رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل السادس والعشرون 26 بقلم مريم الشهاوى


 رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل السادس والعشرون 

 وهل للمُحبِّ قتلُ من يُحب؟

تجمّدَ الدمُ في عروقِ رهف، وشحبَ وجهُها كأنما صُفِعَتْ على محياها، فتمتمتْ بنبرةٍ مرتعشةٍ يملؤها الذهول:

"انت اتجننت صح؟ اكيد اتجننت! عاوزني ابقى معاك واعيش تحت سقف واحد وانا مش عايزاك يا حسن؟ هترضاها على نفسك؟ هترضي رجولتك وكبريائك انك تخلي واحدة قاعدة معاك في بيت واحد ومجبورة عليك وغصب عنها؟ هتبسطك بجد نظرة الكره اللي هتشوفها في عيني كل يوم؟"

التفتَ حسن إليها ببطءٍ وثباتٍ مخيف، وثبّتَ نظراته القاسية في عينيها قاصداً بثَّ العجز في روحها، وقال:

"هو ده شرطي الوحيد يا رهف... ومفيش غيره، فكري فيه براحتك واوزني امورك. هنتجوز بكرة الصبح، والمأذون يكتب الكتاب، ومن هنا تتكتب قسيمة جوازنا، ومن الناحية التانية هخرجلك حبيب القلب. انتي عارفة كويس انا مين وليا واسطتي ومعارفي ونفوذي فين، واعرفي وتأكدي ان اجدعها محامي في البلد دي كلها مش هيعرف يخرج جوزك منها! جوزك لابس القضية لابسها، من ساسه لراسه، ده متهم بـ جاسوسية واشتغل برا مع مافيا دولية اربع سنين كاملين! يعني مفيش مفر منها ولا ثغرة واحدة تنجده لو حطيتي راسك مكان رجليكي ولو انطبقت السما على الارض! بس هقولك على حاجة... جربي! حاولي واجتهدي يا رهف، ووكليله اكبر محاميين في مصر واصرفي اللي وراكي واللي قدامك، وانا قاعد هنا في مكتبي حاطط رجل على رجل ومستنيكي."

انتفضتْ رهفُ من مكانِها، واندفعتْ نحوَه وعيناها تشتعلانِ بجموحِ الغضبِ والقهر، فدفعتْهُ بيديها في صدرِه بكلِّ ما اوتيت من قوة وهي تصرخُ في وجهه بهستيرية:

"انت بتلوي دراعي يا حسن! بتستغل نقطة ضعفي وعارف اني مستعدة ابيع روحي واعمل اي حاجة في الدنيا عشان يخرج فبتطلب مني طلب قذر زي ده ها؟ انت عايز مني ايه بالظبط؟ انت عايز ايه مننا؟ سيبنا في حالنا بقى ارحمنا! مش كفاية ان عيلتنا باظت وافترقت لمدة اربع سنين كاملين؟ مش كفاية ان ابني اللي كان جاي للدنيا مات في بطني؟ عاوز تبوظ فيها ايه اكتر من كده؟ انت كده بتعدمني حية! حياتي هتخرب، حياتي هتبقى ملهاش اي طعم ولا لون وانا معاك، هبقى مجرد جثة بتتحرك من غير روح! خلي عندك دم يا اخي، حس بيا وبقرفي، حس اني مش عايزاك ولا عمري هقبل اني ابقى معاك! انا بحب نوح وبس... نوح ده روحي ودمي وعمري كله فاهم يعني ايه عمري كله؟ عمرك في حياتك ما هتبقى مكانه ابدا... ابدا يا حسن!"

لا ينكر أن كلامها وجعه بل شيء اثقل من الوجع اجتاح صدره ولكن اختار الثبات امامها وتصنع البرود، فركضتْ من أمامِه وعبراتُها الحارقةُ تشقُّ طريقَها على وجنتيها، ثم اندفعتْ خارجَ المكتبِ وأغلقتِ البابَ وراءَها بعنفٍ زلزلَ أركانَ المكان.

_______________

تجمّد حمزة طوال استماعه إلى قصتها. لم يتخيلها يومًا على هذه الصورة؛ فقد آلمه كثيرًا ما مرت به من ظروفٍ قاسية، ولم يفهم كيف شاء القدر أن يضعها في طريقه، وأن يجمعها بعائلتها، ثم يوقعها في شر أعمالها، بل ويكشف أنها كانت محتالـة. لكن كيف سيتقبلها سالم؟ وكيف سيصدق أنها ابنته؟ وحتى إن أثبتت التحاليل ذلك حقًا، فهل سيعاملونها على أنها ابنتهم بالفعل، أم سينفرون من وجودها بينهم، ويستعرون من نسبتها إليهم؟

"انا ممكن اساعدك."

التفتت غزل إليه بهدوء، ثم تحولت نظراتها إلى الريبة مما قاله، لتسأله:
"ازاي؟؟؟"

فارتسمت على شفتي حمزة ابتسامة، وقال:
"بتقولي إنه اسمه سالم، هبحث عنه وأعرف مداخل ليه تخلينا نقرب ونتعرف على بعض."

لتقول غزل، وما يزال السؤال نفسه يراودها:
"برضو هيفيدنا بايه؟؟"

- هيجي يشوفك شغالة في شركتي.

انكمش جبين غزل في حيرةٍ وعدم فهم.

فقال حمزة موضحًا:
"إيه رأيك تشتغلي في شركتي؟"

انبلجت أسارير غزل، وقالت بسعادة:
"انت بتتكلم جد ولا بتهزر؟"

ضحك حمزة وقال موضحًا:
"واهزر ليه... تعالي اتعلمي واشتغلي الحاجة اللي تريحك في الشركة، وكل حاجة عندنا بالتدريب، وهتكوني بيرفكت فيها... إيه رأيك؟"

صاحت غزل بسعادة:
"إيه رأيي إيه! موافقة أكيد."

ابتسم حمزة برضا تام، وقال:
"التحاليل لو طلعت وطلعوا فعلًا عيلتك... هنحتاج شوية وقت يا غزل عبال ما نقولهم."

اختفت الابتسامة من وجه غزل، وسألته:
"وقت قد إيه مثلًا؟؟"

- على حسب هتتعلمي في قد إيه.

- انا بتعلم بسرعة أوووي، هشرفك صدقني.

ابتسم حمزة لها بهدوء، وقال:
"أنا واثق فيكي."

ابتسمت غزل بخجل، وقالت:
"شكرًا يا حمزة بجد، ولو إني مش عارفة انت بتعمل معايا كده ليه؟!"

أخذ حمزة شهيقًا عميقًا، ثم أجاب:
"هتعرفي بعدين."

ثم أضاف:
"يلا، هروحك. قوليلي بيتك فين."

أوصلها إلى منزلها، وقبل أن تترجل غزل من السيارة، قال حمزة:
"غزل، استني... هستناكي بكرة في الشركة. هعرفك على الشركة، وتشوفي إيه اللي يناسبك تشتغليه، و..."

فقاطعته غزل مازحة:
"مش لما أعرف الأول إن كانوا أهلي ولا لأ؟"

أحس حمزة بالحرج، وحكَّ مؤخرة رأسه، وقال:
"آه صح."

- أشوفك الأسبوع الجاي يا دكتور، تكون التحاليل طلعت.

ودّعها حمزة، والحزن يعتصر قلبه؛ إذ لن يراها قبل أسبوع كامل. لم يكن يحتمل فكرة ابتعاده عنها كل تلك المدة، فصرخ مرةً أخرى ليوقفها:

"استنيي."

التفتت إليه بجسدها، وأسندت ذراعها إلى إطار باب السيارة، ثم نظرت إليه باستفهام، قائلة:
"ايه تاني؟؟"

قال متحججًا، باحثًا عن أي سبب يتيح له رؤيتها مجددًا في الغد:
"انتي أكيد محتاجة للشغل سواء عرفتي إنهم عيلتك أو لا، مش كده؟"

تبدلت ملامح غزل، وقالت:
"اه صح، عندك حق. أنا حتى لما سيبت اللي أنا فيها دي مفكرتش هشتغل وأجيب فلوس منين."

- أهو، شوفتي بقى؟

ابتسمت غزل، وقالت:
"خلاص، يبقى معادنا بكرة بإذن الله... يلا تصبح على خير."

أوقفها مرةً أخرى، مناديًا:
"عارفة مكان الشركة ولا أبعتلك لوكيشن؟"

التفتت إليه غزل، وقالت ضاحكة:
"عيب بقى يا دكترة... دنا عارفة كل حاجة تخصك. مش كنت هسرقك، ولازم أعرف خطواتك. ده كان ناقص أعرف انت بتدخل الحمام كام مرة."

انفجر حمزة ضاحكًا، ولوّح لها مودعًا، وظل يراقبها حتى صعدت إلى منزلها وغابت عن ناظريه. عندها فقط حرّك سيارته، والسعادة ترفرف في صدره حتى كادت تحمله بعيدًا. ما الذي أصابه؟ وكيف غرق بهذه الصورة في حب تلك الفتاة... المحتالة؟!

لم تسرق منه مالًا ولا متاعًا، لكنه كان على يقين بأنها سرقته هو.

فما سرقت تلك المحتالة شيئًا... سوى قلبه.

صعدت غزل إلى الأعلى، وألقت بنفسها فوق فراشها، ثم اجتاحتها نوبة من الضحك، وقد غمرتها السعادة. لم تكن تتوقع يومًا أن تجمعها الأقدار بحمزة، ولم يخطر ببالها أنه سيكون بهذا القدر من الشهامة واللطف، فيمد لها يد العون، ويساعدها على الخروج من حيرتها بكل تلك النخوة النابعة من طيب أصله.

إنه رجل طيب...

ثم خفتت ابتسامتها قليلًا، وراحت أفكارها تراودها بأن حمزة معجب بها، وربما يتزوجها يومًا ما. لكنها سارعت إلى نفي تلك الخواطر، قائلة في نفسها:

لا يا غزل... أجننتِ؟! كيف لحمزة أن يتزوج بكِ وأنتِ لا شيء... لا شيء! إنه رجل أعمال مشهور، غني ووسيم، لا ينقصه مال ولا مكانة ولا جمال... فهل سينظر إليكِ أنتِ؟! إن كان قد ساعدك، فذلك بدافع الشفقة لا أكثر. لقد رقّ قلبه لحالك، وليس إلا. وبدلًا من أن تشكريه، وترضي بأنه منحك فرصة العمل في شركته، صرتِ تفكرين في الزواج منه؟! أتطمعين فيما هو أبعد منكِ بمراحل؟

أجابها صوتٌ آخر من أعماقها:

"ولكنه كتب رواية ليا.. مما يعني إنه عايزني أبقى زوجته،وبيتخيلني معاه.. مش كده؟! وإلا ليه كتب رواية خلاني بطلتها، وحكى فيها كل اللي حصل بينا؟"

فأجابها صوتها الآخر، في هدوءٍ ممزوجٍ بالواقعية:

فلنفترض أن ذلك صحيح... فلنفترض أن حمزة أحبك، وحقق في روايته ما عجز عن تحقيقه في الواقع... ولكن تذكري، كان ذلك في رواية! وهذا وحده يعني أنه لم يتخيل أن يحدث الأمر في الحقيقة، وأن موعدكما لم يكن منطقيًا إلا بين صفحات القصص والروايات. لذلك صنع لكما عالمًا خياليًا يجمعكما فيه.

طفلتي... إني أخشى أن يأخذك الأمل إلى ما لا يكون، فتسقطي حين تصطدمين بالواقع. كوني واقعية يا غزل... أرجوكِ.

نهضت غزل من مكانها، وأخذت نفسًا عميقًا، محاولةً استيعاب الأمر، وانتشال نفسها من تلك الأحلام الوردية التي شيدتها في خيالها. ثم بدلت ثيابها، وأخلدت إلى النوم.

__________________

في الصباح الباكر، أجرت جين اتصالًا هاتفيًا برهف. وما إن أجابت الأخيرة حتى بادرتها جين قائلة:

- "مرحبًا رهف... أنا جين."

وما إن سمعت رهف صوتها، حتى هرعت تصرخ فيها:

"نوح في السجن بسببكوا! نوح اتحبس... يلي منكو لله."

نظرت جين إلى توم الجالس أمامها، وقالت:

"إنها تصرخ بي، وأنا لا أفهم ما تقوله."

أخذ توم الهاتف منها ليتحدث مع رهف قائلًا:

"هاي رهف، كيف حالك؟ أتمنى أن تكوني بخير... نحن لا نفهمك، فنرجو منك التحدث بالإنجليزية كي نفهم ما تقولينه، وتفهمي أيضًا سبب اتصالنا بك."

فهمت رهف بعض ما قاله، وأدركت أنهم لا يفهمون العربية، لكنها لم تكن تجيد الإنجليزية بطلاقة. فخطر ببالها شقيقها كريم، ولأنها كانت في منزل والدها، هرعت إلى غرفة كريم، وفتحت الباب دون أن تطرقه.

- "ولا يا كريم، اصحى... اصحى يلا، وفهمني الكلاب دول بيقولوا إيه، اصحى."

فتح كريم عينيه متفاجئًا، وقال بانزعاج:

"اخرجي يا رهف من الأوضة، واقفلي الباب... اطلعي برااا."

أمسكته من ثيابه محاولةً إيقاظه، وقالت:

"يلا بقولك جين وتوم معايا على التليفون، وأنا مش فاهمة منهم حاجة. اصحى ترجملي هما عايزين يقولولي إيه، يمكن حاجة تخص نوح."

استفاق كريم فور سماعه اسميهما، فجلسا متقابلين على الأريكة الموجودة في غرفته، ثم أوصدا الباب بإحكام حتى لا يسمعهما أحد من والديهما.

تحدث كريم عبر الهاتف قائلًا:

"مرحبًا توم وجين... لماذا اتصلتما بنا؟ وكيف عرفتما رقم رهف؟"

أجابته جين:

"من تكون؟"

قال كريم:

"أنا كريم، أخو رهف، الذي كان يتحدث معكما في ذلك اليوم... أتتذكران؟"

قالت جين:

"آه، نعم، نعم... تذكرتك. حسنًا... نوح الآن في السجن، وكان يعلم أن هذا اليوم سيأتي، لذلك أعطانا رقم رهف لنتواصل معها، حتى ننفذ الخطة، وما ينبغي أن تقوله للمحامي كي يقلل من مدة مكوث نوح بالسجن."

نظر كريم إلى رهف، وبدأ يترجم لها كل كلمة يقولانها، بينما كانت تطرح عليه الأسئلة، فينقلها إليهما بدوره.

قال كريم:

"وما الخطة إذًا؟"

أجاب توم:

"الذي في السجن هو بيتر، وليس نوح. فإذا استطعنا أن نثبت أن بيتر شخص، ونوح شخص آخر، فلن يُحاسب نوح إلا على آخر مهمة قُبض عليه متلبسًا بها في مقر الإسكندرية."

عقد كريم حاجبيه وقال:

"أنا لا أفهم شيئًا!"

فأجابه توم:

"حسنًا... الشخص الذي عمل مع المافيا طوال أربع سنوات كان بيتر، وهذه حقيقة لا خلاف عليها. مهمتنا الآن أن نثبت أن نوح ليس بيتر، وأن نقنع الشرطة بأنه لا علاقة له بما ارتكبه بيتر."

التفت كريم إلى رهف، فقالت باستغراب:

"أنا مش فاهمة حاجة يا كريم، ما تفهمني؟"

قال كريم:

"بصي يا رهف، هما عايزين اللي يلبس في القضية دي بيتر... مش نوح."

فقالت رهف بدهشة:

"مش هما واحد؟!!"

أجابها كريم:

"بالظبط، هما واحد، بس محدش عارف كده غيرنا. الحكومة قبضت على نوح لما اتقفش في آخر مهمة هنا في إسكندرية، وهيتحبس بسببها وبس. لكن الأربع سنين اللي كان شغالهم مع العصابة بشخصية بيتر... ده شخص تاني إحنا منعرفوش. تبقى الحكومة تدور عليه بقى. وقتها نبقى شيلنا عن نوح حمل السنين دي كلها. فاهمة؟ يعني نوح هياخدله كام سنة في اللي اتقفش بيه هنا، لكن المهمات السابقة، وشغله مع المافيا أربع سنين، واتجاره بالآثار... كل ده لو اتحسب عليه هيخليه يخلد في السجن، ويمكن ياخد مؤبد. هما بقى فكروا يخرجوا نوح من كل ده، لأنه طول السنين دي كان بشخصية بيتر، مش نوح، وده حقيقي فعلًا. إحنا مش بنكدب على الدولة، نوح فعلًا كان عايش بشخصية غير شخصيته ففكرت إننا نروح للشرطة ونقولهم الحقيقة كاملة، دي مش هتكون في صالحنا، ويا تصيب يا تخيب. وكده إحنا بنفسنا هنثبت عليه كل التهم. ولو روحنا قولنا إنه كان فاقد الذاكرة، وإن المافيا تبنته، يبقى إحنا بنأكد الحكم عليه. لكن الخطة اللي نوح اتفق عليها مع توم هي إنهم يفصلوا الشخصيتين عن بعض، وما يتحاسبش غير على آخر مهمة بس اللي عملها نوح مش بيتر... فهمتي؟"

ضحكت رهف بفرحة، وقالت وهي تمدحهما:

"يا ولاد اللعيبة... أنا كده متأكدة إنهم دماغ مافيا بصحيح."

ضحك كريم، ثم عاد يتحدث إلى توم قائلًا:

"حسنًا يا توم... ماذا تريدون منا أن نفعل الآن؟"

____________________________

دخلت غزل الشركة وهي تجيل ببصرها في أرجائها، فلا تعرف أحدًا، ولا تدري إلى من تتوجه بالسؤال. وما إن وقع بصرها على عامل النظافة حتى اقتربت منه قائلة:

"لو سمحت، كان عندي معاد مع دكتور حمزة الخولي، أروح فين؟"

أرشدها العامل إلى الطريق المؤدي إلى مكتبه، موضحًا أن مكتبه يقع في الطابق العلوي، أما الطابق الحالي فلا يضم سوى مكاتب الموظفين.

تحركت غزل نحو الأعلى، حتى بلغت باب مكتبه، فوجدت السكرتيرة تجلس أمام مكتبها، وعيناها معلقتان بشاشة الحاسوب. وما إن انتبهت إليها حتى رفعت رأسها، ورسمت على شفتيها ابتسامة ودودة، وقالت:

"أهلًا بحضرتك، محتاجة مساعدة؟"

أجابت غزل بتوتر:

"آه... كان عندي مقابلة مع دكتور حمزة."

- "أخدتي معاد؟"

- "أيوة."

- "تمام، لحظة، وأرجع لحضرتك."

نهضت السكرتيرة ودلفت إلى مكتب حمزة، وما إن أذن لها بالدخول حتى خرجت مجددًا، وأخبرت غزل أن بإمكانها الدخول.

دخلت غزل المكتب، وما إن التقت عيناها بعيني حمزة حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة اطمئنان. أما هو فوقف على الفور، فاتحًا ذراعيه في ترحاب بالغ، وقال:

"يا مرحب يا مرحب نورتي المكان."

ابتسمت غزل بسعادة، ثم جلست أمامه، ليبدآ الحديث حول الوظيفة التي يمكنها أن تعمل بها.

قال حمزة موضحًا الأقسام التي تناسبها، والتي لا تتطلب مؤهلًا دراسيًا عاليًا، وإنما تعتمد على الخبرة والتدريب:

"بصي يا غزل، أنا فكرت كويس، ومن امبارح وأنا دماغي مشغول بإيه اللي يناسبك هنا، ولقيت إن أنسب حاجة ليكي هي مندوبة مبيعات. إحنا هنا بنبيع منتجات ليها علاقة بالأجهزة الطبية، وكل اللي عليكي إنك هتتعاملي مع العملاء في البيع والشرا. ومفيش حاجة أسهل من تعلم الشغلانة دي، وانتي كمان سبق واتعاملتي مع ناس كتير، وتعرفي تضحكي على العقول كويس،وتقنعيهم بسهولة بوجهة نظرك، فأظن إن دي أنسب شغلانة ليكي، خاصة إن معاكي لغة، والإنجلش بتاعك كويس جدًا، لأننا بنتعامل مع عملاء كتير برا مصر، ومعظم إصداراتنا بتبقى في الخارج... ها، إيه رأيك؟"

كانت غزل تستمع إليه، بينما كانت ابتسامتها تكبر شيئًا فشيئًا، وقد غمرتها سعادة عارمة لم تستطع إخفاءها. وافقت على العمل دون تردد، وأبدت حماسًا كبيرًا لبدء عملها منذ ذلك اليوم.

وبالفعل، أُلحقَت بأحد موظفي قسم المبيعات ليتولى تدريبها، فأخذ يشرح لها تفاصيل العمل خطوةً بخطوة، بينما كانت تتلقى كل ما يقدمه بشغفٍ وسرعة استيعاب لافتة. ولم يمضِ وقت طويل حتى بدت مهيأة تمامًا لتلك الوظيفة، فقد كانت رغبتها الصادقة في العمل، إلى جانب ذكائها وسرعة تعلمها، تجعلها تتقدم بخطى ثابتة.

ولم تخب نظرة حمزة فيها؛ إذ كان واثقًا منذ البداية بأنها ستنجح، وأنها ستثبت جدارتها في وقتٍ أقصر مما توقع الجميع.
_______________________

عاد أفراد الفريق، واجتمعوا مع غزل، ولم يكن رحيم برفقتهم، بل حضرت تمارا وحدها؛ إذ كان رحيم يرغب في إخبار أفراد عائلته، واحدًا تلو الآخر، بخبر زواجه. أما تمارا، فكانت تشعر بالخجل من بقائها معه في الشقة نفسها، وما قد يتناقله الجيران إذا اعتادوا رؤيتها هناك، لذلك عادت مع بقية الفريق.

اجتمعوا جميعًا على سطح العمارة، وما إن قصوا على غزل ما حدث حتى انبلجت أساريرها فرحًا بخبر زواج رحيم من تمارا. كانت تعلم يقينًا أنه يحبها حبًا صادقًا، كما أنها شعرت في فترةٍ ما بأنه يكنّ لها مشاعر خاصة، فهي لم تكن غبية حتى تغفل عن ذلك، لكنها لم تره يومًا إلا أخًا لها، ولم تستطع أن تتخيله في منزلةٍ أخرى.

لطالما تمنت أن يُذهب الله ما في قلبه منها، وأن يجبر خاطره بامرأةٍ تحبه بصدق. ومنذ اللحظة الأولى التي ظهرت فيها تمارا، شعرت بأن تلك الفتاة تعشقه، فقد كانت مشاعرها مكشوفة أمام الجميع، لا تحتاج إلى تفسير. لذلك كانت تدعو الله أن يبادلها رحيم الشعور، وأن يصرف قلبه عنها.

وفي قرارة نفسها كانت على يقين بأنها لا تحب رحيم؛ فلو كانت تحبه حقًا، لما اهتز قلبها بتلك الصورة عندما دخل حمزة حياتها.

حسنًا... هي تعترف بأنها تحب حمزة، ولا تخجل من هذا الاعتراف. فما أجمل أن يحب الإنسان، سواء أكان حبه متبادلًا أم لا. كانت سعيدة بهذه المشاعر، وسعادتها الأعظم أنها أصبحت قريبة منه. وهذا وحده كان يكفيها الآن؛ فلتستمتع بتلك اللحظات، ولتغض الطرف عن كل شعور قد يعكر صفوها.

أعلنت غزل توبتها أمام الجميع، وأخبرتهم بعملها الجديد، فلم يصدق أحد أن حمزة الخولي، الرجل الذي كانت تخطط يومًا لسرقته، هو نفسه من يمد لها يد العون الآن.

قالت بحماس:

"يا جماعة، حمزة خلاني أخد بالي من حاجة مهمة جدًا... إحنا معانا لغة قوية نقدر نشتغل بيها. فيه إعلانات كول سنتر ممكن تقدموا فيها، لأن معظمنا معاهوش شهادة تخرج، ومش كلنا دخلنا جامعة. فرحيم، فكر هو هيصرف على بيته والعيل ده إزاي؟ لأن تمارا عبال ما تلاقي شغل، هياكلوا ويشربوا منين؟"

فقالت تمارا:

"فكرة حلوة. أخدت بالي إن رحيم بيتكلم إنجليزي بطلاقة... هو أخوه كان قاله إنه هيشتغل معاه في عيادته زي مدير أعماله."

قالت غزل:

"ماشي، مفيش مشكلة، خليها تكون بجانب شغله، بس مرتبات الكول سنتر مرتاحة شوية، فخليه يقدم ويشوف. وإنت يا زياد برضو لبلب إنجليزي، قدم. يا جدعان متستنوش بعد ما تقعدوا من الشغل وتعلنوا توبتكم وتبقوا شحاتين وحالتكم تدهور، تقولوا: ليه يا رب؟! ما أنا سيبت الحرام. ويبدأ الشيطان يزينلكم الحرام من تاني، ونرجع لنقطة الصفر. دوروا على شغل."

فقال شاكر بهدوء:

"معاكي حق يا غزل. الموضوع مش هيجيلنا بسهولة، لازم نتعب عشان ربنا يساعدنا ويفتحلنا ابواب رزقه. عمر الرزق ما هييجي لحد عندنا. أنا عندي صنعة حدادة، وبفكر أفتح ورشة أبويا تاني وأشتغل فيها."

أمسكت دينا يده، وابتسمت بحب، وقالت:

"وأنا هرجع تاني أدي دروس تأسيس لغة عربية. آه، فلوسها مكانتش كتير، بس حلال."

تمتم شاكر براحة:

"الفلوس الحلال بيبقى فيها بركة والجنيه الحلال احسن من ميت جنيه حرام. كفاية إننا هنأكل عيالنا بالحلال من تاني."

وفجأة، دوّى صوتٌ مألوف خلفهم:

"ده كلكوا تبتوا بقى؟ بسم الله ما شاء الله."

التفت الجميع في آنٍ واحد، ليجدوا زعيمهم يقف خلفهم. انتفضوا جميعًا، وابتلع كل منهم ريقه في توتر؛ فقد كانوا يخططون للرحيل دون أن يخبروه بشيء.

قالت غزل مرتبكة:

"زعيم... أصل إحنا..."

لكن عمران قاطعها قائلًا:

"أخص عليكو! عايزين تروحوا الجنة لوحدكوا يا أنانيين؟ طب افتكروا أبوكوا عمران. مش أنا اللي جمعتكم وربيت معظمكم من وهو لسه صغير وبيقول بابا وماما؟"

ساد الصمت بينهم، وتبادلوا النظرات في حيرة، لا يدرون أكان يتحدث بجدية أم يمزح.

ثم قال عمران بابتسامة:

"ابقوا قدمولي معاكوا في شغلانة."

انفجرت غزل ضاحكة، وقالت:

"حلاوتك يا زعيم."

ضحك عمران، ولم تمضِ لحظة حتى هرع الجميع إليه، يعانقونه بمحبة صادقة. لم يتخيل أحد منهم أن تتبدل أحوالهم بهذه السرعة، وأن تكون خطوات توبتهم ميسرة إلى هذا الحد.

تبادلوا الابتسامات، ثم اتصلوا برحيم ليخبروه بآخر المستجدات، بينما أعلن عمران أنه سيتكفل بجميع مصاريف حفل زفاف رحيم وتمارا، وأنه سيقيم لهما عرسًا في أفخم القاعات؛ فرحيم لم يكن بالنسبة إليه مجرد فردٍ من الفريق، بل كان بمنزلة أحد أبنائه، وعزيزًا على قلبه.

__________________________

كانت الزيارات ممنوعة عن نوح، لذلك لم تتمكن رهف من رؤيته. وكان حسن عينه عليها؛ يراقب تحركاتها، وكانت رهف تدرك تمام الإدراك أن حسن يتتبع خطواتها، لذلك كانت تتصرف بحذر شديد، وتتعمد أن يبدو كل ما تفعله طبيعيًا، حتى لا يساوره أدنى شك. بل كانت تزيد من ثقته بها يومًا بعد يوم، وتغذي غروره، فيظن أنها ستأتي إليه قريبًا راكعةً ذليلة، ترجوه أن يُخرج نوح من السجن، وتوافق على الزواج منه.

أما في الخفاء، فكانت رهف تسير وفق الخطة المرسومة بدقة؛ تنفذ كل ما يطلبه منها توم وجين حرفًا بحرف، دون زيادة أو نقصان، خشية أن تقع في خطأ قد يفسد ما بذلاه من جهد، أو يعرض خطة إنقاذ نوح للخطر.

__________________

مرّ الأسبوع سريعًا، وكانت غزل تثبت جدارتها يومًا بعد يوم، بحماسٍ لا يخبو، وطاقةٍ لا تنضب. أما حمزة، فكان يراقبها من بعيد، وعيناه لا تفارقانها، وكل يوم يزداد يقينًا بأن اختياره لها كان صائبًا مئة بالمئة.

وفي ذلك اليوم، أنهت غزل عملها، واستعدت للمغادرة. وما إن همّت باستيقاف سيارة أجرة، حتى رأت سيارة حمزة تتوقف أمامها، ففتح نافذته وقال:

"اركبي."

صعدت غزل إلى السيارة، ثم التفتت إليه بحماس قائلة:

"استاذ فريد اللي مسؤول عن تدريبي مقالكش إني النهارده نهيت طلبية بسبعة مليون، وبلفت عميل روسي بصباع رجلي الصغير؟ "

ضحك حمزة وهو يقود سيارته، وقال:

"أيوة، عرفت. ما عشان كده قلت آخدك بعد الشغل نتعشى برا ونخرج، كمكافأة لتعبك."

ارتسمت ابتسامة واسعة على وجه غزل، وغمرتها سعادة عارمة؛ إذ ستقضي بعض الوقت برفقته.

تناولا العشاء في أحد المطاعم الراقية، وكانت غزل تتصرف في مثل تلك الأماكن بكل لباقة وثقة، حتى لتبدو وكأنها تنتمي إليها منذ زمن بعيد. ورغم أن البيئة التي نشأت فيها لم تكن كذلك، فإنها كانت تتأقلم بسهولة مع أجواء الرفاهية والطبقة المخملية التي يعيشها حمزة، حتى إنه لم يشعر يومًا بأن الفارق الاجتماعي بينهما يشكل حاجزًا؛ فقد كانت تتصرف بكل رقي، وكأنها سيدة أعمال متمرسة.

وبعد انتهائهما من العشاء، قررا دخول السينما.

قال حمزة، وهو ينظر إلى ملصقات الأفلام المعروضة:

"ها، اختاري الفيلم اللي عايزة تدخليه."

أخذت غزل تتأمل الأفلام، حتى وقع بصرها على فيلم رعب، فأشارت إليه بحماس، وقالت:

"ده ده... هموت وأدخله... بيقولوا عليه جامد."

نظر إليها حمزة مستغربًا، وقال:

"ده رعب يا غزل!"

فقالت بحماس:

"أيوة... أنا بحب أفلام الرعب."

ضحك حمزة وقال:

"هتقعدي بقى تصوتي وتفضحيني."

فضحكت غزل، وقالت بثقة:

"لا لا، أنا قلبي جامد، صدقني. أنا بتفرج على رعب من زمان وبعشقه."

ابتسم حمزة وهو يتجه إلى شباك التذاكر مرددًا:

"أما نشوف."

دخلا قاعة السينما، وجلس كلٌ منهما في مقعده. كان حمزة يحمل علبة كبيرة من الفشار، بينما أمسكت غزل ببعض الحلوى للتسلية. وما إن استقرا في مكانيهما حتى بدأ عرض الفيلم.

مرت الدقائق العشر الأولى بهدوء، ولم يكن في الأحداث ما يثير الفزع. لكن مع أول مشهدٍ مرعب، دوّى صوت صرخةٍ عالية داخل القاعة، فالتفتت الأنظار جميعها نحو مصدر الصوت...

ليتضح أنه حمزة!

انتفضت غزل من صرخته قبل أن تفزع من المشهد نفسه، ثم التفتت إلى الحضور من حولها تعتذر لهم، قبل أن تنظر إليه هامسة:

"حمزة، اهدى... متفضحناش."

صمت حمزة من شدة إحراجه، ثم ابتلع ريقه وقال محاولًا التماسك:

"أنا عادي أهو... مفيش حاجة."

قالت وهي تكتم ضحكتها:

"لو خايف نقوم عادي."

اعتدل في جلسته، وألقى ببعض حبات الفشار في فمه، وقال متصنعًا الثبات:

"هو إيه اللي خايف دي؟! أنا كويس أهو... الفيلم حلو جدًا."

استمر الفيلم، وتوالت مشاهده المرعبة. وكان حمزة يحاول جاهدًا أن يخفي خوفه، فيرسم على ملامحه ثباتًا مصطنعًا، بينما كان قلبه في الداخل يركض كالمجنون.

ومع منتصف الفيلم، ظهر مشهد مرعب آخر، فأطلق حمزة صرخةً جديدة، ثم اختبأ خلف ظهر غزل حتى انتهى المشهد.

ولم تمضِ سوى دقائق حتى جاء مشهد آخر، فصرخ مجددًا، لتسرع غزل بوضع يدها على فمه بعدما بدأ انزعاج الجالسين حولهما يزداد.

ثم جاء مشهد أشد رعبًا، فلم يتمالك نفسه، بل اندفع يعانق غزل خوفًا، بينما كانت هي على وشك الانفجار من شدة الضحك.

أما عند أكثر المشاهد رعبًا، فقذف حمزة علبة الفشار من يده دون وعي، لتنطلق فوق رؤوس المشاهدين الجالسين أمامهما، ويتناثر الفشار عليهم جميعًا.

التفتوا إليهما بضيق، بينما كان حمزة يهتف بذعر:

"عاوز أمشي... عاوز أروح بيتنا... أنا عاوز أمشي."

اعتذرت غزل للحضور على عجل، ثم نهضت بصحبته وغادرا القاعة.

كانت تربت على ظهره محاولة تهدئته، بينما اتجه حمزة إلى دورة المياه ليغسل وجهه.

وما إن خرج، حتى وجدها واقفة في انتظاره، تكتم ضحكاتها بصعوبة.

حاول أن يبتعد عنها، وسلك اتجاهًا آخر حتى لا يضطر إلى الحديث معها، لكنها لحقت به راكضة وهي تضحك، قائلة:

"استنى... هتروح لوحدك؟ مش خايف يا بيضة للعو ياكلك."

قال حمزة بضجر:

"مبتضحكش على فكرة."

فانفجرت غزل ضاحكة، وقالت:

"إنت بتخاف من الرعب؟! مقولتش ليه طيب؟ عاجبك اللي حصل ده؟"

- "مبخافش من الرعب."

فتظاهرت غزل بالدهشة، وقالت:

"يا راااجل."

توقف حمزة، ثم التفت إليها وقال مدافعًا عن نفسه:

"أنا مبخافش من الرعب... الفيلم صعب. أنا اتفرجت على أفلام تانية وعادي... وبعدين إنتي مشيتي وسيبتي الفيلم ليه؟ روحي كمليه."

وضعت غزل ذراعها على كتفه، وقالت بابتسامة دافئة:

"وأسيبك لوحدك؟! دنا أخاف عليك تروح لوحدك."

- "غزل..."

اقتربت منه، وأمسكت خديه بكلتا يديها، وقالت وهي تبتسم:

"إنتي ثمالا ياتي تخافي. "

رغمًا عنه، انفجر حمزة ضاحكًا من أسلوبها العفوي، ثم واصلا الطريق وهما يتبادلان الضحكات.

وبعد قليل، قرر حمزة أن يرافقها إلى معمل التحاليل؛ فقد حان موعد ظهور النتائج أخيرًا.

وما إن وصلا، حتى اجتاح التوتر غزل، وشعرت بأن أنفاسها تضيق. تناولت ظرف التحاليل، ثم عادت إلى السيارة، وجلست إلى جواره وهي تقبض عليه بكلتا يديها.

نظر إليها حمزة، ثم سألها:

"فتحتيها؟"

هزّت رأسها نافية.

فقال مشجعًا:

"طب مستنية إيه؟ افتحيها يلا."

وفجأة، مدت يدها بالظرف نحوه، وقالت بصوتٍ مرتجف:

"افتحها إنت... أنا مش قادرة أفتحها، بجد حاسة إن قلبي هيقف من كتر ما هو بيدق."

تناول حمزة أوراق التحاليل، ثم نظر إليها لحظة، قبل أن يفتح الظرف ويبدأ بقراءة ما بداخله.

مرت ثوانٍ معدودة...

لكنها في نظر غزل كانت أشبه بسنوات طويلة.

كان الزمن يمضي ببطءٍ قاتل، بينما ظل حمزة صامتًا، يقرأ النتائج دون أن ينطق بكلمة.

لم تعد تحتمل الانتظار، فقالت بتوتر:

"يا ابني ما تنجز بقى... أعصابي باظت."

رفع حمزة رأسه إليها، وقال بصوتٍ هادئ:

"غزل..."

اتسعت عيناها وهي تهمس بلهفة:

"هااااا؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم قال:

"النتايج... إيجابية."

أطبقت غزل شفتيها بقوة، واغرورقت عيناها بالدموع، قبل أن تنفجر في بكاءٍ مرير، وهي تردد بين شهقاتها:

"ايج... ايجابية... النتايج ايجابية يعني... يعني أنا ليا أهل... حمزة، أنا ليا أهل... أنا مش يتيمة... أنا ليا أهل."

لم يتردد حمزة لحظة، فسحبها إلى صدره، واحتضنها بحنان، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة بلغت أذنيه من شدة سعادته. أخذ يربت على ظهرها برفق، محاولًا تهدئتها، وقال بصوتٍ دافئ:

"ليكي يا عيوني... ليكي."

أجهشت بالبكاء بين ذراعيه؛ دموعٌ امتزجت فيها الفرحة بعدم التصديق، والأمل الذي عاد لينبض في قلبها من جديد.

لم تكن تتخيل يومًا أن حياتها ستنقلب رأسًا على عقب بهذه الصورة، ولم يخطر ببالها قط أنها ستقف في يومٍ كهذا، على بُعد خطوات من لقاء عائلتها التي طالما حلمت بها.

___________________ 

مرّ شهر على جميع أبطالنا، حتى جاء اليوم الذي احتشدوا فيه داخل قاعة المحكمة، مترقبين النطق بالحكم. وبعد الاستماع إلى الشهود، ومناقشة القاضي لجميع تفاصيل القضية، نطق بالحكم قائلًا:

"حكمت المحكمة حضوريًا على المتهم بالسجن ثلاثة أعوام... رُفعت الجلسة."

نهضت رهف على الفور، واحتضنت هبة، وقد غمرتها فرحةٌ عارمة؛ فقد نجحت خطتهم، واستطاعوا إثبات أن نوح ليس بيتر، فلم تُنسب إليه بقية التهم.

ثم التفتت نحو حسن، ورمقته بنظرةٍ ساخرة، ارتسمت معها ابتسامة اعتزاز وانتصار على شفتيها، قبل أن تتجه إلى نوح.

وقف بينهما حاجزٌ من الحديد، تريد أن تضمه إلى صدرها، لكنها لم تكترث؛ فقد أيقنت أن ذلك العناق قد اقترب.

وضعت كفها على القضبان، وهمست بصوتٍ اختلط فيه الشوق بالفرح:

"نوح..."

قال نوح، وقد أشرقت ملامحه بالسعادة:

"لعبتوها صح يا ولاد الإيه... زي ما خططنالها بالملي."

ابتسمت رهف، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت:

"كنت عارفة إن ربنا مش هيبعدك عني تاني... واللي خلاني استناك أربع سنين، يخليني استناك تلاتة كمان. هما صحيح كتير عليا أوي، بس هصبر نفسي إنك قصاد عنيا وبخير... أنا بحبك أوي يا نوح."

أطرق نوح برأسه قليلًا، وقد امتلأت عيناه بالدموع، ثم قال:

"وأنا بموت فيكي يا نور عيني... كنت عارف إنك أكتر حد هيساعدني، لأن توم مكانش هيعرف يتعامل لوحده، حتى لو نزل مصر. كنت متأكد إن معايا راجل هتعرف تخرجني منها، وتعمل كل اللي قولت عليه. أنا عارف إنك ذكية، وفي الحاجات اللي زي دي مبخافش على نفسي، بكون مطمن لأنك معايا وفي ضهري."

رفعت رهف خصلات شعرها بأصابعها في حركةٍ ملؤها الزهو والاعتزاز، وقالت:

"طبعًا... أومال إنت فاكر إيه؟ على فكرة، شوية العيال بتوعك دول أنا اللي كنت بوجههم."

ظهر كريم من خلفها، وقال ضاحكًا:

"وأنا يا نوح! دنا أكتر طرف تعب في المهمة دي، أقسم بالله. مراتك دي تشل... كانت بتشتمهم وتقولي: ترجم الشتيمة! أقسم بالله دحنا عدينا بأيام ما يعلم بيها إلا ربنا."

انفجر الجميع ضاحكين.

فقالت هبة بابتسامة حانية:

"ترجع بالسلامة يا ابني."

وقال معتز، وهو يشير إليه مازحًا:

"ولا يا نوح، لو رجعتلنا بعد تلت سنين تقولنا: إنتو مين؟ همسك في زمارة رقبتك... إنت فاهم."

تعالت ضحكاتهم من جديد، ثم غادر كلٌّ منهم إلى منزله، وقد تنفسوا الصعداء أخيرًا بعد شهرٍ كان من أثقل شهور حياتهم؛ إذ كان نوح مهددًا بقضاء بقية عمره خلف القضبان، قبل أن تنقذه رحمة الله، ثم خطتهم التي كُتب لها النجاح.

______________________

- "إزيك يا خالتو ميرفت، حسن هنا؟"

- "آه، جوه... رهف، أرجوكي سيبيه في حاله. من ساعة المحكمة وهو حابس نفسه في أوضته."

دخلت رهف المنزل وهي تقول بسخرية:

"بجد؟! يا حرام... لا دنا أواسيه بنفسي بقى. يا حسن... حسونة..."

خرج حسن من غرفته، ونظر إليها بوجهٍ متجهم، وقال:

"إنتي إيه اللي جابك؟"

قالت ساخرة:

"يوه... ده إنت بنفسك اللي قايل بعضمة لسانك إنك هتفضل قاعد وحاطط رجل على رجل وأنا هرجع لحد عندك، بس شوف بقى مغير الأحوال! أنا مش راجعالك مذلولة، دنا راجعة شمتانة قد كده بقى يا حسن فاكر إنك في يوم هتبقى مكان نوح؟! لا، وعايز تتجوزني! هو إنت تطول إنت ونوح تتحطوا في نفس الكفة؟! أنا مش عارفة إزاي جالك أصلًا فكرة إنك تاخد مكانه. ده حتى الصغير يفهمها وهي طايرة. اللي يخليك تقعد تمانية وتلاتين سنة، ومفيش واحدة راضية تبصلك، ومفيش واحدة تستحملك، هاجي أنا وآخدك؟! ليه؟! اتجننت أنا ولا إيه؟! يعني بعد ما أدوق السمك أروح للفسيخ؟! ما تبص لنفسك يا حسن، وشوف كده إيه المميزات اللي فيك. خمورجي، وضابط نجس، وكل شغلك في الشمال، ومعندكش ضمير. عايزني أسيب نوح اللي الكل بيشهد بأخلاقه، وأجي أتجوزك عشان بس إنت بتحبني؟! يا أخي حبك برص وعشرة خُرص! لا، وطول الأربع سنين اللي فاتوا عمال تحبب لوجي فيك، ولوجي أول ما أبوها ظهر كرفتلك، وإنت فاكر أو متخيل إن لوجي هتفضلك إنت عن أبوها؟! حسن، إنت ولا حاجة جنب نوح... وأنا عمري ما حبيتك، بالعكس، أنا مابكرهش في حياتي قدك، ولو هيموتوني كده، ولو إني أتجوزك، هختار أموت أحسن ما أتجوزك."

وفجأة، اندفع حسن نحوها، وأطبق يده على عنقها، ثم رفعها عن الأرض، بينما كانت عيناه الحمراوان تتقدان بالغضب والحقد، وقال بصوتٍ مخنوق من شدة انفعاله:

"يبقى الأحسن لك تموتي."

همّت ميرفت بالتدخل، لكنها توقفت في منتصف خطوتها، ثم تراجعت. ففي نظرها، كانت رهف سبب تعاسة ابنها طوال تلك السنوات، بل تمنت في داخلها أن تموت، ليتخلص منها إلى الأبد.

وقفت تراقب المشهد، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة ماكرة، بينما كانت رهف تلفظ أنفاسها بصعوبة، وحسن يزيد من ضغط أصابعه حول عنقها، وهو يصرخ بها:

"أنا حبيتك... بس إنتي متستاهليش الحب، لأنك متعرفيش يعني إيه حب. الحب إنك تحاربي عشان شخص، وتضيعي عمرك كله في سبيل إنه يبقى ليكي، وبرضو ميبقاش ليكي، وتحاولي تاني وتالت وعاشر... عمرك حسيتي بيا؟! في يوم فكرتي أنا كنت بحس بإيه وإنتي بعيدة عني؟!دنا حتى فكرت أقتل نوح كذا مرة، بس كان بينجو منها، معرفش إزاي. وآخر مرة كنت أنا السبب... أنا السبب إن السفينة تغرق وتتفجر. أنا اللي كنت باعت ناس يفجروها ويموتوا نوح. قالولي إنه مات، وكنت قربت أشم نفسي، لكن بعد سنة عرفت إنه لسه عايش... كنت هتجنن.وبقيت بدفع فلوس للي اتبناه عشان يفضل هناك، بس المصيبة اللي نزلت فوق راسي إن نوح ينزل إسكندرية ويظهرلك، وتعرفي إنه لسه عايش. الغبي ستيفن الكلب هو اللي جابهولي لحد عندي، عندًا فيا! بس كانت فرصة إنه رجع فاقد الذاكرة، وما يإستش. حاولت أكرهك فيه، ولما عرفتي إنه خاين ومقضيها، وقتها بس وافقتي تتجوزيني. إنتي مش متخيلة أنا كنت قد إيه فرحان يا رهف... إنتي اديتيني كل حاجة كنت اتمنيتها وسحبتيها من إيدي فجأة، بدون رحمة منك.اتاريكي كنتي عايزاه يغير عليكي، وأخدتيني طُعم في لعبة بإيدك! أنا يا رهف؟! قلبي ده مش بيحس؟! مشاعري دي حاجة بسيطة تستهزئي بيها، وتلعبي بيها وقت ما تعوزي؟! إنتي أكتر حد أنا حبيته في حياتي... وكمان أكتر حد أذاني في حياتي."

أغمضت رهف عينيها، وارتخى جسدها تمامًا، واستسلم للمقاومة.

ما إن شعر حسن بذلك، حتى أفلت عنقها في ذهول، فسقطت على الأرض بلا حراك.

اتسعت عيناه رعبًا، وارتمى على ركبتيه بجوارها، وقد شحب وجهه، ثم أخذ يبكي بكاءً مريرًا كالأطفال.

"رهف... رهف... لا..."

رفع رأسها ووضعها فوق ركبتيه، ثم ضمها إلى صدره بقوة، وهو ينتحب بين شهقاته:

"إنتي اللي مديتينيش فرصة... إنتي اللي وصلتيني لكده... أنا عمري ما كنت أتخيل إني أموتك... إنتي اللي طلعتي أسوأ ما فيا يا رهف... ليه عملتي كده؟! ليه محبتنيش زي ما بحبك؟! ليه يا رهف... ليه؟!"

تعليقات