رواية تدخل عائلي الفصل الفصل الثاني 2 بقلم دنيا سعيد فوزي

 

رواية تدخل عائلي الفصل الفصل الثاني بقلم دنيا سعيد فوزي



_ أنا مش فاهم يعني إيه البنت هي اللي تختار عريسها!! يعني إيه نقعد كلنا قدامها وهي تختار وتنقي!!! أقنعوني.

قالها "يونس'' وهو بيضرب كف في كف، بصيتله بإستغراب وقولت ببساطة: أنت كل مرة بتيجي تستغرب وتقول نفس الكلمتين وتمشي! ما أعمامك اتجوزوا بنفس الطريقة، وولاد عمك اتجوزوا برضو وماشاء الله متهنيين.

أتدخل "نوح" وهو بيقولي: تمام يا عم عُمر، بالنسبة للحُب...إيه الدنيا؟ مفيش مشاعر، مفيش أحاسيس، هي جوازة خبط لزق كده علطول! 

جاوبه "سيف" وهو بيقول: أتوقع العِشرة هي اللي بتعمل كده، العِشرة كفيلة تخليك تحب الإنسان اللي معاك بالمواقف والأفعال اللي بيعملها عشانك، إلا إذا هو كان بيحب حد تاني وقتها بقا بيعارض العُرف والبدعة دي، وساعتها....

جاوبنا كلنا في نَفَس واحد بقلة حيلة: بيتحرم من الميراث وبيخرج برا العيلة. 

"يونس" قرر يخرج عن صمته وطرح سؤال: حد شافها؟

عم "يعقوب" قطع قعدة العرب بتاعنا وقرر يعجلّنا بلقائها: جدكم مستنيكم يا بشوات في السرايا جوا. 

عود البقسماط "يونس" قام وقال بإنشكاح واستعداد: استعنا بالله. 

       ____________________________

_ دلوقتي تمسحي دموعك وتيجي معايا أعرفك بأهلك وأعرفهم بيكِ، عايزك تدخلي السرايا براس مرفوعة وتنسي أي حاجة سمعتيها...جاهزة؟ 
= لأ!

حاول يقنعني بحِكمة وقال: أنا مش هجوزك غصب ومش هجوزك دلوقتي، أنا عايزهم يعرفوكِ وعايزك تعرفيهم، عايز كلمة غير شرعية دي تتمحي من تاريخك وحياتك للأبد، أنتِ مش أقل منهم هنا، أنتِ حفيدتي.

كنت مترددة، هشوفهم كلهم! و...اللي اسمه أبويا هيكون من ضمنهم!

ضغط على إيدي ضغطة زرعت فيا الدفى والأمان، وقال: أنا معاكِ ومش هسيبك. 

مش قادرة أتخيل كم الحنية دي وراها إيه! الشخص لما بيعتاد الجفا والقسوة، بيحس الحنية فخ! ولكن معنديش خيار تاني للأسف لإنه أقنعني إني أروح معاه وأدخل السرايا، أخدت نَفس عميق زي اللي بيستعد لحرب، لكن طول ما أنا ماشية جمبه كان عمال يقويني ويقولي افردي ضهرك، ارفعي راسك...أنتِ حفيدة "داغر". 

أول ما دخلت وخطيت رجلي، أول عين اتعرفت عليها كانت هو...بابا، لكنه خذلني! بعد عينه عني وكأني عار أو ضيف غير مرحب بوجوده، حسيت بغصة في صدري تشبه الخنجر، وبعدها لقيت رجالة وحريم في أعمار مختلفة، متجمعين كلهم أعمارهم كبيرة، منهم المرحب بيا ودي كانت الست الجميلة اللي ندهت عليا، ومنهم اللي كان مجبور على القاعدة ومنهم الغضبان، على الجانب التاني كان في مجموعة شباب قاعدين عينهم عليا، بإستثناء واحد بس، بص بصة وبعدها رجع ضم إيده لصدره من تاني وبص قدامه، العيلة دي كلها عيلتي!!! وأنا محرومة منها كل السنين دي!

"جدي'' حَس بغصتي، فقرر ينصرني ويعلي من شأني قصادهم، قال بصوت جهوري: حفيدتي وبنت أخوكم عمران، دُنيا عمران داغر الهاشمي، حفيدة شرعية ليا وللبيت دا.

تلقائي لقيت نفسي برفع راسي، حسيت إن دلوقتي بس ليا مكان انتمي ليه، دلوقتي بس بقى عندي ضهر وسند بحق! عيوني قررت تضعف وتضعفني معاها وتجمع دموع الفرحة الممزوجة بالحزن في نفس الوقت، اللحظة دي حلمت بيها سنين، يا خبر على طعم الإنتماء بعد سنين من الإنكار! 

كمل كلامه وهو بيقول: قوم يا عمران سلّم على بنتك وخدها في حضنك ولا أنت محتاج تتعلم إزاي تتعامل مع بناتك! 

الصدمة حلت على الكل، لكن أنا صدمتي مختلفة، أنا متحضنتش من أول ما اتولدت! معرفش معنى الكلمة دي إيه ولا إيه شعورها! معرفش أصلًا معنى كلمة أب وحنان الأب!

طبعًا لأن الكل هنا بيحترمه، قام وقف ولبىٰ النداء، وجه وقف قدامي بعبايته اللي زودته ضخامه وهيبه في نظري، مكنتش قادرة أبص في وشه لكنه أجبرني على السلام وقال وهو بيضمني ليه بحضن جاف: نورتي بيت جدك. 

مقدرتش أبادله الحضن، ولا حتى ابتسامة ضعيفة، رجعت وقفت جمب جدي من تاني.

_ دلوقتي مش عايز غير أحفادي بس اللي يكونوا موجودين والباقي يتفضل. 

قالها وهو بياخدني عشان يقعد على الكرسي الكبير ويقعدني جمبه، وفعلًا الحركة بدأت تنتشر في المكان بعد جملته. 

المكان فضى عليا أنا وعدد كبير من الشباب والبنات، أغلب البنات في نفس سني أو أكبر حاجات بسيطة، والشباب حسيتهم أكبر مني بكام سنة، إلا واحد بس اللي حسيته كبير ومسؤول. 

_ البنت من أحفادي أول ما توصل سن العشرين لازم ولابد يدخل حياتها راجل، ولإني مأمنش عليكم ولا على ورثكم مع راجل غريب لازم، أزواجكم يكونوا من العيلة، هتلاقي فين حد يخاف عليكِ وعلى أملاكك أكتر من إبن عمك ولا إبن عمتك ولا حتى إبن خالتك؟ 

الكل كان قاعد ساكت، مُستمع، صاغي، وكأن اللي بيتقال شرع وقانون غير قابل للنقاش فيه، كمل كلامه وقال وهو بيشاور على اتنين: عائشة كتبت كتابها على تميم أول ما تمت العشرين، واتجوزوا وهي 23، ودلوقتي هي عندها 26، حدانا هنا مفيش خطوبة بدون كتب كتاب، تكتبوا الكتاب وتتعرفوا على بعض براحتكم كده كده محدش فيكم هيتجوز غير التاني، وقعت الفاس في الراس خلاص. 

بص للشاب وسأله: قولي يا تميم، ندمان؟ 

جاوب "تميم" بكل رضا وقال: أبدًا يا جدي، دا أنا لحد اللحظة دي ممتن لليوم اللي اختارتني فيه عائشة، نِعم الزوجة والرفيقة. 

قاطعه بمشاكسة: خلاص يواد أنشف كده مش هنقول شعر إحنا. 

ابتسمنا كلنا على جملته، ورغم استغرابي من اللي عيوني بتشوفه، ووداني بتسمعه لكني كنت مستمتعة فابتسمت معاهم بكل بلاهة. 

بص للبنت وسألها: كنتِ راضية عن اختيارك لتميم يا عائشة؟ 

اكتفت "عائشة" بتحريك راسها وقالت: الحمد لله يا جدي، راضية وشاكرة وحامدة ربنا. 

_ طب الحمد لله، وأنت يا سفيان إيه رأيك في جوازك من جنة بعد 5 سنين جواز؟
= الحمد لله يا جدي هي جنة فعلًا إسم على مسمى. 

فضل يسأل كل اتنين متجوزين، وكنت في قمة إذبهالي! إزاي دا بيحصل! بنت هي اللي بتشاور وتختار شريك حياتها؟؟؟ طب لو في واحدة لسه مجاش دورها كانت معجبة بواحد واللي عليها الدور اختارته بيحصل إيه! حسيت إني عايزة أضحك من الإحراج ومن اللي الأسئلة الغريبة اللي عقلي بيطرحها ولكن لحسن حظي اتحكمت في أخر دقيقة، لسه برفع عيوني لقيتها عرفت طريقها لعيون سرقوا فضولي أول ما دخلت هنا...عيونه.

_ دُنيا. 

قطع تفكيري صوت "جدي" وهو بينده عليا وقال: مين أخد عقلك؟ 

اتوترت يكون لاحظ نظراتي لكن كمل: متسرحيش يا حبيبتي ومتخافيش لسه أوانك مجاش. 

             __________________________

القعدة انفضت واللي فهمته من كلام جدي إنها كانت بغرض طمئنت الحفيدة الجديدة، وتعرفيها بالعُرف الخاص بعيلتنا أو بمعنى أصح البدعة، حاولت أسترجع ملامحها، غمضت عيوني في محاولة بائسة مني لإني للأسف مدتنش نفسي حق النظر ليها لفترة وجيزة حتى، وفجأة ملامحها زارتني، كانت صغيرة...صغيرة في كل حاجة حجمًا وشكلًا ومضمونًا...جه في بالي سؤال في اللحظة دي "إزاي واحدة في رقتها وهشاشتها أستحملت لقب الإبنة الغير شرعية طول الوقت دا؟" 

قررت اخليني في حالي وأروح الأسطبل أصفي ذهني هناك. 
                 ___________________

كنت حاسة إني مفتقدة الهوا من شحنة الطاقة اللي اتعرضتلها النهاردة دي، فخرجت للبلكونة، كان فيها زي قعدة جميلة ومريحة، قررت أملي عيني منها ولكن فجأة اتخضيت من اللي شوفته! 

_ أنت مين؟ 
= يونس...إسمي يونس. 
_ وبتعمل إيه هنا؟ 
= بشم هوا زيك بالظبط. 

بص حواليه عشان يتأكد إن مفيش حد حواليه وبعدها قال بهمس: أرجوكِ متختارنيش، أنا لسه صغير على الجواز. 

ضحكت للأسف على أسلوبه، ضحكت من قلبي رغم عدم قدرتي على الضحك. 

حسيت إنه برفضه ليا أقدر أتكلم معاه على راحتي، فسألته: طب ليه جيت هنا؟ 

قعد على الكرسي وقال: محدش هنا عنده رفاهية الرفض للأسف، هنا في حرمان من الورث وتنطرد برا العيلة، تكوّن نفسك من أول وجديد وتبدأ من الصفر.

_ امممم. 

قالي بمشاكسة وهو بيحط إيده على صدره كنوع من التعزيز: لو تحبي أرشحلك حد أنا في الخدمة. 

حسيت إني ارتحت ليه فقعدت قدامه على الكرسي وقولت بفضول: لأ، أنا عايزاك تحكيلي عنهم بس من باب الفضول مش أكتر، كده كده جدي قال إنه مش هيجوزني دلوقتي.

= أكيد طبعًا أنتِ متعرفيناش عشان يجوزك، لازم تعرفينا وتعرفي شخصية كل واحد فينا وعلى أساسه تختاري، أومال إحنا جايين من قفانا ليه؟ وسايبين اللي ورانا واللي قدامنا؟ مهو عشان سيادتك نشربك المعرفة بالمعلقة والشوكة والسكينة والمغرفة كمان لحد ما تطفحي وتقولي شبعت. 
_ هو أنا حاسة إنك بتهزقني بطريقة غير مباشرة؟
= إزاي متأكدتيش؟ وبعدين غير مباشرة إيه؟ دا أنا بقولك في وشك تطفحي عايزة وضوح إيه أكتر من كده!
_ نعم!!!
= بهزر أكيد. 
_ متهزرش معايا تاني بقا. 
= حاضر، حابة نبدأ من مين؟ 
_ معرفش قول أنت. 
= بصي يا ستي، لو عايزة حد عاقل ومسؤول وتسندي عليه وأنتِ مغمضة يبقى عُمر، لكن لو عايزة حد تافه يبـ....
= يبقى أنت؟ 
_ للدرجادي؟ دا أنا مكملتش ربع ساعة معاكِ! لحقتي تعرفي! 

ضحكت وقولتله: لو مكنتش كده مكنتش قعدت معاك أصلًا.
حط رجل على رجل وقال: متحاوليش مش هتاخديني برضو، إن شاء الله على ما يجي دوري تكونوا خلصتوا كلكم واتجوز أنا من برا.

حركت راسي بيأس وأنا بحاول اتحكم في ضحكتي: طيب ممكن تكمل يا أستاذ يونس؟

عدل قعدته وقال: بصي يستي لو عايزة حد مثقف يكلمك في الخلافة والأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية ويكتبلك أشعار ونصوص وتبقي بطلة روايته...يبقى سيف، أما لو عايزة حد حنين فعلًا حنية خامة وجدع ويفضّلك على نفسه يبقى نوح. 

قطع كلامنا دخول بنت يُعتبر في سني أو أكبر بسنتين لكنها كانت حُرة جميلة! شعرها قصير ولابسة كاجوال وملامحها نفس حدية ملامح جدي وأبويا، بصت لـ "يونس" وسألته: عُمر فين يا يونس؟ 

حسيت إني غيرانه، معرفش من هيئتها الحُرة ولا من نطقها لإسم "عُمر" الإسم اللي لفتني فيهم! 

بصتلي بإستغراب وبعدها قالت: أنتِ مين؟؟ 

"يونس" قرر يتدخل ويرحمني من صعوبة الجواب: دي دُنيا يا روح...أختك. 

= إيه؟!!!!! 


تعليقات