رواية صياد النايا آل حانا الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم اية العربي


 رواية صياد النايا آل حانا الفصل التاسع والعشرون 

بين يدي الفرصة، وعلى أعتاب التجاوز

نحن لا نكبر بالعمر فقط، بل نكبر بما نتركه خلفنا من خيبات، وبما نضمه إلينا من دروس

أحيانًا، نقف أمام فرصة كأنها نافذة فتحت فجأة في جدار مظلم، لكننا نهاب العبور، نخشى أن تعيدنا التجربة إلى نقطة الوجع، أو أن يغدر بنا الأمل مجددا.

لا بأس أن ننزف، فالجرح دليل على أننا بشر، وأننا كنا صادقين في شعورنا لكن أن نجعل من الخذلان وطنا نسكنه، فهذا ظلم لأنفسنا، فالوجع ليس نهاية الطريق بل هو محطة يتبعها أخرى؛ يُسقط من حياتنا من لا يستحق، ويُغربل قلوبنا لنرى بوضوح أكبر من الذي يستحق أن يبقى أو يسقط من أعيننا.

بقلم آية العربي

رحلته إلى روسيا التي دامت لسنوات، وتعليمه العالي في مجال البرمجة وارتباطه بعقول غربية من دول العالم الأول كما يدعون كل هذا لم يستطع الصمود أمام تملكه حينما أحبها.

منذ أن صرح لها بحبه وقد أزال الستار عن مشاعره، يتعامل بوضوح تام لصفات عشقه التي يكتشفها معها، بات يخشى عليها كخشية الأب على ابنته ربما لأنه لم يجرب الحب من قبل، وربما لأنه يدرك جيدا كيف يفكر الشباب والوحوش ، وكيف ينظرون لامرأة جميلة وذكية، وكيف يتمنونها.

كل هذه النقاط تجعله يجن ويضاعف تملكه، ومع ذلك فهو يأخذ حذره كي لا تنزعج، وإن حدث فهو يمتلك عدة طرق لامتصاص غضبها، ما يهمه الآن أن تظل تحت أجنحته الآمنة، وألا تحاول التحليق بعيدا، فالعاصفة الآن في ذروتها، ولا يعلم متى سيأتي النسيم

توقف بسيارته على بعد مناسب منها حينما صفت سيارتها أمام المبنى وترجلت تحمل حقيبتها وتتحرك لتدخل، ولكنها التفتت تطالعه قبل أن تدخل وكالعادة لا يقبل أن يرحل إلا بعدما يراها تصعد..

هزت رأسها تستغفر، وقررت أن تصعد برغم الصوت الداخلي الذي يترجاها أن تعانده، هي لا تحتاج إلى كل ذلك الحرص والحذر، فشقيقها أيضًا يخشى عليها ولكنه لم يخنقها بأفعاله يوما...

بعد أن تأكد من صعودها استل هاتفه يطلب رقم أحدهم وانتظر لثوان ثم أردف :

- إنت فين يا محمود؟

معلش یا چابر بيه انا جدامي ربع ساعة بالظبط واوصل .

انزعج يوضح :

- مش أني نبهت عليك تظبط مواعيدك مع رجوع آنسة ريم وما تتأخرش !

- معلش حجك عليا، غصب عني المرة دي ما تجلجش كلها دجايج وحوصل وحبعتلك صورة من مكاني .

أغلق معه وزفر، يشعر بالإرهاق وبرغبة ملحة في النوم، لذا تحرك يغادر مجبرا بعدما اطمئن عليها و لو اتبع حدسه لما فعل، ولوقف ينتظر الحارس إلى أن يأتي، حيث أن مسعود قد ظهر بشكل مفاجئ، بعدما اختبأ إلى أن يغادر، ونظر حوله فلم يجد الحارس الذي يراه منذ أيام

رفع نظره للأعلى نحو منزل ريم، ينتظر فرصة ليراها ويتحدث معها، ولكن ذلك الجابر يعيقه دومًا، وإن حاول الصعود الآن ستكون العواقب وخيمة ويمكن أن يسجن، فكيف له السبيل إليها؟

مساءً

استعدت فرحة لاستقبال عائلتها نزلت للأسفل بعدما تجهزت لترى الضيافة والمكان فوجدت عبد الوهاب يجلس في بهو القصر شاردا، يبدو حزينا مفتقدا حفيده الذي اعتاد على سماع صوته في كل مكان ...

تحرکت نحوه وجلست تنطق بحنان :

جاعد لحالك ليه يا عمي ؟ الحاجة صابحة فين؟

رفع نظره يطالعها لبرهة ثم أشار برأسه نحو غرفته يجيبها بهدوء :

- لسة جوة ما طلعتش جومي ظلي عليها يا فرحة وجوللها يالا الناس زمانهم على وصول

أومأت ونهضت تتحرك نحو الغرفة تزامنا مع نزول عمار الذي غمز لها

بإعجاب، فابتسمت وأكملت خطاها وتركته يذهب ليجلس مع والده.

طرقت الباب فسمحت لها صابحة بالدخول، دلفت لتجدها تجلس على طرف الفراش تعبث بهاتفها، تلاقت أعينهما قبل أن تنطق صابحة وهي تغلق الهاتف بعدما كانت تشاهد صور الصغير :

- تعالي يابتي

تحركت نحوها تردف وهي تجلس بقربها :

- من صباحية ربنا وانت جاعدة إهنة لحالك وسايبة الدنيا مخربطة برا ، مهياش عوايدك يا حاجة صابحة.

التفتت لها وأطاحت برأسها بإهمال تردد :

- حيحصل إيه يعني برا ! الخير والبركة فيكو، أني حديتي ما بجلوش عازة ولا كلمتي بجت مسموعة

نطقتها بحزن بعدما فاجأتها نهاد بتصميمها على السفر برغم إلحاح صابحة بألا تفعل، لتعترض فرحة بتعجب :

وه؟ مين جال إكدة؟ بالعكس بجى دي وجفتك وسطينا بتسد حنك أي حد عن أي كلام مالوش عازة، وجعادك اهنة حتخلي جليل الأصل يستجوى ويبرطم على كيفه

مالت برأسها تتساءل بما استشعرته :

- حد جال حاجة ؟

تنفست مطولا ونطقت :

- ما تجلجيش، أني ما يفوتنيش الأصول ولو حد اتحدت حرف مالوش عازة حجفله بس خروجك ووجوفك وسطينا حيخليهم يكتمو من أساسه، إنت اهنة ست الجصر كله يا حاجة صابحة والكل بيعملك ألف حساب، ما ينفعش تهملي مطرحك حتى لو كام ساعة.

حدقت فيها مطولاً، آخر ما كانت تتوقعه أن تدعمها فرحة وتحفزها لتنهض يبدو أنها يجب أن تعيد حساباتها وتوزع محبتها لمن يستحقها ويشتري خاطرها.

از دردت ريقها و نطقت تتساءل بمغزى :

- يرضيكي اللي سلفتك عملته ده؟ تاخد الواد وتصمم ع السفر؟ داني وعمها شايلنها من ع الأرض شيل، وماحدش فينا جصر وياها واصل، وجينا على ولدنا لاجل خاطرها دي أخرتها تحرمني من حفيدي؟

تشتكي لها وتنتظر رأيها في آن، لتردف فرحة بذكاء وحكمة مغلفان بنبرتها الجادة :

ولا حرمان ولا حاجة كفا الله الشر، اعتبريها خدته وراحو يغيرو چو هما يعني حيروحو فين؟ واجولك على حاجة حتريحك سبيها منها لمهران يحلو مشكلتهم مع بعض، أني عارفة إنك بتحبي نهاد جوي وبتعامليها زي نوارة بس هي حتاخد أي حديث منك على إنه إنحياز لولدك، مهما كان إنت أم بردك وحيصعب عليكي حاله وبعده عن اهنة ونفسك المية ترجع لمجاريها بينهم وبردك هي مكسور خاطرها منه عشان إكدة سبيهم يداوو بعض بمعرفتهم ما عليكي غير إن اللي ربنا يجدرك عليه تجوليه لولدك، مهواش سهل بردك اللي عمله، وبالخصوص إن نهاد كانت بتحبه جوي، عشان اكدة الجرحما بيطبش بسهولة، أكيد إنت ست العارفين، خصوصًا إن اللهم بارك النجع كلياته بيتحاكي على جصة حبك إنت وعمي عبد الوهاب .

ظلت تطالعها لبرهة، حديثها كان مفاجأة لها، خاصة وأن هذه هي فرحة التي كانت منذ شهر أو يزيد تود قتل ابنها وتكره هذه العائلة كرها سافرًا .

زفرت تلف وجهها وتومئ إيماءات متتالية، ثم ضغطت بكفيها على ساقيها و نهضت تردف :

جومي يا بتي زمان أهلك على وصول، وربنا يجدم اللي فيه الخير، لما ولدي يرجع ليا حديث معاه

بعد قليل ...

جلست العائلتان يتبادلون أطراف الحديث، يجلس عبد الوهاب في المقعد الرئيسي، يجاوره حسان على يساره وتجاوره منصورة، بينما جلست صابحة على يمينه وتجاورها سجود .

جلس عمار أيضًا تجاوره فرحة التي تحتضن نور الصغير وبجانبها شقيقها أيوب.

تساءلت صابحة بابتسامة لطيفة :

أومال يونس ونوارة ما چوش معاكم ليه؟

أجابتها منصورة توضح :

كان معادهم النهاردة عند الدكتورة وجالو نسبج احنا وحييجو على اهنة .

أومأت بتفهم بينما استطردت منصورة موجهة حديثها إلى سجود :

- عاملة إيه يا سجود؟ مافيش اخبار بردك عن الجامعة يا بتي؟

نظرت سجود إليها ثم التفتت تطالع خالها ونطقت بمسكنة :

ما عرفاش، خالي جالي إنه حيشوف حل للموضوع ده، بس الامتحانات ع الأبواب وشكل اكدة السنة دي حتروح عليا .

باغتتها صابحة برد عنيف :

وما فكرتيش ليه في الامتحانات جبل ما تعملي اللي عملتيه ؟

أدعت الحزن والحرج أمامهم ونكست رأسها تنطق بخفوت :

- دي غلطة يا مرات خال وأني ندمت عليها، واتحدت ويا خالي ووعدته إني ما حكررهاش تاني.

استطاعت أن تتسبب في انزعاج عبد الوهاب من صابحة، وانزعجت منها منصورة أيضًا لذا نطقت بترقب :

- أني كنت بجول يا عبد الوهاب لو سجود تبجی تیچي تجعد ويانا يومين إكدة ولا حاجة، أني ليا حج فيها بردك .

نظر عبد الوهاب إلى سجود التي التزمت الصمت تترقب رأيه، ليتحدث حسان مؤيدا :

هنا وهناك واحد يا حج، وهي بنتها بردك، واللي يريحك في الأول و الآخر.

دب القلق في أوصال صابحة، وخشت بالفعل من ذهابها إلى هناك وتعكير صفو حياة ابنتها، لذا نطقت بتكلف :

- واحد يا أبو يونس بس إهنة دار خالها وهي دلوك مسؤولة مننا، وبعدين يرضيك الخلج يفكروا إن الحاج عبده لاسمح الله زهج منيها وسربها بردك

أجابتها منصورة في محاولة منها للحد من تسلط صابحة الملحوظ :

- الناس إهنة عارفين أخوي زين يا صابحة، وسجود بنت اختي بردك حتزعليني منك اكدة

تفاجأت صابحة ونظرت إليها متعجبة من تصميمها لينهي عبد الوهاب الحوار قائلا :

- مش مستاهلة زعل يا أم يونس، لو سجود حابة تجعد عندك يومين مافيهاش حاجة، أني عارف زين إنك حتاخدي بالك منيها زينا واكثر، بس انت ما يعد كيش الأصول بردك

نطقها بمغزى قاصدًا وجود أيوب، ليفهم حسان ذلك لذا نطق يغير دفة الحوار ويتحدث فيما جاء من أجله :

- خلينا دلوك في المهم يا أبو مهران، إحنا جايين إهنة النهاردة لاجل مسألة خير، جولنا إيه هي.

مال عبد الوهاب برأسه قليلا وتساءل :

- إيه هي يا حسان؟

نظر حسان إلى أيوب الذي غلف التوتر وجهه المبتسم ليعود إلى عبد الوهاب ويسترسل :

کنا چایین نطلب يد مروة بنت الحاجة رتيبة لايوب ولد أخوي

نطقها حسان بنبرة تحمل بعض التباهي، بعدما وافق بصعوبة نظرا لثبات أيوب على موقفه وعدم التنازل عن طلبه، لينتظر موافقة على الوهاب وترحيبه الحار، ولكن خاب ظنه حينما قطب عبد الوهاب جبينه وأشار نحو أيوب ينطق بتهكم :

وه ؟ ايه الطلب الغريب ده يا حسان ؟ واكدة فجأة من غير ما تعرفونا جبل سابج ؟

نظر حسان إلى زوجته التي نصحته بأن يفعل، ليعود مردفا :

- مهو إحنا فيها أهو يا عبد الوهاب، وبعدين ماحناش أغراب عن بعض يا راچل جولنا نيجي نشوفكم وبالمرة نطلب يد مروة لأيوب.

برغم تفاجؤ عبد الوهاب من طلبهم، ومن إعجاب أيوب الواضح في مقلتيه بمروة، إلا أنه انزعج من حديثه وشعر بالاستهانة منه تجاه مروة لذا نطق بترو مبطن بتعزيزه لقيمة مروة التي يعتبرها ابنته ، ويدرك أنها تستحق الأفضل :

انتو على دماغي من فوج يا حسان بس بردك لازمن تعرف إن مروة بتي الثالثة، ويهمني راحتها وسعادتها جبل أي حاجة، وماتزعلوش مني بس أيوب عصبي وخلجه في مناخيره، وأني اخاف عليها منه

لم يصدق حسان أن عبد الوهاب على وشك رفض أيوب، لقد ظن أنه سيفرحويرحب بهذا الارتباط، كذلك أيوب الذي عبس وتلاشت ابتسامته وسعادته ونطق مدافعا :

- تخاف عليها مني ليه يا حاج عبده؟ هو أني لا سمح الله بلطجي ؟

نطق عمار مدافعا عن حماه بطريقة رزينة :

أيوب جدع يا ابوي وراجل يعتمد عليه، واللي خصل جبل سابج كان فتنة وكل واحد فينا عرف اللي ليه واللي عليه، وأني اضمنهولك برجبتي، لو عايز رأيي شور على خالتي رتيبة ومروة واللي فيه الخير ربنا يجدمه

انتعش فؤاد فرحة من كلمات زوجها عن شقيقها، وكذلك أيوب الذي نظر إليه نظرة امتنان، ليعاود إلى عبد الوهاب ويطالعه منتظرا رأيه حيث نطق بمغزی :

ضمانك ليه حاجة زينة يا ولدي بس أني عارف أيوب جبلك ويعتبر مربيه من صغره، بردك هو محتاج يتحكم في عصبيته وغضبه شوية، أني واخد عهد على نفسي مروة بالذات ما سلمهاش غير للي يعرف جيمتها زين دي جوهرة الجصر إهنة ومش بالساهل إكدة اجوزها لأي حد

نطقها أمام الجميع، فانزعج حسان وشعر بالإهانة، كأن بضاعته ردت إليه بينما نطقت منصورة تلطف الأجواء :

- أني عارفة إن مروة غالية عليك جوي، وغالية علينا احنا كمان يا عبده واني كمان اضمنلك أيوب برجبتي، ومافيش حد حيعرفه اكثر مني، ومش عشان هو جاعد جدامي بس أيوب حنية الدنيا فيه، واسأل فرحة جدامك

اهي .

أومأت فرحة مؤيدة لينطق ناهيا النقاش :

- ومالو، أني رايد اشوف حنيته وجدعنته دي الفترة الجاية، ويثبتلي إنه يستحج بنتي، ساعتها اديها له واني مطمن وده حجي كأب وحديتي ما يزعلش حد واصل

أومأت صابحة مؤيدة لقراره، بينما صمت الجميع، وصمتت سجود غيظًا وحقدًا من تلك المروة، لم طلبها أيوب للزواج وتجاهلها هي؟ أيعقل أن تتميز عنها ؟

انتبهت فرحة إلى نور الذي غفا على ذراعها لذا حملته تعانقه بحنان فنطق حسان بتجهم وهو ينهض منزعجا :

الواد نام خلينا نجوم يا منصورة يالا

أردف عبد الوهاب وهو يعيده بدفعة خفيفة للأريكة :

اجعد يا حسان وما تغلفش وشك إكدة، حنزعل من بعض ولا إيه؟

استطرد وهو ينظر إلى فرحة :

- خدي الواد نيميه في أوضتي يا فرحة لحد ما نتعشى ونجعد مع بعض

نطقت بترقب وعاطفة وهي تنظر لهم :

ما تخلوه نايم معايا الليلة ؟

طالعها عمار مستنكرا بتذمر، فكيف سيمارس عقوبته عليا حيث ظلت طوال النهار تتبختر أمامه وتغريه دون عمد، لذا كان يطهو لها عدة عقوبات على نار هادئة، ولكن يبدو أن النيران شعرت وستحترق طبخته بنوم الصغير معهما .

لم تر نظراته بل تنتظر قبولهم، وبالفعل أومأ حسان ينطق بهدوء وهو يحاول أن يبتسم :

- ومالو يا بتي.

نهضت مبتهجة تحمله وتأخذه للأعلى نحو غرفتها، ونهضت صابحة أيضًا تردف وهي تنوي التحرك نحو المطبخ :

- حنجهز العشا ونرجعلكم يكون البجية جم، يالا يا سجود

نهضت كذلك على مضض تتبعها وعقلها مازال يستنكر طلب أيوب الزواج من مروة ، ورفض خالها طلبه وحديثه عنها ، إن لم يوافق عليه لها فليختارها هي زوجة له، هي تستطيع التعامل مع عصبيته، فإن لم يكن جابر أو نوح فليكن أيوب ...

صعدا إلى غرفتهما في الفندق بعد قضاء أجمل الأوقات والتي سيتخذاها ذكريات لا تنسى، حتى أنهما التقطا العديد من الصور الرائعة ليحتفظا بها

دلفت والتفتت تطالعه بسعادة وتنطق بعيون لامعة :

حدخل اغير ورجعالك

أوما لها وتركها تتحرك نحو الداخل، بينما هو استل هاتفه وخرج إلى الشرفة ليطمئن على والدته وشقيقته ويعود قبل أن تلاحظ

بعد دقائق خرجت من الحمام ترتدي رداء جعله يشعر بأنها ملاذه الأمن، كأنه وجدها بعد رحلة شاقة من البحث عمن يقتنع بها عقله وفؤاده معا

لا ينظر إليها بالحب فقط، بل يراها مسؤوليته المقدسة، كلما هيأت نفسها له وتطلعت عليه بهاتين المقلتين الساحرتين شعر بأنه المنقذ الذي استحقته بعد صبر في المقابل هي أيضًا لا تراه كزوج فقط، بل كبيت أوت إليه من برد الوحدة

في كل مرة يجتمعان يريد أن يعوضها عن سنين حرمانها من الحنان والعطف، يمارس الحب كفعل وليس ككلمات فينتبه لم لا تنطقه، يقرأ ما تحتاجه قبل أن تطلبه، يهبها الأمان الذي يُحرر داخلها من كل مشاعر مكبوتة لهذا فإن المرأة حينما تجد هذا الزوج تزهر أنوثتها وتزدهر شخصيتها بشكل مختلف

نظرا لبعضهما نظرة واحدة كانت كافية ليتخذا خطواتهما باتجاه بعضهما حتى بات لا يفصل بينهما شيئا، لحظة الهدوء هذه هي في الحقيقة انتصارًا جديدًا 

لحبهما، سيتوجانه بلحظاتهما الخاصة معا

حنانه عليها جاء كأداة ترمم خاطرها، وهو يجد في ذلك لذة لا تضاهيها لذة ليلتقيا معا في لقاء يشبه بيت المحارب، الذي يمكن فيه أن يخلع درعه بطمأنينة، ويستريح من أي عناء، ليشعر كأنه وصل أخيرا إلى وجهته، وبأنه لم يعد وحيدا في مواجهة تفاصيل الحياة

بعد عناء ابتعدت عن نجع الألم، بات بينها وبين ذلك النجع مسافة تستطيع من خلالها أن تتنفس ترى نفسها تحاول ترميمها و احتوائها.

تجلس على الفراش وتعبث أصابعها بخصلات صغيرها النائم، برغم أن كل شيء هنا يعود له، حتى هذا الفراش، إلا أنها تشعر بالقليل من التحسن.

ابتعدت عن مصدر الذكريات، وتتمنى لو يلتهمها النسيان وتمضي قدما نحو حياة جديدة، وعالم جديد، وأهل جدد.

حياتها عبارة عن خيبات، ولأنها اعتادت التعامل معها كما لو كانت حلبة مصارعة لتنتصر على هذه الخيبات لما ظلت صامدة إلى الآن.

انتصارها كان مستحيلا، خاصة في بيئة ارتدى فيها والدها ثوب العدو، وتزين شقيقاها بعمامة القسوة، وتغدى فيها حبيبها على استحقاقية حبها له.

ولكنها انتصرت، وتنسب الفضل في هذا النصر إلى عمها، وتؤمن بأن الله أرسله لها رحمة لها، لذا فهي تستحق أن تعيش في بيئة تقدرها، تعترف بأن لها حقا لم تأخذه بعد، تساعدها في الحصول على الأمان، ذلك الأمان الذي فقدته منذ إعلان زواجه بأخرى، حتى باتت رؤيته بعد ذلك الاعتراف تسبب لها الخوف.

هي ليست قوية هي فقط تعلمت كيف تظهر القوة، ككثير من النساء، هي تشتهي الطمأنينة، والسلام، والراحة، ولم تشعر بهما داخل ذلك القصر مادام هو له الحق هناك أكثر منها.

باتت تخشاه بقدر ما أحبته، ولم تكن تتوقع في يوم من الأيام أن ترغب في الابتعاد عنه بهذا القدر للدرجة التي جعلتها تحرم فيها صغيرها من دفء العائلة والأنس.

نزلت بنظرها إليه، وخشت أن تكون أما ظالمة له، ربما إن استطاع النطق

والاستيعاب لفضل بقاءه هناك...

كانت مسبقا تتعجب من تلك النسوة اللاتي تتخذن قرارات صارمة في الانفصال والابتعاد والنفور من العودة وعدم إعطاء فرصة ثانية، كانت تظنهن غير مسؤولات، ولكن حقا اتضح أن الكل حكيم مادامت القصة لا تعنيه.

فبين من قررن الابتعاد وعدم الالتفات خلفهن، وبين من قررن العفو والتعايش، وبين من تخلين عن أولادهن، وبين من خضعن لنرجسية الذكور نقاط كثيرة يجب أن ترى، لا يجوز الحكم إلا بعد المداولة

دلكت جبينها تفكر، هنا تستطيع أخذ موقف هل تستطيع التصدي له، هل تستطيع إظهار شراستها دون الخوف من أحد، فعمها ليس هنا، وزوجة عمها كذلك، فقط هي وهو، لذا يجب أن تستعد لإظهار الوجه الآخر منها ...

جلس على يمين سريره يطالع ذلك الصغير الذي يفصل بينه وبينها حيث تنام على اليسار وتطالعه وتبتسم على نظراته المعاتبة لها، لذا مدت يدها تمسك بكفه وتسحبه إليها ثم قبلت باطنه واحتضنته تنطق بحب :

- ما تزعلش بجى الليلة بس، إنت عارف زين إني اتعلجت بيه جوي، ولولا نومه على كتفي ماكنتش نيمته إهنة

هذه المرة هو من تناول كفها يقبله ويحتضنه حتى انزعاجه منها يقطن خلفه المزاح، فهو يتفهم جيدا مدى تعلقها بهذا الصغير، ولا يمانع ذلك مطلقا، ولكنه يحبها لدرجة تجعله يغار لا إراديا من إظهار اهتمامها بغيره حتى لو كان طفلا صغيرا.

ولكن هو رجل الصبر، ما جعله يصبر خمس سنوات حتى يحصل عليها، يجعله يصبر الليلة، حتى أن كل هذا الصبر يصب في مصلحته، فهو يدخر لها مخزونا من أفضل أنواع المشاعر حينما يذهبان إلى رحلتهما عما قريب

نهض بعدها، يتحرك نحو الأريكة، ويستل عددًا من الوسائد، يضبط وضعيتها ثم عاد إلى الفراش وحمل الصغير بحذر وتحرك يمدده على الأريكة ويحميه بالوسائد كي لا يقع

عاد إليها يعانقها بأريحية وينطق بانتصار ومرح :

- ايوة إكدة، ما جعدينش في زنزانة إحنا على الأجل اخدك في حضني

والحاجات الثانية نأجلها لاجل خاطر المعلم نور

رحبت بعناقه وابتسمت تقبل صدغه ثم ابتعدت قليلا تهمس بحنين :

عمار.

- يا عيون عمار

نطقها وعيناه على وشك الإغلاق، فنطقت بتردد :

عايزاك تاخد بالك من سجود وتنتبه لها، البت دي بتاعة مشاكل ومهياش سالكة، النهاردة كانت بتتحدث عن نهاد حديث عفش وأني وجفتها عند حدها، وطبعا ما جولتش حاجة لحد بس لازمن اعرفك عشان تاخد بالك منها زین

تبخر نعاسه وحدق بها يستفسر بتأهب :

- جالت إيه يا فرحة ؟ أني عارف إن البت ده حتعمل مشاكل كتير، ولازمن نكون مفتحين لها

عشان إكدة جولتلك

نطقتها دون أن تخبره بما قالته، ليكرر :

- طب جولي جالت إيه؟

مطت شفتيها تنطق باختصار :

اهي اتحدثت عن موضوع نهاد و مهران وجالت اللي حريم كتير إهنة بيجولوه للأسف، والبت اللي اسمها حسناء دي لولا الملامة أني كنت جولت لعمي وجطعت عيشها من إهنة، أني ما بحبش نبش الحريم ده واصل وجبل سایج عمي حسان جابلنا واحدة تساعد اسماء ولجيتها بتدخل في اللي ملهاش فيه مشيتها طوالي، بس أكيد مادام عمي سايبها يبجى هو ادرى، لكن بأمانة أني لا طيجاها ولا طايجة الثانية

تنهد بحرارة ثم نطق وهو يطمئنها :

خلاص روجي حالك واني حتحدت مع امي في الموضوع ده.

أومأت تنطق :

تمام بس ما تجولهاش إني اشتكيتلك، ما عيزاش حد يفكر إني بجومك على حد إهنة، أني مرايداش غير إن الأمور تبجى تمام والحال ينصلح

نظر لها بامتنان وحب، باتت تتعامل هنا كأنها تتعامل مع قصر عائلتها، بل وتولت مسؤولية حماية السلام هنا، وهو يثق بها ويوقن بأنها قادرة على قيادة الأمور بعقلانية وتريث تميزت بهما عن غيرها، فهي ابنة الصعيد الأصيلة التي يعتمد عليها بحق

نزل بنظره إلى شفتيها ونطق بخفوت بعدما نزع عباءة المشاكل :

ماتجيبي بوسة يا رمانة

قضمت شفتيها تحذره وتشير نحو الصغير خوفا من استيقاظه ولكنه صمم على طلبه وبالفعل اقترب منها حتى التحما وقطف ثمارها في قبلة ناعمة متمهلة أطاحت بثباتهما عرض الحائط، لذا ابتعد يستغفر بغيظ ونهض من الفراش يتحرك نحو الصغير يحمله ويعود به إليها يناولها إياه بحذر ويهتف وهو يعود إلى الأريكة :

- نيميه في حضنك وهنام أني ع الكنبة الواحد ما ضمنش حاله، الله يسامحك يا فرحة

رفعت رأسها تطالعه وهو يتمدد على الأريكة وقد لفها الحنين إليه وأدركت أنها تسرعت حينما طالبت بنوم الصغير معها، ولكنها حينما نظرت إليه وهو يتململ تذكرت شقيقها حيث ترتسم ملامحه على وجهه لذا احتضنته تقبل رأسه وقررت النوم والصباح رباح .

أتى الصبح محملا بالكثير .

ترجل مهران من الفندق وتحرك يستقل السيارة التي طلبها لتنقله إلى القاهرة حيث الفندق الذي سيحاول فيه الالتقاء بـ (ايميلي).

في طريقه استل هاتفه وهاتف الحارس الخاص بنهاد الذي أجابه فتساءل مهران :

- اتحركتوا ولا لسة ؟

أجابه الحارس وهو يقود السيارة لينقل نهاد إلى الشركة

- إحنا في طريقنا دلوقتي يا مهران بيه

نطق بنبرة جادة :

تمام خد بالك زين على نهاد هانم، ولو خصل أي حاجة كلمني

أغلق معه وهاتف المساعدة ليطمئن على حمزة ويهاتفه مكالمة مرئية ثم يربطها بمكالمة لوالديه ليريا الصغير ويطمئنا عليه

بعد وقت

توقفت سيارة الأجرة أمام الفندق المنشود، وترجل مهران يخطو نحو الداخل حتى توقف أمام موظف الاستقبال يبتسم بمهنية وينطق :

- صباح الخير، كنت عايز أجابل ايميلي تايلور.

بحث الموظف سريعا عن الاسم في الجهاز ليجده بالفعل لذا عاد إليه ينطق :

تمام يافندم هي حاليًا في الغرفة، نقولها مين؟

نطقها وهو يستل الهاتف ويطلب رقم غرفتها فأجابه مهران :

- ممكن تخليني اتحدت وياها هي حتعرفني أول ما اكلمها .

أومأ وهاتفها وانتظرها حتى أجابت بالانجليزية :

- ماذا هناك؟

أردف الموظف :

- سيدة إيميلي هناك شخص يود رؤيتك، هو معك الآن

ناوله الهاتف فتحدث مهران بهدوء خبيث :

- مرحبا إيميلي، أنا مهران، أنتظرك في الأسفل، لا تتأخري .

أغلق وناوله الهاتف يبتسم ثم تحرك يجلس في الاستقبال وينتظرها وهو على يقين أنها ستأتي، حيث تركها لفضولها للقائه.

التقط هاتفه يعبث به لیری هل ستخبر تيا وتخالف توقعاته أو لن تفعل ؟ وبالفعل لم تخالف توقعاته ولم تراسل تيا بل ترجلت بعد دقائق إلى الأسفل وتحركت تسأل الموظف عن مهران فأشار لها نحوه فالتفتت لتراه فوجدته يشير لها، يعرفها من صورتها التي تضعها على التعريف الرمزي للموقع الذي تتكلمان من خلاله.

نظرت له بثقب بعينيها الزقاويتين لتبتسم وتخطو بخطوات ثابتة نحوه ثم مدت يدها ونطقت بهدوء :

- مرحبا، أكثر ما يثير إعجابي ذكاء المصريين.

بادلها السلام وأردف بثبات :

وأنا أيضًا أتيت اليوم لأراهن على ذكائك، هل تودين معرفة السبب؟

ترك يدها فجلست تتساءل بترقب :

- قبل أن تخبرني بسبب مجيئك إلى هنا أود أن أعرف كيف علمت بي؟ من المستحيل أن تخبرك تيا عني ؟

ابتسم ونطق بطريقة مباشرة :

- يبدو أنك تعرفينها جيدًا، إذا لأدخل في الموضوع مباشرة.

استندت بكلتا مفصليها على الطاولة وارتكزت بوجهها على يديها تطالعه عن قرب وتهيأت للاستماع لذا زفر يلف وجهه عنها حيث أنه يقرأ نواياها جيدا لذا عاد يطالعها و نطق :

سنعقد اتفاقا لا أظنك سترفضينه .

أومأت تحثه على المتابعة ليسترسل :

- سأعطيك المبلغ الذي تريدينه، في المقابل ستخبريني كل شيء تعرفينه عن تيا .

اعتدلت في جلستها تردف باندهاش :

اوووووه، تريدني أن أشي بصديقتي ؟ هذا ليس جيدا سيد مهران، يبدو أنك أسأت الظن بي.

ابتسم بسخرية مبطنة ونطق وهو يهز رأسه بتأكيد :

- لم آت إلى هنا ليساء الظن بي فقط اتبعت حدسي، وأتمنى أن تساعديني.

مطت شفتيها وقلبت عينيها تدعي التفكير ثم تساءلت :

- وماذا ستفعل بعدما تعلم ماضي تيا؟

هز منكبيه ونطق بهدوء شديد :

- لي الحق أن أقرر، ولكن في كلتا الحالتين لن تتأذى صديقتك، ربما تعود إليك وتلتقين بها وقتما تشاء ان بدلا عن خوفها من رؤيتك الآن

ابتسمت مجددا ونطقت تمزح بسخرية :

- إن فعلتها سأفعلها من أجل أن تعود لي صديقتي وليس من أجل المال

رفع حاجباه يدعي إعجابه ثم نطق بمكر :

- حسنا دعيني أعرض عليك أيضًا رحلة شاملة التكاليف إلى مدينتي الأقصر وأسوان، بما أنك هنا

هللت بسعادة طفولية تنطق بحماس :

أوه هذا ما كنت أريده حقا، ولكن دعني أفكر في عرضك ولنلتقي غدًا وأخبرك بقراري، عروضك تثير إعجابي ويجب أن أفكر جيدا .

ابتسم ونطق معترضا :

- للأسف ليس لدي الكثير من الوقت معك فقط عشر دقائق أظنها تكفي لشرب كوبين من القهوة، هل تمانعين؟

وضعت طرف أصابعها على مقدمة شفتيها تفكر وتطالعه ثم ابتسمت ونطقت بقبول :

- حسنا لا بأس

وصلت إلى الشركة، ترجلت من السيارة تنظر للمكان الذي يطل على شاطئ البحر الأبيض، تنفست الهواء مطولا وتمنت أن يبدأ اليوم وينتهي بسلام

التفتت تنظر إلى الحارس الذي يقف بالقرب منها ونطقت مستفسرة :

- حتفضل واجف إهنة ؟

أومأ يجيب باحترام :

- بالظبط يا هانم اتفضلي حضرتك وأنا حستناكي هنا

أومأت على مضض، وتحركت نحو المبنى المنشود بتوتر ليومها الأول هنا، متأهبة كيف سيكون الاستقبال ؟

حينما صعدت لم تكن تتوقع أن تجد عبد الله يقف ينتظرها بذاته أمام المصعد، يبتسم بترحيب حافل، ينطق بنبرة حماسية أمام القاعة التي تجمع الموظفين، وهذه النبرة لم تنقص من هيبته ورزانته شيئا :

أهلا وسهلا، الشركة نورت يا مدام نهاد

ابتسمت تنظر حولها ليستطرد بتريث :

- أنا قولت اخرج استقبلك بنفسي أول ماشوفتك في الكاميرا، عشان عارف إنك أكيد متوترة وقلقانة من أول يوم شغل

كأنه يقرأ أفكارها بالفعل، لذا ابتسمت تنطق بهدوء يخفي توترها :

- أهلا بحضرتك يا أستاذ عبدالله، متشكرة جدا.

ابتسم وأشار بيده لتتحرك والتفت يتحرك معها، يشير نحو موظفيه الذين اعتادوا منه على الود والتواضع :

هنا بقى يا ستي إحنا بنتعامل بطريقة مختلفة شوية عن شركتكم ، حتلاقي الود والألفة هنا أكثر، وكلها ساعة واحدة بس حتحسي بده وحتلاقي نفسك مندمجة معانا كإن بقالك سنة هنا .

نظر للجميع واستطرد بتباه يعرفهم عنها كأنه يعرفها جيدًا :

- طبعا يا شباب زي مانتو عارفين نهاد قريبتي وصعيدية زبي يعني

ما حتلاقوش أطيب ولا اجدع منها زيي بردو .

قالها وابتسم يسترسل موضحًا بإعجاب مستتر يغطيه بثباته ووقفته الشامخة :

- بس هي هادية شويتين، وبتحب تركز في شغلها جدا، يعني ممنوع حد يكلمها وهي في إيدها شغل، ابقو اطلبولها بس فنجان نسكافيه وسيبوها تخلص براحتها .

هم اعتادوا طريقته الودودة هذه ولكنها لم تعتد بل متعجبة من كيفية شرحه لما تحب فعله ومعرفته بها إلى هذا الحد، وكيف لاحظ أنها تحب القهوة المحلاة ؟

التفت ينظر إليها ويبتسم ثم أشار نحو إحدى الموظفات وتابع ممازحًا :

- أهم حاجة لو عايزة شغلك يخلص في وقته ابعدي عن نشوى

نطقت تلك النشوى معاتبة بعبوس اصطناعي :

- ليه كدة يا بس مستر عبدالله خلي الطابق مستور، اهو حضرتك غبت مدة عن الشركة سمعت عني شكوى واحدة؟ كل اللي بيتقال عني إشاعات مغرضة.

ابتسموا عليها ونطق أحدهم باتهام لطيف :

- بأمانة يا نشوى إنت شيفاها مغرضة ؟ يعني مش إحنا اللي طيبين وبنستحمل ؟

نكست رأسها تنطق بخفوت وابتسامة تدل على التصالح النفسي :

- بصراحة أيوة بس هنكر

ليميل عبدالله قليلا على نهاد ويدعي الخفوت بصوته قائلا :

على فكرة نشوى أطيب واحدة في الشركة هنا، وصاحبة صاحبتها بجد، كلنا بنعتمد عليها في المهام الصعبة، بس اوعي تعرفيها إني بقول عنها كدة ...

- سمعتك يا مستر

نطقتها نشوى بابتسامة صادقة وتعمد عبد الله أن يفعل ذلك، ونجح في شق

ضحكة صريحة على وجه نهاد التي نطقت بالقليل من الحماس بل وأحبت

هذه الأجواء :

واضح إن ليك وجه آخر يا أستاذ عبدالله

أوماً مؤيدا يجيبها بمرح متباهيا :

- أنا الوحيد اللي وجهي الآخر أحسن من الأول

ابتسمت فتابع يوضح وهو يضع كفاه في جيبي بنطاله :

- طريقة تعاملي في الصعيد كانت بناءً على نظام الشركة هناك، بس هنا بحب أقوم بدور الأخ الكبير للموظفين، الحواجز مش بتتحط غير للضرورة، والحمد لله الحالة دي خلقت روح حلوة وتقديم أفضل للشغل وشركتنا بقت من أحسن شركات السياحة على مستوى اسكندرية كلها .

لم تكن تتوقع أن ترى منه هذا الكم من التواضع والطيبة والتفهم، ويبدو أنه لا يدعي ذلك أمامها بل هذه صفاته الحقيقية بناءً على طريقة الموظفين معه ، لذا نطقت بإعجاب لم تستطع إخفاؤه :

- دي حاجة ممتازة ووجهة نظر صح جدا بأمانة أني حسيت بتفاؤل وبإذن الله اجدر اجدم إهنة احسن ما عندي

- متأكد من ده، اتفضلي

نطقها وهو يشير نحو أحد المكاتب فأومأت وتحركت تجلس عليه، فنطق

وهو يميل نحوها قليلا :

أنا في مكتبي لو احتجتي أي حاجة

أومأت شاكرة فتحرك يغادر وتركها تتعرف على طبيعة شغلها عبر الحاسوب ليتقدم عامل البوفيه بعد دقائق ويقدم لها كوبًا من قهوتها المفضلة، لذا شكرته وحملت الكوب ترتشف منه القليل وتفكر، يبدو أنها على عتبة الارتياحوالسلام اللذان تمنتهما الأجواء هنا أفضل بكثير من أجواء تلك الشركة التي لم تزدها إلا ألما وضيقا

انتهت من قهوتها وهو كذلك، وانتظرها لتخبره بقرارها، لا تنكر إعجابها به

وأفكارها الشيطانية التي تحفزها بالتلاعب قليلا للحصول على ما تريد، نعم تمتلك الكثير من الأوراق، ولكن إن كشفتها جميعها الآن فلن تحصل على ما تريده، لذا قررت أن تقص عليه الجزء الذي ظنت أن تيا تخفيه عنه، لا الجزء الذي تخفيه هي عن تيا، وهو الأهم والأخطر على الإطلاق.

نطقت بعد تنهيدة :

حسنا سيد مهران، سأخبرك بما لدي، وسأنتظر تنفيذ وعدك لي بتلك الرحلة الممتعة

أوماً مؤكدًا ينطق بتأهب لما سيسمعه :

- أنا لا اخلف وعدي مطلقا، أسمعك

- حسنا ماضي تيا لم يكن شيئا ذا أهمية، كان لديها علاقة حب مع شاب يدعى چاك كان يهتم بها كثيرا ويتواعدان دوما ولكن عائلتها كانت ترفضه ويبدو أنه كان نرجسيا بالقدر الكافي لتبغض أفعاله، لذا حاولت الابتعاد عنه ولكنه لم يتقبل ذلك فظل يعترض طريقها، حتى أنه في أحد الأيام حاول اختطافها، ولكن والدتها أنقذتها، إلى أن مات والديها وعلم بذلك وحاول مجددا معها، ولكنها هربت وجاءت إلى هنا، هذا كل ما في الأمر .

إلى أي مدى وصلت العلاقة بينهما ؟

تساءل مهران بنبرة تظهر غضبه المكبوت يعلم قصة ذلك الشاب وأخبرته عنه، ولكن يبدو أن هناك تفاصيل لم تذكر، وهذا ما يسعى لمعرفته والتأكد منه قبل أي شيء، هذه المرة لا يجب أن يتسرع أو يتهم دون دليل لذا انتظرها تجيبه فنطقت :

- لا أعلم هذا الجزء

قرأ كذبها بسهولة، فاسترسلت بنبرة محايدة :

- حسنا لاكون منصفة نحن جميعًا كنا نعلم أن تيا مسلمة، وكنا نتعامل معها كما تحب

- وماذا بعد؟

ابتسمت ونطقت بخبث تهز رأسها :

- يكفيك هذا القدر الآن سيد مهران، فأنا لدي برنامجا ترفيهيا يجب أن

أمارسه.

نهضت بعدها تمد يدها بالسلام مجددًا وتسترسل بنظرات معينة :

- تشرفت بلقائك سيد مهران وبالمناسبة اسمك يعجبني كثيرا.

نهض يبادلها السلام ويودعها وينطق قبل أن تغادر :

شكرا لك، سأتواصل معك غدًا لنتفق على الرحلة، ولكن دعينا نقوم بمفاجأة تيا .

- بكل تأكيد

جلس عمار مع والدته داخل غرفتها كان قد أتى ليرى كيف سيتعاملون مع سجود، ولكنه جلس يستمع إليها وهي تشتكي له اشتياقها للصغير، يحاول أن يواسيها و يحاول تهدئتها تجاه نهاد التي يراها تتحامل عليها، لذا نطقت بعد تنهيدة مطولة :

مهو بردك حفيدي الوحيد يا عمار، يمكن لما ربنا يكرمك وتخلف الموضوع يبجي هين هبابة، بس دلوك جلبي واكلني على الواد جوي، كان عامل حس وبهجة في الجصر، الله يسامحك يا نهاد

استغفر عمار بنفاذ صبر من تكرارها لشكواها ونطق بتهكم عابر :

لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني اجوم دلوك اخلفلك عيلين ثلاثة من حيث لا أدري ؟ ياستي لو عايزة ونس في الجصر عندك نور أهو نخليه جاعد معانا يومين ولا حاجة بس نيميه في حضنك انت والحاج .

نطقت مستنكرة بنبرة قاسية لا تلازمها إلا نادرا :

وه ؟ واني اربي وادلل ولد الغريب لي؟ ماربنا يخليلي ولادي ويجيبولي عزوة ويملو عليا الجصر، أني ليا حديت تاني مع مهران لما ييجي .

أوماً ونهض يردف بهدوء بعدما وجد أن لا جدوى من إقناعها :

ماشي يا حاجة صابحة عنينا التنين، نجبلك عزوة ونملى عليكي الدار عيال إحنا لينا بركة إلا إنت ، يالا بجى اطلعي اجفي وسط البنات ما تجعديش اهنة

تعذبي حالك، وبعدين اسكندرية هناك اهي لما يبجى نفسك تشوفي حمزة جوليلي واني اخدك صد رد بالطيارة في ساعتين زمن ونرجع

نهضت معه ونطقت بغلظة :

لاء ماريحاش، وما حكلمش نهاد تاني واصل غير لما هي اللي ترجع

ظل يطالعها بنظرة حادة مستنكرة إلى أن تقدمت تفتح الباب فنطق بخفوت :

العرج الصعيدي اشتغل ، ربنا يسترع الولايا .

في هذا الوقت كان جابر يجلس مع والده في مندرة القصر قبل أن يذهب إلى شركته، يخبره عن ريم وعن رغبته في طلب يدها، ليستفسر عبد الوهاب بترقب :

ومالو يا ولدي مادامك جولت إنها زينة ومن بيت اصل، وشريكتك كمان يبقى نتوكل على الله ونروح نطلب يدها

قفزت السعادة من مقلتيه ونطق مبتهجا يوضح :

- حنروح طبعا يا ابوي بس اخوها في شهر العسل وأني مستني لما يرجع ونحدد معاد، عرف انت بجى الحاجة واخواتي اصل اني اتأخرت جوي

نطقها وهو ينهض وينظر في ساعة يده كي يلحق ريم قبل أن تخرج من منزلها، وبالفعل رحل تحت أنظار عبد الوهاب الذي قرر أن يسأل بنفسه عن ريم وعائلتها برغم ثقته في دقة جابر، إلا أنه يجب أن يتحرى بعد تجربة ابنه مهران الثانية والخاطئة والتي ترتب عليها كل هذه المعاناة

في الثانية ظهرا

عاد مهران مرة أخرى إلى الإسكندرية ليرى نهاد، وعلى الفور تحرك إلى مقر الشركة وبداخله شعورًا لا يطيقه من قرب عبدالله منها، ولكنه يثق بأنها لن تستطيع خيانته حتى بالتفكير

وصل أمام الشركة ودلف يصعد ليسأل عنها، ولكن الساعي أخبره أن الموظفين ذهبوا مع السيد عبد الله لتناول وجبة الغداء في المطعم المقابل للشركة.

تحرك تسبقه غيرته وترجل يتجه نحو المطعم المنشود، دقائق قليلة حتى توقف عند مدخله يراها من على بعد مناسب وهي تجلس على طاولة تجاور إحداهن وأمامها جلس عبد الله ويجاوره شابًا، ولكنه لم ير لا الشاب أو من تقابله، بل ركز نظراته على النقاش القائم بين نهاد وعبد الله .... و تبسمها له ؟

لم يلاحظ أي شخص سواهما، كأنهما يجلسان في مكان لا بشر فيه.

تعاظمت غيرته وعبثت الشياطين في عقله، إن ذهب الآن وقبض عليها وسحبها خلفه عائدًا بها إلى الصعيد هل سيحدث شيء؟ أليس من حقه فعلها ؟ هل سيعترض أحدًا طريقه؟

كاد أن يفعل ولكنه فكر سريعًا بالقليل من التعقل، لقد أتى من لقاء كان يجمعه مع فتاة غربية لا علاقة له بها تحلى بالقليل من الهدوء، وعاد يرى المشهد بزاوية أخرى أكثر منطقية، نهاد لم تخطئ، ربما هو من أصر عليها، ويبدو أنها تتصرف بنية حسنة، ولكن برغم ذلك هذه الأمور لا يعترف بها خاصة لامرأة مثلها، صعيدية، ومتزوجة، تحت إمرة رجل يغار حد الجنون

استل هاتفه وعبث به يطلب رقم عبد الله الذي التقط هاتفه ينظر له وحينما وجده مهران ابتسم يجيب بترقب :

- سلام عليكم

نطق مهران بنبرة غليظة :

مستنيك على باب المطعم وما تعرفش نهاد إني اهنة.

أغلق معه فالتفت عبد الله ينظر نحو الباب ليلمحه بالفعل قبل أن يختفي مهران وينهض عبد الله مستئذنا منهما ويتحرك نحوه

وجده ينتظره خارجا فتحرك نحوه يبتسم وينطق مرحبا برغم تعجبه من ظهوره هنا :

- حمد الله ع السلامة، واقف برا ليه؟ تعالى.

احتدت ملامحه يطالعه بتجهم واضح ونطق بنبرة فظة :

- ما يصحش تجرب جوي اكدة من موظفة لسة في يومها الأول يا سيادة المدير.

قطب عبد الله جبينه يدعي عدم الاستيعاب، ثم نطق بضيق :

- يعني إيه الكلام ده يا مهران، وضح قصدك.

اقترب منه خطوة وباغته بنظرة حادة ينطق بوضوح :

- يعني تتعامل مع نهاد كمديرها وبس ما تفكرش تجرب منها خطوة ثانية عن اكدة، وإلا حتلاجي مني تصرف يزعلك يا عبدالله ماتخليش ثجتي تتهز فيك

نطقها والتفت يغادر مقررًا الذهاب إلى صغيره وانتظارها، وترك عبد الله يقف يطالع أثره، ولم تهتز به شعرة ولم يعر تهديده أي اهتمام، بل يبدو أنه سيصب اهتمامه على تلك التي جعلته يجن ويتبعها إلى هنا حتى بعد أن تزوج بأخرى

أمام شركة معتز

وقف أحمد يرفع رأسه وينظر للمبنى بعدما اتخذ قراره، لقد أتى ليعقد اتفاقا سيفسد صداقته بجابر، ولكنها بالأساس فسدت بسبب تلك الريم، لم يتبق سوى أن يحصل على حصته في الشراكة، وليجد لنفسه مقعدا هنا، ويضمن تنفيذ رغباته، وليلقن جابر درسا ويريه الوجه الآخر لريم البسيوني

فتح كفه فظهرت الفلاشة التي يحتفظ بها بتلك المقاطع، ليفكر سريعا ويفتخر بنفسه حينما سجل هذه المقاطع آنذاك واحتفظ بها

رفعها عاليا في الهواء، ثم قبض عليها مجددا ودسها في جيبه وتحرك بخطوات ثابتة نحو الداخل


تعليقات