى يا "سند".

دفن راسه في شعرها وهو حاضنها بتملك ولهفة:

ـ انتي حبيبتي اللي ريحتك بمذاق القهوة اللي هتمشي لي الصداع يا "نغم" ، وحشتيني قوي.

حاوط وسطها بدراعه العريض وشدها عليه أكتر لحد ما ضهرها لزق في صدره، وحست بدقات قلبه السريعة اللي كانت بتضرب بقوة ورا ضهرها، أنفاسه الحارة على رقبتها خلت جسمها كله يتنفض، وبلعت ريقها بصعوبة وهي بتحاول تفلت من بين إيديه وقالت بصوت متوتر وناعم:

ـ بس أني زعلانة منك وانت اكده هتضحك علي، ابعد بقى أني مخصماك بجد.

دفن راسه في شعرها وهو حاضنها بتملك ولهفة، واستنشق ريحتها اللي سحرته وقال بنبرة مبحوحة ومليانة شوق:

ـ وماله ازعلي وإنتي في حضني، وبعدين قلبك هيدق بلهفة علي وانتي بين يدي، اعترفي حالا إنك مقدراش تبعدي عني إنتي كمان يا بابا.

"نغم" غمضت عيونها باستسلام، وحست إن كل المقاومة والعناد اللي جواها دابوا في ثانية قدام نبرة صوته الدايبة ، لفت براحة بين إيديه وبقت واقفة قباله، رفعت عيونها وبصت لملامحه القريبة قوي منها، ولقت نظرة الشوق في عيونه واضحة وفاضحة كل تملكه ليها، حطت إيديها الإتنين على صدره وقالت بدلال ورقة:

ـ يعني كنت شَديد معاي قوي في بيت ابوي وزعلتني، ودلوك قاعد تقولي وحشتيني؟ إنت خابر زين كيف تثبتني بحديتك دي يا ولد الناجي.

"سند" ابتسم بهدوء ومكر، ونزل براسه لحد ما جبينه سند على جبينها، وهمس بصوت رخيم دوبها:

ـ أني شديد في كل حاجة إلا في شوقي ليكي يا قلب "سند" ، اني ما هصدق اليوم اللي ببات فيه وياكي ببقى كل لهفة وشوق انك تكوني في حضني وفي الاخر عايزة تسيبيني وتروحي تباتي مع اخواتك بذمتك ده كلام يعقل يا نغمي.

وهمس لها برغبة زلزلته وانفاسه الساخنة هتضوي على ملامحها:

ـ وحشتيــــــــــــــــني قوي."

"نغم" دقات قلبها سرعت وضاعت كل الكلمات من على لسانها، لمسات إيديه الدافية وهي بتتحرك على وسطها وبتشدها ليه أكتر عطلت تفكيرها تماماً، رفعت إيدها ولفّتها حوالين رقبته بتلقائية، ودفنت وشها في رقبته وهي بتتنفس ريحته القوية اللي بتعشقها، وهمست بنعومة:

ـ وإنت كمان وحشتني قوي يا " سند" ومأقدرش على زعلك والله ولا اقدر على بعدك، إنت طلعت مكار موت وسحبتني ناحيتك ونسيتني زعلي بلهفتك علي، وعارفني زين إني مهقدرش اقاوم محاوطتك داي ليا.

"سند" مقدرش يتحمل دلالها أكتر من كده، رفع وشها بكفوف إيديه الإتنين وبص في عيونها بنظرة طويلة مليانة غرام ولهفة جارفة تخطت كل حدود العقل، ونزل بشفايفه لشفايفها في قبلة دافية وطويلة، قبلة كانت مليانة عتاب رقيق على الخناق اللي فات، واتحولت في ثواني لبركان شوق ولهفة جارفة لفت الدنيا بيها ومبقتش حاسة بوجود أي حد غيره ونبض صدره اللي كان بيرجف تحت إيدها،

"نغم" استسلمت بالكامل لحضنه ودفنت ايديها في شعره وهي بترتعش من مشاعرها، و"سند" ضمها أكتر وأكتر كأنه عايز يدخلها بين ضلوعه ويقفل عليها من عيون الدنيا كلها، وبقت أنفاسهم ياخنة ومخطوفة من كتر الشغف والغرام اللي جمعهم الليلة دي،

بعد وقت طويل، بعد "سند" عنها وهو بيلهث، وبص لوشها اللي بقى أحمر وعيونها الدبلانة من أثر الغرام، وابتسم بعشق و همس جنب ودنها بنبرة دافية تدوب الحجر:

ـ الظاهر اكده إن القهوة ملهاش عازة الليلة دي، والصداع طار من قربك يا نغمي.

شالها براحة وبخفة بين إيديه، و"نغم" حاوطت رقبته وبصت له بحب جارف نسّاها كل زعل الدنيا، وأخذها ودخل بيها لسريرهم واتقفل الباب على ليلة دابت فيها كل مسافات العناد، وبدأت قصة صلحهم من غير ولا كلمة، بل بنبض قلوبهم الملهوفة وأمانهم الأبدي.

                   *******

قاعد في الجنينة، حاطط شاش وقطن على راسه اللي اتفتحت، وعينه الشمال منفوخة ومزرقة من أثر الخاتم اللي علم في وشه، كان هيتنفس نار  ويدعك في كفوفه بقهر وغل وهو بيفتكر إزاي "مهرة" الحناوي سحبته وهانت رجولته قدام الحريم والغفر اللي واقفين يتفرجو عليه، وهو بيصرخ زي العيل الصغير، السكوت اللي كان فيه مكنش سكوت رضا ، ده كان سكوت بركان بيتجهز علشان يطحن كل اللي قباله، دخلت عليه أمه "رابحة" وهي شايلة صينية عليها كوباية ليمون دافي وعيونها هتطق شرار وغل من بهدلتها هي كمان قدام الحريم، حطت الصينية على الترابيزة وقربت منه، وطبطبت على كتفه بحنان  وقالت بنبرة جادة مليان غيظ:
ـ اشرب الليمون داي يا "سمير" علشان يبرد نار جوفك هبابة، أني خابرة إن الوجع واعِر، والكسرة قدام الغفر مهتتنسيش واصل، بس يمين الله ما عاش ولا كان اللي يصغر واد "رابحة"  في البلد داي وطول ماني عأتنفس على وش الأرض.

"سمير" رمى كوباية الليمون بايده على الأرض اتكسرت ميت حتة، وعلي صوته المبحوح من كتر الغل وهو بيبص لأمه بعيون حمرا زي الدم:
ـ ليمون إيه اللي عتقولي عليه ياما؟! أني دمي سايح، وكرامتي بقت في الوحل قدام الغفر كلاتهم! البلد عتتحدث عن "سمير الناجي"  اللي علمت عليه حُرمة وفتحت له نفوخه بطوبة، وأخوي الكبير  نازل يدافع عنيهم ويقول لي إنت اللي غلطان! أني مههداش واصل ولا عيغمض لي جفن إلا لما أشيع "مهرة"  داي لقبرها، وأخلي الظابط اللي فرحانة بيه دي ياجي يستلم جثتها قبل كتب كتابها!

"رابحة"  لوت بوزها بغيظ شديد، وقعدت جنبه على الكرسي، ومسكت ايده الإتنين وضغطت عليهم جامد وهي بتتكلم بصوت واطي ومكر حريمي :
ـ لاه.. إياك تعمل اكده يا "سمير" ! إنت لو مديت يدك عليها عاد، أخوك "سند"  مهيرحَمكش، والظابط واد الهلالي هيحبسك وورا الشمس ، ويُبقى إحنا اللي خسرنا كل حاجة وطلعنا بصغار قدام الناس، اسمع حديت أمك اللي ربتك وتعرف زين كيف تآخد الحق.. إنت تطلع نفسك من الموضوع داي واصل، وتعمل حالك مش داري بحاجة ولا عتفكر في عداوة، وأني اللي عآخد حقك تالت ومتلت، حريم لحريم يا ولدي ، والست لما تكيد لست واصلة، عتخليها تتمنى الموت ومطولهوش.

"سمير" سكت شوية وهو بيمسح على وشه بغضب، وبص لأمه بشك ولهفة:
ـ وكيف عتعمليها داي ياما؟ داي "مهرة"  قوية وواعرة وكيف الأسد المسعور، وانتِ شفتي بعينك عِملت فيّ إيه قدام الكل .

ابتسمت "رابحة"  بشر ملوش آخر، وعيونها لمت بمكر التعابين:
ـ سيبها عليّ.. أني ناري قايدة منيها أكتر منك، وبهدلتها ليّ قدام خواتها وأمها مهتعديش واصل، أني خابرة اتنين حريم من نجع العرب، يدهم ممدودة في الأذى وشرهم عيغطي نفوخ بلد كاملة، 'رسمية' و'بخيتة' الحُرمة منيهم بجمل، وعيعرفوا كيف يربوا البت اللي عتشوف حالها داي، هخليهم يتربصوا لها في السكة وهي خارجة، ويدوها علقة موت يكسروا عضمها كسر، مهيخلوش حتة فيها سليمة! هخليهم يبطحوها ويخزقوا عينها الزينة داي، علشان كتب كتابها اللي فرحانة بيه دي يتقلب نكد وعزا، وبدل ما تلبس الفستان الأحمر تلبس الكفن أو تقعد مكسحة على سريرها والكل يشمت فيها.

"سمير"  ريقه جري وسند ضهره على الكرسي وهو مبتسم بشر وشماتة:
ـ يمين الله ياما لو عِملتي اكده لهبوس يدك ورجلك قدام الدوار كلاته! أني رايد أشوف كبرياء الدكتورة دي في الطين، رايدها تبكي وتصرخ كيف ما خلتني أصرخ.

قامت "رابحة"  وسابته في أوضته وهو ناره هديت ، ونزلت طوالي على أطراف البلد، اتقابلت مع "رسمية" و"بخيتة" في مكان متداري ، وادتهم  فلوس كتيرة وقالت لهم وهي بتوصف بيت "مهرة"  بغل وطلعت لهم صورتها :
ـ البت داي رايدها تتكسر كسر، عضمها دي يتدشدش ومتمشيش على رجليها واصل قبل كتب كتابها، رايدة الفرحة في قلبها تندفن وتُبقى عياط ونكد، واليومين دول عتلاقوها خارجة لحالها كَتير عتعزم أصحابها في البلد،  اترصدوا لها واصطادوها في مكان هادي مفيهوش ناس واصل.

بعد يومين، كانت الأجواء هادية والشمس هتميل للغروب، "مهرة"  كانت خارجة من بيتها، لابسة عبايتها السمرا وحجابها الملفوف بعناية وكانت زي القمر ، الفرحة كانت هتنور وشها، وكل خطوة بتمشيها كانت حاسة إن ربنا عوضها بـ"يونس" اللي هيصونها ويحميها،

وهي بتعدي في مدق ضيق بين الغيطان، مكان متنحي شوية لكنه مختصر للطريق اللي هي رايحاه لصاحبتها ومفيهوش ناس  والزرع عالي من الناحيتين، حست بحركة غريبة ورا ضهرها، لفت بسرعة ولقت اتنين حريم ضخام، ملامحهم عكرة وشكلهم هيفوح بالشر، لافين شيلان سودا على نص وشهم وعيونهم بتلمع بالغدر وهي ذكية جدا وبتفهم نظرات ووشوش اللي قدامها، 

"رسمية"  قربت منها ورفعت ايدها وعلت صوتها بوقاحة:
ـ أهلاً يا ست الدَكتورة،  لساتك عتمشي في السكك وفرحانة بروحك؟ تعالي اهنه عاد علشان نبارك ليكي على كتب الكتاب ب طريقتنا.

"مهرة"  وقفت مكانها، متهزتش ثانية، ونظرة برود وتعالي ظهرت في عيونها اللي مش بتخاف من الجن الأزرق، حطت موبايلها في جيب عبايتها وقالت بنبرة حادة وواثقة:

ـ إنتوا مين يا حريم النكد وعايزين إيه؟ طريقتكم دي متريحش وأني ماليش صالح بيكم، فوتوا السكة قبل ما أخلي نهاركم طين، انتوا متعرِفونيش زين .

التانية ضحكت بصوت عالي ومقزز وسحبت شومة صغيرة كانت مدرياها تحت شالها:

ـ نهارنا إحنا اللي طين ولا نهارك إنتِ اللي هيُبقى كحل الليلة؟ تعالي عاد يا بت حناوي الخمورجي على رأي الست .

وفي لمح البصر، هجموا عليها الاتنين سوا، "رسمية"  مدت ايدها بغل عايزة تمسك "مهرة"  من حجابها وتجرجرها في الطين، و"بخيتة"  رفعت الشومة عايزة تضـ.ــربها في كتفها تكسرها، بس "مهرة"  مكنتش بنت صِغيرة ولا غشيمة، دي "مهرة الحناوي" اللي اتربت على الأرصفة وعارفة إزاي تدافع عن نفسها ها في خناقات الحريم العشوائية، وياما اتعرضت بدل المره مليون للمواقف اللي زي دي، 

"مهرة"  وطت راسها بخفة تفوت ايد "رسمية" ، وبحركة سريعة من رجليها داست بكل قوتها على رجل التانية اللي كانت بتتقدم عليها بالشومة، صرخت من الوجع والشومة فلتت من ايدها، "مهرة"  مسكت الشومة من الأرض طوالي، وبدأت خناقة حريم شديدة وعشوائية؛ "رسمية"  هجمت تاني ب كفوفها عايزة تجيب وش "مهرة"  وتشد شعرها، بس "مهرة"  استخدمت الشومة بالعرض وصدت ايديها، وادتها ضربة قوية في بطنها خلت  تتكفي على وشها في التراب وهي بتكتم نَفسها،

التانية حاولت تقوم وتشد عباية "مهرة"  من ورا وتقلبها على الأرض، لفت "مهرة"  بسرعة وكورت ايديها  ضربتها ب كوعها جامد في صدرها خلت نفسها يتكتم، واتمكنت منها ومسكتها من طرحتها وفضلت تضـ.ــرب راسها في جذع نخلة جقبالهم لحد ما دارت الدنيا بيها وبقت بتصرخ وتولول بصوت  عالي:
ـ آه يا نفوخي، الحقيني يا "رسمية"  داي البت دي غولة ومش حُرمة واصل! قتلـ.ــتني يا ناس.

"رسمية"  حاولت تقوم وتجري تفلت بجلدها بعد ما لقت العلقة شديدة وحطت عليهم جامد، بس "مهرة"  كانت أسرع، جرت وراها وسحبتها من شالها ووقعتها في جورة المية اللي جنب الأرض، ونزلت فوقيها بالشومة تضربها على ضهرها ورجليها لحد ما بقت تصرخ وتتلوى تحت رجلين "مهرة"  زي البرص:
ـ  بزياداكي عاد! يمين الله عضمي اتدشدش.. سيبيني في حالي يا دَكتورة الله يخليكي والله ما هقرب ناحيتك تاني واصل ، أني حرمت .

"مهرة"  وقفت فوقيهم ونفسها بيعلي ويوطى، هدومها اتبهدلت تراب بس كانت واقفة زي الأسد، ماسكة الشومة في ايديها وبتبص لهم بنظرة حادة زي الصقر وبرود يموت ، حطت رجلها فوق رجل "رسمية"  المرمية في الطين، وضغطت جامد وقالت بصوت قوي :
ـ على فين يا ولية إنتي تعالي لي منك ليها، دي انتوا تسليتي النهاردة، ها قولوا بقى يا حلوين مين اللي شيعكم وراي يا حريم الكلب؟! انطُقي إنتِ وهي قبل ما أدفنكم اهنه في الطين دي، ومحدش يدرى عنيكم واصل! أني "مهرة الحناوي"  اللي خلت أجدع شنب في البلد يترعش، جايين إنتوا يا عرر تكسروا عضمي؟ انطُقي، والله إنك غشيمة منك ليها وصعبانين علي .

"بخيتة"  وهي بتبكي وبتمسح وشها المليان دم وطين من جذع النخلة قالت بنبرة مليانة من الرعب:
ـ الحاجة "رابحة" ... الحاجة "رابحة" هي اللي ادتنا صرة الفلوس وقالت لنا اكسروا عضمها ومتخلوهاش تحضر كتب كتابها واقلبوا فرحتها نكد! يمين الله مالنا صالح داي هي اللي وزتنا عليكي.

"مهرة"  لوت شفايفها بابتسامة كيد وشماتة، وسحبت موبايلها من جيبها بسرعة، وفتحت الكاميرا وفضلت تصورهم فيديو وهم متبهدلين بالدم والطين وهيولولوا تحت رجليها، وقالت وهي بتوجه الكاميرا عليهم:
ـ قولي الحديت دي تاني في الفيديو يا حُرمة إنتِ وهي، قولي مين اللي شيعكم وعمل فيكم اكده.

الستات من كتر الرعب فضلوا يتكلموا في الفيديو ويبكوا ويقولوا إن " رابحة"  هي اللي بعتتهم، قفلت الفيديو وحطت الموبايل في جيبها، وبصت لهم بقرف:
ـ غوروا من قدامي عاد.. ولو شفت طرفكم في البلد دي تاني، هخليكم تتمنوا الموت ومهتطولهوش.

قاموا يجروا وهم بيعرجوا ويولولوا من كتر الوجع والعلقة اللي اديتها لهم "مهرة"،

و مأخدتش بعضها ورجعت دارها ، بل بالعكس عدلت حجابها ونفضت التراب عن عبايتها ببرود شديد، واتحركت بخطوات واسعة وواثقة ناحية دوار الناجي، 

أول ما وصلت، فتحت الباب بقوة ودخلت الجنينة لقت "رابحة"  قاعدة على الكنبة بتشرب قهوة ومستنية الأخبار لأنهم بلغوها إنهم قطرو "مهرة"، وفرحانة في إن "مهرة"   هتتكسر، أول ما "رابحة"  رفعت عيونها ولقت "مهرة"  واقفة قدامها سليمة، ومفيهاش خدش واحد، وعيونها بتلمع بتحدي وتعالي، الغل والصدمة لجموا لسانها، 

وقفت مفزوعة، وعيونها خرجت من مكانها وقالت بصوت مرعوب ومشحون بالغل:
ـ وه! إنتِ؟! إيه اللي جابك اهنه عاد؟ وكيف داخلة بيتي بالأسلوب الهمجي داي ومن غير إذن واصل، معلوم ما انتوا تربية شوارع هتعرفوا الأصول منين .

"مهرة"  قربت منها بخطوات بطيئة هادية وبرود، وحطت ايديها في وسطها ببرود وكيد شديد، وبصت لها من فوق لتحت بنظرة تعالي خلت "رابحة"  تاكل في نفسها:
ـ إيه يا "رابحة" ؟ شكلك انصدمتي لما شفتيني واقفة على رجلي وزينة كيف الفرسة. 

ومطت شفايفها بدلال وكملت بكيد :

ـ أوووه ... ماهو ليكي حق تخافي ما المهرة بصُح واقفة قدامك، كنتِ فاكرة إن حريم العرب اللي شيعتيهم وراي عيجيبوا راسي؟ لاه واعر عليكِ قوي يا ولية يا خرفانة،  أني قلت لك قبل سابق إحنا م بقيناش الطيور اللي تتاكل لحمها واصل، بس انتِ نفوخك ناشف ورايدة التلطيش.

ووطت بجسمها وسندت على الترابيزة ووجهت عيونها في عيون "رابحة" بقوة:
ـ بس انتي لساتك فاكرة حالك تعملي اللي على كيفك ومهتلاقيش اللي يرد عليكي، متخافيش يا "رابحة" اللي مربهوش أمه وأبوه هتربيه الأيام والليالي، والعبدة لله "مهرة" اللي خلفها حناوي هي أيامك السودة اللي هتربيكي، ولياليكي الهباب اللي هتخليكي تحلمي بكوابيس يا ولية يا ناقصة، وهوريكي تربية الشوارع هتعمل فيكي ايه .
"رابحة"  وش الهدوء اللي كانت رسماه اتمحى تماماً، وظهر وش الجبروت والغل، وقربت من "مهرة"  ورفعت صباعها بتهديد وعلت صوتها بجبروت :
ـ جرى لك إيه يا بت الحناوي؟! هتتبلي عليّ في بيتي وهتقلي أدبك علي ؟! أني ماشيعتش حد واصل، وإنتِ لو فاكرة إن جوازك من الظابط عيعمل ليكي قيمة وهتتحدتي معايا اكده في داري، يُبقى عتحلمي! أني "رابحة الناجي'، وأقدر أدفنك حية اهنه ومحدش يدرى عنك واصل.

"مهرة" ضحكت بصوت عالي مستفز، خلى دم "رابحة" يغلي أكتر وأكتر، وسحبت الموبايل من جيبها وبصت لها بتعالي وتكبر:
ـ عتنكري عاد؟ طب بصي زين وشوفي حريمك اللي دافعة فيهم دم قلبك عيقولوا إيه.

فتحت " مهرة" الفيديو وشغلته بصوت عالي، وظهرت "رسمية" و"بخيتة" وهم سايحين في دمهم ومتبهدلين وبيصرخوا ويقولوا: 

ـ الحاجة " رابحة"  هي اللي ادتنا صرة الفلوس وقالت لنا اكسروا عضم الدَكتورة "مهرة" قبل كتب كتابها.

وش "رابحة" اتقلب ألوان؛ من الأصفر للأزرق، والدم هرب من عروقها وبقت تبص للموبايل بصدمة وخزي ملوش مثيل،
"مهرة" قربت الموبايل من وشها  أكتر وقالت بنبرة بتقطر سم وكيد:
ـ شفتي عاد يا أم "سمير" عرة الرجالة حريمك علموا عليكي قبل ما أعلم عليهم أني بيدي! العلقة اللي خدوها تحت رجلي الليلة داي كانت واعرة قوي، وبقوا كيف الفراخ المبلولة، الفيديو داي معاي، ويمين على يمين تاني، لو جربتي تعملي حركة اكده ولا اكده، أو ابنك العرة "سمير"  لمح طرف أختي "شيماء" عاد، مهبقاش "مهرة"  إن م خليت أهل البلد كلاتهم، من أولها لآخرها، يتفرجوا عليكي وانتِ متهانة ومفضوحة بالفيديو داي، وأخلي العمدة وشيخ البلد والبلاد المجاورة يتحدتوا عن عمايل الحاجة "رابحة"،  الكيد الرخيص اللي ميعملوش أصغر عيل.

"رابحة"  كانت بترجف من كتر الغيظ والغل، ونار قايدة في جوفها، عايزة تقوم تهجم على "مهرة"  وتقطع شعرها، بس برود "مهرة" وتعاليها كان بيحجمها ويقتـ.ــلها بالبطيء، "رابحة"  صرخت بغيظ وجبروت مكسور:
ـ هاتي الموبايل داي يا بت الكلب! إنتِ واقفة في داري وعتحدتيني بتهديد وتعالي؟! يمين الله لهخلي "سمير" ...

"مهرة"  قاطعتها بضحكة تعالي وبعين قوية، وحطت الموبايل في جيبها تاني بكل برود، وقربت وشها من "رابحة"  وقالت بدلال المنتصر:
ـ "سمير"  ولدك عاد؟ اللي انفتح نفوخه بطوبة وبقى كيف الحرمة مقدرش ياخد حقه بيده من بنت سيحت دمه، فشيع أمه تعمل كيد حريم؟ لاه يا ولية انتِ وفري حديتك ودي وعقلي ولدك زين، لإن المرة الجاية الدور هيبقى عليكي إنتِ بيدك، وهعلم عليكي قدام الغفر ومهيهمنيش شيبة ولا كِبر سن واصل اللي ميحترمش سنه يُبقى ملوش احترام.

وكملت بكيد وطلعت ورقة دعوة صغيرة ورمتها على الترابيزة قدامها بـكبرياء وتعالي شديد وقالت لها وهي بتغيظها أكتر:
ـ وعلشان أني بت أصول وما هنساش الواجب واصل، أديني عأعزمك بيدي على كتب كتابي من حضرة الظابط "يونس الهلالي" .. لازمن تاجي وتشوفي الدَكتورة "مهرة" بت حناوي وهي عتتكتب على اسم راجل صُح لو شاف الفيديو اللي معاي دي ودري باللي إنتي كنتي عايزة تعمليه في عروسته ، يا ختيييي مهتعرفيش هيعمل فيكي إيه وقتها بس اللي نجاكي منيه وهيخليني أعفوا عنك المرة داي هو المحترم بزيادة "سند" جوز أختي القمر المنور بيتكم العفش دي "نغوم" ، علشان نفوخك دي ينفجر أكتر وأكتر هستناكي يا ربوحة.

لفت "مهرة"  ضهرها بكل برود وتعالي، ومشت بخطوات ثابتة وهيبة تفوق الوصف وسابت الدوار وهي بتضحك بنصر هز كيان الدار كله،

أما "رابحة"  أول ما "مهرة"  خرجت، قعدت مكانها على الكنبة وهي بتضرب على صدرها وبتاكل في نفسها من كتر الغل والدموع لمعت في عيونها لأول مرة مش حزن، ده من كتر القهر والدم اللي غلى في عروقها، بقت بتصرخ بصوت مكتوم وتكسر في كل حاجة قبالها وتكلم نفسها بجنون:
ـ آه يا ناري الواعرة! البت علمت على الحريم وكسرت عيني وجاية لحد دواري تكيدني وتوريني خيبتي وتمرمط بكرامتي الأرض أكتر؟! يمين الله قلبي مولع وقايد نار من بت الجزم داي، آه اللي يطولني عليها مقصوفة الرقبة القوية المفترية داي أخنـ.ـقها بيدي.

وفضلت تاكل في روحها والنكد والغيظ ملا الدار، والفرحة اللي كانت عايزاها تنقلب نكد على "مهرة" ، رجعت في جوفها هي وابنها "سمير"  نكد وحسرة ملوش نهاية.

                      ******* 
وأخيراً جه اليوم المنتظر، يوم كتب كتاب فتاة القمر على ابن الهلاليط الدوار والبلد كلها كانت مقلوبة، والفرحة مش سايعة حد، وكأن البلد مفيهاش فرح غير فرح الدكتورة "مهرة"،

"سند" عمل فرح كبير عظيم يليق بـ "مهرة" وأهلها، فرح يتكلم عنه الصغير والكبير في البلد. من أول النهار، الساحة الواسعة قدام البيت اتفرشت بأفخم أنواع الفراشة، والأنوار والزينات اتعلقت في كل مكان وكأنها خيوط من نور بتزين ليل الصعيد، الدبايح اتدبحت من الفجر، والأكل من كل الخيرات علشان يشرفوا كل ضيوف العريس وكل الناس اللي جات تشارك آل الناجي وآل الهلالي فرحتهم، الطبل البلدي والمزمار كانوا بيعزفوا نغمات الفرحة اللي بتهز القلوب، والكل كان جاي وحاسس بالهيبة والفرحة في نفس الوقت من تنظيم "سند"  وكرمه الواسع اللي ملهوش حدود،

أما العروسة، "مهرة" ، فكانت في أوضتها طالعة زي الملاك، هيئة جميلة ساحرة خطـــفت أنفاس كل اللي شافها، كانت لابسة فستان أبيض منسوج برقة، مشغول بتطريز هادي ولامع خلى مظهرها يبرق زي النجوم في ليلة تمامها، الحجاب الأبيض كان متثبت على راسها بنعومة، ومحدد ملامح وشها الجميلة اللي اتزينت بميك أب رقيق جداً أظهر سحر عيونها الواسعة وبشرتها الصافية، مكنتش مجرد عروسة، دي كانت طاقة من النور والدلال، وجمالها كان فيه كبرياء وعفة خطفوا قلوب الستات اللي حواليها، نغم وشيماء ومريم أخت يونس كانوا حواليها، مش ملاحقين زغاريد وفرحة، وكل ما واحدة تبص في وش مهرة تسمي وتكبر من جمالها اللي بجد بهر الجميع ومخلاش حد يقدر يشيل عينه من عليها،

وفي وسط الأجواء المليانة بهجة، قعد المأذون في صدر المجلس الكِبير، وحواليه كبار البلد والعمدة و"يونس" و"سند"،  "يونس"  كان لابس عباية صعيدي زادته وسامة على وسامته الفخمة والابتسامة مش مفارقة وشه، وعيونه بتلمع بلهفة وشوق مستني اللحظة اللي هتبقى فيها "مهرة"  مراته رسمياً، حط "يونس"  إيده في إيد "سند" ، والمأذون غطا إيديهم بمنديل أبيض، وبدأ يقرأ خطبة كتب الكتاب والجميع قاعدين في إنصات وهدوء تام يملأه الوقار، وأخيراً، نطق المأذون كلمته الأخيرة اللي هزت القلوب وأعلنت الفرحة الرسمية:
ـ بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.

في اللحظة دي، انطلقت الزغاريد من جوة البيت زي المطر،  والطلقات في الساحة برة اشتغلت تضـ.ــرب في السما ترحيباً بكتب الكتاب، فرحة الجميع كانت لا توصف للتلت بنات اللي عانوا المر ووصلوا لبر الأمان، المباركات والتهاني بدأت تنهال على "يونس"  و"سند"  من كل حتة، والكل كان بيبارك بقلب صافي وفرحان من جواه،

برة في الساحة، بدأت حلقات الرقص الصعيدي الأصيل بتعبر عن البهجة الواسعة، الرجالة مع الرجالة في حلقة واسعة، شايلين العصيان وبيرقصوا على دقات الطبل والمزمار بهيبة ورجولة تخطف الأنظار، والستات جوة البيت وفي البلكونات المتدارية كانوا بيرقصوا مع بعضهم بزغاريد وأغاني الفرحة والدفوف، 
وفجأة، الساحة اتفتحت في مشهد حماسي كِبير، ونزل "سند"  و"يونس"  وسط الحلقة يتبارزوا بالعصا! "سند"  بهيبته وطوله وعضلاته، و"يونس"  بخفته ورشاقته كظابط شاب، وبدأوا يلعبوا بالعصا قبال بعض بلطف ومحبة وفرحة خطـ.ــفت أنظار كل الحاضرين، العصا كانت بتخبط في العصا بنغمات سريعة وقوية، وكل ضربة وحركة كانت بتعبر عن مدى التقدير والأخوة اللي بقت بينهم، والرجالة حواليهم بيصقفوا ويهتفوا ليهم في مشهد كله سعادة وفخر يملأ الأجواء، "سند"  كان بيبص لـ"يونس"  ويبتسم كأنه بيسلموا ضهره وأمانه، و"يونس"  كان بيرد الضربات بحرص وحب ووعد صامت إنه هيصون الأمانة دي لآخر يوم في عمره، استمر المشهد الجميل ده لحد ما "يونس"  و"سند"  حضنوا بعض جامد وسط صياح وفرحة الناس كلها، وانتهت مراسم الساحة بانتهاء كتب الكتاب والبهجة مأثرة في كل شبر في المكان،

بعد ما هديت الأجواء ، أخد "يونس"  نفسه وتوجه بخطوات سريعة ومليانة لهفة وشوق ناحية الأوضة اللي فيها عروسته علشان يشوفها لأول مرة وهي مراته، فتح الباب ودخل، وأول ما وقف قدام "مهرة"  وبص لوشها، اتنح تماماً في مكانه! تاهت الكلمات من على لسان "يونس" ، وعيونه اتسعت من الصدمة والذهول أمام الجمال الخاطف للأنفاس اللي شافه قباله، "مهرة"  كانت واقفة مكسوفة، وموطية راسها في الأرض، وخدودها بقت حمراء زي الورد من نظراته الدايبة اللي بتخترق روحه،مقدرش يتحمل المشاعر الجارفة والحب اللي ملى قلبه في اللحظة دي، وفي ثانية، وقدام عيون "نغم"  و"شيماء" وأمه وأخته والحريم اللي واقفين يباركوا، قرب منها وبكل خفة وقوة ....

تعليقات