رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثلاثون 30 والاخير بقلم عبدالرحمن أحمد


 رواية بنت القلب الجزء الخامس (الاصفاد) الفصل الثلاثون والاخير

- إزاي؟! كل ده بتضحك عليا؟!
قالها «مرزوق» بوجهٍ مشبعٍ بالصدمة، بينما اقترب منه «بارق»، لتظهر على ملامحه الجدية وهو يقول:
- آه يا مرزوق بضحك عليك وأنت ساعدتني بشكل ما تتخيلوش.

"قـــبـــل أشـــهـــر"

جلس «بارق» على المقعد المقابل للواء «أيمن» الذي قال متسائلًا:
- قول يا بارق، طلبت تقابلني ليه؟

نظر إليه «بارق» وبدأ حديثه قائلًا:
- مرزوق الشيمي، معرفة قديمة.. كنت عملتله خدمة قبل كده واتعرفنا على بعض، وكان بينا ود وكلام. ايه رأي سيادتك أستغل ده وأتعمق أكتر في حياته وآخد ثقته، فيطمن ليا ويعرفني على كل حاجة تخصه وساعتها نقدر نوقعه بسهولة؟

عاد «أيمن» بمقعده إلى الخلف، وفكر قليلًا في اقتراح «بارق» قبل أن يقول:
- هي خطة كويسة وممكن تسهل علينا خطوات كتير، بس إزاي هيثق فيك بسهولة للدرجة دي ويعرفك كل شغله القذر؟

ابتسم «بارق» وقال:
- القذر بيتطمن للي زيه وأنا هظهر بالشكل ده قدامه وهخليه يقتنع كمان. متقلقش يا باشا أنا دارس كل حاجة كويس وعارف إزاي أوقعه. كل اللي محتاجه إن سيادتك تقولي دوس وأنا هدوس.

ابتسم «أيمن» وهتف بنبرة يملؤها الفخر:
- دوس يا بارق، بس خلي بالك كويس لأن اللي زي مرزوق ده مش سهل خالص. وتاني حاجة أنا مش عايز أي حد يعرف باللي اتفقنا عليه ده حتى أفراد الفريق.

مرت الأيام، وبدأ «بارق» تنفيذ خطته للتعمق أكثر في حياة «مرزوق» واكتساب ثقته إلى أن جاء اليوم الذي التقيا فيه داخل أحد المطاعم. جلسا إلى طاولة الطعام، قبل أن يبادر «مرزوق» بالحديث قائلًا:
- هو شكرًا على العزومة وكل حاجة، بس أنا حاسس إن فيه حاجة وراها يا بارق. قول اللي عندك وأنا رقبتي سدادة من غير مقدمات.

أظهر «بارق» قدرًا من التوتر وهتف:
- الصراحة.. كنت عايزك في خدمة كده.

عاد «مرزوق» للخلف وقال بابتسامة:
- يا باشا اعتبر اللي عايزه حصل. ها قولي ايه نوع الخدمة دي؟

تردد «بارق» قليلًا، لكنه قال في النهاية:
- بص، فيه شحنة هتوصل مصر كمان يومين. الشحنة تبع واحد معرفة وأنا داخل شريك معاه وعرفت إن ليك ناس في الجمارك، فكنت عايزك تخلي الشحنة تخرج من غير جرد ولا تفتيش.

رفع «مرزوق» أحد حاجبيه وقال:
- فيها ايه الشحنة دي؟

فرك «بارق» فروة رأسه للحظات قبل أن يجيب:
- فيها موبايلات آيفون وطبعًا الكمية كبيرة وفيها لقمة عيش حلوة. ولو اتجردت واتكشف أمرها هدفع اللي ورايا واللي قدامي. ومتقلقش بمجرد ما تخرجها هكون مسؤول إني أعديها من الكماين اللي على الطريق. وشوف أنت عايز نسبة كام وهتاخدها من غير ما أجادلك.

ابتسم «مرزوق»، ووضع قدمًا فوق الأخرى قبل أن يقول:
- اعتبر الشحنة خرجت قبل حتى ما توصل ومش عايز نسبة يا بارق.

"بعد مرور ثلاثة أيام"

التقى «مرزوق» بـ«بارق» بعد أن ساعد في خروج الشحنة المتفق عليها. صافحه «بارق» بحرارة وقال بامتنان:
- أنا مش عارف أشكرك إزاي يا مرزوق والله. الشحنة دي هتنقلني نقلة حلوة وكنت شايل هم خروجها.

ابتسم «مرزوق» وربت على كتفه وهو يقول:
- بتشكرني على إيه يا راجل؟ بس ما تعرفنيش إن علب الموبايلات دي جواها مخدرات يا معلم!

مثل «بارق» الصدمة، واحمر وجهه وهو يقول:
- مخدرات؟!

أومأ «مرزوق» برأسه إيجابًا وهتف:
- أيوة مخدرات. معلش أنا كان لازم أعرف ايه اللي في الشحنة قبل ما أخرجها لأن كل حاجة وليها طريقة.

نظر «بارق» إلى الأسفل، وصمت للحظات، قبل أن يقطع صمته قائلًا بصوت منخفض:
- أنا... أنا خوفت أقولك لتخاف مني وتبلغ عني.

ابتسم «مرزوق» وهتف:
- أبلغ عنك ليه؟ أنت صاحبي وبعدين ما تعرفنيش إنك ابن كار؟ إحنا شكلنا هنشتغل مع بعض كتير الفترة الجاية يا بارق، وأوعدك هخليك تلعب بالفلوس لعب لدرجة إنك مش هتبقى عارف تودي كل الفلوس دي فين...

"الوقت الحالي"

زفر «بارق» وهتف بابتسامة:
- رميت الصنارة بالطعم، وأنت بلعتها يا شيمي. كل الكلام والصفقات والمصايب اللي اتكلمت معايا فيها في الأماكن المغلقة متسجل صوت، أما لقاءاتنا في الأماكن المفتوحة وخصوصًا المكان اللي كنا بنتقابل فيه على طول فكانت متسجلة صوت وصورة. كان فيه حد واقف بعيد بيصورنا بجودة أحسن من حياتنا إحنا الاتنين، وبالنسبة للصوت فكنت أنا مرشق مايكات. ياااه أنت في اللقاءات دي اعترفت بحاجات كتير أوي زي إنك المسؤول عن عملية شرم الشيخ، وإنك الرأس الكبيرة اللي كانت بتدير مجموعة الأصفاد اللي وقعناها ومسكنا أفرادها بالسلاح والمخدرات. وكمان اعترفت إنك خليت النسبة الأكبر من شركات «نائل» و«ياسمين» علشان تقدر تخرج المخدرات من خلال شركتهم، ولو حصلت أي مشكلة تفضل أنت في أمان. غير اعترافك بمحاولة قتل اللواء «أيمن» وتجنيدك لـ«زاخر» اللي غفلك في الآخر.

اقترب منه خطوة أخرى وتابع:
- وأخيرًا اعترافك إن المخدرات موجودة في مخزنك اللي في شبرا. عرفتك إن زاخر مغفلك علشان تتهور وتخطفه، فنقدر نوصل لمكانك عن طريق الـGPS، لكن الصراحة ما توقعتش إنك تخطفه في مخزنك نفسه اللي مخزن فيه المخدرات. دي كانت هدية واجتهاد شخصي منك تشكر عليه يا كبير. توتة توتة خلصت يا شيمي الحدوتة.

بدأ «مرزوق» يشعر بالدوار بسبب الرصاصة التي أصابت كتفه، والدماء التي سالت منه، بالإضافة إلى الصدمة التي تلقاها. نظر إلى «بارق» وقال بصوت ضعيف:
- مش مصدق إن مرزوق الشيمي بكل سلطته وعلاقاته وقع بالسهولة دي.

هنا تحدث «طيف» قائلًا:
- لا صدق يا مرزوق. واعترف إن الخطة واللعبة اللي عملناها عليك كانت حلوة ومتخرش المية. ايه؟ مش بتشجع اللعبة الحلوة ولا ايه؟

ألقت قوات الشرطة القبض على بقية الرجال، بينما نُقل «مرزوق» بسيارة إسعاف إلى أحد المستشفيات تحت حراسة أمنية مشددة.

وفي اليوم التالي، نشرت وزارة الداخلية فيديو مفصلًا لعملية الإيقاع بـ«مرزوق الشيمي»، مرفقًا بمقاطع مصورة تثبت إدانته واعترافه بكافة الجرائم التي ارتكبها، كما تم تبرئة «طيف» رسميًا أمام الجميع.

مرت عدة أيام، واستعد الجميع لحفل زفاف «أحمد» الذي كان سيقام بعد ساعات قليلة. وقف «طيف» أمامه بعد أن ارتدى سترته، وأخذ يحاول ربط ربطة العنق وهو يقول:
- اثبت بقى يا عم أحمد مش عارف أربط الكرافتة.

رفع «أحمد» أحد حاجبيه وقال:
- يا عم أنا ثابت أهو، أنت اللي شكلك مش عارف تربطها يا طيف اعترف.

فرك «طيف» فروة رأسه وقال بحيرة:
- يا لهوي! ده أنا كنت شاطر في ربطها. تكونش الذاكرة رجعتلي كلها ما عدا فولدر ربط الكرافتة؟!

خبط «أحمد» كفيه ببعضهما وقال:
- هو ده اللي هيربطلي كرافتة ليلة فرحي؟! أنا هروح لخالي يربطهالي يا عم.

في تلك اللحظة دلف «أيمن» إلى الغرفة وهتف:
- يلا يا جدعان اتأخرنا. المأذون وصل القاعة والمعازيم كمان، وأنتوا لسه هنا؟

التفت «أحمد» إليه فورًا وهتف:
- ابن حلال يا خالو، كنت لسه جايلك علشان تربطلي الكرافتة. أصل طيف باشا مش عارف يربطها.

نظر «طيف» إلى والده وقال بسرعة:
- استنى بس هفهمك. أنا كنت بربطها بصباع رجلي الصغير وكنت حريف جدًا، مش عارف ايه اللي نساني ربطها بس.

قطب «أيمن» جبينه وقال بحيرة:
- حريف؟! أنت طول عمرك فاشل في ربط الكرافتة، وكنت بتخليني أنا أو مامتك نربطهالك، ومؤخرًا بقيت بتخلي نيران تربطهالك يا طيف. أنت فقدت الذاكرة تاني ولا ايه؟

فتح «طيف» فمه بصدمة وقال:
- هاا؟!

ضحك «أحمد» وقال مازحًا:
- لا أنت محتاج تترج شوية كده وهترجع سليم زي الفل. ولا أقولك؟ ارمي نفسك من فوق السلم وهترجعلك الذاكرة. الطريقة دي متجربة في كل روايات بير السلم.

ضربه «طيف» بخفة على صدره وهو يقول:
- بس يا أهبل. يلا خلي بابا يربطلك الكرافتة خلينا نلحق المأذون قبل ما يخلع.

مر الوقت، ووصل الجميع إلى القاعة. جلسوا حول طاولة كبيرة، وبدأ المأذون في تدوين بعض البيانات، قبل أن يسلم الميكروفون إلى «أحمد» ويبدأ تلقينه ما سيقوله. وما إن انتهوا حتى قال بابتسامة:
- قولوا معايا: بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.

ارتفعت الزغاريد وسط أجواء من السعادة والبهجة. نهض «أحمد» واحتضن زوجته «تاليا» قبل أن يقول بحب:
- مبروك علينا يا حبيبتي.

ابتسمت وقالت بهدوء:
- الله يبارك فيك يا حبيبي.

بدأت فقرات حفل الزفاف وسط سعادةٍ كبيرة بين الجميع. نظر «بارق» إلى «طيف» وقال بتعجب:
- هو الفرح ناشف كده ليه؟ فين الأكل؟ أنا جعان.

هنا اعترض «طيف» قائلًا:
- يا بني الفرح لسه ما كملش نص ساعة! وبعدين الأكل فيه فراخ وأنت ماشي على النظام. اطلب دليفري أحسن.

خبط «بارق» على الطاولة أمامه وهتف:
- والله لو الأكل فيه سحالي مشوية لأكلها، الله يسامحه أحمد قالي متاكلش علشان تعرف تاكل في الفرح، وأديني سمعت كلامه لغاية ما هفطس من الجوع.

تدخلت «تنة» قائلة بصدمة:
- مكلتش؟! ده أنت واكل اتنين شاورما وإحنا جايين في الطريق ولما مقدرتش أكمل الساندوتش بتاعي أكلته أنت يا مفتري.

لوى «طيف» ثغره وقال مازحًا:
- أممم... يعني ضارب شاورما وقارفنا معاك، وأنا أقول كرشك بدأ يدلدل ليه، براحتك هتعرف عواقب اللي بتعمله ده مع أول مجرم تجري وراه.

***

وصل «زاخر» إلى القاعة، وكان التوتر ظاهرًا بوضوح على وجهه. تمنى لو يرحل حتى لا يضع نفسه في موقف محرج، خاصة مع وجود «رنة»، لكنه أكمل طريقه وصافح الجميع، ومن بينهم «طيف» الذي أشار له بالجلوس قائلًا:
- اقعد يا زاخر.

تبدلت تعابير وجه «رنة» بمجرد أن رأته، وتعجبت من اختلاف معاملة شقيقها له. ودت لو تسأل عن السبب لكنها امتنعت، ونهضت من مكانها بحجة الذهاب إلى المرحاض، بينما كانت في الحقيقة تهرب من وجوده.

دلفت إلى المرحاض أولًا، ثم خرجت من القاعة لتستنشق بعض الهواء. عقدت ذراعيها وشردت في الفراغ وكأنها وحدها في هذا العالم، إلى أن قطع صمتها صوته وهو يقول:
- يااه... أنتِ عارفة بقالنا قد ايه ما شوفناش بعض؟

انتبهت لوجوده والتفتت نحوه، ثم أشاحت بنظرها بعيدًا وهي تقول:
- ده شيء طبيعي، مش إحنا سيبنا بعض؟

اقترب منها خطوة واحدة وهتف بصوت هادئ:
- دي أوحش حاجة حصلتلي. لسه عندي أمل ترجعيلي تاني يا رنة. أنا لسه بحبك وهفضل أحبك لغاية ما أموت.

ابتسمت بسخرية، وأعطته ظهرها وهي تقول:
- بس أنت حبك كان مؤذي، وأنا شكلي اتسرعت لما وافقت أتخطبلك.

ظهر الحزن في نبرته الصادقة وهتف:
- عندك حق يا رنة. أنا فعلًا كنت وحش ووحش أوي كمان، وأدركت ده متأخر بعد فوات الأوان. لكن زاخر اللي قدامك دلوقتي مش هو زاخر اللي عرفتيه زمان. اللي عرفتيه كان عيل طايش مش همه حد وبيعمل اللي على مزاجه. إنما دلوقتي أنا شوفت بعيني وفهمت. اللي واقف قدامك دلوقتي زاخر مختلف، نضج واتعلم من غلطاته وندم عليها.

نظرت إليه بنظرات تحمل التحدي وهتفت:
- لنفترض إن اللي بتقوله ده حصل فعلًا، أنا مش ممكن أخد قرار غير لما أشوف التغيير ده بعيني. وبعدين تفتكر بابا أو طيف هيوافقوا ترجعلي تاني؟! وعلى فكرة أنا مستغربة إن طيف رجع يكلمك كويس كده، ده كان مبيطقش وجودك أصلًا.

تذكر «زاخر» اللقاء الذي جمعه بـ«طيف» قبل أيام.

وضع «طيف» يديه في جيبي بنطاله واقترب من «زاخر»، الذي راقب اقترابه بترقب وقلق. تفحص وجهه جيدًا قبل أن يقول بنبرة هادئة:
- أنا عرفت كل حاجة يا زاخر، عرفت إنك أنت اللي كنت بتحاول تقتلني وتتخلص مني.

حاول «زاخر» التحدث، لكنه قاطعه قائلًا:
- أنا مش جاي أحاسبك أو ألومك. أنا عارف إن اللواء أيمن حاسبك، وإنك حاسبت نفسك على اللي عملته وندمت عليه. وعرفت قد إيه كنت عيل طايش وكان ممكن تعمل تصرف تندم عليه طول عمرك أو ينهي حياتك أصلًا.

صمت للحظات، ثم تابع:
- استغربت لما بابا ضمك للفريق، لكن فهمت بعدين إنه كان لسه بيراهن على الجزء الحلو اللي جواك، الجزء اللي كان مدفون تحت كل الغلط ده. كان ممكن بسهولة ياخد القرار السهل، لكنه اختار يعلمك ويخليك راجل يفتخر بنفسه قبل ما الناس تفتخر بيه. وده اللي حصل فعلًا في قضية مرزوق الشيمي. كنت سبب كبير في وقوعه وبان معدنك الحقيقي. الصراحة مهما كبرت بفضل أتعلم من بابا وحكمته، وعشان كده قررت أديك فرصة تانية وأنسى مؤقتًا اللي عملته لحد ما تثبت فعلًا إنك بقيت راجل وقد المسؤولية.

عاد المشهد سريعًا إلى ذهن «زاخر»، فقص جزءًا منه على «رنة» قبل أن يقول:

- أنا غلطت غلطة كبيرة وجه الوقت إني أصلحها. أوعدك يا رنة إني هرجعلك بس بعد ما أشوف نفسي راجل بجد، وأعمل حاجة تشرفني وتشرف كل اللي يعرفني.

نظرت إلى الأسفل وهتفت بهدوء:
- أتمنى ده.

تركته وتوجهت إلى الداخل، بينما بقي هو واقفًا لدقيقة كاملة. وما إن التفت حتى وجد «طيف» أمامه، فقال:
- أنا عارف إنك بتحب رنة بس بغبائك ضيعتها من إيدك.

تقدم خطوتين حتى أصبح أمامه مباشرة، ثم تابع:
- بإيدك ترجع كل حاجة. اثبت إنك راجل وقد المسؤولية، وإنك فعلًا اتغيرت وأوعدك أنا اللي هجوزهالك بنفسي.

ابتسم «زاخر»، واغرورقت عيناه بالدموع، قبل أن يحتضن «طيف» قائلًا:
- شكرًا يا طيف على كل حاجة. أنت فعلًا إنسان نضيف وقلبك أبيض. أوعدك إني هكون الشخص اللي تتمناه زوج لأختك وأفضل كمان وهعمل كل اللي يثبت إني أستحقها.

***

انتهى حفل الزفاف، وانطلقت عشرات السيارات تزف «أحمد» إلى منزل الزوجية. وما إن أوصلوه هو وزوجته حتى رحلوا، متمنين لهما حياة سعيدة مليئة بالحب والبهجة.

وصل «طيف» إلى شقته بصحبة زوجته وأولاده، وما إن دلف إلى الداخل حتى نظر إلى زوجته وقال بابتسامة:
- ياااه يا نيران، فاكرة يوم فرحنا؟

ابتسمت هي الأخرى بمجرد أن حضرت الذكرى إلى ذهنها وهتفت:
- هو ده يوم يتنسي؟ لسه فاكراه كأنه امبارح.

اقترب منها وقبل جبينها قبل أن يقول بحب:
- ربنا يخليكي ليا، أنتِ والقرود دول يا حبيبتي.

وقبل أن ترد عليه، شعرت بمغص شديد في بطنها، فهتفت:
- عندي مغص فظيع يا طيف. بدأ وإحنا في العربية وزاد دلوقتي جدًا.

تعجب من الأمر وقال على الفور:
- غريبة أنا كمان عندي مغص شديد! ثواني هجيبلك فلاجيل.

***

على الجانب الآخر، دلف «أحمد» وزوجته «تاليا» إلى عش الزوجية، وهتف بسعادة:
- ياااه... مش مصدق إن كابوس مرزوق الشيمي انتهى أخيرًا، وإنك رجعتي تعيشي حياتك بشكل طبيعي من تاني.

ابتسمت ونظرت إليه بحب قبل أن تقول بامتنان:
- شكرًا بجد يا أحمد على وقوفك جنبي الفترة دي كلها، وإنك خلصتني من كابوس كبير اسمه مرزوق الشيمي.

احتضنها بحب وأردف بنبرة هادئة:
- بتشكريني على ايه يا حبيبتي؟ أنا معملتش حاجة. إن شاء الله اللي جاي كله راحة وفرحة وهنعوض كل اللي فات.

أغمضت عينيها وقالت:
- إن شاء الله.

ابتعد قليلًا عنها وهتف بابتسامة:
- هخش بسرعة آخد دش وأجيلك يا عروستي.

نظرت إلى الأرض بخجل وقالت:
- تمام.

وبالفعل دلف إلى الحمام، وبعد دقائق قليلة خرج، لكن علامات التعب والإرهاق كانت واضحة عليه. كان يترنح في مشيته وكاد يسقط أرضًا، فنهضت على الفور وقالت بقلق:
- أحمد! فيه ايه؟ مالك يا حبيبي؟

وضع يده على بطنه وردد بتعب واضح:
- مغص رهيب، مغص بيقطع بطني. ومش بس كده، حاسس إني دايخ وكأن كل طاقتي اتسحبت مني.

في تلك اللحظة، ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها وهتفت:
- لا متقلقش يا حبيبي، ده بس مفعول السم اشتغل.

نظر إليها بعدم فهم، وظن أنها تمزح، فقال:
- أنا مش بهزر يا تاليا. أنا فعلًا مش قادر وحاسس إني بموت، اطلبيلي الإسعاف.

تراجعت وجلست على حافة الفراش، وأسندت كفيها خلف ظهرها وهي تقول:
- ههزر ليه يا حبيبي؟ هو الكلام ده فيه هزار؟ أنت مسموم، ومش بس أنت. أكل القاعة كله كان مسموم بسم شديد الخطورة. أول ما الأعراض بتبدأ بيبقى فاضل حوالي عشر دقايق بس قبل الموت. خلاص كلها لحظات وهترتاح. ومتقلقش هتلاقي اللي يونسك، كل المعازيم هيموتوا معاك.

سقط على ركبتيه من شدة الألم، ونظر إليها بعينين ممتلئتين بالصدمة وعدم التصديق، ثم قال بصوت متقطع يملؤه الوجع:
- ليه يا تاليا؟! ده أنا ساعدتك ووقفت جنبك الفترة اللي فاتت كلها. في الآخر تسمميني؟! طب وبقية الناس ذنبهم ايه؟ ليه عملتي كده؟

وقفت من جديد، وتحركت خطوتين نحوه وهي تقول:
- الموضوع أكبر منك يا أحمد. أنت كنت مجرد سلم طلعت عليه علشان أوصل للي أنا عايزاه. ولو فاكر إن مرزوق هو الرأس الكبيرة، وإنه الشر المطلق، فأحب أقولك إنك عايش في وهم. الخطة اتنفذت بالضبط زي ما مولانا رسمها، من أول مكالمة التليفون لحد القضاء على كل من له علاقة باللواء أيمن. كلهم اتسمموا وخلال لحظات هيكونوا انتهوا.

على الجانب الآخر، سقطت «أسماء» على الأرض من شدة الألم، وتحرك «أيمن» نحوها بصعوبة، بعدما أصابه هو الآخر ألم حاد.

نطق بصوت شبه مسموع:
- أسماء...

لكن جسده خانه، فسقط من شدة الإعياء. حاول الزحف على ركبتيه ويديه وكأنه يقاوم الموت نفسه، إلا أن قواه خذلته، فسقط على جانبه الأيمن دون حراك.

وفي الطابق العلوي، كان «بارق» يمسك بيد زوجته، التي خرج سائل أبيض من فمها، بينما كان يردد بضعف:
- ردي عليا يا تنة! ردي عليا.

وسرعان ما تمكن الألم منه هو الآخر، فرفع بصره إلى الأعلى وهمس:
- أشهد أن لا إله إلا الله... وأشهد أن محمدًا رسول الله.

استكملت «تاليا» حديثها بعد أن سقط «أحمد» على ظهره وخرجت رغوة بيضاء من فمه:
- أنت طيب يا أحمد وملكش ذنب غير إنك من عيلة أيمن وطيف. أنا ريحتك من الحياة كلها.

نطق بصوت يكاد لا يُسمع:
- بـ...ـس أنا حــ..ـبيتك.

ابتسمت من جديد وقالت:
- وأنا ضحكت عليك علشان أوصل لأهلك.

ثم انخفضت ومسحت على رأسه وهي تقول:
- ششش متتعبش نفسك يا حبيبي. استسلم لقدرك. أنا عملت فيك معروف، لحظات ومش هتحس بأي حاجة.

على الجانب الآخر، كان «طيف» يزحف على بطنه بصعوبة نحو ابنته التي سقطت بجوار شقيقها، وقد خرجت الرغوة البيضاء من فميهما.

زحف وهو يبكي بألم وعجز:
- قا...ـيد، ميــ..ــلا، حبايبي!

"قـــبــــل يـــــوم"

تحركت «فاطمة» بخطوات ثابتة نحو المقابر، وتوجهت تحديدًا إلى قبر تعرفه جيدًا. وهو قبر شقيقتها.

وقفت أمامه مباشرة وقالت:
- إزيك يا فاطمة؟ وحشتيني يا أختي يا حبيبتي. معلش اتأخرت عليكي بس كنت مشغولة جدًا الفترة الأخيرة. أختك «ريم» نجحت في خطتها، وقدرت تدخل بين أفراد الفريق من غير ما حد يشك فيها. كلهم واثقين فيا دلوقتي وده بالضبط اللي كنت مستنياه.

التقطت أنفاسها ثم تابعت:
- استريحي يا حبيبتي، هاخدلك حقك منهم كلهم زي ما كانوا السبب في موتك، هكون أنا السبب في موتهم كلهم. هقتلهم واحد واحد بطريقة محدش يتخيلها ولا يتوقعها لدرجة إن العالم كله هيحكي عن الطريقة اللي ماتوا بيها. كنتِ بتقولي إن «رماح» بيحبك؟ ده أكبر كداب. جاتله فرصة إنك ترجعي لحياته من جديد لكنه اختار يتخلى عنك وده دليل إنه عمره ما حبك فعلًا. متقلقيش أنا هخليه يشوف الموت بعينه زيهم بالضبط.

تقدمت خطوة أخرى، ووضعت يدها فوق القبر وهي تقول بعينين دامعتين:
- لغاية ما نتقابل مرة تانية مش عايزاكي تخافي. أنتِ مش لوحدك، أنا جنبك ومش هبعد عنك تاني أبدًا.

تمت بحمد الله 

تعليقات