رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم شهد الشوري


 رواية ما ذنب الحب الجزء الثاني من ضحايا الماضي الفصل الرابع والعشرون 

ظلوا ساعات طويلة واقفين أمام باب غرفة العمليات والوقت يمر عليهم كأنه دهر كامل كانت حياة منهارة تمامًا داخل حضن بدر تبكي بحرقة وهو يضمها إليه بقوة يتمسك بها كأنها الشيء الوحيد الذي يمنعه من السقوط رؤية ابنه وهو يهوي أمام عينيه غارقًا في دمائه كانت كفيلة بأن تزلزله من الداخل

أما ليلى فكانت واقفة على بُعد خطوات ساكنة بشكل مخيف عيناها معلقتان في الفراغ لكن دموعها تنزل بصمت بلا توقف
وجهها شاحب وأنفاسها متقطعة ونظراتها لا تفارق يديها الملطختين بدم يوسف وكذلك ثيابها لا تصدق أنه أُصيب بسببها بل ضحّى بحياته لأجلها !!

الجميع هنا غارقون في الصدمة والحزن يخيم على المكان كظل ثقيل حتى انفتح باب العمليات أخيرًا وخرج ريان برفقة الطبيب الآخر الإرهاق واضح على ملامحهما بعد ساعات طويلة من الجهد فاندفع الجميع إليهما بلهفة ليرد عليهم الطبيب بهدوء محاولًا طمأنتهم :
الحمد لله عدت على خير العملية مكانتش سهلة أبدًا لكننا عملنا اللي علينا وإن شاء الله هيبقى كويس هننقله دلوقتي للعناية وهيفضل تحت الملاحظة الساعات الجاية دعواتكم ليه

انفجرت حياة بالبكاء أكثر وهي تتشبث ببدر :
ابني.....ابني هيبقى كويس مش كده يا بدر

ربت بدر على ظهرها بصمت بينما أغمض عينيه للحظة وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره لكنه ما زال يشعر أن قلبه يرتجف من القلق الذي لن يفارقه حتى يرى أمامه طفله على قدميه مرة أخرى 

أما ليلى لم تتحرك كل ما كانت تسمعه يتردد بعيدًا داخل رأسها حتى خرج يوسف أخيرًا على السرير الطبي جسده ساكن وجهه شاحب في اللحظة التي وقع بصرها عليه شعرت بشيء داخلها ينكسر اندفعت خلف السرير فورًا :
استنوا......استنوا لو سمحتوا

حاولت إحدى الممرضات إيقافها :
يا فندم مينفعش لازم يدخل العناية حالًا

هزت رأسها بعنف ودموعها تسيل بغزارة :
ثانية واحدة بس أشوفه ثانية بالله عليكم

اقترب ريان منها صوته منخفض لكنه حازم :
ليلى هو لسه خارج من عملية كبيرة جدًا الضغط عليه خطر

رفعت عينيها إليه نظراتها مليئة بالذنب والخوف :
انا مش هعمل حاجة بس عايزة أشوفه واطمن عليه

صمت ريان للحظات ثم زفر بهدوء بعد أن نظر للطبيب الآخر :
خمس دقايق بس من غير ما تتعبيه يا ليلى

أومأت سريعًا بلهفة وبعد وقت قصير دخلت إلى غرفة العناية بخطوات مرتجفة بينما غادر ريان بهدوء وأغلق الباب خلفه تاركًا إياها وحدها معه تقدمت نحو فراشه ببطء
رائحة المعقمات تملأ المكان وصوت الأجهزة الطبية وحده يكسر الصمت كان يوسف ممددًا بلا حركة أنبوب الأكسجين يغطي جزءًا من وجهه والضمادات تحيط بجسده
بكت بقوة ما أن رأت حالته ووقفت بجواره عاجزة عن الكلام ثم خرج صوتها أخيرًا مكسورًا :
كنت سيبها تموتني يا يوسف
والله كنت بتمنى الرصاصة دي تدخل فيا أنا كانت هتبقى رحمة ليا رحمة تخلصني من كل التعب والوجع اللي جوايا منك كنت سيبها تموتني أهون عليا من أني اشوفك كده

نزلت دموعها بغزارة وهي تردد بألم :
أنا تعبت منك ومن حبك يا يوسف

اقتربت أكثر وعيناها لا تفارقانه :
أنا جرحتك وكلامي كان قاسي عليك بس تعرف ليه
عشان أنت وجعتني أوي وجعتني لدرجة إن كل كلمة طلعت مني كانت مجرد صدى لوجعي منك
أنا حبيتك بطريقة عمري ما حبيت بيها حد وعلى قد ما حبيتك على قد ما اتوجعت واتجرحت منك

اختنق صوتها وهي تكمل :
عارف أن أكتر حاجة وجعتني مش إنك بعدت ولا إنك اخترت غيري اللي وجعني بجد إنك بعد كل الحب اللي حبيتهولك شوفتني مذنبة شوفتني واحدة تستاهل العقاب وتستاهل انتقامك مع أن كل ذنبي أني حبيتك

انهمرت دموعها أكثر :
لو كنت بصيت لنفسك بعيني أنا....
لو شوفت نفسك بقلبي كنت عرفت أنا كنت بحبك قد ايه

أغمضت عينيها تستعيد كل مرة رأته فيها مع غيرها وكل مرة كانت تبتلع غيرتها بصمت :
حبي ليك خلاني أستحمل أشوفك مع غيري أستحمل فكرة إنك ممكن تكون لحد تاني طول ما أنت مبسوط

تنهدت، وصوتها صار واهنًا :
تخيل أنا كنت برضى بعذابي بس أشوفك بخير

انحنت قليلًا قربه دون أن تلمسه وكأنها تخشى أن تُحرم حتى من هذا القرب همست أخيرًا بانهيار :
ومهما حاولت أكرهك عمري ما قدرت أنساك ولا يوم واحد

أغلقت عينيها والدموع تنهمر منها دون توقف :
فوق يا يوسف ماتسبنيش بالوجع ده لوحدي أنا مقدرش اعيش من غيرك ولا أقدر اتخيل اني أكون موجودة في الدنيا دي ونفسك مش فيها أنا كنت مستحملة بعدك سنين لأن كان كفاية عليا اني عارفة انك عايش وبخير بس مش هقدر أكمل في الدنيا من غير وجودك أنا كدابة وعمري ما كرهتك زي ما قولتلك أنا بحبك يا يوسف !!

كم هو قاسي أن يكون الشخص ذاته هو ملاذك وخرابك معًا
يوسف لم يكن رجلًا عابرًا في حياتها كان فصلًا كاملًا من روحها جزءًا منها تشكل به وكبر معه وانكسر فيه والمؤلم في الحب أننا لا ننجو ممن أحببناهم بصدق
يبقون داخلنا حتى بعد الرحيل كجرحٍ مفتوح لا يلتئم كذكرى تنبض رغم الموت 

كانت تتمنى أن يبتعد....نعم
أن يرحل بعيدًا حتى تهدأ حتى تتوقف عن النزيف منه حتى تستعيد نفسها التي أضاعتها في حبه لكنها لم تكن تعني هذا
لم تكن تعني أن يسقط بين يديها باردًا شاحبًا بين
الحياة والموت هي فقط أرادت الغياب الذي يمنح فرصة للنجاة لا الغياب الذي يسرق الأنفاس إلى الأبد

لأن الحقيقة التي كانت تهرب منها دائمًا أن يوسف رغم كل ما فعله كان الشيء الوحيد الذي أحبته حد الفناء وما أقسى أن ترى من أحببته بهذا الشكل معلقًا بين الحياة والموت بينما تقفين عاجزة لا تستطيعين أن تنقذيه ولا حتى أن تخبريه كم أوجعك.......

ربما كان الحب أحيانًا عقوبة
عقوبة أن تمنح قلبك كاملًا ثم تعيش بقيته ناقصًا

أغمضت عينيها بقهر وشعرت أن قلبها يختنق من فكرة واحدة فقط أن أقسى أنواع الحب…
هو أن تكتشف متأخرًا أن وجود من أوجعك كان أهون ألف مرة من فكرة فقدانه 💔
................
اشتعلت ملامح حياة فجأة بالحياة من جديد وما إن سمعت أن ابنها قد أفاق حتى اندفعت تركض نحو الزجاج الفاصل تحدق به بلهفة تكاد تمزق صدرها كان الأطباء يحيطون به يطمئنون على حالته بينما هي تلتهمه بعينيها من بعيد كأنها تسترد أنفاسها الضائعة مع كل حركة منه

مر بعض الوقت والتف الجميع حوله يطمئنون عليه إلا واحدة فقط أنها.....ليلى !!
بقيت خارج الغرفة ثابتة في مكانها وكأن قدميها قد غُرستا في الأرض لم تملك الشجاعة لتخطو خطوة واحدة نحوه اكتفت فقط بكلمة من الطبيب أنه أصبح بخير
وحدها تلك الكلمة كانت كافية لتعيد إليها بعض اتزانها المفقود أو هكذا أقنعت نفسها

اقترب منها عمها أمير بخطوات هادئة وتأمل وجهها الشاحب وعينيها الغارقتين في أثر البكاء ثم سألها بصوتٍ يحمل من الحزن بقدر ما يحمل من الفهم :
مادخلتيش ليه يا ليلى تطمني عليه ؟؟

رفعت ليلى عينيها إليه تحاول أن تبدو ثابتة لكن اختناق صوتها فضحها وهي ترد بهدوء واهن :
اطمنت عليه من الدكتور وخلاص يا عمي

تنهد أمير طويلًا وكأنه رأى نفسه فيها،د رأى ذلك الخوف القديم الذي عاشه يومًا ثم قال بحنان :
بس انتي محتاجة تشوفيه بعينك عشان قلبك يرتاح وكفاية لحد كده يا ليلى كفاية شد وجذب بينكم العمر بيجري ومع كل لحظة بتفوت منه من غير ما تعيشيها بتندمي

صمت لثوانٍ وعيناه شاردتان في ماضي بعيد قبل أن يكمل :
أنا زمان كنت زيك كنت خايف أقرب من فرح وأوجعها فضلت سنين مخبي حبي ليها في قلبي وهي كانت قربت تيأس مني بس لما لقيت نفسي بين الحياة والموت لقيت نفسي بكلمها هي وبس وبعترف ليها بحبي 

تنهد ثم تابع بحزن وهو يتذكر الماضي :
إحنا عشنا ماضي صعب أثر علينا كلنا أنا وإخواتي لدرجة إن خوفنا من الارتباط خلى كل واحد فينا يهرب من اللي بيحبه ضيعنا من عمرنا سنين سنين كان ممكن نعيشها مع الناس اللي حبيناهم بس كنا ساجنين نفسنا جوا خوفنا 

ابتسم ابتسامة باهتة وهو يستطرد :
محدش قدر يطلعنا من السجن ده غير عمتك حياة رغم أن حالها كان اسوء مننا بس هي كانت ونعم الأم لينا قبل ما تكون الأخت تعرفي أنك طالعة لعمتك حياة يا ليلى أنتي نسخة منها نفس الشخصية ونفس الطباع أنا لما بشوفك مع يوسف بحس اني شايفها زمان انتي اخدتي اسم جدتك الله يرحمها وشوية منها وشوية من والدتك بس اخدتي طباع حياة بالظبط 

ثم نظر إليها مباشرة وكأنه يلامس جرحها بكلماته :
أنا فاهمك فاهم إنك خايفة تقربي من يوسف خايفة يرجع يوجعك تاني ويكسر قلبك خايفة تعيشي نفس الدوامة من جديد بس يا ليلى محدش في الدنيا ضامن بكره لا حب ولا وجع ولا حتى عمر بس اللي متأكد منه إن الهروب ده تأجيل للمواجهة مش أكتر

ارتجف شيءٌ ما داخلها
لأن أصعب ما في الأمر أنه كان محقًا
كانت تخشاه لا لأنه عدوها بل لأنه الوحيد القادر على تحطيمها مرة أخرى والقلوب التي انكسرت مرة لا تعود إلى أصحابها كما كانت أبدًا

سقطت دمعة ساخنة من عينها وهي تهمس :
بس أنا تعبت يا عمي تعبت من الحرب اللي جوايا بين قلبي اللي لسه بيحبه وعقلي اللي مش قادر ينسى الكل شايفني قوية وقادرة زي ما شريف بيقول بس أنا مش كده يا عمي أنا كل اللي بعمله مع يوسف أني بحاول احمي نفسي وانجيها
أنا غلطت زمان لما سيبت مشاعري تتحكم فيا وخليته بدل ما يقدر حبي ليها استغلها كنقطة ضعف عشان ينتقم مني على حاجة أنا ماليش ذنب فيها أنا مش عاوزة اضعف تاني ومش عاوزة اعيد غلطتي ومش عاوزة حبه اللي مخليني دايما في حرب جوايا أنا استاهل الأحسن منه يا عمي

تنهد أمير ثم سألها بحزن :
طب وحبك ليه

ابتسمت ليلى بسخرية موجوعة ودموعها تلمع فوق وجنتيها :
حبه ماعمليش أي حاجة يا عمي غير أنه وجعني وكسرني لدرجة أني مش عارفة حتى أداوي نفسي أو ارجع زي الأول اللي عمله يوسف فيا مخلي جوايا نار مش بس وجع لأ يا عمي نار بتحرقني كل ما قلبي يفكر يميل ليه

نظرت صوب عمها وتابعت بألم :
أنا عارفة أنه بيحاول يصلح الأمور بينا وندمان بس ندمه ده كان بعد ايه يا عمي بعد ما خسرني نفسي وكسرني يوسف طول عمره بيجي متأخر طول عمره بيرفعني لسابع سما بعدها ينزلني على جدور رقبتي لسابع أرض أنت يمكن شايفني بكبر الموضوع يا عمي بس هو فعلاً كبير ومحدش هيحس باللي بقوله غيري لأني أنا اللي عيشته وبس حتى يوسف محسش باللي حسيت بيه الموضوع مش مجرد جرح واحد لأ ده كذا جرح يوسف مسابش حتة في قلبي مكسرهاش حتة حتة وأنا لحد دلوقتي مش حاسة أن حقي رجعلي بندمه يا عمي أنا مش مرتاحة ولا مبسوطة أنا حرفيًا ضايعة !!!

جذبها إلى صدره برفق يضمها كما يُضم القلب المرهق حين يعجز عن الاحتمال أكثر تركها تبكي كما تشاء وترك دموعها تنساب فوق كتفه بينما كفه يتحرك على ظهرها في مواساة هادئة كأنه يحاول أن يخفف عنها بعضًا من ذلك الثقل الذي أنهك روحها وبين ذراعيه بدا ضعفها جليًا للمرة الأولى لا كامرأة تحارب بل كروح أنهكتها المعارك وتعبت من حمل وجعها وحدها

رفع يده يمسد على رأسها بحنان أبوي يمرر أصابعه على خصلاتها في محاولة صامتة لتهدئة العاصفة التي تشتعل داخلها كانت لمسته وحدها كفيلة بأن تهز ما تبقى من صلابتها ارتجفت شفتاها واهتزت أنفاسها قبل أن تنهمر دموعها أخيرًا دون مقاومة دموع ثقيلة خرجت محملة بكل ما كتمته طويلًا

كان أوس قد خرج بعدما اطمأن على يوسف واستمع لكل ما قالته ابنته المنهارة بين ذراعي أمير تبكي بذلك الانكسار الذي طالما أخفته عن الجميع

تجمد مكانه للحظة وشعر بوخزة حادة تعبر صدره كان ألمها يصل إليه كأنه يمزق قلبه هو فرؤية ابنته بهذا الضعف كانت من أقسى ما قد يواجهه أب

رفع أمير عينيه إليه لكن أوس أشار له بصمت أن يبقى كما هو إشارة صغيرة لكنها كانت تحمل فهمًا كاملًا لاحتياجها في تلك اللحظة فثبت أمير مكانه وواصل احتواءها كما هي بينما ظل أوس واقفًا يراقبها من بعيد بعينين أثقلهما الحزن والعجز مدركًا أن بعض الكسور لا يملك الأب نفسه القدرة على مداواتها وكل ما يستطيع فعله هو أن يتركها تبكي حتى تهدأ لعل الدموع تحمل عنها شيئًا من هذا الوجع الثقيل !!
................
رددت قمر وهي تقترب من يونس ما إن فتح عينيه وقد بدا كأن الحياة انسحبت من ملامحه وكأن روحًا أخرى تسكن جسده روحًا مثقلة بالذنب والانكسار :
يونس هو إيه اللي حصل؟!

لكنه تحاشى النظر إليها تمامًا كأنه المذنب وكأن الجريمة التي ارتكبت بحقها كانت من يديه هو لا من غيره
كان في عينيه انكسار مهول انكسار لم تره قمر إلا مرة واحدة يوم استفاقت من كابوسها القديم بعد أن نال منها نوح وسلبها أمانها واليوم ترى ذات الانكسار فيه

نهض من الفراش بصمت ثقيل واتجه نحو الحمام دون أن ينطق بحرف تاركًا خلفه ألف سؤال ينهش قلبها

وقف أسفل الماء البارد طويلًا لعله يطفئ النيران المستعرة داخله لكن عبثًا ما سمعه الليلة الماضية كان كالإعصار
إعصارًا مزق قلبه وعقله وتركه حطامًا

ليته لم ينتظر ليته لم يستمع ليته أطاع أباه وعمه وخرج
قبل أن يعرف فالجهل أحيانًا أرحم من الحقيقة

خرج أخيرًا يلف خصره بمنشفة كبيرة والماء يتساقط من شعره وجسده لكنه بدا غائبًا تمامًا
كأن وعيه تائه في مكان آخر !!

اقتربت منه قمر بخجل ممزوج بالقلق ثم أجلسته على الفراش وجلبت منشفة أخرى وراحت تجفف خصلات شعره برفق ثم مررتها على صدره العاري وكتفيه
بينما هو ساكن مستسلم كأنه لا يشعر بشيء وفجأة قبض على خصرها وأسند رأسه إلى صدرها

تجمدت مكانها كان الموقف محرجًا شديد الحميمية لكنها شعرت بوضوح أنه لا يبحث عن شيء سوى الأمان
رفعت يدها بتردد ثم مررتها على شعره بحنان :
مالك يا يونس والله قلبي واجعني عليك احكيلي حصل ايه

تشبث بها أكثر وكأنه يخشى أن تنسحب منه أو تبتعد حين تعرف الحقيقة فهمست بعتاب :
انت شريكي في كل أسراري والوحيد اللي يعرف عني حاجات محدش يعرفها بثق فيك اكتر من نفسي ليه اتدنت مش عاوز تشاركني أسرارك هو أنا مش محل ثقة ليك

خرج صوته منخفضًا متعبًا مهزومًا :
أنا مستاهلش كل كلامك ده بس.....
بس اوعي تسبيني خليكي جنبي وبس

ظل متمسكًا بها طويلًا قبل أن يبتعد في صمت أخيرًا ويتجه ليبدل ملابسه أما هي فبقيت مكانها حائرة

ما ان خرجت من الغرفة حتى اصطدمت بسيدرا التي كانت تبكي بانهيار فلحقت بها قمر إلى غرفتها وسألتها بقلق :
مالك يا سيدرا ايه اللي بيحصل أنتي ويونس حالتكوا غريبة فهميني في ايه بالظبط

انهارت سيدرا وأخبرتها بكل شيء وحين انتهت، قالت بين دموعها :
يونس بيحبك يا قمر بيحبك من زمان من أول ما عرف يعني إيه حب عمره ما شاف غيرك ولا حب غيرك وهو دلوقتي مكسور أنا عارفة أخويا هيبعد عنك عشان شايل ذنب مش ذنبه وهو مش السبب بس أرجوكي يا قمر متحمليهوش ذنب اللي عملته الست دي حاسبيها هي مش يونس عشان يونس مالهوش ذنب في الحكاية دي كلها غير انه حبك بجنون 

اتسعت عينا قمر من الصدمة والآن فقط فهمت
فهمت سبب كل تضحية كل موقف كل وجع تحمله عنها
لا يفعل كل ذلك إلا رجل عاشق حد الجنون
لهذا ترجاها ألا تتركه لهذا كان يتمسك بها كالغريق !!

اندفعت بسرعة إلى غرفتهما فلم تجده وعندما علمت أنه ذهب إلى الشركة توجهت إليه مباشرة اقتحمت مكتبه دون استئذان كان يجلس مع والده الذي كان يحاول مواساته
صرخت فيه بغضب :
ات إزاي تفكر كده وإزاي عقلك صورلك إني ممكن......

توقفت حين رأت والده خفضت رأسها بخجل قائلة :
آسفة يا عمي ماكنتش أعرف ان حضرتك معاه

ابتسم إلياس بحنان وربت على كتفها :
ادخلي يا بنتي انا كنت خارج أصلًا

خرج وأغلق الباب خلفه فتقدمت نحو يونس والغضب يشتعل داخلها :
انت إزاي فكرت إني ممكن أشوفك مذنب أو أسيبك بذنب انت ماعملتوش

تراجع أمام غضبها حتى سقط على الأريكة فسقطت فوق قدميه لكنه التقطها بذراعيه سريعًا بقلق ورفع حاجبه باستغراب وسألها :
تفكير ايه....؟!

ضربت صدره بعنف وصرخت عليه بحدة :
انك كنت ناوي تسيبني عشان حاسس بالذنب
عشان اللي عملته مامتك فيا 

صمت للحظات ثم رد عليها بانكسار :
ومش هي دي الحقيقة

صرخت عليه بانفعال :
لأ مش دي الحقيقة أنا مش شيفاك مذنب ولا عمري هاخدك بذنب مش ذنب عشان لو عملت كده ابقى ببرر لنوح كمان اللي عمله فيا لما خدني بذنب مش ذنبي ويبقى ساعتها مش عليه لوم أنا مش قليلة الأصل ولا قاسية يا يونس انا مش شيفاك غير ايد اتمدت ليا في وقت انا ضيعت فيه وفكرت اني حياتي اتدمرت خلاص انت عملت معايا اللي محدش عمله وقفت جنبي وساعدتني من غير ما تطلب مقابل سترتني مع أن غيرك عمره ما يقبل بكده ابدًا انا لو شوفتك مذنب يا يونس ابقى بظلمك وانا مش ظالمة !!

تسللت كلماتها إلى قلبه أزاحت عن صدره جبالًا من الألم
كالبلسم على جرحٍ نازف ثم تابعت بغيظ شديد :
مع إني مش طايقاك عشان فكرت فيا بالطريقة دي

ابتسم بمكر وسألها :
يعني مش عاوزاني أسيبك؟

ارتبكت وردت عليه ببرود وثبات واهي :
سيبني لو عاوز من بكره س مش عشان السبب التافه ده

ابتسم يونس بحب صريح رأته لأول مرة بوضوح ليردد لسانها بتلقائية :
يا بختي بيك يا يونس

تجمد بمكانه بصدمة لكن كل ذلك تبدد حين أسرعت قمر تقول :
قصدي محظوظة إن عندي أخ وصاحب زيك

جز على أسنانه وقال بغيظ :
تصدقي بالله يا قمر انتي تسدي النفس

ضحكت رغمًا عنها فضحك معها ثم جذبها إلى حضنه لكنها ابتعدت بسرعة قائلة بغيظ :
اوعى انت ما صدقت

رد عليها ببراءة مصطنعة ومرح :
ابدًا أنا بس حاسس اني مش كويس ومحتاج حضن يعوضني ع الحنان اللي مش حسه بقالي زمان

كاد أن يقترب مجددًا فضربته على كتفه بغيظ :
اتلم بقى

ضحك ورد عليها بمرح ومكر :
بقالك ساعة قاعدة في حضني وعلى رجلي ودلوقتي بتقوليلي اتلم

شهقت ونهضت تركض خارج المكتب بينما ضحكاته كانت تتبعها لكنه كان أخيرًا أخف ألمًا
كلماتها كانت كالبلسم تداوي ما تحطم داخله
............
ولجت غرفتهما ما إن عادت إلى القصر كان قلبها خفيفًا على غير عادته يرفرف بسعادة غريبة لأنها استطاعت ولو لبرهة أن تنتزع من صدره شيئًا من وجعه وتُسكِنه بكلماتها

تردّد في رأسها حديث سيدرا عن حب يونس لها ذاك الحب الذي أخفته عنه عمدًا وكأنها تخشى أن يفتضح أمر قلبه أمامها أو أن ترى في عينيه انتظارًا لا تملك له جوابًا

كانت تخاف لا لأنها ترفضه بل لأنها لم تكن تعلم إن كانت قادرة على رد هذا الشعور دون أن تظلمه أو تجرحه وبينما كانت تتجول تبدل ثيابها داخل غرفة الملابس استوقفها باب صغير جانبي أشبه بمخزن منسي لم تنتبه له من قبل
مدت يدها نحوه بدافع الفضول وما إن فتحته انحبست أنفاسها غرفة صغيرة لكنها مكتظة بها هي.....بها وحدها

لوحات لا تُحصى دفاتر ممتلئة برسوماتها ملامحها ابتسامتها حزنها وحتى نظراتها التي ظنت يومًا أن أحدًا لم ينتبه لها بعضها لها وحدها وبعضها جمعها به وكأنه كان ينسج لهما حياة كاملة على الورق حياة لم يجرؤ على عيشها في الواقع

لكنّ لوحة بعينها كانت كفيلة بأن تزلزلها وخطه الأنيق عليها :
خلق القمرُ لتستدل بهِ البشر وخُلق جمالُك ليَستدِل بهِ قلبي إلى الحُب

ارتعش قلبها وهي تقرأ اللوحة الأخرى :
يتبجحُ القمرُ بجمالهِ في السماء وهو لا يعلمُ أنهُ ليس سوى نُسخة باهتة من وجهِكِ الذي استوطنَ قلبي

وأخرى جعلتها تبكي من التأثر :
رأيتُ في جمالِ وجهكِ ما لا يراهُ النَّاسُ في القمر فسبحان من صاغَ فِتنتَكِ واستوطن حُبكِ في وريدي

وقفت بين تلك الكلمات كمن يقف وسط اعترافات لم تقال بصوت لكنها كانت أصدق من ألف اعتراف

شعرت وكأنها ترى قلبه عاريًا أمامها قلبًا أحبها في صمت ورسمها ألف مرة خوفًا من أن يعجز عن الاحتفاظ بها في الواقع وفي تلك اللحظة قارنته بنوح !!

فاشتعل بداخلها ذلك الكره لنوح أكثر وأكثر
كره وُلد يوم كسرها وما زال يكبر مع كل ذكرى كجرحٍ لا يندمل تتساءل كيف لرجلٍ أن يهدمها هكذا.....؟!
ورجلٍ آخر يحاول إعادة بناءها بكل هذا الحنان.....؟!

لأول مرة لم تشعر بالخوف من فكرة الحب مرة أخرى بعد ما فعله بها نوح بل تشعر بالرغبة فيه
رغبة حقيقية أن تمنح يونس فرصة أن تقترب منه
أن تجرب كيف يكون الأمان في قلب رجلٍ أحبها بهذا القدر

ربما كان يونس هو النجاة التي أرسلها الله إليها بعد كل ما عايشته من ألم وربما إن امتلكت الشجاعة لتمنحه فرصة ستكون هي المحظوظة حقًا لا لأنه أحبها فحسب بل لأنه أحبها بالطريقة التي كانت تستحقّ أن تُحب بها منذ البداية !!
..............
عاد يوسف إلى منزله لكن جسده فقط هو من عاد أما عقله وقلبه فبقيا هناك عند تلك اللحظة عند صوتها
المرتجف وهمسها الخافت له بكلمة....أحبك

الكلمة لم تغادره منذ أفاق كانت تتردد في رأسه بلا توقف يعيدها مرارًا يتذوقها وكأنه يخشى أن تكون مجرد وهم صنعه اقترابه من الموت لكنه كان متأكدًا
متأكدًا أنه سمعها ومتأكد أكثر أن ذلك الصوت كان صوتها هي
منذ أن خرج من المشفى لم يكف عن السؤال عنها
أين هي كيف حالها ولماذا لم تأتي لرؤيته.....؟!

كان يسأل الجميع عنها بإلحاح لكن كل ما يناله مجرد إجابات مطمئنة لا تطفئ قلقه كلمات عامة لا تحمل ما يريده حقًا لأنه لم يكن يريد أن يطمئن عليها من أفواههم بل من عينيها
كان يريد أن يراها أن يتأكد بنفسه أنها بخير
أن يعرف إن كانت تلك الكلمة حقيقة أم لحظة ضعف عابرة
جلس على حافة فراشه يمرر يده فوق وجهه بإرهاق جسده ما زال مثقلًا بالتعب وجرحه بالكاد يسمح له بالحركة لكن شوقه وقلقه كانا أقوى من كل ألم

حاول الجميع منعه حين رأوه ينهض يحذرونه من حالته من حاجته للراحة لكنه لم يكن يسمع شيئًا
في داخله كانت هناك رغبة واحدة فقط أن يصل إليها

التقط سترته ببطء وتحامل على نفسه ملامحه شاحبة خطواته غير ثابتة لكن عينيه كانتا ممتلئتين بإصرار غريب
أن يركض إليها ولو على حساب ألمه كله
..............
كانت ليلى منهمكة في مراجعة بعض الملفات أمامها تحاول أن تغرق نفسها في العمل هربًا من ذلك الصراع الذي لا يكف عن ملاحقتها لكن ما إن رفعت رأسها ورأته واقفًا أمامها حتى انعقد حاجباها بدهشة ممزوجة بالضيق.....

قالت ببرود بينما تسلل القلق إلى عينيها رغم محاولاتها المستميتة لإخفائه :
جاي ليه؟ المفروض إنك تعبان وترتاح

التقط يوسف ذلك القلق المختبئ في عينيها فابتسم ابتسامة باهتة وقال بصوت غلب عليه الشوق :
وحشتيني وكان نفسي أشوفك أوي

أجابته بجمود وهي تعود ببصرها إلى أوراقها :
روح بيتك وارتاح يا يوسف

تنهد بعمق ثم قال بصدق موجع :
راحتي جنبك يا ليلى نفسي تفهمي ده وتصدقيه

ألقت الملف من يدها بعصبية ثم رفعت عينيها إليه وقالت بحدة :
وأنا نفسي تفهم إني مش عاوزاك ولا عاوزة أشوف وشك

هز رأسه نافيًا وقال بثقة مشوبة بالألم :
كدابة والدليل حالتك لما كنا في المستشفى مش قولتي إنك بتحبيني واعترفتي ليا

ثبتت نظراتها عليه وقالت ببرود قاتل :
بحبك كأخ يا ابن عمتي إنت اللي معيش نفسك في أوهام فاكر إن عشان وقفت قصادي وخدت الرصاصة مكاني إني هسامحك وإنك كده كفرت عن أغلاطك في حقي لكن لا
أنا لا هلين ولا هضعف حتى لو بحبك زي ما إنت فاكر
أصلاً الموضوع ده كله إنت السبب فيه لأنك إنت اللي دخلت عقارب زي دول حياتنا وإنت اللي لازم تتحمل نتيجة غلطك مش أنا والرصاصة اللي خدتها مكاني إنت كنت تستاهل ألف غيرها وبرده مش كفاية

أطرق يوسف رأسه لحظة ثم رفع عينيه إليها بحزن عميق : كل ما بفكر إن الطريق بينا قرب ولو شوية بحسك بترجعينا لنقطة الصفر يا ليلى

وقفت أمامه بشموخ وعيناها تحملان من القسوة بقدر ما تحملان من الانكسار :
مفيش طريق من الأساس يا ابن عمتي ويلا بقى بالسلامة عشان عندي شغل ومش فاضية ليك

تنهد بأسى وكأن الكلمات خرجت من قلبٍ مثقل :
الكل حياته بتتصلح يا ليلى وأنا وإنتِ واقفين عند نفس النقطة لا إنتي قابلة محاولاتي ولا قابلة تقولي إيه اللي يرضيكي وأنا أنفذه لحد إمتى هنفضل كده مرة أنا أبعد وإنتي تقربي ودلوقتي العكس دوامة مش عاوزة تنتهي وحلها في إيدي وإيدك حتى لو بينا مصانع الحداد زي ما بيقولوا وحتى لو حصل بينا مصايب ما نقعد ونتكلم ونتفاهم خدي حقك مني بس من غير ما توجعي نفسك بالبعد أنا وإنتي عارفين إننا مش هنقدر نكون غير لبعض هنلف نلف ونرجع لبعض تاني فليه نضيع من عمرنا وقت إحنا أولى بيه....ليه يا ليلى

ارتجف شيء في أعماقها لكنها تماسكت وقالت بصوت مغمور بالمرارة :
أنا نا بس اللي مقدرتش أكون مع غيرك......لكن إنت قدرت

أغمض عينيه للحظة وكأن اعترافها طعنه ثم قال بصوت متهدج :
كنت غبي وماكنتش حاسس بحبك كنت معمي ومخدوع بس فوقت يا ليلى فوقت ونفسي أصلح كل حاجة ونفسي تكوني جنبي ومعايا

ضحكت بمرارة وقد بدأ قناع الصلابة يتشقق فوق ملامحها :
ليه دايمًا لازم يحصل اللي إنت نفسك فيه
أنا مش تحت أمرك يا يوسف ولا رهن إشارة منك

اقترب منها خطوة وقال بحزن صادق :
ماقولتش تحت أمري أنا بقولك اقعدي نتكلم ونتفاهم خدي حقك مني بالطريقة اللي تحفظ كرامتك وأنا والله ما هعترض ولا هفتح بوقي بكلمة ارجعيلي حتى لو بشروط على الأقل نكون أخدنا خطوة بدل ما إحنا واقفين مكاننا والكل حوالينا بيتقدم وحاله بيتصلح وإحنا لسه في نفس الدوامة

اشتعلت عيناها بالألم وقالت بصوت خرج مثقلًا بالقهر :
الكلام سهل بس الفعل صعب أوي وإنت مش في مكاني عشان تحس بيا ولا عيشت وجعي يمكن شايف إن النسيان سهل بس هو أصعب مما تتخيل إنت قعدت سنين مانستش انتقامك من الكل وفضلت تحارب فينا لمجرد إنك حسيت نفسك مظلوم وإنت أصلًا ظالم ما بالك أنا واللي عيشته وأنا كنت على حق

تقدمت نحو الباب وفتحته ثم قالت بثبات يخفي خلفه انكسارًا مريرًا :
اتفضل امشي ورايا شغل

ظل واقفًا للحظة يتأملها وكأن روحه تُنتزع منه ثم استدار ليرحل لكنه قبل أن يعبر الباب توقف والتفت إليها بعينين ملؤهما الإصرار والندم وقال بصوت حاسم :
وأنا مش هسيبك يا ليلى وزي ما قولتلك قبل كده كل ما هتقفلي باب في وشي هرجع وأفتح غيره !!!
...............
عاد حمزة إلى القصر بعد غياب لم يدم طويلًا في حساب الوقت لكنه بدا له كأنه سنوات من الضياع والتيه وما
إن وطأت قدماه الداخل حتى التقت عيناه بعيني مالك الذي كان أول من نهض واستقبله

تقدّم نحوه بلا تردد واحتضنه بقوة رغم أن الجروح بينهما لم تلتئم تمامًا بعد ومازالت بعض الشروخ قائمة لكن كليهما كان يحاول التمسك بما تبقى بأنهما أخوان قبل كل شيء

ابتعد مالك عنه ليجد أوس يتقدم نحوه لأول مرة والده الذي طالما وقف بينهما حاجز من الصمت والجفاء
اقترب أوس وضمه إليه دون كلمة لكن ذلك العناق وحده كان كافيًا ليهز شيئًا عميقًا داخل حمزة ويمنحه دفئًا افتقده طويلًا

تشبث به حمزة وهمس بصوت مختنق بالندم :
أنا آسف !!

لكن أوس قاطعه بصوت منخفض لم يسمعه سواهما :
المهم إنك رجعت يا بني وده كفاية أوي بالنسبالي
نورت بيتك من تاني

تسللت تلك الكلمات إلى قلب حمزة كبلسمٍ دافئ، وفهم جيدًا أن والده لم يقصد فقط عودته إلى القصر بل عودته إلى نفسه إلى عقله إلى الطريق الصحيح

شعر بفخرٍ عارم وهو يرى الجميع من حوله يحتوونه رغم كل ما حدث وكان يعلم أن الفضل الأول في ذلك يعود إلى ليان الفتاة التي شعر في تلك اللحظة برغبة جارفة في الركض إليها واحتضانها وشكرها على كل شيؤ

والفضل الثاني كان لمالك الذي عاد هو الآخر إلى هذا البيت لأول مرة منذ كل ما جرى

الجميع كانوا هناك متجاهلين وجود مهرة تمامًا حتى ليلى لم تستطع النظر إليها أو نسيان ما فعلته
اقتربت ليلى من أخويها واحتضنتهما بمحبة وكأن دفء العائلة عاد أخيرًا ليجمع شتاتهم لكن تلك اللحظة لم تدم طويلًا حيث اقتربت مهرة من حمزة ما أن رأته يقف وحده عيناها تمتلئان بالغضب والخذلان ثم قالت بمرارة :
انت السبب يا حمزة انت سبب اللي حصل ده كله
انت سبب بعدهم عني ونظراتهم ليا بالشكل ده أبوك طلقني لأول مرة في حياته وإخواتك بعدوا عني ارتحت كده
لما طلعت نفسك الملاك وأنا الغلطانة ارتحت لما شوهت صورة أمك في عيون الكل أنا حبيتك أكتر منهم كلهم وفضلتك عليهم وفي الآخر تغدر بيا أنا 

رفع حمزة رأسه إليها والألم يمزق صدره لكنه أجابها بقوة : لمرة واحدة واجهي نفسك بحقيقتك شوفي إن اللي انتي فيه ده نتيجة عمايلك إنتي وغلك وعلى فكرة هما مش شايفني ملاك هما شايفيني واحد غلط وتاب وبيحاول يصلح غلطه مكانوش هيصدقوني غير لما شافوا الصدق مني

ثم أشار إلى من حوله وقال بمرارة :
دي عيلتي اللي طول عمرك بتحاولي تكرهيني فيهم وتبعديني عنهم عشان أخدم خططك لو كانوا شافوا منك ندم حقيقي كانوا ادوكي فرصة زي ما ادوني لكن إنتي ندمانة عشان اتكشفتي مش عشان غلطتي

ازدادت دموعها لكنه لم يتوقف :
عمتي سارة كرهتيها لما اتغيرت وبقت أحسن منك وخدت مكانة في قلوبهم وعمتي حياة كنتي بتغيري منها عشان فيها كل حاجة مش فيكي وده اللي كان بيحرقك من جوه 

اقترب منها أكثر وصوته ازداد قسوة :
مفيش حد غلطان غيرك أبويا عمره ما بعدك عنه إنتي اللي كنتِ بتبعديه غلك من الكل خلاكي تخسريهم
زرعتي جوايا الكره والحقد ودلوقتي زعلانة إني رديتهولك نسيتي ان اللي بيزرع هو أول واحد بيحصد يا مهرة هانم

ثم نظر إليها نظرة أخيرة قاسية كالحقيقة :
انتي مش بس أسوأ أم إنتي أسوأ زوجة وأبويا معاه كل الحق لما راح اتجوز غيرك عشان إنتي بجد مريضة

في لحظة خاطفة هوت بكفها على وجهه بصفعة مدوية بينما انفجرت دموعها من القهر في تلك اللحظة اقترب أوس منها عيناه تشتعلان غضبًا وقال من بين أسنانه :
غلطاتك كترت أوي يا مهرة اطلعي أوضتك ومتخرجيش منها

لكنها لم تتحرك كأن قدميها تجمدتا في مكانهما
فصرخ فيها أوس بغضب أعنف جعل الجميع ينتبهون :
قولتلك غوري على فوق

أسرعت فرح ابنة خالتها وسحبتها معها إلى الأعلى بينما كانت الدموع والحزن يكسوان وجهها.

أما حمزة فخرج إلى الحديقة والغضب يغلي في صدره وهناك لمح مالك واقفًا وحده شاردًا في الفراغ اقترب منه، ولم يمهله حتى يلتفت وقال فجأة وبصوت حاسم :
أنا بحب ليان بنت عمتي سارة وعاوز أتجوزها !!!

تجمد مالك في مكانه واتسعت عيناه بصدمة واضحة
التفت إليه ببطء يحدق فيه غير مستوعب ما سمعه للتو بقي صامتًا والذهول وحده يملأ ملامحه
.............
بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير
قالها المأذون وهو يرفع المنديل من فوق يد نوح التي كانت موضوعة فوق يد أدهم معلنًا انتهاء عقد القران

كان نوح يكتب كتابه على شدوى بالإجبار وبينه وبين أدهم اشتعلت نظرات نارية نظرات لو أُطلقت في العراء لأحرقت الأخضر واليابس بل ربما أحرقتهم هم أنفسهم وهم جالسون

نوح الذي يكره أدهم حد الموت لأنه أجبره على الزواج من شدوى مهددًا إياه بأخته التي اختفت حتى اللحظة وكأن الأرض قد ابتلعتها وأدهم ذلك الأب الذي لم يستطع نسيان أن هذا الحقير هو من دنس ابنته، أرعبها، وسلب منها
طمأنينتها وشرفها

ما إن غادر المأذون وخلا المكان إلا من أنفاسهم الثقيلة حتى نفد ما تبقى من صبر أدهم اندفع نحوه بعنف ولكمه بقوة جعلت رأسه ينحرف جانبًا ورغم تقدمه في السن إلا أن جسده ما زال يحتفظ بصلابته أما غضبه على ما فعله بابنته فقد منحه قوة مضاعفة

أمسك به رجال أدهم بصعوبة وأبعدوه عنه بينما كان نوح مستسلمًا وقد أدرك أن الحقيقة قد انكشفت أخيرًا وقد علم أدهم ما فعله بابنته !!

وقف أدهم أمامه صدره يعلو ويهبط من شدة الغضب وقال بوعيد تقشعر له الأبدان :
مفيش حاجة حيشاني عنك حاليًا غير الطفل اللي في بطنها ده ووعدي ليها إني هجوزك منها رسمي عشان الطفل اللي مالهوش ذنب في قرفكم لكن قسمًا بالله يا نوح نهايتك ما هتكون غير على إيدي وزي ما عملت في بنتي هيحصل في أختك بالظبط

صرخ نوح بجنون وقد تلبسه الرعب على أخته :
مالكش دعوة بأختي أنا قدامك اهو خد حقك مني راجل لراجل أختي مالهاش ذنب

قهقه أدهم بمرارة ممزوجة بالقرف ثم قال بحدة :
ولما انت شايف نفسك راجل خدت حقك من الحريم ليه ودخلتهم في النص عشان تاخد حقك وانت أصلًا مالكش
حق عندي من الأول دخلت ليه.بنتي في انتقامك وهي مالهاش ذنب.....
الراجل مايعملش كده في واحدة إلا لو كان ناقص وضعيف اللي ياخد حقه من ست بالطريقة الرخيصة دي يبقى رخيص وزبالة انت مش راجل عشان تتكلم عن أمور الرجالة وأخدهم للحق بيكون عامل إزاي انت كنت أضعف وأجبن من إنك تاخد حقك مني وش لوش وزي ما انت سبقت ودخلت الحريم في تارك أنا مش هقولك لا والبادي أظلم زي ما بيقولوا

ارتجف نوح لأول مرة شعر بالخوف الحقيقي
ليس على نفسه بل على أخته
شعر أن قلبه انقبض بقسوة وأن مجرد تخيل أن يمسها سوء كان كفيلًا بخنقه راقب أدهم وهو يغادر وعيناه معلقتان بظهره في ذعر حقيقي !!

أما شدوى فرغم كل ما سمعته شعرت براحةٍ غريبة كأن حملًا ثقيلًا أزيح عن صدرها انتهت أكبر أزماتها واستترت أخيرًا
ابنها سيأتي إلى الدنيا وله أب يعترف به
احتضنتها فيروز وقد بدا عليها بعض الارتياح وقالت برفق :
أول ما تقومي بالسلامة هكلم أهلنا ونروح البلد ملناش قعاد هنا تاني حياتك في خطر لازم نكون وسط أهلنا هما اللي هيحمونا يا شدوى ونقولهم إنك اتجوزتي وجوزك مسافر مثلًا لدولة من دول الخليج وناخد معانا قسيمة الجواز كله هيبقى تمام ماتقلقيش

أومأت شدوى بصمت لكن عيناها كانتا معلقتين بنوح
كان يبدو كأنه غارق في عالمٍ آخر ثم قالت بصوتٍ يحمل
ألمًا ومرارة وشماتة موجعة :
خاف يا نوح عشان انت افتريت كتير أوي سواء معايا أو مع غيري ظلمت كتير وانت طول عمرك حاسس إنك مظلوم مارحمتش حد ودوست ع الكل وع اللي حبيتك من قلبها سواء أنا ولا قمر أنت فضحت الكل وماسترتش حد
مستني ربنا يستر أختك ويحافظ عليها ليه كنت اتقيت الله في بنات الناس عشان ربنا يحافظلك على أختك
كله سلف ودين وكله هيتردلك وابنك اللي في بطني أنا هربيه من غيرك وهكبره وأخليه راجل الناس كلها تفتخر بيه
همحي وجودك من حياته زي ما انت كنت عاوز تمحيه من قبل ما ييجي الدنيا

رفع نوح رأسه إليها وعيناه مشتعلة بالغضب ثم صرخ فيها :
مبقاش إلا الرخيصة اللي زيك تقولي أنا كده وتعملي فيها دور الشريفة انتي وس....ومكانك الزبالة وبس سيبي نصايح دي كلها وكلامك عن ربنا عشان مش لايق عليكي الدور ده

ارتجف قلبها رغم كل شيء رغم كل ما فعله بها مازالت
تحبه وذلك كان جنونها الأكبر

نظرت إليه بعينين مغرورقتين بالخذلان وقالت بقهرٍ موجع :
الوس....دي انت كنت أول واحد تطول منها شعرة
اتجوزتني شريفة وانت اللي بإيدك رمتني لغيرك يلمسني ويقرب مني انت اللي رخصتني وأنا رخصت نفسي كمان لما حبيتك انت كشفت عرضي وسرقت مني الحاجة الوحيدة اللي كنت محافظة عليها منك لله يا نوح حسبي الله ونعم الوكيل فيك

في تلك اللحظة شعر نوح بشيءٍ غريب يخنقه
لأول مرة لم تغضبه كلماتها بل آلمته الحقيقة التي تحملها
الحقيقة التي حاول طويلًا دفنها لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أنها لم تكذب في حرفٍ واحد !!!!
............
انت رايح فين....؟!
قالتها قمر بذهول ليرفع حاجبه مجيبًا ببراءة مصطنعة رغم ذلك المكر الواضح في عينيه :
هنام

ضيقت عينيها نحوه وقالت بسخرية :
تصدق كنت مفكراك هتعوم

ثم تابعت بحدة وهي تشير إلى الفراش :
ما أنا عارفة إنك هتنام لكن تنام جنبي ليه

التقطت الوسادة وألقتها نحوه ببرود متعمد :
خد المخدة اهي ونام على الكنبة

التقطها يونس بعدما ارتطمت بوجهه وحدق بها بغيظ :
والله إنك مفترية عاوزة تحرميني من سريري حبيبي وتخليني أنام في عز البرد على الكنبة

عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بسخرية :
احنا في الصيف

تمتم وهو يقترب قليلًا بعينين تعبثان بها :
وأنا بردان وعاوز أتدفى ما تيجي في حضني تدفيني

اشتعل وجهها خجلًا وسارعت تزجره وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه :
روح نام بلاش قلة أدب

رمقها بنظرة طويلة فيها من المشاكسة أكثر مما فيها من الاستسلام قبل أن يتجه أخيرًا نحو الأريكة ويلقي بجسده عليها بتذمر واضح

تمدد هناك وهو يتمتم بغيظ خافت لكنه كان مسموعًا بما يكفي :
قلة أدب عشان حضن أومال لو دخلت جوه دماغي وشافت كل التخيلات اللي فيها كانت هتعمل إيه أكيد هتقول عليا من كفار قريش

تسللت ضحكة خافتة من بين شفتي قمر رغمًا عنها فشدت الغطاء فوق وجهها تخفي خجلها بينما قلبها يخفق على نحوٍ لم تعهده وفي الجهة الأخرى ابتسم يونس في الظلام حين سمع ضحكتها مدركًا أن تلك المعركة الصغيرة بينهما كانت أجمل ما حدث له في يومه كله !!

تعليقات