رواية النغم الحزين الفصل السادس والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
عايزاني اقـ.ــتل حتة مني علشان حتة مني تانية؟!
هتطلبي مني ازاي اكده؟!
دي الموت أهون لي، حرام عليكِ ما تعمليش فيا اكده يا أما "رابحة".
قربت منها وبكل جبروت وشر صدمتها:
ـ ومش حرام عليكِ انتِ تقهري قلب ولدي جوزك ابو ولادك وتعملي فيه العمايل داي كلاتها؟
واختك الجبروت في الآخر تفتح له دماغه، وفرقتِ بينه وبين اخوه، والعيل اللي في بطنك من "سند" دي لو جه الدنيا هيعمل عداوة شديدة بين الاخ واخوه وكل دي بسببك انتِ، عايزة الاخ واخوه يمسكو في خناق بعض ويقاتـ.ــلوا بعض عشانك.
بصت لها بصدمة وهي بتشاور بايديها على صدرها وبتستنكر كلامها:
ـ اني عايزة افرق بين ولادك واخليهم يقاتـ.ــلوا بعض؟
حرام عليكي بقى اللي هتعمليه فيا دي، مررتي عيشتي ووريتيني السواد اللي عمره ما شفته في حياتي على يدك إنت وولدك اللي رايداني ارجع له غصبانية، إنت إيه يا شيخة لا هترحمي ولا هتسيبي رحمة ربنا تسير على خلقه، حرام عليكي يا شيخة بعدي عني وعن بيتي وعن عيالي اللي ما حدش هيقدر ياخدهم من حضني لو انطبقت السما على الارض.
وكملت لأول مرة وهي بتواجهها بقوة من غير ما تخاف منها ولا تعمل لها حساب:
ـ و"سمير" اللي هتقولي عليه جوزي ما بقاش ولا هيبقى ولا هيمس شعره مني تاني في يوم من الايام، افهمي بقى الدنيا اتغيرت واني بقيت مرت "سند" الناجي اللي الكل اهنه بيخاف منه وبيعمل له مليون اعتبار حتى انتِ يا حاجة.
رفعت "رابحة" حاجبها بدهشة لطريقة "نغم" الجديدة واللي أول مرة تشوفها وعيونها الاتنين مبرقين بشر وصدمة في نفس الوقت:
ـ واه واه كأنك ما مصدقاش ودانك واللي هتسمعيه يا "رابحة"؟!
البت اللي كانت هتختشي من خيالها لما تسمع حسك بس دلوك هتعلي صوتها عليكي وهترد الند بالند كماني؟!
وقفت "نغم" قدامها وهي بتبص لها بقوة مماثلة وردت على كلامها بنفس الجبروت:
ـ كان زمان وقت الضعف ولى وراح يا حاجة، زمان ما كنتش في حمى راجل علشان ياخذ لي حقي مين اللي هيستضعفوني وهايجوا علي، كان ولدك هيحط رقبتي تحت رجليكي ويقول لك زيدي عليها من المرار اطيان وأني هكمل عليها، بس دلوك اني في حمى راجل لو طال يهد الدنيا عشاني هيهدها وعلشان اكده اني بأكد لك اني ما خايفاش منك ولا من تهديدك ولا من العرة ابنك اللي هتقولي عليه أبو عيالي اللي ما يسواش في سوق الرجالة نكلة.
رفعت "رابحة" ايديها علشان تضـ.ــربها بالقلم على وشها كعادتها في اي مناقشة ما بينها وما بين "نغم" حتى من غير ما ترد كانت متعودة تمد ايديها عليها لكن المرة دي "نغم" علقت ايديها في الهوا ومسكتها بقوة ومنظر عيالها وهم بيتاخدوا منها قدام عينيها؛ ودفعتها ناحية الحيطة وهي بتجز على أسنانها بغضب لأول مرة:
ـ تعرِفي ان فكرتي تمدي يدك علي تاني يمين الله ما هحترم سنك ولا هحترم انك جدة ولادي، ولو اهنتيني كيف ما كنتِ هتعملي طول حياتك هرد لك الإهانة عشرة، احترمي سنك واحترمي نفسك وروحي ربي ابنك الدلوعة اللي هتخليه يركب على خلق الله بالظلم والافترا، خلاص "نغم" الهبلة العبيطة اللي كنتي هتستقوي عليها ماتت وتبدلت بـ"نغم" القوية اللي ما هتقدريش تكسريها ولا تمدي يدك عليها تاني في يوم من الايام يا ام "سمير" .
"رابحة" كانت مصدومة من قوة "نغم" ومسكتها لايديها وطريقة كلامها كأنها قدام إنسانة جديدة خالص:
ـ يمين الله يا "نغم" لا أقهرك على عيالك وهاخدهم منك وهخليكي توطي تبوسي جزمتي علشان بس تشوفيهم وبحكم المحكمة كمان، لازمن اندمك على طريقتك داي وياي يا بت حناوي الخمورجي.
"نغم" بصيت لها بعيون قوية ولأول مرة ما تستفزهاش وهي بتوصفها ببنت الخمورجي:
ـ بت الخمورجي داي ما تعرفيش تخلفيها ولا تربيها، بت الخمورجي داي اللي ابنك العرة هيموت نفسه عشانها وهي ما هتعتبروش فردة بلغة تلبسه في رجليها، وبرده ما هتعرفيش تاخدي ولادي مني، ولادي هيفضلوا في حضني واني اللي هربيهم تربية تشرف مش كيف تربيتك اللي ربيتيها لابوهم، وهزيدك من الشعر بيت اني ممكن اقتـ.ــل لك ولدك دي واروح فيه في داهية لو فكر يمد يده على عيل من عيالي واني عارفة اني لو اتسجنت هلاقي وراي راجل يربيهم أحسن تربية بس وقتها هحسرك على ولدك حسرة عمرك ومش بعيد تموتي وراه من اللي اني هعمله فيه.
"رابحة" شدت ايديها من ايدين "نغم" وهي شايفة إنسانة جديدة ما كانتش متوقعة إنها تشوفها في يوم من الأيام:
ـ دي إنت فجرتي على الآخر يا بت حناوي، جبتي القوة والجبروت دول كلاتهم منين إنت اكيد واحدة اني ما اعرِفهاش؟
ابتسمت "نغم" بسخرية على سؤالها وجاوبتها:
ـ ما هتعرفيش جبتهم منين يا ام "سمير" ؟!
من عشرتي السودا ليكي ولولدك، بزياداكي عاد افترا واقعدي في حالك عيشي اليومين اللي فاضلين لك استغفري ربنا على الظلم اللي ظلمته لي طول حياتك وعلى تربيتك اللي مليانة اجرام لولدك ولسه هتشجعيه على إجرامه، واذا كان على القضية ان ما كانش ابنك هيروح يتنازل عنها هقـ.ــتله لك واخلص منه.
ابتسمت "رابحة" بشر وردت عليها بعند وقوة:
ـ ما هيتنازلش يا بت حناوي وأني وانتِ والزمن طويل.
حركت "نغم" راسها وهي بتبص لها بملامح مبهمة وراحت على موبايلها وفتحته واتصلت على "سند" فيديو كول بحركة مفاجئة ووقفت جنب "رابحة" واول ما "سند" فتح التليفون وشاف امه وشاف عياط "نغم" الشديد قلبه انقبض وسألها بخوف حقيقي عليها:
ـ مالك يا "نغم" هتبكي البكا الشديد دي ليه؟
أني طمنتك والله ما حد هيقدر ياخد عيالك منك.
وكمل كلامه وهو بيبص لأمه بخذلان:
ـ طبعا يا امي مديتي يدك عليها واني مش موجود؟ وكيف كل مرة ما هتعمليش لولدك الكبير حساب يا حاجة؟
هنا ردت "نغم" عليه وهي بتمسح دموعها بقوة وهي بتعرفه اللي صدم "رابحة" ومكانتش متخيلة إن ده يحصل وفي اللحظة دي اتمنت إن الأرض تنشق وتبلعها:
ـ لاه الضرب دي حاجة اني واخدة عليها من الحاجة "رابحة" يا "سند" واكيد ما اتصلش بيك فيديو واطلع لك اني وهي علشان خاطر اقول لك امك ضربـ.ــتني كالمعتاد واهانتني...
وكملت كلامها وهي بتمسح دموعها بقوة وبتكافح انها ما تبكيش ولا تبين ضعفها وهي بتفضح "رابحة" قدام ابنها بسخرية من اللي هتحكيه له:
ـ أمك عدت ليفل الوحش، أمك عايزاني أقـ.ــتل ولدك اللي في بطني واتنازل عنيه، عايزاني اقـ.ــتل عيل من عيالي علشان عيال التانيين يبقوا في حضني، هتقول ان العيل اللي هجيبه منك هو اللي هيفرق بينك وبين اخوك وهيخليكم تقاتـ.ــلوا بعض وعلشان ولادها ما يقاتلوش بعض واني احافظ على اولادي اقـ.ــتل واحد فيهم.
حطت "رابحة" ايديها على بق "نغم" وهي مصدومة من شكوتها لـ"سند" عنها وانها فتنت عليها اللي هي عايزاه منها وهي بتجز على أسنانها بغضب وكذبت "نغم" بكل جبروت:
ـ اكتمي يا بت حناوي اكتمي يا فاجر، ما تصدقهاش يا "سند" البت دي عايزة توقع ما بيني وما بينك هو اني اتجنيت علشان اقول لها تقـ.ــتل ولدك ما تصدقهاش يا "سند" اني أمك عمري ما اعمل فيك اكده يا ولدي.
"نغم" نزلت ايديها من على وشها بعنـ.ــف شديد وجريت جابت المصحف وحطته على وشها قدام الشاشة وكل ده و"سند" في ذهول من اللي بيسمعه واقسمت على المصحف قدام "سند":
ـ يمين الله والمصحف دي على عيني يا رب ياخدني وما اوعى اشوف ولدي منك اني ما هكذبش عليك في ولا كلمة وامك عايزاني اقتـ.ــل ولدي منك وبتساومني يا إما اخلص من اللي في بطني ونتطلق وارجع لاخوك يا اما اخلي اختي تتجوز اخوك بالعافية يا اما هتاخد عيالي مني وما هتخلينيش اشوفهم تاني وهتاخدهم وتسافر تربيهم بعيد عني، يمين الله ما هكذب عليك في ولا كلمة يا "سند".
"سند" كان في ذهول ومصدوم مش متوقع ان امه تطلع تطلب من مراته طلب زي ده وبص لأمه اللي وطت عينيها في الارض وهو بيطلب منها لأول مرة:
ـ تمسكي المصحف ياما وتحلفي عليه انك ما طلبتيش منها تعمل العملة الهباب داي واني والله هبدي حلفانك على حلفانها؟
هو حط امه قدام الأمر الواقع وهو عارف انها تعمل أي حاجة إلا إنها تحلف على المصحف كذب، ووطت "رابحة" راسها في الأرض وهي مش قادرة ترد عليه غير بكلمتين اتنين بعد ما استجمعت قوتها شوية وشتاتها وقالت له الكلمتين اللي دايما ترد عليه بيهم:
ـ اني خايفة عليك انت واخوك اللي مصمم ياخد ولاده ودي حقه، خايفة عليكم لا تتقاتـ.ــلوا وواحد فيكم يخسر التاني روحه يا "سند".
ضم "سند" شفايفه بخذلان كالمعتاد من امه وهو بيسألها بصدمة:
ـ بقى عايزة تجبرينا اني اقـ.ــتل ابني؟ اقتـ.ــل روحي علشان خاطر ابنك الفاسد؟ قولي لي يا امي ان اللي سمعته دي غلط وانها بتتوهم او من كتر الظلم اللي عاشته منكم ومن خوفها على عيالها هتخرف بأي كلام وخلاص قولي لي؟
أمه نزلت عينيها في الأرض وما عرفتش ترد عليه ولما لقيت الموبايل بعيد عنها بصت لـ"نغم" بشر يكفي العالم كله وسابتها ومشيت، "نغم" فضلت ماسكة الموبايل وهي بتبص في عيون "سند" ودموعها كأنهم شلالات نازلين على وشها زي النار، وهما الاتنين بيبصوا لبعض بصمت تام من الموقف اللي هو مش قادر يستوعبه ولا هي قادرة تتخطاه لحد ما قفلت الموبايل ورجعت حضنت ولادها تاني، وهي بتشدد على حضنهم جامد وبتبكي في حضنهم وهي حاسة بقلبها قايد نار على الحياة اللي مش قادرة تعيشها مع ولادها في سلام وامان رغم الحياة الصعبة اللي عاشتها الا انها لحد دلوقتي مش قادرة تحس بالأمان،
الليل مر على "نغم" و"سند" بساعاته الطويلة كأنه عمر بحاله لأن اللي حصل والموقف اللي اتعرضت له "نغم" والصدمة اللي أخذها "سند" من أمه كان هو بعيد عنها ولا هو قادر يحتويها ويهدي وجعها ولا هو كمان لاقيها تخفف عنه صدمة اللي سمعه من أمه لحد ما شقشق النهار وخلص الشغل اللي كان رايح له وما استريحش ثانية سافر على طول للبلد وطول الطريق قلبه مكوي من اللي سمعه، أول ما رجع دخل عند ابوه علشان ياخد بمشورته كالعادة وما يمشيش من دماغه، أول ما دخل الأوضة قرب من ابوه وباس راسه وايده كالمعتاد وقعد جنبه وكالعادة ابوه حس انه في حاجة مضايقاه:
ـ مالك يا ولدي شكل ما يكون في حاجة طابقة على روحك وما مخليكش قادر تتنفس ولا تشوف الفرحة احكي لي يا ولدي ايه اللي حُصل؟
"سند" شبك ايده في بعضها وبص للأرض وهو قاعد قدام ابوه مش عارف يحكي له ازاي اللي امه عايزاه ومكملة في جبروتها معاه لكن ما باليد حيلة لازمن يحكي له ويشوف رايه ايه في الموضوع ويتعامل معاه ازاي مهما كان هو ابوه ودايما بيحب يكبر بيه، وحكى له "سند" عن كل حاجة حصلت من سمير واخرهم طلب "رابحة" اللي صدمه:
ـ لا حول ولا قوة الا بالله هي "رابحة" وصلت بجبروتها لقـ.ــتل النفس، لا حول ولا قوة الا بالله استغفرك يا رب واتوب اليك، امك اتجنت في نافوخها، هدي أعصابك يا ولدي انت عارف أمك دماغها ناشفة وانشف من الحجر الصوان وما حدش هيقدر يزعزعها عن اللي في دماغها وخصوصي إن هي حاطة في اعتبارها انها اكده بتحافظ عليكم وخابرة زين ان اخوك شراني ويده في الشر سابقة لسانه.
وكمل ابوه وهو بيطبطب على رجله:
ـ ما قدامكش غير اللي احنا اتفقنا عليه تعمله بالحرف الواحد واني معاك خطوة بخطوة، أمك عايزة تضغط عليها جامد هتفرفر وما هتقدرش تقف قصادك وخصوصي ان اللي هتقوله لها هي واخوك هيخليهم يغيروا حسبانهم ويتراجعوا عن اللي في دماغهم.
نفخ "سند" بضيق:
ـ بس اني ما كنتش رايد ألجأ للحل دي يا ابوي ما عاوزش العداوة تبقى عيني عينك ويا امي واخوي واللي اني هعمله هيخليهم يعوو كيف الديابة وبرده يا تصيب يا تخيب.
شدد ابوه على ايديه وهو بينصحه:
ـ بص في عينيهم بقوة وطلع ما في جرابك بجبروت عشان تقدر توقف الظالم عن ظلمه لازمن تتعامل وياه بطريقته، يا اما المركب هتغرق واخوك لو خد العيال من امهم العيال هيضيعوا، والله لو اني واثق ومتوكد انه هيحافظ عليهم وانه عايز ولاده بصُح لكنت قلت لمرتك سيبيهم لابوهم وهو ما هيحرمكيش منيهم، لكن اني خابر زين العيال هتضيع وياه وامك هتطلع غلها من امهم فيهم وهتوريهم القساوة على عينيها رغم انها جدتهم، علشان اكده أقف لهم كيف الديب السعران يا ولدي عينك في عينهم ما تختشيش منهم وسِن لهم انيابك علشان يعملوا لك ألف حساب وحساب.
وفضل أبوه ينصحه هيعمل ايه وخرج من اوضة ابوه بقامة مرفوعة وشموخ ونظرات عيونه بتبص لقدام بقوة ورجله اتسابقت ناحية امه واخوه كانوا قاعدين بيفطروا في الجنينة كعادتهم وقبل ما يروح كان منادي عليهم بصوت عالي رعب كل الموجودين وخلاهم التفتوا ليه لدرجة ان "سمير" اترعب من صوته والكوباية اتهزت في ايديه:
ـ حاجة "رابحة"... سميييييييييير...
اتوتر "سمير" بخوف من منظر اخوه وطبعا امه حكيت له على اللي حصل وسأل امه بلجلجة ورعب:
ـ ليه ياما عِملتي اللي عملتيه انتِ عارفة اني مرضان ومش كد "سند" ولا هقدر اسد قصاده وشايفاه جاي كيف الوحش عليا اني وانتِ دلوك.
"رابحة" استدعت وش البرود والقوة والجبروت وردت على "سمير" وهي بتشرب الشاي من غير ما تبص على "سند":
ـ اصلب طولك يا واد "سند" عمر ما يمد يده عليك ولا عمره هيقل ادبه وياي دي ربايتي واني خابراه زين.
قرب "سند" منهم وخبط على الترابيزة قدامهم لدرجة ان الاطباق طارت على الارض من غضبه الشديد وقرب من امه وهو بيواجهها باللي عايزة تعمله علشان يكسفها قدام نفسها:
ـ عارفة يا حاجة اكتر حاجة تخلي البني ادم ينكسف من روحه انه يطلب حاجة ملهوش شأن بيها ويصمم عليها ويدخل روحه في اللي مالا يعنيه وعلشان اكده لازماً البني ادم دي يلاقي ما لا يرضيه واني هتعامل وياكم بنفس طريقتكم.
حطت الكوباية قدامها بكل برود وحطت رجل على رجل وبصت له بعيون قوية كأنها ما عملتش حاجة:
ـ هتعمل ايه يا "سند" في امك هتاخدني قلمين ولا هتشتمني شتمتين وتفرج الغفر علي علشان تاخد حق مرتك من امك؟
وطى "سند" بجسمه وهو بيبص لها بقوة وبنفس نبرة البرود رد عليها:
ـ اخد الحق حرفة يا ام "سند" ومش اني اللي يمد يده على امه ولا حتى يهينها قدام الخلق، وكمان هعدل لك المعلومة هبابة ؛مش علشان اخد حقي مرتي كيف ما هتقولي، لاااااااه قبل ما يكون حق مرتي هو حق ولدي اللي هتشيله في بطنها ويعلم ربنا اني طول عمري هتبع تعاليمه في صلة الرحم بيكي في ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما لكن انتوا اللي اجبرتوني اني اعمل اكده.
وكل ده كلامه ما كانش مفهوم بالنسبة لهم لكن طريقته ونظرات عيونه القوية خلت "رابحة" من جواها حاسة ان "سند" مخبي حاجة كبيرة وقد كان فتح شنطة في ايديه ورمى قدامهم ورق وطلعه لهم اهم ورقة مختومة بختم ابوه ومتوثقة في الشهر العقاري وهو بيبلغهم بصدمة:
ـ أول هام ابنك اللي رافع قضية علشان يضم عياله اللي ما يعرفش عنيهم حاجة يروح كيف الشاطر اكده يتنازل عنيها وينسى ان له عيال ياخدهم يربيهم هو اخره يشوفهم ويطمن عليهم انهم بخير، عايز يقعد وياهم ما عنديش مانع في وجودي علشان انتِ عارفة ان هو مؤذي وما لهوش في تربية العيال يربي حاله الاول وبعدين يبقى يفتكر عياله اللي عايز ياخدهم علشان يذل بيهم امهم.
بص "سمير" للورق وهو بياخد من "سند" الورقة وبيقرا محتواها لكن "رابحة" قالت له:
ـ وانت مالك ايه اللي يدخلك بين واحد وعياله هو حر القانون اداله الحق ان يضم عياله طالما مرته اتجوزت، طلع نفسك من حوار العيال دي يا "سند".
هنا انتفض "سمير" بغضب شديد وهو بيرمي الورقة بغضب وغل:
ـ اللي في الورقة دي اكيد مزور؟ او انت اللي مضيت ابوك عليه وهو خارج عن وعيه؛ ابوي راجل حقاني وعمره ما يكتب لك كل حاجة ليك؛ يعني خدت مرتي وعايز تاخد عيالي وكمان طمعان في ارضي وورثي يا كَبير دي ايه الجبروت اللي انت بقيت فيه دي يا "سند"، يا اخووووووي...
قبل ما تتكلم "رابحة" كان "سند" بيجاوب اخوه بتحدي وقوة:
ـ الورقة سليمة مليون المية يا ابن ابوي وعليها شاهدين ان الحاج "سليمان" الناجي في وعيه وكمان متوثقة على يد محامي في الشهر العقاري وحلني بقى لما تعرف تاخد شبر واحد من أرضك ولا مالك ولا حتى البيت دي لاني هطردك منيه لكلاب السكك تقتص منك وتاخذ حق المظلومين وحق جبروتك على خلق الله.
وشاور "سند" بايديه بتحذير وهو بيحط الورقة التانية قدامه:
ـ ودي محضر عدم تعرض لمرتي عملته لك علشان لما تفكر تعمل اي حاجة او شيطانك يوزك ان انت تعمل حركاتك الاجرامية عليها في اي مكان هي موجودة فيه هكون حابسك ومش هتطلع منها الا على قبرك، اني استخدمت معاك كل حلول الود والرحمة وصلة الرحم اللي بينك وبيني يا اخوي لكن انت اللي مصمم تخلق العداوة بيني وما بينك كله الا مرتي وعيالي اللي عايشين على وش الدنيا واللي لسه ما جوش.
"سمير" فضل يزعق بغضب و"رابحة" انتفضت ووش البرود اللي كانت رسماه ركنته على جنب غصب عنها وزعقت لـ"سند":
ـ هي وصلت يا "سند" لحد اكده تاكل حق اخوك في ماله؟! يعني اخدت مرته وما التزمتش بوعدك وياه وقلنا غارت في داهية تاخدها وحرمة تغور وتاجي بدالها عشرة، كمان ما عايزهوش ياخد عياله وهتفتري عليه بقوتك وجبروتك وهتاخد ورثه منيه على حياة عينه بالقوة والافترا؟
هز "سند" راسه وهو بيضم عينيه بقوة واكد لها:
ـ ايوه يا امي اني كل اللي هتقولي عليه دي، وفلوسه ما هاخدهاش ليا هكتبها باسم ولاده اني ما هقبلش الحرام على روحي وما هاخدش منها مليم واحد.
ـ بوه بوه عليك يا ابن ابوي هتوزع مالي وورثي على كيفك واني لساتي عايش على وش الدنيا ايه الفُجر دي يا ابن ابوي؟
زعق "سند" بصوت عالي:
ـ "الفُجر دي ما يطلعش الا منك يا ابن ابوي اما اني قررت الاعبك بنفس وساختك، وما هتاخدش مليم واحد من الفلوس داي طول ما انت ما اتنازلتش عن القضية ودي اول هام.
وساب سمير ووجه انظاره لامه وهو بيكمل بنفس الجبروت:
ـ تاني هام بقى يا حاجة لو ابنك فضل راكب راسه وكمل في القضية هجيب بدل المحامي عشرة هيثبتوا ان هو رد سجون وملفه الإجرامي عند الحكومة ما شاء الله يعر اي حد وما يصلحش ان هو يكون أب والحضانة اكده من الأصل هتروح لأم الام وهي لساتها عايشة على وش الدنيا يعني في الآخر برده العيال هيبقوا في حضن امهم.
بصت له "رابحة" بغضب شديد وهي مربعة ايديها على صدرها وردت عليه:
ـ وأم الأم مريضة وفي مليون ورقة معفنة هقدر اجيبها واني قاعدة مكاني ان هي ما تصلحش لحضانة العيال لانها مريضة مرض موت والحضانة في الآخر هتبقى في عبي وطالما الحضانة وياي تبقى ويا ابوهم برده.
ضحك "سند" بسخرية شديدة وهو بيبطل لامه حجتها:
ـ واه كأنك ما تعرفيش ان ام "نغم" اتعالَجت وصحتها اتحسَنت وبقت عال العال، وبتها حكيمة في اكبر مستشفى في البلد هخليها تجيب بدل التقرير عشرة ان امها صحتها سليمة ومن كذا دكتور وكذا مستشفى كمان وورقي قصاد ورقك يا حاجة "رابحة" وهنشوف مين ورقه اللي هيغلب في الاخر وهيقش.
ـ يعني حسبتها يا "سند" وهتقف قدام امك وهتمنع اخوك من حقه في عياله وهتستخدم ويانا اسلوب الشر؟
ـ اني على طول همشي جنب الحيط ولا هحب أعادي أم ولا اخ ولا هحب اقف قدامه في المحاكم وحتى ورثه ما عايزهوش وهزود له عليه كمان بس يتنازل بالقانون عن عياله لامهم واني مستعد حتى ادفع له حق التنازل ويشيل مرتي والعيال من دماغه ويشق طريقه بَعيد عنيهم وهفضل مراعي ان هو اخوي وهسامحه كمان عن غلطه في حقي وهسامحك انت كمان يا امي.
وقفل شنطته واخد صورة التنازل وطبقها وحطها في ايد "سمير" اجبارا عنه وقال لهم قبل ما يمشي:
ـ اني قلت اللي عندي عيال ما هتاخدهمش، ولو كملت في القضية ولا هتاخد مال ولا عيال احسبوها زين في راسكم.
ومشي من قدامهم وبعد ما بعد خطوات بص لأمه وصدمها لأول مرة باللي طلبه منها وكان لازم يعمل كده علشان امه اتجبرت على الآخر ومتكررهاش مرة تانية:
ـ في طلب كمان يخصك يا حاجة "رابحة" كيف ما طلعتي اهنتي مرتي هتطلعي تحقي نفسك ليها كيف ما طلعتي حقيتي نفسك لبت اختك وجبرتي بخاطرها؛ دي لو عايزة ولدك بعد ما يتنازل عن القضية ياخذ ورثه ولو اتنازل من غير ما تطلعي تجبري بخاطرها اللي كسرتيه قدام نفسها ألف مرة قبل كده وقدام عيالها كمان هرمي ابنك اللي انتِ هتعادي الكل بالظلم علشانه لأمر الله وما لهوش قعاد في بيتي دي يوم واحد، ولحد ما يفكر في الموضوع وترسموها انتم التنين ويا بعض ما يقعدش ثانية واحدة في البيت دي يدور له على مُطرح أو خرابة يعيش فيها.
وشاور على الدوار بايديه بكبرياء:
ـ البيت دي بيتي والمال مالي ومن حكم في ماله ما ظلم.
نطق "سمير" بغل وهو بيبص على أثر خطوات "سند" وبيتوعد له بشر كأنه عدوه مش أخوه:
ـ ابنك بعد ما أخد مرتي مني قوة واقتدار رايد ياخد عيالي ومالي كمان، ابنك اتجبر وافترى ويمين الله أني ما هحله وهخلص عليه وهروح فيه في داهية بس لما أدخل لأبوي وأتوَكد منه عِمل اكده ليه وكيف وبعدها هتُبقى خراب على الكل يا أما.
كانت قاعدة قدامه عيونها بتلمع بدموع الحسرة وهي بتبص لقدام ومشهد واحد قصاد عيونها واحد مقتول والتاني مسجون والخراب بقى محاوط قلبها قبل دارها.
*******
كانت محضرة شنطتها علشان تسافر وترجع مصر علشان شغلها اللي متعطل أخدت أجازة كتير جداً كانت بتعيط في حضن أمها وأختها إن هي هتفارقهم فبصت أمها لـ"شيماء" وهي بتطلب منها:
ـ روحي يا "شيماء" يا بتي شطبي المواعين اللي في الحوض علشان رايدة أختك "مهرة" في كلمتين لحالنا قبل ما تهملنا وتسافر.
طبطبت "شيماء" على ظهر "مهرة" وحضنتها وقالت لها كلمتين يهدوها ودخلت وسابتهم لوحدهم أمها شدتها من إيديها وقعدوا جنب بعض ونصحتها وقالت لها الكلمتين اللي كانت لازم تسمعهم قبل ما تمشي:
ـ شوفي يا بتي في كلمتين مهمين رايداكي تحطيهم حلقة في ودنك وتصميهم في قلبك بالجامد قوي، اني طول عمري واثقة فيكي وإنك عمرك ما هتعملي الغلط وإنك في أي مكان هتبقي راجل مش بنت وهتعرفي تحافظي على حالك معلوم إنتِ بتي واني خابراكي زين.
مسحت "مهرة" دموعها وهي بتسأل أمها بتعجب:
ـ ليه هتقولي الكلام دي ياما قلقتيني عاد؟
ربتت أمها على رجليها وهي بتطمنها بعيون أم خايفة على بنتها:
ـ لازمن أقول لك يا بتي الكلمتين دول، خلي بالِك من نفسك إنتِ دلوك بقى مكتوب كتابِك على واحد من البلد اللي إنتِ رايحاها وأهلك مش موجودين وياكي فيها، وفي عرفنا مش في عرفهم هم إنك مكتوب كتابِك يعني في حكم المخطوبة بالنسبة لنا تحافظي على نفسك زين لحد عريسك ما ياخدك يوم فرحك بختم ربنا، ما ينفعش يزورِك وإنتِ لحالِك لازماً يا أمه يا أخته تكون وياه ويقلل زياراته ليكي لحد الشهرين دول ما يعدوا وتبقي في داره وقتها يبقى جوزِك وإنتِ حلاله يعمل ما بداله، حافظي على نفسك وعلى أهم حاجة عندي البنتة أهم حاجة هتعزها يوم فرحها وهتخليها في عين جوزها وفي عين نفسها عروسة زينة مش هقول لك أكتر من اكده يا بتي.
ارتمت "مهرة" في أحضانها وهي بتشدد على حضنها جامد وبتطمنها:
ـ وه ياما كأنك ما تعرفيش "مهرة" عاد؟
ما تقلقيش اني كيف الراجل في أي مكان، "يونس" محترم وولد ناس محترمين وهيحبوني وهيحافظوا عليا كيفكم بالظبط، ويوم ما هيكون جاي هخليه يستأذن من "سند" ومنِك وكمان هكلمِك في التليفون وهما حداي، وكمان أغلب قعادنا ويا بعض هيكون في كافتيريا عامة الناس كلها شايفانا ما تقلقيش اني خابرة زين عادتنا وتقاليدنا وهمشي عليها كيف ما الكتاب ما بيقول.
طبطبت أمها على ظهرها وهي مطمنة عليها:
ـ عين العقل يا بتي ربنا يكملك بعقلك ويتمم لك فرحتك إنتِ وجوزِك على خير وأشوفك أحسن واحدة في الدنيا بحالها وما يورينيش فيكم وحش أبداً يا نور عيوني.
وارتمت في حضن أمها وهي بتودعها وسلمت على "شيماء" وراحت سلمت على "نغم" وعيالها، وهي خارجة من عندها قابلت "سند" كان طالع لها شكرته بشدة على وقفته معاها ورجولته وجدعنته وودعته هو كمان ونصحها بنفس نصائح أمها لكن بطريقة متغطية هي فهمتها طبعاً ووعتها كويس جداً وسافرت "مهرة" للمصير المجهول.
*******
كانت قاعدة بتراجع أوراق تقديمها للماجستير بتركيز شديد، جالها رسالة على الموبايل كانت من رقم غريب فتحتها وكانت:
ـ تقدري تيجي الجامعة بكرة بإذن الله علشان تخلصي أوراق تعيينك كــمعيدة.
قرأت الرسالة بقلب بيدق بفرح شديد وقامت بقت تتنطط في الأوضة من فرحتها، أخيراً بقى إسمها الدكتورة "شيماء" رسمي، أخيراً تعب السنين بأيامها وساعتها مراحتش على الفاضي، بس اللي كانت مستغربة له إن إجراءات تعيينها خلصت بالسرعة دي وفي الشهور البسيطة دي،
حضنت الموبايل بشدة كأنها بالرسالة دي بتحضن أيامها وجبر ربنا لتعبها، وخرجت لمامتها بسرعة وهي بتعرفها الخبر وجريت على حضنها:
ـ أني مبسوطة قوي قوي يا أما، جات لي رسالة اني إجراءات تعييني في الجامعة خلصت وإني أروح بكرة إن شاء الله أتممها، أخيرا يا ست الكل بتك الصغيرة بقى إسمها الدَكتورة "شيماء" فهمي رسمي نظمي، خلاص يا أمي بتك هتودع الشقى وسنين المر والتعب وهتحضن أيام الجبر والهنا، ياااه متتصوريش اللحظة داي بالنسبة لي عاملة كيف؟
شددت أمها على حضنها جامد وباستها من راسها بفرحة حقيقية وهي بتبارك لها:
ـ مبروك يا بتي، مليون مبروك يا حبيبتي تستاهلي كل الخير اللي في الدنيا، إنتي اتمرمطي كَتير وسهرتي وتعبتي عمرك كلاته واتحمَلتي اللي مفيش بنتة تتحمَله.
وكملت وهي بتبتسم بدعابة وهي بتخبطها في كتفها بخفة:
ـ اكده مناقصكيش حاجة غير العريس يا شوشو.
ضحكت "شيماء" بخجل وهي بتوطي راسها وبتبص على مامتها:
ـ ايه يا أما الكلام دي مهفكرش أني فيه دلوك، مهفكرش غير في مستقبلي عاد.
ضحكت أمها بنفس الخفة وردت عليها:
ـ كل البنات هيقولوا اكده زيك وهما هيموتوا ويلبسوا دبلة العريس.
طريقة مامتها كانت دعابية جداً خلت "شيماء" مبطلتش ضحك في حضن أمها وبعد شوية كلمت "مهرة" في التليفون علشان تبشرها بالخبر الحلو ده، واول ما "مهرة" فتحت المكالمه وشافت "شيماء" في حضن امها قالت لها بغيرة مصطنعة:
ـ اه آمال ايه آخر العنقود سكر معقود عاد يا بت ابوي، قاعده في حضن امك هتدلع فيكي وناقص تحط لك الوكل في بقك كمان، ما هو ناس في الهم والشغل مطحونين وناس في أحضان امهم متنعمين يا عيني عليكغ يا "مهرة" يا اللي الغربة هتحرمك من حضن امك الحنين.
ردت عليها "شيماء" وهي بتغيظها اكتر وبتتمسك بحضن امها:
ـ وه هتحسديني على حضن امي كمان يا "مهرة" دي انتِ جبارة بصُح وصحيح.
ـ بقى أني جبارة يا "شيماء" طب قومي من حضن امي هتكبسي على أنفاسها وهي تعبانة جما هتتحملش رميتك عليها داي، قومي يا بت.
هزت لها "شيماء" كتافها وهي بتغيظها وبتخرج له لسانها وعارفه ان الحركة دي بتعصب "مهرة" جامد:
ـ من فضلك ما تقوليش يا بت اني خلاص بقيت الدَكتورة "شيماء" فهمي رسمي وقرار تعييني اتمضى من الحكومة وعميد الجامعة وهدخل الجامعة بكره هقول يا ارض انهدي ما عليكي كدي، وبعد اكده تناديني الدَكتورة "شيماء" راحت الدَكتورة "شيماء" جت وما بقتيش دَكتورة لحالك.
ـ وه يا بت ابوي والله كبرنا وبقى لينا لسان تعرفي تغطيني بيه صح علمناهم الشحاته سبقونا على الابواب، وعموما مبروك يا اجمل وارق بنوتة في الدنيا كلاتها عايزاكي بكره تروحي الجامعة وانتِ لابسة طقم شيك، عايزة الاوتفيت بتاعك يهز الجامعة بحالها والوقار يبان عليكي والكل يقول الدَكتورة "شيماء" راحت الدَكتورة "شيماء" جت.
وكملت "مهرة" بنفس روح المرح وهي من جواها سعادة الدنيا علشان أختها واللي وصلت له:
ـ تصدقي يا بت يا شوشو هيليق عليكي لقب دكتورة وشكل الدَكتورة ووجاهة الدَكتورة، ربنا يفرح قلبك يا حبيبتي وتُبقي من أنجح الناس وأعلاهم وأعلمهم، وكل اللي يشوفك يتمنى ولاده يكونوا زيك قادر يا كريم.
والاتنين حاولوا يدخلوا "نغم" معاهم في المكالمة لكن كانت قافله الموبايل وقلقوا عليها جدا و"شيماء" قالت لها ان هي هتبقى تروح لها تشوفها وتطمن عليها، وخلصت المكالمة وقعدت "شيماء" شويه صغيرين مع امها وقررت انها تدخل تنام بدري علشان لما تصحى وشها يكون رايق وصافي وتقدر تروح المقابلة اللي مستنياها بفارغ الصبر،
وتاني يوم الصبح صحيت على صوت المنبه بنشاط وخفة وكانت مجهزة اللبس اللي هتلبسه طقم شيك جداً عبارة عن بنطلون باللون الأبيض وبلوزة باللون الأبيض برده وعليهم بليزر باللون الزهري وحجاب باللون الزهري وطبعاً ما بقتش تستخدم النظارة لأنها عملت الليزك وبقت تشوف كويس جداً من غيرها، صبحت على مامتها وفطرتها قبل ما تمشي وفضلت تدعي لها بالتوفيق والنجاح وكمان كانت طلبت أوبر وراحت على الجامعة،
أول ما وصلت ودخلت الجامعة لقت "علي" في وشها واقف قدامها بابتسامة وهيئة صافية لأول مرة تشوف النظرة والملامح الهادية المرتبة دي على وش "علي" قلبها دق بعنف داخل ضلوعها وهي مش قادرة تسيطر على مشاعرها ولا لهفتها عليه لكن بلعت أنفاسها بصعوبة وقالت له بنبرة جامدة استدعتها بالعافية:
ـ يا فتاح يا عليم بعد عن طريقي يا "علي" وبعدين إيه اللي جابك الجامعة بدري أكده مش عادتك ولا دي حظي؟
رد عليها بنبرة هادية وراسية:
ـ يلا ما فيش وقت علشان نخلص إجراءات تعيينك وسيبك من الدماغ الصغيرة دي يا "شيماء" اني مش "علي" الدكتور الملعب اللي إنتِ كنتِ تعرفيه قبل سابق اني اتغيرت وبقيت واحد تاني خالص واللي واقف قدامك دي مش جاي علشان يتسلى ويسلي وقته وياكي، كل الحوار اني حبيت أساعدك علشان تنجزي الورق اللي لو دخلتِ لحالك دلوك ما هتخلصيهوش وفيها أسبوع يوم الحكومة بسنة.
برقت عينيها بدهشة وهي بتسأله:
ـ وه عرفت كيف اني جاية أخلص إجراءات تعييني ما كنتش مهكر تليفوني يا "علي"؟
أه معلوم ما إنت جبار وتعمل أي حاجة هو اني ما أعرفكش عاد؟
ضرب كف على كف وهو بيضحك عليها وعلى عقلها الصغير وتفكيرها ورد عليها وهو بيشاور بكف قد إيه إنها تمشي:
ـ لاه وإنتِ الصادقة إنتِ اللي الظاهر عليكي هتتفرجي على أفلام هندي كتيرة مخلياكي هتشوفيني من الأشرار اللي عندهم الإجرام هيجري في دمهم، امشي يا "شيماء" علشان خاطر نلحق نخلص إجراءاتك وأوراقك قبل المكاتب ما تتزحم امشي يا ماما.
ثبتت رجليها في الأرض وربعت إيديها حوالين صدرها وسألته بتصميم:
ـ لا ما همشيش يا "علي" إلا لما تقول لي عرفت منين اني جاية أخلص الإجراءات تبع تعييني ها؟
جاوبها على فضولها اللي ظاهر في عينيها للأعمى وما حبش يرخم عليها أكتر من كده:
ـ لأن ببساطة اني اللي سرعت لك الإجراءات وفضلت ورا العميد شوية ورئيس الجامعة شوية علشان يصدر قرار بتعيين أوائل الدفعة وعملت حبة حوارات على إننا محتاجينكم في الأقسام واني كمان اللي بعت لك الرسالة امبارح قبل كل الخريجين الأوائل اللي معاكي يا ريت تكوني ارتحتِ يا ستي.
ـ وه عاد عليك وعلى لفلفتك يعني الرقم اللي جات لي رسالة منه يبقى رقم من أرقامك اللي ما لهاش أول من آخر حداي؟
ربع إيده هو كمان على صدره وسند على العمود بكتفه الشمال وغمز لها بعيونه وهو بيشاغبها:
ـ وأعمل أي حاجة علشان خاطر الأميرة الصغنونة "شيماء" هانم تفرح وتنبسط بنجاحها وتشوفوا كمان قدام عينيها وتحسه وتلمسه، أصلك ما تعرفيش "علي" لما يحط في دماغه حاجة ما بيشيلهاش إلا لما يحصل عليها وتكون ملك إيديه وبرغبة الطرف التاني وبصدر رحب.
رفعت حاجبها بغيظ من طريقة كلامه:
ـ كأنك ساحر إياك يا "علي"، يكون في معلومك بقى ما همشيش معاك في مكان ولا عايزة منك أي خدمات وشكراً لحد أكده يا مغرور يا اللي هيفضل الغرور هو دارك ومقامك.
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله هو إنتِ يا بنتي بتقولي يا خناق وخلاص حتى لو ما عملتش حاجة؟! يعني اني الحق عليا اللي حبيت أساعدك في الآخر برده تقولي عليا مغرور والله إنك بقى اللي اتعلمتِ الغرور خلاص يا "شيماء" إحنا بقينا زملاء يا ماما.
ـ أني مغرورة يا "علي"! طب وسع بقى من طريقي ما عايزكش تعمل وياي حاجة واني اللي هعمل كل حاجة لحالي وما تجيش وراي.
بص لها بعين ونص وقرر إن هو يسيبها تخوض التجربة الصعبة على المكاتب في الجامعة وأفسح لها الطريق وهو بيرد عليها:
ـ تمام اني الغلطان وأستاهل كل حاجة وحشة اني حبيت أساعدك خليكي بقى حاطة في دماغك صورة "علي" القديمة اللي اتمحت واتنست الحمد لله رب العالمين من زمان.
وكمل وهو بيبص لها بحب ومشاعر حقيقية ونبرة صادقة:
ـ حبك خلاني أتغير وأشوف الدنيا بشكل تاني، نساني زماني وغير لي سنيني اللي كانت متدمرة وخلاني أبص لسنيني اللي جاية، حبي ليكي كان هو الدافع إني أتغير وأعيش وأشوف الدنيا بشكل تاني ومضيعش اللي باقي من عمري، سبت اللي فات ورميته ورا ضهري سوا كنت ظالم أو مظلوم.
كانت مندمجة في كلامه وقلبها بيدق بعنف شديد وبيتخبط بين ضلوعها، مش قادرة تتنفس في قربه ولا كلامه، مش قادرة تتخطى نظرات الرجاء اللي في عيونه ناحيتها، وفجأة مرت قصاد عيونها صورته وهي تحت إيديه بتترجاه يبعد عنها ويسيبها:
ـ أرجوك اللي حصل بيناتنا عمري ما هنساه ومهشوفكش غير بصورة إنت عارفها زين، يمكن لو مكانش الموقف دي بالذات اتعرضت له وياك وكان مجرد فكرة في دماغي إنك ما حبتنيش وكنت هتلعب بيا كان الموضوع اتغير جواي لكن هتفضل أمر ذكرى بيني وبينك محوطاني بقبضة من حديد ومهتتفكش عاد علشان قفلها مصدي ولو جيت تفك أوصاده مهيتفكش عاد.
ـ خلاص يا "شيماء" ربنا الأعلم اني ما كنتش جاي أفتح في القديم ولا اني أعرض نفسي عليكي ولا الحوارات داي واصل، كل اللي كنت حابب أعمل النهارده اني أساعدك تنجزي وتخلصي إجراءاتك علشان ما تتعبيش.
شاورت بكف إيديها قدام عينيه وقالت له بيقين:
ـ بلاش من الأفضل نتعامل ويا بعض خالص علشان إنت تقدر تتخطاني واني أقدر أنساك وأنسى وجودك في المكان دي من الأساس.
ـ يا بنتي صدقيني ما هتعرفيش تعملي حاجة واصل اسمعي الكلام يا "شيماء" هتتمرمطي جامد.
رفعت رأسها لفوق بشموخ:
ـ عادي المرمطة دي اني واخدة عليها من واني عيلة صغيرة هتعرف إنت عنيها إيه واصل يا ابن الأكابر؟
ـ تصدقي بالله امشي من قدامي علشان هتفقديني صبري وأعصابي بسبب دماغك الناشفة اني هروح الكافيه أشرب قهوتي وأفطر وروحي يا أندبندنت وومن وريني شطارتك.
ولبس نظارته وسابها ومشي وهي بتبص عليه وبتهز رأسها كأنه ولا يهمها الكلام اللي قاله وقالت لنفسها بتشجيع:
ـ ولا يهمني توكلت على الله وهوريك يا "علي" إن البنات بتعرف تسلك في الحديد علشان تبقى تتمنظر عليا قوي.
ومشيت بأقدام مسرعة راحت على مكتب شؤون العاملين اللي في الجامعة وبدأت تسأل هتعمل إيه والموظفة دي تسلمها للموظفة دي وبقوا يودوها يمين ويجيبوها شمال ويطلعوها تحت وينزلوها فوق ولحد دلوقتي ما قدرتش تتحصل ولا على ورقة واحدة ولا تخلصها، أكثر من ساعتين وهي بتلف على رجلها من غير ما تعرف تعمل حاجة لحد ما حست إنها دايخة من الحركة في الشمس من المبنى ده للمبنى ده والطلوع والنزول وهي أصلاً جسمها ضعيف، وافتكرت كلام "علي" كان هاين عليها تعيط من اللي هي فيه، ولقت نفسها إنها مش هتعرف تعمل حاجة ولأنها أول مرة تجرب تمشي في إجراءات وأوراق حكومية كانت حاسة بالبؤس وقررت إنها ترجع لـ"علي" وهي مجبرة علشان يخلص معاها، راحت تشوفه في الكافيه زي ما قال لها لقيته فعلاً قاعد ماسك مصحف وبيقرا فيه بصت له بدهشة شديدة ما كانتش متوقعة إنها تشوفه في يوم من الأيام ماسك القرآن وبيقرا بالاندماج ده، قربت منه كانت واقفة ورا ضهره بتسمع تلاوته وترتيله للقرآن وللعجب إنه صوته في قراءة القرآن وخشوعه هز قلبها، ترتيله بتجويد غير إنه صوته عذب جداً يجذب أي حد إن هو يسمعه، فيه راحة هزت وجدانها، ولقت نفسها قعدت على السور الصغير اللي وراه وهي بتسمعه بخشوع وكأنه ساحر بيجذبها للعالم بتاعه بالرغم عنها، لحد ما خلص قراءة الورد بتاعه وقفل المصحف وحطه في شنطته وقرر إن هو يروح على مكتبه ولسه هيتحرك وبيلتفت وراه لقاها قاعدة بتبص له بنظرات غريبة غير مفهومة، لكن علامات البؤس واضحة على وشها للأعمى فابتسم وسألها:
ـ شكل الأندبندنت وومن اللي جواكي ما قدرتش تعمل حاجة خالص وجاية لي دلوك علشان تستسمحيني أساعدك يا أستاذة "شيماء"؟
قامت وهي غضبانة زي الأطفال ولسه هتمشي لما لقيت تريقته عليها فمد إيده ومسكها بسرعة من كتفها قبل ما تتحرك وقبل ما تبص على إيديه اللي مسكتها كان شايلها بسرعة وهو بيقول لها:
ـ يا بنتي بهزر معاكي ما تبقيش قفشة أكده، يلا يا ماما امشي قدامي علشان نخلص اللي كان زماننا مخلصينه دلوك بدل الفرهدة اللي بقيتي فيها ووشك اللي بقى بلون الدم بسبب طلوعك ونزولك والله خسيتي اتنين كيلو وإنتِ أصلاً جسمك ضعيف يا شوشو.
ـ أه يا وقح دي إنت كنت لسه بتقرا قرآن مالك إنت ومال اني ضعيفة ولا تخينة احترم المصحف اللي إنت كنت ماسكه حتى.
ضحك على كلامها ورد عليها:
ـ يا بنتي والله ما أقصد اللي في دماغك ولا بفكر فيه من الأساس امشي يا "شيماء" امشي علشان نخلص من أم اليوم دي.
ضمت على شفايفها بعبث ومشيوا هم الاتنين وبقى هو يوجهها ناحية الأماكن اللي هيروحوها بالترتيب وهو اللي بقى يعمل كل حاجة بسرعة جداً لأنه عارف الإجراءات وحافظها كويس جداً، وما فيش ساعة إلا ربع كانوا مخلصين كل حاجة تخص التعيين وكمان هو كان قايل لها في الرسالة الأوراق والصور وكل حاجة هتحتاجها علشان لما تيجي تقدم تكون جاهزة في كل الأماكن اللي هيدخلوها علشان تخلص أوراقها،
وبعد ما خلصوا بصت له بامتنان شديد وشكرته:
ـ شكراً جداً ليك يا دكتور "علي" ما عارفاش من غيرك كنت هتصرف كيف ربنا يجعله في ميزان حسناتك.
ضيق عيونه بحزن مصطنع لأنها هتسيبه وتمشي كل الوقت اللي قضاه معاها والكلام اللي حصل ما بينهم كان مخليه سعيد جداً ومش عايز اليوم يخلص ولا عايزها تسيبه وتمشي:
ـ بس أكده هو دي اللي ربنا قدرك عليه يا "شيماء"، تعالي أعزمك على قهوة وكمان تفطري وبعدين امشي.
اتحرجت منه واتكسفت إنها ترفض طلبه ولقى منها سكوت على عرضه فتفهم موقفها وخوفها لسه منه وقال لها:
ـ خلاص يا بنتي ما فيش داعي إنك تتوتري قوي أكده، روحي وكأني ما قلتلكيش حاجة واني هطلع على مكتبي وراي محاضرة كمان ساعة أشوفك على خير بإذن الله في أول يوم ليكي كمعيدة في الجامعة يا أشطر دكتور صغنون.
ابتسمت له لأول مرة ابتسامة صافية خارجة من قلبها وزينت ملامحها الجميلة اللي أسرته وخليته داب في هواها وعشقها أكثر من الأول وفضل متابع خطواتها بعيونه لحد ما مشيت من قدامه حط إيده على قلبه اللي بيدق وهو بيبص للسما وبيطلب من ربنا:
ـ يا رب اجعلها من نصيبي وما تكونش لغيري يا رب انا تبت وأنبت إليك ومعايزش غيرها تكون حبيبتي ورفيقة أيامي يا رب.
أما هي كانت حاضنة الأوراق اللي كانت في إيده ومليانة بريحته كأنها حاضنة الجنة بين إيديها وقلبها بيخفق بقوة وبمشاعر حقيقية عمرها ما قلت تجاهه لكن لسه الخوف مالي قلبها ومش قادرة إنها تسلم له وتستسلم له بإرادتها ولا تنسى الموقف البشع اللي حصل ما بينهم كأمر ذكرى في حياتها ولكن إنت تريد وانا اريد والله يفعل ما يريد وحكم القدر في قصة "علي" و"شيماء" لسه ما انتهتش ويا عالم إيه اللي هيحصل بينهم تاني.
*******
طلع "سند" عند "نغم" بقلب موجوع وملامح متعبة، بص لقاها قاعدة على الكنبة ووشها وعيونها منتفخين من الدموع، ومكتفة رجليها بإيديها الاتنين وبتبص له بملامح غير مفهومة، ولأول مرة متقومش من مكانها ولأول مرة متقومش وتجري عليه وتحاوطه وتضمه بين أحضانها وتوزع قبلاتها عليه، ولأول مرة متبينلهوش قد ايه هو واحشها حضنه وريحته وكلامه وضمته ليها، كانت ملامحها بتنطق باللي خايف يسمعه منها، خايف يقرب ويتكلم وينصدم وقلبه ينكوي منها، فضل واقف مكانه وهي قاعدة مكانها لحد ما فجأة....
