رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
تبدأ رحلة تصحيح الأخطاء حين يمتلك الإنسان الشجاعة الكافية للاعتراف بأنه أخطأ، فمن تلك اللحظة تنطلق أولى خطواته نحو تقويم أفعاله وإصلاح ما أفسده. ولعل إحدى أبرز مساوئ النفس البشرية براعتها الفائقة في تبرير أخطائها، وإقناع صاحبها بأنه كان على صواب حتى ولو حاد عن الحق. لذلك فإن نجاح المرء في تجاوز هذا الحاجز ومواجهة نفسه بصدق يُعد بداية مرحلة جديدة من حياته فالتغيير الحقيقي يبدأ حين نرى أنفسنا على حقيقتها، لا كما نحب أن نراها، ومن يملك بداخله صوتًا لا ينفك يحاسبه كلما أخطأ، يعاتبه كلما زلت قدميه، و يعيد اتزانه كلما حاد عن الصواب، فهو من الذين نجوا من ظُلمة القلب حين تستوطنه الأهواء. فالضمير هو منارة الإنسان وسط تقلبات الحياة، وقاضٍ لا يقبل الرشوة ولا يفاوض في الحق.
أما عن أولئك الذين يرتكبون من الأخطاء كل ما هو فادح دون أي رادع، أولئك الذين لا تؤرقهم وخزات الندم، فهؤلاء قوم دفنوا ضمائرهم تحت ركام أهوائهم حتى اندثر صوتها إلى الأبد.
فحين يموت الضمير يصبح الخطأ يسيرًا مهما بلغت فداحته، ويرتدي الباطل ثوب الحق في أعين فاعليه. وقد يكون هذا الأمر من مظاهر الظلم في الحياة، فلو كان الظالم مُنصفًا في حق نفسه ولو قليلًا لما كان أهلكها بكثرة المعاصي، و لأدرك أن الشر الذي يصنعه اليوم ليس إلا البذرة الأولى لهلاكه في الغد. حتى هذه الحقائق التي تبدو مؤلمة الآن قد تكون سببًا للنجاة فيما بعد، ولكن النجاة مِنحة قد لا يستحقها الجميع، فبعض النفوس تستحق أن تظل في طغيانها حتى يأتي ذلك اليوم الذي تواجه فيه نتائج أفعالها دون مهرب و ذلك ليعلم كل إنسان بأن حصاد اليوم ماهو الا زرعته البارحة وأن كل ساق سيُسقى بما سقى
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أنتِ توبجي مرته! كيف ده؟
هكذا تحدثت نجاة بذهول لتُجيبها صافية بدهاء:
ـ لو مش مصدجاني تجدري تسأليه…
بهتت ملامحها و شحب لونها من حديث صافية الذي كان يقطر ثقة و كأنها متأكدة من تواصلها مع هذا الرجل، و بشق الأنفس حاولت الحديث لنفي هذه التهمة عنها لتقول بمراوغة:
ـ وه. أسأل مين؟ أنتِ عايزة تجولي ايه؟ بتتهميني بأيه؟
كانت شفافة للحد الذي مكن صافية من أن ترى كذبها بوضوح لتقول الأخيرة بسخرية:
ـ تهمة ايه كفالله الشر! هو أني جولت ايه؟ أني بجولك أسألي أبوكي إذا كنت بكذب ولا لاه!
نجاة باندفاع:
ـ أسأله كيف واني بشوفه عشان أسأله!
ذمت صافية شفتيها وهي تحرك رأسها في حركة آسفة قبل أن تقرر الحديث بصراحة:
ـ أكده يوبجى لازمن تسمعيني زين. اذا مكنتيش بتتحدتي ويا رماح يوبجى دا هيحصول وجريب جوي. لأن رماح مبيضيعش وجت و مليون في المية هيحاول يستغلك لحسابه.
سقطت الكلمات فوق قلبها كصخورٍ مُدببة آلمتها بقوة، فهي بشكل أو بآخر تشعر بأن هذا هو السبب الحقيقي لمكالماته لكنها كانت تكذب حدثها، و بداخلها يتمنى لو أن والدها يحمل بعض الحب في قلبه لأجلها ولكن يبدو أنه مجرد بيدق في لعبته فقط.
ـ جولي اللي عندك مرة واحدة.
ذلك الحزن الذي يغلف نظراتها و ملامحها كانا خير دليل على ظنها لذا قررت أن تضعها أمام مرآة الحقيقة لتقول بنبرة رصينة:
ـ تعالي اجعدي يانچاة، و خليني أجولك أن ربنا بيحبك عشان مكبرتيش مع الشيطان ده. صدجيني رماح دا الشيطان لما يكره، و أسوأ مليون مرة من الشيطان لما يحب. أني الحب الوحيد الحقيقي اللي في حياته و مع ذلك شوفت منيه أذى مشوفتوش من عدوي…
أطاعتها لتجلس في المقعد المقابل لها وهي تستمع إلى حديثها الذي نبش فضولها و استحوذ بكامل انتباهها لتقول باستفهام:
ـ عِمل فيكِ إيه؟
صافية بمرارة و كأن صبارًا نبت في جوفها:
ـ جتلني. موتني بالحيا. شوفت چنازتي وهي طالعة و الناس عم تبكي و تنوح عليا واني عايشة. عشت أكتر من نص عمري وأني بتحسر على شبابي اللي بيضيع بين أربع حيطان، وبابا مقفول بستين قفل.
كت بشوف الشمس من شباك أوضتي و مجدراش انزل كيف باجي البشر امشي في ضلها.
لم تندهش بقدر ما تألمت لحديث صافية التي تابعت بتحسُر:
ـ كت بنام عين صاحية وعين نايمة. جبل ما أدوج الوكل ولا اشرب بق المية لازمن أخلي الخدامة تدوج لول ليكون عايز يخدرني عشان ياخد مني غرضه.. كنت كتير أجوم من نومي مفزوعة واني سامعة بكى و نواح، وصراخ و كأن اللي بيصرخ دا بيدوج العذاب ألوان..
رغمًا عنها تساقطت بعض عبراتها جراء تلك الذكريات المؤلمة لتُتابع بأسى:
ـ ياما كتييير فكرت أجتل حالي و أخلوص. بس الكُره اللي چوايا ليه كان بيمنعني، وأجول لنفسي هتموتي نفسك يا حزينة من غير ما الكلب ده ياخد چزاته! هتموتي تاني بس المرة دي مش هتلاجي حد لا يبكي ولا ينوح عشانك! عيشتي وحيدة و هتموتي وحيدة! كنت برفع يدي وأجول يارب ما اموت اهنه. يارب عوضني اني أموت وسط أهلي بدل معشتش وسطيهم، و اندفن جار أبويا و أمي…
تدحرجت عبرات نجاة فوق خديها تأثرًا بحديث صافية عن مدى بشاعة ذلك الرجل الذي ظنت لوهلة بأنه قد يملك أي مشاعر تجاهه، ولكن هل شخصًا بهذا الجروت قد يكون بداخل قلبه مكانًا للحب ؟
ـ طيب ليه يعمل فيكِ اكده؟ يعني أجصد ليه أنتِ؟
هكذا استفهمت نجاة لتبتسم صافية بمرارة وهي تجيبها بأسف:
ـ غلطة واحدة غلطها و أني ستاشر سنة. دفعت تمنها عمري كله. اني حبيت رماح. حبيته من غير ما اعرف هو مين؟ ولا ابن مين؟ ولما عرفت كان الحب لستاته عاميني، و وجفت جدام ابوي و جولتله أن رماح غير أبوه، وأن التار اللي بيننا خلاص انتهى من زمان. أبوي كان راچل حنين بالرغم من هيبته و قوته. جالي أنه البذرة فاسدة من اللول، و أني منتظرش خير من شيطان، و عرفت بعد أكده أنه بيتاچر في الممنوعات، و جتال قتله، وغيره وغيره وغيره.
انكمشت ملامح نجاة بذهول لتوميء صافية برأسها قائلة:
ـ في اللول كانت صدمتي زيك واكتر كماني. لكن بعد أكده اتوكدت من كل حرف سمعته، و وجتها قررت أدوس على جلبي و أنساه. لكن هو مجبلش أكده و عِمل المستحيل عشان يثبتلي أنه راچل زين. بس كان جلبي قفل، وجولتله اني هتچوز راچل بحق و حجيجي، و دي كانت أكبر غلطة غلطها في حياتي، ودفعت تمنها سنين..
صمتت لثوان تمحي عبراتها قبل أن تُتابع بألم:
ـ خطفني من اهلي كيف ما أبوه خطف اختي زمان. تخيلي أن يوبجالك أخت تؤم عايشة و أنتِ متعرفيش عنيها حاچة. اغتصبها و جتلها و حطها مكاني و تهم فيها ربيع أبو ياسر و هيام، و دفنوها على أنها أنا.. تخيلي تشوفي چنازتك ماشية جدامك، و عيلة كاملة تتفركش، وابوكي يموت بحسرته عليكِ..
كان رأسها يكاد ينفجر من شدة الصدمات التي تلقتها اليوم لتقول بنبرة لا روح فيها:
ـ عمل كل دا. عشان بيحبك! اومال لو بيكرهك بجى كان عِمل أيه؟
صافية بمرارة:
ـ أديكي جولتيها… تخيلي عِمل كل دا فيا وهو بيحبني. هيعمل أيه ويا اللي بيكرهه؟ الراچل دا عمره ما بييچي من وراه خير أبدًا، و الغلطة معاه مبتبجاش هينة أبدًا، و ممكن تجعدي عمرك كله تدفعي تمنها كيف ماني عملت.. فكري في حديتي زين، وانفدي بچلدك. صدجيني إن رچلك ذلت في طريجه هتبكي بدل الدموع دم، ومش هيشفق عليكِ بردك…
أنهت صافية حديثها و نصبت عودها وهي تلقي نظرة أخيرة على نجاة التي كانت الذهول الممزوج بالألم مرتسم على ملامحها من هول تلك الحقائق التي عرفتها عن والدها المزعوم لتشعر بأن الكون بأكمله لا يتسع لأنفاسها التي ضاقت وهي تتخيل مدى حقارته التي لم ترى لها مثيل، و تتمنى من كل قلبها لو أنها تفقد الذاكرة حتى تنسى أنها تحمل دماء هذا الرجل..
انتفض جسدها بفزع حالما سمعت صوت رنين هاتفها لتنحبس الأنفاس بصدرها حين رأت رقم هاتفه، فأصابتها حمى الارتجاف و أخذ قلبها يدق بعُنف، وكأنها تقف أمام وحش سيُجهز عليها بأبشع الطرق لتقوم برفض المكالمة واغلاق الهاتف ثم هرولت إلى مخدعها لتتدثر أسفل الأغطية وهي تبكي و تشهق بعُنف و كل خلية في جسدها تنتفض من فرط الذعر….
اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك، واحفظني بعينك التي لا تنام، واسترني بسترك الجميل، واصرف عني الحسد والعين وسوء القضاء. 🩵
★★★★★★★★
ـ ايه الجمال دا يا ياسر؟ كل دا عشاني أنا؟
هكذا هتفت غنى بانبهار وهي ترى كل تلك الزينة التي تملأ المكان، و قالب الحلوى الكبير الذي تزينة صورتها، فقد كانت أروع مفاجأة رأتها في حياتها، فاغرورقت عينيها بالعبرات ليمد ياسر أنامله و يمحي عبراتها بحنو تجلى في نبرته وهو يقول:
ـ مش عايز أشوف دموعك دي تاني يا غنى. عايز ضحكتك هي اللي تنور ايامي من هنا ورايح.
غنى بنبرة مُتحشرجة:
ـ دي دموع الفرحة يا ياسر. أنا أول مرة في حياتي أعيط من كتر الفرحة.
احتوى خصرها بين يديه وهو يزيح خصلاتها المتمردة خلف أذنها قبل أن يقول بنبرة عاشقة:
ـ وعد عليا ودين أن طول مانا عايش مش هخليكي تشوفي غير الفرحة وبس. عمري ما هسيبك يوم تنامي زعلانة، ولا يسمح لأي حاجة أو أي حد أنه يفكر يضايقك. متعرفيش أنا بحبك قد ايه يا غنى؟
أحاطت عنقه بذراعيها وهي تقول بدلال:
ـ قد أيه يا عيون غنى؟
اقترب مداعبًا أرنبة أنفها بأنفه وهو يقول مازحًا:
ـ أنا حاسس انك بتغريني.
شاركته المزاح قائلة:
ـ حاسس مش متأكد! دانا بقول انك لماح طول عمرك…
قهقه ياسر على حديثها قبل أن يمد يده و يبعثر خصلاتها مازحًا وهو يقول:
ـ أنتِ ملكيش حل…
تعالت ضحكات الثنائي لتقترب غنى وتلهو بمقدمة قميصه وهي تقول بتخابث:
ـ معرفش ليه يا ريس أنا كمان حاسة أن في حاجة كدا نفسك تقولها و خايف!
ياسر باستنكار:
ـ عايز اقولها و خايف! خايف من مين بقى أن شاء الله ؟!
رفعت أحد حاجبيها وهي تقول بتهديد مبطن:
ـ يعني تكون خايف لا أجنن و أبهدل الأجواء اللي أكيد تعبت في عمايلها دي…
لم يستطِع قمع ضحكاته على حديثها الذي كان يحمل الكثير من الصواب مما جعله يصارحها القول:
ـ والله يا غريبة قلبي أن جيتي للحق أنتِ جنانك يتخاف منه..
ضحكة صاخبة خرجت من بين شفتيها زعزعت ثباته الذي لطالما كان الطرف الخاسر دائمًا أمامها ليسمعها تقول بدلال:
ـ لا مانا خلاص عقلت، وهحاول أمسك نفسي و متجننش، و خصوصًا أني مش هلاقي مثلًا مثلًا يعني سمكة قرش طالعالي من البحر تقومك عليا.
حرك ياسر رأسه بتهكم قبل أن يقول ساخرًا:
ـ طب مثلاً مثلًا يعني مش ممكن نحاول نتحمل سمكة القرش دي و خصوصًا أننا عارفين انها طيبة بس بتغير شوية..
غنى بتذمر:
ـ تقصد شويتين تلاتة عشرة. خلينا بس نكون واضحين في كلامنا…
جذبها ياسر ليجلس على المقعد أمام طاولة الطعام وهي بين ذراعيه ثم جذب قداحته و أشعل الشمعة التي تتوسط قالب الحلوى وهو يتمتم مُتهكمًا:
ـ احنا نحتفل الأول و ناكل التورتة أصل مش ضامن ألبسها في راسي ولا حاجة..
غنى باستفهام:
ـ بتقول ايه؟
ياسر بنبرة خشنة:
ـ اتمنى أمنية….
أغمضت غنى عينيها و تمنت أن يأتي عيد ميلادها في السنة القادمة و معها طفلًا منه يكن ثمرة عشقهم.
ـ اتمنيت..
استفهم ياسر قائلًا:
ـ اتمنيتي أيه؟
غنى بتهكم:
ـ اتمنيت سمك القرش اللي في البحر دا كله يختفي وميبقاش غيري أنا و أنت… اه و ياريت القراميط هما كمان يختفوا…
أطلق ياسر قهقهات صاخبة على حديثها، فقد كان يعلم إلى ما تشير ليقول من بين ضحكاته:
ـ طبعًا القرموط دا يزيد.
غنى بسخط:
ـ دانا كرمته كمان. الواطي عملتله المحمر والمشمر و بردو بيقول على أكل هيام احلى من أكلي.
تعالت ضحكاتهم لدقائق قبل أن يمد ياسر يده و يمسك كفها الناعم ليضع قبله دافئة فوق راحته وهو يقول بعشق:
ـ سنة حلوة يا غنى. سنة حلوة يا قلبي. سنة حلوة سنة حلوة. سنة حلوة يا حياتي…
صمت لثوان و هو يعيد الكرة و يضع قبلاتٍ. متفرقة فوق كفيها ثم رفع رأسه قائلًا بنبرة عاشقة:
ـ كل سنة و أنتِ معايا وفي حضني يا غريبة قلبي..
غنى بتأثر:
ـ و أنت طيب يا قلب الغريبة و نور عينها…
تبدلت ملامحها فجأة لتقول بحدة:
ـ نيجي بقى لموضوع هيام اتفضل قول اللي عندك…
ياسر بصدمة:
ـ ايه يا بت أنتِ بتتحولي كدا ازاي ؟
غنى بتهكم:
ـ قدرات.. يالا يا ياسور يا حبيبي قول اللي عندك..
تحمحم ياسر قبل أن يقول بجدية:
ـ بصي يا بنت الناس. أنتِ مراتي و حبيبتي وفي عيني و قلبي وفوق راسي، و هيام أختي و في مقام أمي، و اغلى عندي من نفسي. لو مكنتش هيام مكنش زماني ياسر اللي قدامك دا.
أوشكت على الحديث، فوضع يده فوق فمها يمنعها ليتابع بتعقل:
ـ عارف انك مجتيش عليها، و مش بلومك أبدًا على حاجة، و عارف انك بنت أصول وبتشتريني، وأنا بعمري شاريكِ يا غنى. بس متعشم فيكِ شوية..
كانت كلماته حانية كالبلسم الذي جعلها تهدأ وهي تجيبه بصدق:
ـ واني عنيا ليكِ يا ياسر.. شوف عايز أيه وانا هعمله..
ياسر بحب وهو يقبل جبهتها:
ـ ربنا يخليكِ ليا يا حبيبة قلب ياسر. أنا كل اللي طالبه منك تكبري دماغك شوية. هيام بتغير عشان عارفة قد أيه أنا بحبك. اعملي نفسك مش سمعاها، ولو حاولت تستفزك فوتي عليها الفرصة. طبعًا دا مش معناه اني هسمحلها تغلط فيكِ، أو تقل منك. لازم تفهمي أن كرامتك من كرامتي..
اومأت غنى برأسها وهي تقول بخفوت:
ـ حاضر. اوعدك هحاول اتجاهل استفزازها. بس انت كمان متسمعش كلامها لما تحاول تقومك عليا..
ياسر بنبرة خشنة:
ـ من الناحية دي متقلقيش، وعلى فكرة أنا عرفت اللي هي عملته لما كنت في الحبس، و مش هعديهولها عشان تفكر ألف مرة قبل ما تعمل كدا تاني..
أضاءت ملامحها ابتسامة عذبة حين شعرت بأنه لا يسمح لأي شيء أن يؤذيها لذا قالت بنبرة عاشقة:
ـ ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا ريس…
غازلها قائلاً:
ـ والله انت اللي ريس…
ابتسمت بصخب ليقاطع ابتسامتها شهقة قوية حين حملها ياسر بغتةٍ وهو يقرب رأسه من رأسها قائلًا:
ـ أنا بقول نأجل التورتة دلوقتي و نشوف حوار الغُريبة اللي مجننة أمي دي….
تعالت ضحكاتها الصاخبة من حديثه ليأخذها إلى أحد غرف اليخت ليُبحر معها في بحور السعادة التي يستحقها كلاهما بعد طول عناء غافلين عن تلك الأعيُن التي تنظر إليهم عبر المنظار من أحد الأماكن المرتفعة وهي تتوعد لهم بالهلاك قريبًا
اللهم إني أستودعك نفسي وأهلي وبيتي ومالي وكل ما أنعمت به عليّ، فاحفظني بحفظك الذي لا يضيع، واكلأني بعينك التي لا تنام، واكفني شر الحاسدين وكيد الكائدين ومكر الماكرين 🩵
★★★★★
ـ مامي حضرتك لسه زعلانه مني؟
هكذا تحدثت رنا إلى أشجان التي احتوتها بين ذراعيها وهي تقول بحُب:
ـ مفيش أم بتزعل من بنتها، وأنتِ بنتي و نور عيني و حبيبتي مقدرش ازعل منك..
عانقتها رنا بقوة، فقد كانت تحتاج إلى هذا العناق كثيرًا عله يمحو تلك الحيرة التي تتقاذفها إلى جهاتٍ كثيرة و جميعها لا تشعر نحوها بالأمان، مما جعل عبراتها تتساقط بغزارة لتشعر أشجان بسائل ساخن يبلل ملابسها، لتتراجع عنها و تهتف بلهفة:
ـ رنا حبيبتي أنتِ بتعيطي؟
التصقت بها رنا وهي تقول بتوسل:
ـ بليز سبيني في حضنك شوية. أنا مخنوقة أوي، و مبحسش بالأمان غير لما بتحضنيني أنتِ وبابا..
شددت أشجان من عناقها حتى تبثها الأمان الذي تحتاجه، وقد بدأ الذنب يزحف بداخلها تجاهها لتقول بحنو:
ـ مالك يا رنا ؟ فيكِ أي احكيلي مش احنا اصحاب؟
لم تعرف كيف تصيغ مشاعرها أو تعبر عن ذلك الخوف و الحيرة بداخلها لتقول بنبرة خافتة:
ـ أنا متلخبطة اوي. في حاجات كتير مش فهماها. في حاجات كتير بتحصل مش عارفة هي صح ولا غلط.
جذبتها أشجان لتجلس على الأريكة و جلست هي بجانبها ويديها تحتوي كفوف رنا ثم قالت بحب:
ـ تعالي نتكلم واحدة واحدة. أول حاجة طبيعي انك تحسي بشوية لخبطة و خوف لأنك في مرحلة جديدة من حياتك. اتعرفتي على ناس جديدة. حياتك بقت مفتوحة أكتر. لكن المهم انك تحافظي على فطرتك السليمة و متخليهاش تتلوث بأي أفعال ممكن تغضب ربنا. لازم تفهمي أن الغلط غلط حتى لو كل الناس عملته.
رنا بحيرة:
ـ طيب ما يمكن أنا اللي مش فاهمة. او الأفعال دي متكونش غلط، وانا اللي لسه صغيرة أو أوفر…
أشجان بتوضيح:
ـ بصي يا رنا. الصح الإنسان بيعمله قدام الناس كلها و مبيهموش. إنما الغلط دايمًا بيتعمل في الدرا. تلاقي اللي بيعمله خايف لا حد يشوفه. او يعرف أنه بيعمل الفعل دا. يعني مثلًا أنتِ لو بتصلي هتخبي أو هتتكسفي تقولي دا؟
ـ أكيد لا ..
أشجان باستفهام:
ـ طيب لو بتشربي سجاير هتقولي ولا هتخبي؟
رنا بلهفة:
ـ أكيد طبعًا هخاف أقول، و هتكسف كمان. بس السجاير دي حاجة معروف أنهع مش صح. في حاجات تانية بتكوني محتارة فيها..
أشجان بتعقل:
ـ حلو دا. خلينا نتفق على حاجة حلوة اوي هتريحك من الحيرة دي. أنتِ قبل ما تعملي ايه حاجة تسألي نفسك هل اللي أنا هعمله دا ربنا هيكون راضي عنه ولا لا؟ لو ربنا هيكون راضي عنه يبقى اللي هتعمليه دا صح اعمليه.. لو ربنا مش هيكون راضي عنه يبقى دا قطعًا غلط، و اوعي تعمليه..
رنا بلهفة:
ـ طيب لو أنا بسمع كلام عن حد من حد تاني. يعني حد بيشتم على حد من وراه بس من قدامه بيعامله حلو اوي. هل دا كدا منافق ولا دي مجاملات عادية..
أشجان بصرامة:
ـ لا طبعًا دا نفاق. النفاق اني اتعامل مع الناس بمنتهى افود والحب وبمجرد ما يمشوا اقطع في فروتهم. لكن المجاملة اني اتعامل بذوق من الناس كلها اللي بحبهم واللي مابحبهمش من غير ما اقعد اجيب في سيرتهم.
صمتت رنا تدير الحديث في رأسها وقد بدا عليها الاقتناع لتقول أشجان باستفهام:
ـ الكلام دا عني صح؟ أنتِ سمعتي حد بيتكلم عني وحش ومن قدامي كويس!
ارتبكت رنا لثوان قبل أن تقول بتلعثم:
ـ هو صح. بس أنا مينفعش أقول مين. لكن أنا والله كنت بقول انك كويسة أوي. بس…
أشجان باستفهام:
ـ بس ايه؟
رنا باندفاع:
ـ هو أنا ينفع اطلب منك طلب؟
أشجان بلهفة:
ـ طبعًا اؤمري..
رنا بتوسل:
ـ ممكن تخلي علاقتك حلوة أنتِ و خالتو زينة و عمتو نبيلة.. أنا بحبهم و بحبك و مابحبش احس اني واقفة في النص بينكوا انتوا اللتنين..
صمتت أشجان لثوان، فقد كانت تعلم بأن تلك المرأة لها يد بما يحدث بينها وبين رنا و على الرغم من غضبها منها ولكنها لن تجعلها تنتصر عليها لذا قالت بذكاء:
ـ حاضر. اوعدك هحاول أقرب منها و أصاحبها كمان عشان خاطرك..
رنا بلهفة:
ـ بجد؟
أشجان بحنان:
ـ بجد. هعمل ايه بقى اذا كنت بحبك…
اندفعت رنا تعانقها بقوة وهي تقول بسعادة:
ـ أنا كمان بحبك أوي…
تركت رنا في غرفتها و توجهت لرؤية أطفالها الصغار و دثرتهم جيدًا بالأغطية ثم توجهت إلى غرفتها وهي تشعر بشوقٍ كبير إليه، فهي لم تأتي إلى هنا بدونه أبدًا، فدائمًا ما يكون معها يغمرها بحنانه وحبه، وهاهي الآن تشعر و كأن الليل يأتي ليُعذبها و يذكرها بأثمن هدايا القدر الذي أضاعتها برعونة.
فتحت باب الغرفة وهي تطلق تنهيدة مختنقة سرعان ما تحولت لشهقة قوية حين رأت ذلك الظل الذي يقف أمام النافذة في الظلام إلا من ضوء القمر الذي كان يغمر جانبه الأيمن لتنحبس الأنفاس بصدرها لثوان قبل أن تحتاجها فرحة عارمة حين التفت يناظرها، فأخيرًا القدر ترفق بها وها هو أمامها، بل و يقترب منها بخطواته الواثقة و طلته المهيبة واضعًا يديه في جيوب بنطاله لتلتمع سماء عينيها بنجوم الحب وهي تطالعه بداية من خصلات شعره التي كانت تلتمع في ضوء القمر مروراً بملامح وجهه التي وإن اخافها الظلام، ولكنها تكاد تقسم بأن عينيه كانت تبتسم تلك البسمة التي تُذيب عظامها لتأتي نبرته الخشنة و تضرم النيران في ثباتها حين قال:
ـ مش هنجمد شوية بقى!
كانت كلماته تداعبها بالرغم من خشونة نبرته، لتحاول قمع فرحتها قدر الإمكان وهي تجيبه مدعيه الغضب حين قالت:
ـ و أنت بقى مش هتبطل تقف في الضلمة و تخضني كل شوية!
ارتفع أحد حاجبيه باستهجان و ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغره قبل أن يقول بسخرية مبطنة بالوعيد:
ـ كمان بقيت أنا اللي غلطان!
أرادت مشاكسته قليلًا لذا قالت ببراءة:
ـ أيوا طبعًا غلطان، ولازم تصلح غلطتك كمان..
لم تكد تنهي جملتها حتى امتدت أنامله الخشنة لتقبض على خصرها ليقربها إليه حتى تعانقت ضلوعهم و تلامست أنوفهم ليهمس بصوتٍ أجش:
ـ طب تعرفي أنتِ بقى تعدي غلطاتك عشان تصلحيها؟
تزاحمت أنفاسها و اهتاجت دقات قلبها من قربها المهلك، لتهمس بخفوت:
ـ بتقول ايه يا خالد؟
خالد بخشونة أذابتها و أنفاسه الساخنة تلفح بشرتها الناعمة:
ـ بقول عدي غلطاتك. عشان هتصلحيها واحدة واحدة…
ابتسامة رائعة ارتسمت فوق ثغرها قبل أن تقول بدلال:
ـ طب مش ممكن اعتذر عنهم كلهم و تسامحني وخلاص؟
حرك خالد رأسه في كلا الجهتين بمعنى لا لتهتف أشجان بعتب:
ـ أنت بقيت صعب كدا ليه؟
جذبها خالد ليجلس فوق المقعد الذي يحتل الجانب الأيمن من النافذة ليغمرهما ضوء القمر وهي بين يديه و عينيها تعاتب عينيه ليُجيبها بنبرة رخيمة:
ـ لسه الصعب جاي…
أشجان بتذمر:
ـ أنت بتخوفني بقى!
زمجر خالد مُحذرًا:
ـ متغيريس الموضوع، ويالا سمعيني غلطتي في أيه؟
اقتربت أشجان بخجل لتضع رأسها فوق صدره الذي كانت دقاته الجنونية تتغنى بعشقها لترفع أحد كفوفه و تقوم بالعد عليها قائلة بنبرة خافتة:
ـ غلطت مرة عشان خدت حبوب منع الحمل، و مرة عشان مش جريت اترميت في حضنك قولتلك على اللي مخوفني، و مرة لما سبتك تفضل زعلان مني كتير ، و غلطت ألف مرة عشان سبت البيت و مشيت. حاجة تاني؟
قالت جملتها الأخيرة بدلال أرهقه كثيرًا، و خاصةً أفعالها التي كانت تهاجم ثباته بشراسة، ولكنه حاول بقدر الإمكان أن يواصل لعبته معها ليقول بنبرة خشنة:
ـ طب و ايه الحل بقى عشان نصحح الغلطات دي كلها؟
فاجأته حين قالت بعفوية:
ـ معنديش حل صراحة. لو عندك قول….
قهقه خالد بصخب على حديثها و طريقتها العفوية في الحديث لتلتمع عيونها بإعجاب من وسامته التي ضاعفتها ضحكته الرائعة لتُفلت الكلمات من بين شفاهها دون أن تعي:
ـ ضحكتك حلوة اوي. ينفع متكشرش تاني؟
جملتها اخترقت جميع حصونه ليجيبها بصوتٍ أجش:
ـ ينفع.. كل اللي تعوزيه ينفع حتى لو كان مستحيل..
احتوت وجهه بين كفوفها بحُب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ وحشتني، و زعلانه منك…
ارتج قلبه لكلمتها ولكن جاءت جملتها الأخيرة لتجعله يرفع أحد حاجبيها باستنكار لتُتابع هي بجدية زائفة:
ـ اتفضل الدور عليك. عشان تعد غلطاتك…
توسعت عيني خالد بصدمة قبل أن يقول باستنكار:
ـ نعم! مين دا اللي يعد غلطاته؟ الوحش ميتقالوش كدا يا قطة…
أشجان بدلال تعرف جيدًا أنه سيؤثر به كثيرًا:
ـ ماهو أنا مش أي حد بردو. أنا المدام بتاعت الوحش يعني ليا كل الصلاحيات مش دا كلامك النهاردة الصبح ولا ايه؟
اتسعت ابتسامته حتى بانت تلك الحفرة العميقة في خده فتضاعفت وسامته أكثر ليلمع الخُبث في نظراته، فقطته أصبحت مشاغبة كثيرًا وقد راق له هذا الأمر مما جعله يشاكسها قائلًا:
ـ و المدام بقى بتستغل صلاحيتها دي أسوأ استغلال…
أشجان بمزاح:
ـ حصل…
ابتسم خالد على حديثها ليشبك أناملها بين أنامله وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ طيب قوليلي ايه هي غلطاتي اللي ضايقتك..
أشجان بعفوية:
ـ بصراحة أنا مبزعلش منك. أنا مبزعلش من اللي بحبهم.. يعني ممكن اتضايق في وقتها بس بنسى على طول.
جذبها خالد بقوة إلى أحضانه واضعًا قبلة دافئة فوق خصلات شعرها قبل أن يقول بصوتٍ أجش:
ـ اعمل ايه في طيبتك اللي تاعبة قلبي دي؟
أشجان بخفوت:
ـ يعني كنت هتفضل اني اكون شريرة؟
صمت خالد لثوان وهو يتخيل أنها تشبه إحدى شقيقاته؟ فشعر بالنفور الكبير على الرغم من أنه يحبهم ولكن الشر و الكراهية والحقد أمور لا يستطيع تحملها لذا هتف بقوة:
ـ لا طبعًا. أنا بس عايزك تكوني قوية. مش عايزك تخافي من حد، واعرفي دايمًا أن أنا في ضهرك.
أشجان باستفهام:
ـ حتى لو غلطت؟
خالد بتأكيد:
ـ حتى لو غلطتي. أنا معاكِ هقومك لكن عمري ما هكسرك ولا هسمح لحد يمس شعرة منك.
تضاعف عشقها له في هذه اللحظة وودت لو تصرح بعشقها له أمام العالم أجمع، ولكن كان هناك شيئًا داخلها أرادت الإفصاح عنه لتقول بخفوت:
ـ طب ينفع أقولك عن حاجة غاظتني منك؟
ابتسم خالد بهدوء قبل أن يقول لها:
ـ قولي..
أشجان بانفعال:
ـ أنا هطق منك. ازاي أقولك اني حامل تقوم اول حاجة تقولهالي قولتي لرنا؟ ايه رد الفعل السخيف دا؟
تفاجئت حين قهقه خالد على حديثها بصخب لتشعر بالغضب يتضاعف داخلها فذمت شفتيها بضيق ليقول من بين قهقهاته:
ـ طب أقولك على سر؟ أنا فعلًا استغربت ازاي أنا قولت كدا..
أشجان بتهكم:
ـ طب كويس والله ان انت نفسك استغربت.
هدأت ضحكاته و مرت لمحة من الحزن داخل عينيه قبل أن يقول بنبرة جافة يتخللها الحزن:
ـ تعرفي أنا بقالي قد أيه مستني اسمع الخبر دا منك؟ أنا من كتر ما كان قلبي متعلق بالخبر كدا كنت مفكر اني مش هسمعه أبدًا..
أطلق تنهيدة قوية من جوفه وهو يتابع بنبرة جريحة مُعذبة:
ـ أنا دفنت ابني بايدي وهو حتة لحمة حمرا. استحالة هنسى الوجع اللي كان جوايا وقتها. وجع فضل عايش جوايا سنين وسنين، و خصوصًا أني كنت رافض الحياة بكل ما فيها. يعني أمنيتي أن يكون عندي ولد دي كانت أشبة بالمعجزة، فكنت فاقد الأمل في كل حاجة في الدنيا. لحد ما قابلتك.
أدار رأسه ناظرًا إليها وهو يتابع بنبرة مُتحشرجة:
ـ غرستي الأمل جوايا من تاني، و رجعت احلم. يمكن مكنتش بقولك بس كل مرة كنت برجع فيها البيت أو بتجيلي أنتِ الشركة كنت أقول هتقولي أنها حامل، ويخيب أملي لما مكنتيش بتقولي.
صمت لثوان قبل أن يتابع بنبرة تعج بالألم:
ـ في اليوم اللي شوفت فيه حبوب منع الحمل في دولابك. حسيت بنفس الألم اللي حسيته لما دفنت ابني. بس المرة دي كان أصعب عشان المرة دي الخذلان جالي من ناحيتك أنتِ، وأنتِ الشخص الوحيد اللي كنت مآمنله في الدنيا دي..
تدفقت العبرات غزيرة من مقلتيها، فالآن عرفت مقدار حزنه ذلك اليوم ليمد يده و يمحو عبراتها بحنو وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ لما جيتي قولتيلي انك حامل. أنا للحظة مكنتش فاهم أنتِ بتقولي ايه؟ معقول! معقول المعجزة أتحققت أخيرًا؟ لأول مرة في حياتي مكونش عارف انا بقول أي لحد ما استوعبت، و بعد ما استوعبت. مكنش ينفع أصرخ واقول قدام الناس كلها أن أخيرًا حلمي أتحقق.
كوبت وجهه بين يديها وهي تقترب لتستند بجبهتها فوق خاصته لتقول من بين عبراتها:
ـ حقك عليا. أنا معرفش كل دا صدقني. أنا كنت جبانه وضعيفة. حقك عليا بجد.
لم تُفلح الكلمات في وصف ما يعتمل بصدره، ولا استطاعت تلك الهيبة القوية التي طالما احتمى بها أن تُخفي ما اجتاحه من مشاعر في هذه اللحظة، وهو الذي لطالما اعتادت القسوة أن تسكن ملامحه، واستوطنت الصرامة خطواته حتى خُيل لمن عرفه أن قلبه قد قد من صخرٍ لا تهزه الرياح ولا تنال منه العواصف، لتأتي هي و تجعل ذلك الصخر يلين.
اندفع نحوها كعطشانٍ أضناه الظمأ ليعثر أخيرًا على نبع ارتوائه فأخذ يقتطف ثمار الفراولة الطازجة من فوق ثغرها في شغفٍ أربك جميع حصونها، فبجانبها لم يعُد ذلك الرجل الذي يعرفه الجميع، ولم يكن سيد قراره ولا مالك زمام مشاعره، بل أسيرًا طائعًا لامرأة استطاعت أن تقتحم حصونه المنيعة دون سلاح، وأن تحتل تلك المملكة التي استعصت على الدنيا بأسرها، لقد كانت أشبه بربيعٍ باغت أرضًا قاحلة ظنت أنها خُلقت للجفاف، فإذا بها تزهر دفعةً واحدة. وكلما اقترب منها، شعر أن قسوته التي بناها عبر السنوات تتهاوى حجرًا إثر حجر، كقلعةٍ شامخة أرهقتها الحروب فلم تسقط، ولكنها انهارت أمام لمسةٍ ناعمة لم تكن في حسبانها.
و كعادته كلما يكن بجانبها يتعجب مما يفعله قربها به، فقد روضت ذلك الوحش بداخله وهو الذي عجز الجميع عن الاقتراب منه، حتى ذلك القلب الذي كان يواجه العواصف بشموخ صار يرتجف بين يديها كورقةٍ صغيرة تعبث بها نسائم الربيع. وما كان ذلك ضعفًا منه، بل ذلك النوع النادر من الحب الذي يصهر الجبال، ويجعل أكثر الرجال صلابةً يخلع دروعه بإرادته، ويهرول نحو مالكة قلبه أعزل إلا من قلبٍ امتلأ بها ولم يعد يرى سواها..
اللهم اصرف عني كل عينٍ نظرت بحسد، وكل نفسٍ أضمرت سوءًا، وكل قلبٍ امتلأ غلًا أو حقدًا، واجعل تدبيرهم في نحورهم، وأشغلهم بأنفسهم، واكفنيهم بما شئت وكيف شئت إنك على كل شيء قدير.🩵
★★★★
ـ بقولك ايه يا سوسو أنا محضرلك سهرة عشا إنما ايه هترجعك لأيام الصياعة..
هكذا تحدث عمر بمرح إلى سعاد التي أقنعها بشق الأنفس حتى تقبل أن تخرج معه لتجيبه ساخطة:
ـ احترم نفسك يا واد أنت. أنا أصلًا مكنتش عايزة أخرج معاك في حتة.
عمر بملل:
ـ ليه بس يا تيتا ؟
تذمر يزيد قائلًا:
ـ ما تخلي عندك نظر بقى جدتك دي وش صياعة بردو..
زجره عمر قائلًا:
ـ مش عجباك تيتا يا حيوان؟ دي كانت مزة في زمانها!
يزيد بتهكم:
ـ مين دي اللي كانت مزة! دي مناخيرها سبقاها بخطوتين! عشان كدا جدك مجبش إلا عيلين بس و اتكل..
عمر باستفهام:
ـ و أيه علاقة المناخير بالموضوع دا؟
يزيد بسخرية:
ـ هتلاقيه جه يبوسها شفطت الأكسجين كله جاله ذبحة صدرية في لحظة..
زجره عمر قائلًا:
ـ اسكت يا حيوان انت بدل ما أخرشمك..
تدخلت سعاد التي قالت بازدراء:
ـ اومال مين اللي معاك دا؟ اه مش انت الواد الكحيان اللي كنت موجود يوم ما رجعت صافية؟
يزيد بصدمة:
ـ كحيان! أنا كحيان! خد بالك جدتك بتغلط فيا، وانا ساكت عشان خاطرك.
حاول عمر تهدئة الموقف قائلًا:
ـ معلش امسحها فيا يا يزيد..
يزيد بغضب:
ـ متخلنيش ازعلها. الموقف دا لو كان حصل قدام جميلة كان زمان الهيبة اتبعزقت، و وقتها هفرج عليها الناس. والله افرشلها الملاية..
تدخلت سعاد باحتقار:
ـ بيقول ايه الواد دا ؟
أجابها عمر بلهفة:
ـ أبدًا يا تيتا بيقولي جدتك مزة..
رمقت سعاد يزيد باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ مزة! صدق تربية حواري بصحيح.
اهتاج يزيد و تمتم بجانب أذن عمر وهو يكاد ينفجر من الغضب:
ـ الولية القرشانة دي هزعلها. اومال لو كانت مناخيرها صغيرة شوية كانت عملت ايه؟
نهره عمر قائلًا:
ـ احترم نفسك و إلا موضوع المناخير دا. الموضوع دا حساس جدًا بالنسبة لعيلتنا..
يزيد بحدة:
ـ طب خليها تسكت أحسن ما نشبشب لبعض هنا.
عمر بلهفة:
ـ معلش امسحها فيا…
كان هذا الحديث أمام الباب الخارجي للمطعم، ليتفاجيء الثلاثي بشروق وخلفها جميلة يخرجن من المطعم والتوتر بادٍ على وجههم ليترك عمر مقعد جدته المتحرك ويقترب من شروق قائلًا بإعجاب:
ـ شروق. أيه الجمال دا؟
ـ ميرسي يا عمر…
اقترب يزيد من عمر وهو. يمسك بذراعه قائلًا:
ـ استنى رايح فين و سايب المزة أقصد جدتك..
عمر بلهفة وهو يجذب منه يده:
ـ سيبها تتوه..
تلعثمت شروق وهي تقول:
ـ بقولك ايه ؟ ما تيجي نروح مكان تاني؟
شعر عمر بأن هناك شيء ما ليقول بترقب:
ـ ليه؟ هو حد ضايقك في المكان ؟
شروق بلهفة:
ـ لا… بس…
في هذه الأثناء رن هاتف عمر، فقد كان أحد الحرس الذي أخبره بلهفة:
ـ عمر بيه. الأنسة هايدي اخت حضرتك هربت مننا، و مش عارفين راحت فين…
اللهم يا واسع الفضل، يا عظيم المنّة، يا من بيده ملكوت كل شيء، أسألك أن تجعل حولي حصنًا منيعًا من رحمتك، وأن تغمرني بسترك وعافيتك، وأن تحفظ نعمك عليّ من الزوال 🩵
★★★★
ـ منة انا بعتلك على الميل كل التعديلات الأخيرة على الحفلة الخيرية، وهروح النهاردة اشوف الحاجات اللي طلبتها وصلت ولا لا. يعني هتأخر على ما آجي المكتب…
هكذا كانت تتحدث آسيا وهي تضع أشيائها في حقيبتها قبل أن تلقي نظرة رضا على مظهرها في المرآة و توجهت إلى خارج الغرفة تنوي التوجه إلى عملها ليستوقفها صوت بكاء الصغير القوي، فأخذت تتلفت يمينًا و يسارًا لتتأكد من أنه غير موجود ثم توجهت إلى غرفة الصغير الذي كان ينتحب لتقترب منه وتحمله برقة وهي تهدهده قائلة:
ـ ايه بس مين مزعلك؟
ذم الطفل شفتيه الجميلتين لتقول بسخرية:
ـ ليك حق. دا سؤال ؟ أكيد طبعًا أبو لهب اللي خلفك و نسيك…
أخذت تداعبه بأناملها ليهدأ و بدأ يبتسم لها لتقول بسخرية:
ـ قولي عامل ايه مع الراجل اللي ميتعاشرش دا؟
أخذ الطفل يخرج أصواتًا من فمه وهو يرفس بقدميه لتتابع ساخرة:
ـ حاسة بيك والله. طبعا عايز تطلع من هدومك أنا عارفة.. بس معلش هنؤجر أننا متحملينه…
أنهت جملتها وهي تدغدغه ليضحك الطفل بصوتٍ عالي، فهتفت محذرة:
ـ وطي صوتك متفضحناش. عايزين نحب بعض في السر. خليك جدع كدا متبقاش زي أبوك…
قالت جملتها الأخيرة بصوتٍ عالي اخترق سمع كمال الذي صاح بحدة:
ـ وماله أبوه أن شاء الله ؟
التفتت تناظره لتقع عيناها على هيئته المُبعثرة والتي كانت خاطفةً للأنظار إلى حدٍ كبير. كان يرتدي تيشيرتًا أبيض بلا أكمام وبنطالًا رياضيًا أسود اللون، إلا أن بساطة مظهره لم تستطع أن تُخفي ذلك الحضور الطاغي الذي يفرضه أينما وُجد. بدت قامته المديدة أشبه بجدارٍ شامخ نُحت من الصخر، فيما التف القماش الأبيض حول جذعه القوي ليبرز اتساع منكبيه وصلابة عضلاته. وكان ذلك البياض الناصع يتناقض بشكلٍ ساحر مع سمرته الرجولية التي لونت بشرته، فبدا وكأن الشمسٌ سكبت دفأها فوق ملامحه وجسده، لتمنحه وسامةً خشنة لا تشبه وسامة الرجال المعتادة، بل ذلك النوع الخطير من الوسامة الذي لا يطلب الانتباه بل ينتزعه انتزاعًا.
للحظة خانتها عيناها وظلتا عالقتين به أكثر مما ينبغي تتجولان فوق تفاصيله في افتتان أغضبها من نفسها كم كانت تكره اعتراف قلبها بما يفعله بها ذلك الرجل! تكره ارتجافة قلبها التي يتسبب بها حضوره، وذلك الإعجاب العنيد الذي يتسلل إليها كلما رأته، رغم محاولاتها المستميتة لإنكاره.
عضت على باطن وجنتها في ضيق وهي تُشيح ببصرها عنه، وكأنها تعاقب عينيها على خيانتهما. فآخر ما كانت ترغب به هو أن تمنحه متعة معرفة تأثيره عليها. لذلك ارتدت قناع اللامبالاة بسرعة، ورفعت رأسها بكبرياء مصطنع، بينما كان قلبها في الداخل يواصل تأمله في اعجاب أحمق، غير عابئ بكل محاولات الإنكار التي تتشبث بها. فمهما كابرت، ومهما ادعت أنه لا يعني لها شيئًا، كانت تدرك أن ذلك الرجل يمتلك حضورًا قادرًا على إرباك أكثر النساء تماسكًا، وهي، للأسف، لم تكن استثناء لكنها تجاهد كما هي العادة لتتشدق ساخرة:
ـ أهو عملي الاسود جه أهو..
كمال باستفهام:
ـ بتبرطمي تقولي ايه ؟
آسيا بحدة:
ـ ممكن اعرف حضرتك سايب ابنك يعيط لما أكل دماغي و روحت فين؟
كمال باستنكار:
ـ ابني كان بيعيط و كل دماغك!
ـ بالظبط كدا..
كمال بجمود وهو يرفع يده بالأكياس:
كنت ببعت حد من الحرس يجيبله شوية حاجات.
آسيا بسخرية وهي ترى الحفاضات التي كانت من في أحد الأكياس:
ـ و أنت بقى هتغيرله البامبرز؟!
ضيق كمال عينيه قبل أن يقول بنبرة خطرة:
ـ و اغيرله ليه وأنتِ موجودة؟
توسعت عينيها بذهول سرعان ما تحول إلى سخرية غاضبة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ نعم؟ لا معلش أنت فاهم غلط. أنا مش الفلبينية اللي جبتها لابنك، و قولتلك قبل كدا أنا مش هربي ولاد حد. تعالى غير لابنك..
كمال بنبرة رقيقة لم تعهدها منه مُسبقًا:
ـ آسيا عليكِ جدعة و غيريله أنتِ..
ارتسمت السخرية على ملامحها من حديثه و نبرته لتتبدل إلى خُبث تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ لا بدل انت طمعان في جدعتني فأنا هساعدك. بص أنت تجيب الفيس بوك وتعمل سيرش على جروب اسمه سنة أولى مامي.. الجروب دا بقى هيعلمك ازاي تبقى مامي. أقصد ازاي تعمل كل حاجة للبيبي..
عض كمال على شفتيه بغضب من سخريتها و لسانها اللاذع ليقول بوعيد:
ـ هو أنتِ لسانك الطويل دا متبري منك؟
آسيا بسخرية يشوبها المرارة:
ـ عادي مانت إيدك بردو طويلة و متبرية منك..
تذمر فعلته النكراء التي بالرغم من كل شيء، فهو قد ندم عليها أشد الندم، وقد جاء الوقت ليعتذر عنها مما جعله يتحمحم بخشونة قبل أن يقول بنبرة أسف حقيقية:
ـ عايز اقولك اني فعلا ندمت اني مديت ايدي عليكِ اليوم دا. بس أنا عقلي مكنش فيا وقتها..
آسيا بمرارة ساخرة:
ـ أنت عقلك على طول مش فيك، فدا مش مبرر..
نجحت في استفزازه فهتف بنبرة حادة:
ـ ومين السبب؟
آسيا ببساطة أذهلته:
ـ أنا. عن اذنك عشان ورايا شغل…
لم يكن يريد أن يصل معها إلى هذه النقطة لذا هدأت نبرته قليلًا حين قال:
ـ طيب ممكن اطلب منك طلب؟
آسيا بجفاء:
ـ لا..
نهرها قائلًا:
ـ بطلي سخافة. ايه ؟ عشان قولتلك متزعليش هتسوقي فيها؟
آسيا بذهول:
ـ أنت كمان بتزعقلي؟
كمال بحدة:
ـ واكسر دماغك.. استني هنا هروح اخلي الجنايني يجيب مراته تغير لسيف، و ارجع…
أنهى جملته وغادر ليتركها خلفه يغلي من الغضب الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ.شايف ابوك بيزعقلي ازاي ؟
بكى الصغير من شدة الألم، فقد كان يريد أن يُبدل حفاضته، وقد رق قلب آسيا كثيرًا لأجله مما جعلها تقترب منه وهي تمسد خصلات شعره الناعمة وهي تقول:
ـ ياروحي انت شكلك متضايق اوي.. هغيرلك وأمري إلى الله. ربنا ينتقم من الظالم..
قامت بتغيير الحفاضة له ثم لامست بأناملها وجنته الناعمةو ما أن شعر الطفل بيدها على وجهه حتى اخرج لسانه وقرب فمه من يدها، فقد كان جائع كثيرًا لتهتف آسيا بغضب:
ـ وجعان كمان… هقول ايه على الظالم ابوك. ربنا ينتقم من الظالم كمان مرة…
ـ هو أنا كل مرة هرجع الاقيكي بتدعي عليا!
هكذا صاح كمال من خلفها لتلتفت إليه قائلة بسخرية:
ـ طب والله كويس انك عارف نفسك ظالم. اتفضل شيل ابنك هنزل اعمله ببرونة لبن و دي اخر مرة هعمله حاجة، واعمل حسابك لو دبستني بالشكل دا في حاجة له تاني مش هقعد لحظة واحدة في البيت دا..
أنهت جملتها وهرولت الى الأسفل، فقد كانت تشعر بالغضب منه ومن نفسها و من كل هذه الظروف التي لم تجعلها أمًا لهذا الطفل، فقد كانت تشعر نحوه بحُب كبير، فهو طفلاً جميل تتمنى لو عندها مثله، ولكن يبدو أنها أمنية مستحيلة، فكل شيء حولها لا يوحي بأن القادر خير، و هي كل ما تفعله هو الانغماس في العمل أكثر حتى لا تخسر السلاح الوحيد الذي تملكه في هذه الحياة.
ـ أنتِ مبتكرهيش سيف. صح؟
هكذا جاء صوت كمال من خلفها لتحاول ارتداء قناع الجمود في ملامحها و نبرتها حين قالت:
ـ وأكره طفل بريء ليه؟ عملي ايه؟
كمال بترقب:
ـ يعني بما أنه ابني من واحدة تانية…
التفتت تناظره باتهام شاب نبرتها حين قالت:
ـ تقصد نتيجة خيانتك ليا…
كمال بجمود:
ـ أنا كنت مطلقك متعتبرش خيانة..
آسيا بقسوة مغموسة بالألم:
ـ لا خيانة.. لما ابقى هنا بموت من القهرة والوجع وحضرتك مقضيها في حضن واحدة تانية تبقى خيانة..
شعر بالألم في عينيها ونبرتها وملامحها فلم يفلح في قمع هذا الاستفهام الذي خرج مندفعًا من بين شفتيه حين قال:
ـ لو مكنتش رجعت و معايا سيف. كان هيبقى رد فعلك اي؟
و كأنها أرادت الزج به في قفص الندم حتى يجهز عليه حين أجابته:
ـ كنت هعيش اللي باقي من عمري كله أحاول أكفر عن غلطي في حقك.
نجحت في مسعاها لتتقلص ملامحه بألم و كذلك نبرته حين قال:
ـ و دلوقتي؟
آسيا بقسوة:
ـ أول فرصة تجيلي عشان امشي و أسيبك هعمل دا…
قلص الفارق بينهم ليهتف بقوة:
ـ بس أنا مش هسيبك.
آسيا بسخرية:
ـ وقتها مش هاخد رأيك زي ما انت بردو لما طلقتني و سافرت مخدتش رأيي. باختصار هعمل زيك بالظبط…
اسودت ملامحه بشكل غريب، و تغضن جبينه بالألم و كذلك عينيه حين قام بنزع ذلك التيشيرت الذي يرتدي بقوة ليتمزق كاشفًا عن ندبة كبيرة بشعة جعلت جسدها يرتجف من هول المنظر ، ولكنه لم يمهلها الوفد إذ قام بمد يديه و امساك كتفيها بقوة ليدفعها إلى الحائط خلفه بعُنف وهو يقول بمرارة:
ـ طب قبل ما تمشي. مش عايزة تعرفي أيه سبب الحرق دا؟
كانت المسافة بينهما شبه معدومة، حتى التقت ضلوعهما، و اختلطت أنفاسهما الساخنة في الهواء الضيق بينهما، لكن أياً منهما لم ينتبه لذلك بقدر انتباهه لتلك الفوضى التي تعصف بروحه.
فقد كان يقف قبالتها وعيناه تحملان إرثٍ عظيم من الخذلان والندوب التي لم تندمل قط، بينما كانت هي تواجهه بقلبٍ لا يقل عنه إنهاكًا، كأنهما شخصان أنهكتهما المعارك ذاتها وإن تشابهت وجوه الأعداء، للحظاتٍ طويلة لم ينطق أحدهما بكلمة. كانت الآلام تتحدث نيابةً عنهما، وكانت نظراتهما المتشابكة تحمل من الاعترافات ما تعجز عنه الكلمات. في تلك اللحظة كانا يبدوان كغريقين التقيا في منتصف العاصفة؛ لا يملك أحدهما نجاة الآخر، لكنه يفهم تمامًا حجم الغرق الذي يعانيه.
ارتجفت أنفاسه وهو يشيح ببصره عنها للحظة، وكأن الاقتراب منها أكثر سيُسقط آخر جدارٍ يحتمي خلفه، بينما شعرت هي أن ذلك الحزن المختبئ خلف صلابته يضغط على صدرها بقوةٍ مؤلمة. لم تعد ترى الرجل القاسي الذي اعتادت مواجهته، بل إنسانًا مثقلًا بجراحٍ مروعة يقف على حافة الانهيار وهو يحاول التظاهر بالعكس.
كانا قريبين إلى حدٍ خطير ليس قرب جسدي بل قرب الأرواح حين تتعرف على وجع يشبه وجعها، فتتوقف عن القتال للحظة، وتكتفي بالنظر في صمت قاتل..
بدد تلك الأجواء المشحونة رنين هاتف آسيا التي دفعته في صدره لتتوجه إلى حقيبتها و تخرج الهاتف، فوجدت أن المتصل أشجان شقيقتها بينما هو قام بصب زجاجة الحليب لياخذها إلى الطفل في حين أنها أجابت شقيقتها بنبرة منهكة:
ـ ايه يا شوشو صباح الخير…
ـ صباح النور. وحشتيني…
هكذا تحدثت أشجان ليرن جرس باب المنزل، فأجابتها آسيا وهي تتوجه لرؤية من الطارق:
ـ أنتِ كمان وحشتيني. طمنيني عليكِ. عملتي أيه مع خالد؟
أشجان بسعادة غامرة:
ـ اتصالحنا يا آسيا..
صاحت آسيا بحماس:
ـ أوبا ايه الأخبار الحلوة دي على الصبح..
قالت جملتها و هي تفتح باب المنزل لتتفاجيء بنبيلة تقف أمامها لتتبدل فرحتها إلى حنق تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ ايه الاصطباحة الزفت دي..
أشجان بصدمة:
ـ اخس عليكِ يا آسيا.. أنا اصطباحتي زفت…
آسيا بسخط وهي تمرر نظراتها فوق نبيلة بإزدراء:
ـ لا يا روحي مش أنتِ بس تقريبًا الجنايني نسي يرش الجنينة من التعابين و الحيات بدؤا يهلوا علينا..
هتفت نبيلة بحدة:
ـ أنتِ واحدة قليلة الأدب…
لم تكد تكمل جملتها إذ قامت آسيا بإغلاق الباب بقوة في وجهها، ليأتيها صوت أشجان المفزوع على الطرف الآخر:
ـ آسيا هو دا صوت نبيلة الوتيدي صح؟
آسيا بسخط:
ـ قصدك دنيئة هانم الوتيدي. نخلي بالنا من كلامنا.
صاحت أشجان بذُعر:
ـ الست دي ايه اللي جابها عندك؟ أيوا جاية تشوف الولد. اوعي تخليها تشوف الولد يا آسيا. اوعي..
آسيا بريبة:
ـ في أيه يا أشجان اهدي. هي هتعمل ايه في الولد يعني؟
أشجان بانفعال:
ـ اسمعي الكلام اوعي تخليها تشوفه.
ضاقت ذرعًا من حديث شقيقتها لتهتف بحدة:
ـ بطلي صريخ صرعتيني. ما تقولي مش عيزاها تشوف الولد ليه؟
أشجان باندفاع:
ـ عشان أكيد هتخلص عليه زي ما خلصت على سهام مرات خالد وابنه..
