رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثامن والعشرون 

ضمَّ «رماح» وجهه بين كفَّيه، بينما أغلق اللواء «أيمن» عينيه في أسى بعد أن خسر هذه الجولة. لقد وصل أعداؤهم إلى السجينين اللذين كانا في حوزتهم، وهو ما يعني أن فريقه قد تعرَّض لاختراق خطير.

انتهت التحقيقات مع «طيف»، فعاد إلى عمله من جديد بعد تدخُّل «أيمن» لإخراجه من هذا المأزق.

دعا «أيمن» إلى اجتماع عاجل لأعضاء الفريق بحضور «زين» في مقر الفريق.

حضر الجميع في الموعد المحدد، وجلسوا في انتظار اللواء «أيمن» الذي دخل بعد دقائق وترأس طاولة الاجتماع.

زفر بقوة قبل أن يقول:
- لأول مرة أشوف فريقي منهار بالشكل ده. فيه اللي بيتصرف من دماغه، وفيه اللي بتفوته تفاصيل مهمة، وفيه اللي بينسى أوامر اتقالت له، وفيه اللي مش عارف يحمي اتنين مساجين كانوا تحت حمايتنا. وفيه مواقف كتير لو فضلت أتكلم عنها مش هخلص النهارده.

صمت للحظات ثم تابع:
- أنتم كلكم أثبتم فشلكم الذريع رغم العمليات اللي نفذتوها ونجحت. أنا هنا مش بتكلم عن الشغل الجماعي، أنا بتكلم عن الأداء الفردي. كلكم بقيتوا مشتتين ومش قادرين تركزوا حتى على هدف واحد.

في تلك اللحظة تحدث «بارق» بهدوء:
- سيادتك إحنا غلطانين ومش ببرر ده، لكن فيه نقطة أثارها رماح باشا قبل كده وهي إن فيه خاين بينا. مرزوق سابقنا دايمًا بخطوة وأكيد فيه حد بينا بيبعت له أخبارنا أول بأول وهو نفس الشخص اللي عرفه بخط سيرك رغم إنه كان سري، وهو برضه اللي سمم العيلين دول.

تعجب «طيف» من اتهام «بارق» ونظر في وجوه الجميع متسائلًا في داخله:
- هل بالفعل يوجد خائن بينهم؟ من يكون؟ إنه يثق بالجميع إلا شخصًا واحدًا وهو زاخر. فهل يكون هو؟

حرك «أيمن» رأسه بأسف وقال:
- ودي مصيبة تانية، إن بقى بينا فجوة لدرجة إننا بقينا بنشك في بعض.

نهض من مكانه وتابع بحدة:
- مفيش بينا حد خاين وياريت محدش يفتح الموضوع ده تاني. أنا عمري ما دخلت حد الفريق إلا وأنا واثق فيه ثقة عمياء. وطبعًا كلكم دلوقتي بتبصوا لزاخر لأنه أحدث فرد في الفريق، لكن الحقيقة إن ثقتي فيه زي ثقتي في كل واحد منكم.

صمت للحظات ثم قال:
- زاخر فعلًا بينقل معلومات لمرزوق.

اتسعت أعين الجميع، وارتسمت الصدمة على وجوههم، قبل أن يتابع «أيمن» بهدوء:
- لكنه بينقل المعلومات اللي أنا بقوله ينقلها.

وقع حديث «أيمن» كالمطرقة على رأس «بارق» الذي لم يكن يتوقع ذلك على الإطلاق، بينما واصل «أيمن» حديثه:
- مرزوق خطف زاخر وهدده بمعلومات محدش يعرفها غيري، وكمان هدده بأخواته البنات علشان يشتغل معاه. زاخر وافق علشان يسيبه لكنه جه وحكالي كل حاجة. وقتها استغليت الموقف لصالحنا وبقيت أوصل لمرزوق المعلومات اللي أنا عايزها توصل له. حتى لما طلب يعرف خط سيري خليت زاخر يبلغه بيه، وعرضت نفسي للخطر علشان مرزوق ما يشكش فيه. لكن طبعًا كنت عامل حسابي ودارس الطريق كويس وعارف أتصرف لو حصل أي طارئ. والحمد لله عدت على خير وربنا نجاني. زاخر كمان كان عايز يحط قوة قريبة مني وأنا اللي رفضت علشان ما يتكشفش إنه بلغني بأي حاجة.

"قبل الحادث بساعات"

وقف «أيمن» واقترب من «زاخر» وهو يقول:
- هو ده الصح يا زاخر. أنا عايزه يثق فيك أكتر، لأن الخطوة دي هتكون أول رصاصة في قلب مرزوق.

قطب «زاخر» جبينه وهتف:
- بس يا فندم مينفعش تكون لوحدك. على الأقل يكون فيه قوة قريبة منك وأول ما يحصل أي حاجة يتدخلوا.

هز «أيمن» رأسه رافضًا الاقتراح وقال:
- لا يا زاخر. أنا هدرس الطريق كويس وعايزك معايا في المهمة دي وإن شاء الله هخرج منها سليم علشان أنهي على مرزوق بنفسي.

"الوقت الحالي"

ظلَّت الصدمة مسيطرة على «بارق»، وردد في داخله:
- إذا كان زاخر مع اللواء أيمن وبيضحك على مرزوق أمال مين اللي قتل المساجين؟

تفحص «أيمن» وجوههم قبل أن يتابع، لكن هذه المرة بما هو أكثر إثارة للصدمة:
- مين اللي قتل المساجين طالما مفيش بينا خاين؟ هجاوبكم دلوقتي. المساجين ما اتقتلوش أصلًا. مرزوق بلغ زاخر إنه يخلص عليهم، وفي الوقت ده كانوا بيعترفوا صوت وصورة إن مرزوق هو اللي أمرهم بمحاولة قتلي ودي كانت غلطة كبيرة منه. اتفقت مع زاخر ومع الدكتور على خطة بسيطة؛ اديناهم منوم وعلاج يضعف ضربات القلب جدًا لدرجة إن أي حد يكشف عليهم يتأكد إنهم ماتوا. وكمان اتفقت مع الدكتور إنه يعلن إنهم ماتوا مسمومين، علشان الخبر ينتشر ويوصل لمرزوق. ولو إحنا نفسنا صدقنا الرواية فطبيعي هو كمان يصدقها.

"قبل يوم"

ظهر على شاشة هاتف «زاخر» رقم غير معروف، لكنه أدرك على الفور أن المتصل هو «مرزوق». أجاب على المكالمة، فصدح صوته من الجهة الأخرى قائلًا:
- زاخر اللي عمره ما خذلني، عايزك في مهمة تمنها عشرة مليون جنيه. عايزك تخلص على الاتنين اللي أيمن قبض عليهم قبل ما يتكلموا وكل رأس عليها خمسة مليون.

قطب «زاخر» جبينه وقال معترضًا:
- لا لا صعب يا مرزوق. أنت بتطلب مني أخلص على اتنين محبوسين في مكان زي ده؟! أنت عارف الحراسة هناك عاملة إزاي؟ حاجة زي دي ممكن تكشفني وساعتها أبقى بعرض نفسي للخطر.

لكن «مرزوق» أصر على طلبه وقال بنبرة حاسمة:
- اتصرف يا زاخر، دي مش بتاعتي دي بتاعتك أنت. زي ما حاولت تقتل طيف حاول واقتلهم. بس المرة دي عايزك تنجح مش تفشل زي ما فشلت مع جوز أختك. وخلي بالك ليا رجالة جوه عندك، ولو الناس دي مماتوش فعلًا هتزعلني منك أوي يا زاخر.

أنهى «مرزوق» المكالمة، بينما انطلق «زاخر» مباشرة إلى اللواء «أيمن» وأخبره بما طُلب منه.
ابتسم «أيمن» ابتسامة خفيفة وقال:
- هتنفذ اللي طلبه منك.

ارتسمت علامات الدهشة على وجه «زاخر» وهو يقول:
- إزاي يا فندم؟! هنموت المساجين؟!

هز «أيمن» رأسه نافيًا وقال:
- مش بالظبط. إحنا هنوهمه إنهم ماتوا فعلًا، لكن قبلها هناخد منهم اعترافات مصورة وواضحة إنه هو اللي حرضهم على قتلي.

اتسعت ابتسامة «أيمن» وهو يضيف:
- وساعتها هنكون ضربناه ضربة عمره ما كان يتوقعها.

"الوقت الحالي"

استمع الجميع إلى حديثه غير مصدقين أنه خطط لكل ذلك بمفرده، حتى تحدثت «فاطمة» أخيرًا:
- طب معانا اعتراف رسمي منهم إنه طلب منهم يقتلوا سيادتك، ليه ما قبضناش عليه؟ وليه خبيت حقيقة إنهم عايشين طالما خدنا منهم اللي إحنا عايزينه؟ أكيد سيادتك مش عايز تكشف زاخر له، وده معناه إن عندك خطة أكبر من مجرد القبض عليه دلوقتي.

ابتسم «أيمن» وقال بجدية:
- أنا مش عايز أقبض على مرزوق بتهمة تحريض على القتل بس خصوصًا إنه ممكن يخرج منها بسهولة. أنا عايزه يقع في كل جرايمه مرة واحدة، علشان كده أوهمته إن الاتنين ماتوا وفي نفس الوقت ثقته في زاخر تزيد أكتر.

قالت «نيران» بدهشة واضحة:
- سعادتك عملت كل ده وإحنا ما نعرفش أي حاجة؟!

جلس «أيمن» من جديد، وأسند مرفقيه إلى الطاولة الخشبية وهو يقول:
- فريقي مشتت ومش مركز في شغله، فكان لازم أشتغل أنا بنفسي.

أطرق الجميع برؤوسهم في حرج، بينما تابع هو:
- نيجي دلوقتي لموضوع مهم، وهو نائل وياسمين. لازم نتحرك بسرعة في الملف ده علشان نقبض على مرزوق متلبس ونخرجهم من اللي هم فيه. وطبعًا زين هيبقى معانا الفترة الجاية لحد ما المهمة دي تخلص.

انتهى الاجتماع بعد وقت طويل، وتوجه «بارق» إلى سيارته. وما إن تحرك بها حتى ضغط على شاشة هاتفه، ثم رفعه إلى أذنه في انتظار رد «مرزوق». لم تمر سوى ثوانٍ قليلة حتى جاءه الرد.

قال «بارق» على الفور:
- زاخر بيضحك عليك ومعرف اللواء أيمن بكل حاجة.

جاء صوت «مرزوق» مشبعًا بالصدمة:
- أنت بتقول إيه؟

زاد «بارق» من سرعة سيارته وهتف:
- لازم أقابلك بعد نص ساعة بالظبط. اهرب من المراقبة اللي عليك وتعالى قابلني في مكاننا المعتاد، الموضوع ضروري جدًا.

جاءه الرد متلعثمًا:
- حـ... حاضر حاضر.

وضع «بارق» يده في جيب بنطاله، ثم بحث داخل السيارة لكنه لم يجد ما كان يبحث عنه. رفع هاتفه من جديد واتصل بزوجته التي أجابت على الفور:
- أيوة يا حبيبي.

ابتسم وقال متسائلًا:
- بقولك إيه يا تنة، هو أنا نسيت المحفظة بتاعتي؟ مش لاقيها ومش فاكر إذا كنت خدتها ولا لأ أصلًا لأني صحيت متأخر وجريت على الاجتماع.

نهضت من مكانها وبحثت عنها في الغرفة، ثم ابتسمت قائلة:
- آه موجودة هنا أهي. إزاي نسيتها بس؟

رفع كتفيه وأجاب:
- مش عارف والله يا تنة. خلاص أنا هعدي أخدها بسرعة علشان يومي طويل.

- ماشي يا حبيبي، مستنياك.

قاد سيارته بسرعة إلى المنزل، ثم صعد إلى شقته ليجد «تنة» في انتظاره. ما إن رأته حتى قالت مبتسمة:
- ايه ده لحقت؟! هو بابا كان عامل الاجتماع في آخر الشارع ولا إيه؟

ابتسم وتقدم ليأخذ منها محفظته وهو يقول:
- لا كنت سايق بسرعة علشان ألحق. تسلمي يا حبيبتي، أشوفك بالليل بقى إن شاء الله.

وقبل أن يرحل، تقدمت نحوه وهي تقول:
- بارق؟!

توقف والتفت إليها، فوضعت يديها على صدره وقالت بنبرة يملؤها القلق:
- خلي بالك من نفسك.

قطب جبينه وهتف:
- حاضر يا ستي، بس ايه سر القلق ده؟

زاغت بعينيها وقالت:
- مش عارفة، شوفت كابوس وحش. المهم خلي بالك من نفسك علشان أنا وبنتك محتاجينلك.

ابتسم وقبل جبينها، ثم قال بحب:
- حاضر يا حبيبتي.

تركها ورحل، لكنه شعر بوخزة في قلبه. لم يدرك حجم ما يفعله إلا في تلك اللحظة، وكأن زوجته أيقظت ضميره فجأة، لكن ما بدأ فيه لم يعد بالإمكان التراجع عنه بعد كل هذا الوقت.

نفض تلك الأفكار من رأسه وانطلق بسيارته سريعًا إلى المكان الذي سيلتقي فيه «مرزوق» ليخبره بما يخطط له اللواء «أيمن».

وصل فوجد «مرزوق» في انتظاره. ترجل من سيارته وتوجه نحوه، ليقول الأخير:
- اتأخرت كده ليه؟

أجابه «بارق»:
- معلش نسيت محفظتي وروحت البيت جبتها.

اعتدل «مرزوق» ووجه نظره إليه متسائلًا:
- ايه بقى الكلام اللي سمعته منك في التليفون ده؟!

ظهرت صورة زوجته وابنته أمام عينيه، لكنه هز رأسه بقوة ليطرد تلك الأفكار، ثم هتف:
- زاخر عرف اللواء أيمن بكل حاجة من ساعة ما خطفته يا مرزوق، وكل حاجة عرفتها من زاخر كانت من أيمن نفسه. أيمن كان عارف إنك هتبعت حد يقتله وكان مجهز نفسه ليهم واتغلب عليهم لوحده علشان بس متشكش في زاخر. ولما طلبت منه يخلص على المساجين مخلصش عليهم واداهم منوم وخافض لضربات القلب علشان الخبر ينتشر إنهم ماتوا ولو ليك حد هناك يصدق فعلًا. ومش بس كده ده صور الاتنين فيديو وهم بيعترفوا إنك اللي حرضتهم على قتله. يعني أنت دلوقتي بقيت تحت رحمة أيمن.

كور «مرزوق» قبضته وضغط على أسنانه وهو يقول:
- كل ده يطلع منك يا أيمن؟! ده تعلب مش بني آدم.

هنا صاح «بارق» ليلومه:
- قلتلك يا مرزوق متتصرفش من دماغك، وأدي زاخر سلمك تسليم أهالي. حتى موضوع الهيروين اللي اتقبض عليه امبارح واللي خرج من مخازن شركة نائل وياسمين معرفتنيش عنه حاجة.

نظر إليه وقال على الفور:
- هو أيمن جاب سيرته؟

- آه جاب سيرته، وبيخطط دلوقتي علشان يوقعك ومش مكفيه اعتراف الاتنين التانيين.

ضم «مرزوق» رأسه بين كفيه وهتف:
- الغلطة غلطتي علشان وثقت في عيل زي زاخر ده.

ثم اعتدل ونظر إلى «بارق» قائلًا:
- موضوع المخدرات اللي اتمسكت ده مش هيضرني في حاجة. شراكتي مع نائل وياسمين مخلي النسبة الأكبر ليهم، يعني الإدارة ليهم هم مش ليا. وزي ما اتمسكت عربية، فيه عشرين عربية تانيين وصلوا المخزن بتاعي في شبرا. بارق أنا عايزك معايا وأنا بسلم البضاعة دي.

لوى «بارق» ثغره وقال محذرًا:
- اهدى اليومين دول يا مرزوق، علشان أنت تحت العين وأيمن عايز يمسكك متلبس فمتجيش تساعده. ابعد خالص عن أي شبهة واتعامل عادي. ومش بس كده وكّل محامين لنائل وياسمين علشان تبقى ساعدتهم وتبان قدام الناس بصورة كويسة.

تركه واستقل سيارته، ثم نظر إليه من النافذة قائلًا:
- مرزوق، أنا مش بساعدك لله والوطن. لو متحولش ليا في حسابي النهارده عشرين مليون جنيه هعمل زي زاخر وأبيعك لأيمن.

أومأ «مرزوق» برأسه وهتف:
- النهارده الفلوس هتبقى في حسابك التاني.

ابتسم «بارق» ولوح بيده في الهواء وهو يقول:
- تشاو.

تركه وانطلق بسيارته، بينما أخرج «مرزوق» هاتفه المحمول وقربه من أذنه وقال:
- الظابط زاخر عايزه متكتف في المخزن بتاعي النهارده ومحدش يقرب له. أنا اللي هخلص عليه بنفسي.

على بُعدٍ كبير من تلك المنطقة، أنهت «فاطمة» تصوير مقطع فيديو لهما أثناء حديثهما، والتقطت كذلك عدة صور توثق اللقاء. نظرت إلى الشاشة للحظات قبل أن تردد بصدمة ومرارة:
- مش مصدقة إنك أنت الخاين اللي بينا يا بارق، اللواء أيمن لازم يعرف جوز بنته بيعمل ايه.

تعليقات