رواية ارض الدوم الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم رحمة نبيل


 رواية ارض الدوم الفصل الواحد والثلاثون 

 [ معاهدة خراب ]

رن صدى جملة مسلم في الطرف الثاني من الهاتف واتسعت بسمة جوليان وهو يراقب المكان في الاسفل من شرفة منزله شاردًا بعدم اهتمام :

_ من تقصد يا ترى مسلم ؟! لا فكرة عندي عما تريده .

ومسلم علم بالتحديد اللعبة التي يلعبها جوليان معه الآن، الحقير يسأله فقط كي يستمتع بتوسلاته ربما.

 ولو كان أجاب جوليان على اتصاله بالأمس ربما كان مسلم توسل له من يأسه، لكن ليلة كانت كفيلة لتملئ صدره بنيران الغضب والسخط والكره لكل من يحمل رائحة تلك المنظمة لذا أجاب بفك مشدود وملامح حادة .

_ بالتأكيد ليست والدتك التي تخفيها عن الأعين في روما يا عزيزي، أنت تعلم عمن أسأل الآن، أم أذهب لاسأل والدتك يا ترى ؟

اعتدل جوليان في وقفته بتحفز واشتدت ملامحه بشكل مرعب واسودت نظراته وهو يهمس بصوت حاد :

_ مسلــــــــم أنت...

_ أين هي اختصر وقتي ووقتك واحفظ وقت والدتك في هذه الحياة جوليان .

ارتجف جسد جوليات بغضب وهو يهمس بصوت منخفض هامس وكأنه يخشى أن تشي به الجدران :

_ أنت الآن تهددني بوالدتي مسلم؟! هل هذا ما يعلمك إياه دينك ؟!

ارتسمت بسمة غريبة على فم مسلم وهو يجيبه بهدوء :

_ واهددك بكل وسخ يحمل قطرة دماء منك جوليان ولو كان طفل في رحم والدته، ولا هذا ليس ما يعلمني إياه ديني، بل ما علمتني إياه المنظمة، تتذكر ؟؟ الاسلام هذبني والمنظمة افسدتني، أليس هذا حديثك ؟!

تنفس جوليان بقوة وشعر برغبة قوية في قتل مسلم في هذه اللحظة فقط كي يأمن ألا يصل أحدهم لوالدته التي ظن بكل حمق أنها بعيدة عن الأعين وقد زيف موتها بالفعل، لكن يبدو أن مسلم يعلم أكثر مما ينبغي له .

_ أين هي جوليان .

_ في المنظمة .

وصرخة مسلم التي خرجت منه في منتصف المطار جعلت الجميع يتوقف وهم ينظرون له بخوف وصدمة وقد فقد كل ذرة تعقل وتفكير وهو يهتف بصوت حاد غاضب :

_ اعلم انها في هذا المكـــان اللعين، أيــن وضعــوها في أي مستــوى أيها الوســـخ فــي أي غرفــة ما الــذي فعلتـــوه لهـــا لعنة الله عليكــــم ..

انتفض جوليان من الطرف الآخر بسبب صراخ مسلم بعدما كان يلتزم معه بنبرة هادئة مهددة، الآن يصرخ به وكأنه يود إخراج يده من الهاتف وخنقه .

_ لا ...لا أعلم زكي يخبرني أنهم وضعوها في المستوى الثاني و...

توقف عن الحديث حينما سمع همسة مسلم من الطرف الثاني وقد ارتجف جسده :

_ المستوى ...الثاني ؟!

والظلام في هذه اللحظة ملئ المكان حول مسلم وشعر أن كل ذرة اكسجين حوله بدأت تنسحب من المكان، لدرجة أن تنفسه أصبح صعبًا، يضع يده على صدره مختنقًا يشتم نفس الرائحة القذرة التي تنبعث من غرف المستوى الثاني ويشعر بلمسات هؤلاء المجانين الذي لم يبصروا النور لسنوات طويلة ولم يروا حيًا طبيعيًا لسنوات أطول.

ارتجف كامل صدره ولم يفق سوى على صوت جوليان الذي قال :

_ هذا ما أخبرني به زكي، وأعتقد أنه يحاول الآن اخراجها من ذلك المكان .

ومسلم من العالم الاخر شعر أن هناك يد تجذبه بعيدًا وأمل صغير انتعش بصدره :

_ زكي ؟

_ نعم ذلك العربي الحقير الذي ساعدته مسبقًا، يبدو أنه الآن يرد دينك، هو من أعلمني بشأن تلك المرأة والان يحاول مساعدتها لتخرج .

_ ارسل لي رقم زكي .

رفع جوليان حاجبه وهو يتحرك صوب طاولة تحتوي مشروبات عدة يحرك أصابعه على الزجاجة بتفكير مبتسمًا :

_ رقم زكي هممم...وما المقابل الذي سأحصل عليه ؟

وكلمة واحدة فقط وصلت له قبل إغلاق الهاتف والتي لم يفهمها جوليان بشكل واضح تمامًا وهو يسمع صوت مسلم يردد بجدية .

_ أمك ....

ومسلم اغلق الهاتف يراقبه وانفاسه تعلو بقوة وقد شعر أن المعركة على وشك البدء، هو كان يخطط للذهاب والقاء نفسه بينهم حتى يخرج بها، لكن ...

حاتم محق، هذا يحتاج للتفكير، فقط يتأكد من مساعدة زكي لها وإخراجها ومن ثم سيحيل حياتهم لجحيم...

ــــــــــــــــــــــــــ

توقف أمام المكان وهو يحاول أن يدخل لكن النظام والكاميرات وكل ذلك يحتاج لشبح كي يتخطى كل هذه الأمور .

تنفس بصوت مرتفع يتراجع خطوات وقد قرر التفكير أكثر، أو ربما يذهب للتحدث معهم عل أحدهم يشفق عليها .

خطى خطوة ولم يكد يتبعها بالثانية حتى سمع رنين الهاتف، رفع يبصر رقم غريب يبدو كتلك الارقام المزيفة ينير شاشته، نظر له بتردد ورفض الإجابة حتى توقف الهاتف عن الرنين .

ومن ثم واصل طريقه لكن الهاتف لم يتوقف عن الرنين لحظة واحدة لذا أجاب بهدوء :

_ مرحبًا ؟!

_ زكي أنا مسلم .

توقفت أقدام زكي بصدمة ونظر حوله بتوتر شديد وكأنه يخشى أن يعلم أحدهم من يتحدث له بسبب ملامحه، ومسلم فقط قال بصوت خافت :

_متفضلش تلف يمين وشمال عشان متجذبش الإنتباه ليك .

اتسعت عيون زكي بصدمة كبيرة وقد علم في هذه اللحظة أنه تحت أعين مسلم، لكن كيف ...كيف .. نعم مسلم كان يمتلك التحكم في كل شيء منذ كان هنا، لكن بالطبع بعد تزييف موته تم تدمير النظام بالكامل وبناء نظام آخر بواسطة المبرمجين هنا .

لكن ما نسيه أن مسلم هو من درب نص المبرمجين هنا ويعلم ما علمهم وما تركه جانبًا دون أن يكلف نفسه عناء تعليمهم إياه.

_ بعد ساعتين سأتمكن من إغلاق كامل نظام المنظمة وحينها يكون متاحًا لك ما بين سبع لعشر دقائق لإخراجها من هذه الغرفة .

اتسعت عيون زكي بصدمة كبيرة وهو يحاول الحديث بما يدور في عقله، لكن مسلم لم يدعه لفضوله .

_ اذهب بها لمارك هو يعلم ما يفعله معها .

وهذا كان اغرب من فكرة عيش مسلم، مارك ؟ أحد التابعين للقادة هنا والمركز الذي يعلوهم مباشرة ؟ كيف يساعده .

لكن مسلم لم يوضح أكثر ولم يطمع في إخراجها، فخروجها ليس بهذه البساطة سيكون بشكل من اثنين، إما بتزييف موتٍ كما فعل أو بحرق جدران هذه المنظمة فوق رؤوس من بها .

_ سمعتني يا زكي ؟

هز زكي رأسه وهو لا يعلم في الحقيقة ما سيحدث لكنه سيفعل هذا، لأجل مسلم ولأجل تلك المرأة.

_ ما تخافش، ندير كامل واش نقدر باش نعاونها.

ابتسم مسلم من الطرف الآخر براحة مؤقتة، هو فقط يريد خروجها الان من هذه الغرفة كي يتأكد من سلامتها العقلية والله وحده يعلم كيف ستتخطى كل ما تراه الآن.

_ شكرا ليك يا زكي مش هنسى ليك معروفك ده عمري كله .

_ هذا واجبي .

_ إذن انتبه للهاتف سأرسل له الإشارة في خلال ساعتين وسأحاول أن يكون قبل هذا .

ختم حديثه وهو يغلق المكالمة مع زكي ونظر صوب حاتم الذي كان يجاوره في المكان يحاول أن يفهم ما الذي يحدث وكيف غيّر مسلم فجأة رأيه من السفر الآن إلى تأخير السفر لساعتين .

ومسلم لم يكن يفكر سوى أنه لن ينتظر ليكون على الطائرة ويعتمد على الانترنت الخاص بها غير المستقر والذي لن يدعم ما سيفعل، اخرج حاسوبه بسرعة وجواره حاتم يحاول التحدث .

_ هاد نفسه زكي اللي بنعرفه ؟

هز له مسلم رأسه بهدوء ليكمل حاتم حديثه :

_ وشو فكرك بيه ؟

_ هو اللي شاف رايانا وعرف أنها مراتي وبيحاول يساعدها تخرج من المكان .

_ والله رجال هاد زكي .

ابتسم مسلم بسمة صغيرة وهو يحرك أصابعه بسرعة مريبة على لوحة المفاتيح أمامه وكأنه في حرب معها ومع الزمن على جبهة وحده .

_ وشو بتسوي هلق ؟

_ بحاول اخترق نظام المنظمة، لو لسه الاكواد الأساسية اللي بنيتها من البداية موجودة في تكوين سيستم الأمن فالأمر هيكون اسهل إني اخلص كده في ساعتين، ولو لا فالموضوع هيكون شبه مستحيل .

لم يفهم حاتم ما يقصد مسلم، لكن مسلم كان فقط يبحث عن ثغرة تركها هو بيده قبل سنوات يعتمد على ضعف إمكانياتهم في تغيير هيكلة النظام بالكامل، نعم ربما يغيرون به القليل ويطورون اكواد الحماية، لكنهم لم يستطيعوا أن يغيروا البناء الأساسي إلا إذا أحضروا شخص افضل منه، وهم لا يمتلكون هذا الشخص في الوقت الحالي وهو يعلم هذا .

وها هو الدليل يلوح أمامه..

ثغرته الحبيبة .

اتسعت بسمته بقوة وهو يبدأ عمله وقد كان منحني على الحاسوب بشكل مريب ومثير للإنتباه لكنه لم يكن يهتف، بل فقط اخرج نظارته ووضعها بسرعة على عيونه، ومن ثم أخذ يراقب الاكواد وهي تركض أمامه على الشاشة وحاتم كالعادة لا يفهم عمل مسلم ولا يعلم ما يفعل .

تنفس بملل وهو ينظر حوله قبل أن يقرر الذهاب لإحضار شيء لهما، وفي طريقه توقف بسبب رنين هاتفه، كاد يعود لمسلم ظنًا أنه أحد الأشخاص في المنظمة لكن توقفت عيونه حينما أبصر اسم لم يعتقد يومًا أنه قد يبصره على هاتفه ليس وقد أخذ رقمها خلسة .

اتسعت عيونه شيئًا فشيء وقبل أن ينقطع الرنين أجاب بلهفة وسرعة كبيرة :

_ ايه نورهان .

نورهان على الطرف الآخر توقف قلبها لحظة عن الخفقان تقول بصوت منخفض :

_ حاتم، أنتم.... أنا قولت اكيد لسه يعني الطيارة مطلعتش و...حبيت ...اصل مسلم مش فايق يكلمني و....

صمتت وقد شعرت بالحمق بعدما اتصلت به هكذا دون سبب ومقدمات سوى أنها فقط أنها تود الاطمئنان على مسلم وعليه....

_ أنتم كويسين ؟!

_ ايه بخير لا تخافي .

تنفست الصعداء وهو ابتسم بسمة يكفيه أن يسمع فقط أنفاسها لينتعش :

_ أنتِ بخير ؟

كبتت نورهان شهقة كادت تفلت من فمها :

_ أنا هكون بخير ازاي يا حاتم انا ....

صمتت قبل أن تكمل بصوت باكي :

_ حاتم أنا مرعوبة عليكم .

_ علينا !؟

وهي لم تنتبه أنها تشمله في الحديث الآن:

_ أنت ومسلم .

وحاتم وكأنه لا يصدق أنه حتى يعني لها لدرجة أن تشمله في خوفها على أخيها :

_ عليّ ؟

وهي للتو فقط انتبهت لما فعلت، لقد شملته في خوفها .

عضت شفتيها بقوة قبل أن تزفر بصوت مختنق :

_ اكيد هخاف عليك يا حاتم، اكيد يعني هخاف عليك .

_ ولك الله يخليلي إياه للقلب الحنون .

شعرت نورهان بنيران ترتفع لوجهها تستدير حولها في المطبخ وكأنها تخشى أن يبصرها أحدهم بهذا الشكل وهذه الملامح ويعلم ما تسمع الآن.

تشعر أنها ترتكب خطأ ربما، وحاتم لهفته تعميه عن التفكير السليم .

_ حاتم .

_ بس اشري...

_ خلي بالك من مسلم لو سمحت و...من نفسك .

اتسعت بسمة حاتم وقد تلقى لتوه جرعة مكثفة من الطاقة التي تجعله يذهب الآن ويحطم المنظمة بيديه العاريتين حجر حجر ويفتتهم بأسنانه .

_ بنتبه على مسلم، وعلى حالي عشانك يا نورهان .

مسحت نورهان وجهه وهي تقول بصوت خافت :

_ عارفة مش هقدر اكلمك لما توصل و...

_ كلميني واتس او انستا، برد فورا طالما ما بعمل شيء .

ولهفته الواضحة في صوته جعلتها عاجزة عن رفض الأمر، لكنها كانت تريد الاطمئنان باستمرار عليهما.

_ مش هزعجك ولا اعطلك !

_ عسى كل الازعاج بيصير نورهان والله ما بشتكي.

شعرت نورهان بالتوتر من كلماته وقد بدت غريبة خاصة بعدما كان يدعي أنه غير مهتم بها بعد رفضها .

_ حاتم أنت بتقول ايه !؟

وحاتم ابتسم وهو يشير للرجل على شيء في الورقة أمامه يطلب بصمت ما يود الحصول عليه .

_ شو قلت أنا ؟! بس قولت عسى كل الازعاج يصير أنتِ، شو لو قلتلك إني بحبك من سنين طويلة ؟

ونورهان لم تستوعب الجملة التي نطق بها وهي تسارع وتغلق الهاتف بصدمة كبيرة دون تأمل الكلمات التي نطق بها، تتنفس بصوت مرتفع تنظر حولها قبل أن تنهار ارضًا تدفن وجهها بين يديها وصوت أنفاسها يعلو .

ودون شعور ارتسمت بسمة على فمها، بسمة لا تعلم مصدرها ولا سبب، فقط تعلم أنها....مرتاحة لاول مرة في حياتها، مرتاحة لأجل وجود هذا الرجل جوارها ومعها .

وخائفة من القادم ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ ساڤا ...

انتفض جسد ساڤا وهي تحاول دفع كل ما أمامها أسفل غطاء الفراش .

الكثير والكثير من الطعام الذي احضره لها أحمد ذلك اليوم الذي خرجت به معه، الآن أكلت نصفه في اقل من ساعة، تشعر بالجنون وكأن هناك عائلة تتضور جوعًا تحيا داخل معدتها .

رفعت عيونها بتردد صوب أحمد الذي اقترب منها يحاول فهم ما يحدث وهي فقط حاولت الحديث بصوت خرجت ضعيفًا .

_ أحمد أنا كنت بس بـ...

_ كملي أكل يا ساڤا براحتك أنا هدخل أخد شاور ولو خلصتي هروح اجيبلك تاني، أنتِ مش بتاكلي كويس الفترة دي ..

ختم حديثه وهو يقترب منها يميل عليها بشكل أوقف ضربات قلبها قبل أن يطبع قبلة حنون على خدها ويبتسم لها بلطف، ثم تحرك صوب المرحاض وبمجرد أن استدار عنها اسودت ملامحه، وسجن نفسه في المرحاض بهدوء ظاهري وداخله صراعات كثير .

الكثير والكثير تجمع فوق قلبه قبل أن ينهار أرضًا يدفن وجهه بين يديه .

ويله مسلم وزوجته، وويله زوجته هو التي لا يعلم ما يفعله معها، لقد سهر ليلة كامل يبحث عن شيء يساعدها بها، ولا شيء، ارشادات غبية لا علاقة لها بها .

مسح وجهه بقوة وهو يحاول أن يتنفس بصوت طبيعي قبل أن يقرر أنه سيأخذها معه، نعم سيسافر بها للقاهرة ويعالجها هناك .

لقد أتخذ قراره، سيذهب لينهي قضية الأرض ويعالج زوجته ويتابع ما يحدث من بعيد، الأهم أن تكون هي بخير .

انتفض جسده على طرقة صغير على باب المرحاض وصوتها خرج ضعيفًا بعض الشيء :

_ أحمد ؟

حاول أن يجلي حلقه لتخرج كلماته طبيعية :

_ ثواني يا ساڤينا هخرج حالا .

نهض من مكانه يلملم شتات نفسه وذهب للمرحاض يغسل وجهه سريعًا ثم حمل المنشفة وهو يخرج من المكان ينظر لها ببسمة واسعة :

_ نعم فيه حاجة يا ساڤا ؟

نظرت له ساڤا قليلًا :

_ هو بس ...من شوية أنا كنت مش ....الاكل اللي حبيته بس انا كنت بـ

_ فيه ايه ؟ بالهنا والشفا خلصيه واجيبلك تاني .

رفعت ساڤا عيونها له ثواني قبل أن تلقي نفسها بين أحضانه باكية بانهيار، تحاول أن تتحدث بما يجول داخلها لكن كان ذلك اصعب من وصفه بكلمات وبهذه البساطة :

_ أنا آسفة يا أحمد...آسفة بجد إني بورطك في كل مشاكلي انا مش ...

ضمها أحمد بحنان دون كلمة وسمح لها أن تخرج ما تكتمه بصدرها طوال الوقت، وهي فقط تبكي وتتحدث بكلمات كثير،. ربما ليست مترابطة، لكن أحمد فقط يمنحها الفرصة لتخرج كل ما يدور داخل صدرها .

وحينما انتهت ربت على خصلاتها ثم قال بهدوء :

_ اجهزي يا ساڤا هنسافر القاهرة سوا ...

ـــــــــــــــــــــــــــ

_ مسلم هل أنت متأكد من هذا ؟

تحدث زكي بصوت خافت وهو يقف بعيدًا عن الغرفة بقليل من الخطوات يراقب الباب الخاص بها بحذر وخوف، لا حراس فهذا المكان لا يحتاجون به لحراس فهو كالقبر يبتلع من يدخله ولا يلفظه حتى يوم خروج روحه .

ومسلم من الطرف الآخر يراقب ما يحدث :

_ فقط ثق بي زكي، سيتوقف النظام لمدة عشر دقائق هذا اقصى ما استطيع، بالله عليك لا تضع هذه الفرصة .

وعشر دقائق ليجدها بين هذه الجثث في الداخل، ويخرجها لغرفة مارك كانت رعبًا خالصًا وامرًا مستحيلًا لكنه لا يمتلك أختيار آخر في هذه الحالة، كان هذا هو الأمل الوحيد الذي يمتلكه كي ينقذ الفتاة من بين أيديهم.

تقدم من الغرفة بكل هدوء ولم يلتفت حوله وقد كان مسلم يبقى عيونه على كل شيء، يبصر المنظمة بكاملها أمامه قبل أن يقول بصوت حاد :

_ بعد ثلاثة ...

وصمت لمدة ثواني قبل أن ينطق واخيرًا :

_ ثلاثة .

وفي هذه اللحظة اندفع جسد زكي بهيسترية صوب الباب يفتحه بقوة ويخرج هاتفه ينير الإضاءة الخاصة به، والرائحة النتنة تكاد تخنقه يبحث عنها في الداخل .

ومسلم فقد الرؤية، إذ أن مثل هذه الغرف لا يوجد بها أي كاميرات مراقبة يجلس على جمرة مشتعلة ينتظر أي أمل بخروجها .

في الداخل أخذ زكي يتجنب الأجساد المتجمدة حوله وقد شعر برغبة في الاغماء مما يرى، وقد كان الظلام في هذه الحالة نعمة كبيرة كي لا تبصر ما أنت غارق به .

بحث بعيونه عنها في شكل هيستيري حتى فقد الأمل فأخذ ينادي بصوت شبه مسموع :

_ رايانا ...

لكن لا رد، دار حول نفسه وقد شعر أن الوقت ينفذ منه، أخذ يتحرك في جميع الأركان مخمنًا أن الأركان ستكون ملجئها الوحيد وقد صدق إذ وجدها تقبع في ركن تضم جسدها بقوة مرتجفة ليخلع سترته بسرعة يركض صوبها يلقي السترة على جسدها مراقبًا إياها بصدمة .

وهي بمجرد أن شعرت بشيء يلمس جسدها حتى أطلقت صرخة تسببت في شق صدر مسلم نصفين .

امتلئت عيونه بدموع وهو لا يبصرها لكنه يعلم جيدًا ما الذي يمكن أن تراه في هذا المكان .

_ زكي خليني اكلمها .

وزكي حتى كان لا يستطيع النظرة نحوها من بشاعة المنظر، فقط أوقف عمل السماعة وأخرج هاتفه يمده لها، لكن رايانا في هذه اللحظة كانت فقط تضم سترته على جسدها وهي تحدق بأعين شاخصة أمامها دون أي حركة أخرى .

وزكي فقط يحاول أن يجعلها تتحدث، فتح المكبر والوقت يداهمهم :

_ هي تسمعك مسلم .

ابتلع ريقه وهو يضم الهاتف له بيد مرتجفة يبتعد عن حاتم وصوت خرج مختنقًا بغصة بكاء ووجع :

_ فروشكــــــا .

ورايانا فجأة وكأن العالم أصبح فارغًا حولها لا يحوي سوى مسلم. رفعت عيونها بصدمة تبحث عن مصدر الصور لتبصر الهاتف بيد زكي وصوت مسلم يصدح منه :

_ فروشكا حبيبتي سمعاني ؟!

انتزعت رايانا الهاتف بقوة من كف زكي وكأنه يحمل بين يديه حياتها وانفاسها القادمة، تضم الهاتف بقوة تهمس بصوت وصل لمسلم فارغًا غريبًا مهتزًا لا يحمل من رايانا سوى نبرتها التي كانت تأسره :

_ مسلم ؟!

سقطت دموع مسلم وامتلك الكثير والكثير ليقوله أولهم أنه آسف، لكن الوقت لم يكن يكفي ليفعل، لذا همس بصوت خرج بصعوبة من بين بكائه، صوت غير واضح بسبب البكاء :

_ فروشكا روحي معاه ...روحي مع زكي هو ...هيـ...هيـــ...

حاول تمالك نفسه وهو يتحدث يمسح دموعه التي جعلت الرؤية أمامه ضبابية :

_ هيساعدك، اخرجي معاه بسرعة مش باقي غير ٣ دقائق يا رايانا .

رفعت رايانا عيونها صوب زكي وهي لا تفهم ما يحدث ولم تكد تتحدث بكلمة واحدة حتى مال الأخير ينتزعها من بين الجثث التي تحيط بها ومن ثم عدل من وضعية سترته وأخذها بسرعة للخارج وهي تتمسك بالهاتف ترفض قطع آخر خيط بينها وبين مسلم، تتمسك به بقوة ولا تعلم أين تذهب .

تنفست الصعداء بمجرد أن خرجت من الغرفة، وفجأة أصبحت تهرول خلف ذلك الرجل بين الممرات لا تعلم أين تذهب ..

ومسلم عاد بسرعة صوب الحاسوب كي يتفحص الكاميرات التي تظهرها واخيرًا.

 ليتمنى لو فقد عيونه قبل أن يبصرها بهذه الهيئة .

لم يصرخ ولم ينهار، فقط أخذ يحفظ كل جزء متضرر بها، يسجل كل لقطات معاناتها، وفي لحظة غضب اقسم بالله أن دمارهم وفنائهم سيكون على يديه هو .

راقبها حتى اختفت من الممر وفجأة عاد النظام .

مسح دموعه يتحدث في الهاتف :

_ زكي ..

_ مسلم ...مسلم أنت فين يا مسلم أنا عايزة ...انا مش عارفة أنا فين ...مسلم .

كانت رايانا تتحدث في الهاتف وهي ترفض تركه لزكي، تتمسك به تمسك الغريق بقشة تطفو أمامه علها تكون طوق نجاة، كان صوته كذلك .

ومسلم تأوه بصوت موجوع :

_ أنا جاي يا فروشكا، جاي بس ...اسمعيني في المكان ده متثقيش في أي حد غير زكي، زكي هيساعدك ..لغاية ما أنا اجيلك ماشي، متعمليش أي حاجة غير اللي يقولك عليها زكي .

_ مسلم أنا فين ؟

_ أنا آسف يا رايانا ... انا آسف.

صمت وهو يحاول تنقية صوته يتحدث لها بحنان :

_ والله العظيم ما هسيبك ليهم ولو بروحي خليكِ متأكدة إني هجيلك، أنا جاي ...مش هسيبك بس ....بس ....

توقف عن الحديث وقد شعر أنه على وشك الانهيار وهو يقول :

_ بالله عليكِ ....بالله عليكِ يا رايانا بلاش ....بلاش ....بلاش تضيعي مني، بلاش استلمك رماد يا رايانا .

ورايانا لم تكن تستمع له ولا ترى سوى رجل ضخم الجسد يظهر أمامها بكثير من الاوشام والكثير من الحلقات المعدنية في أماكن متفرقة من وجهه واذنه .

تراجعت للخلف بقلق، وهي ترى زكي يتقدمها يقول بجدية وصوت وصل واضحًا لمسلم :

_ أخبرني مسلم أنك ستساعد .

نظر مارك بهدوء صوب المرأة التي تقف خلف زكي يبتسم بسمة غريبة، قبل أن يميل برأسه يخرج لسانه والذي كان يحتوي على حلقة معدنية يبلل شفتيه :

_ إذن المرأة تعني الكثير لمسلم ها ؟؟

اغمض مسلم عيونه من الطرف الآخر يضغط على الهاتف بقوة قبل أن يتحرك صوب الحاسوب يحرك أصابعه بقوة عليه وهو يتحدث :

_ رايانا رجعي التليفون لزكي .

لكن رايانا لم تهتم بكلماته تتمسك بالهاتف تمسكها بالحياة، كان هذا هو الشيء الوحيد الذي يطمئنها في المكان ...صوته .

وهي لن تسمح لأحدهم أن يسلبه منها ولو كان مسلم نفسه .

_ رايانا حبيبي ادي التليفون لزكي، انا محتاج اساعدك .

ختم حديثه وهو يضغط واخيرًا على زر أمامه ثم تنفس بصوت مرتفع .

وعلى الطرف الاخر اهتز جهاز اسود على الفراش وقد كان الجميع تقريبًا يمتلكون مثله في المكان، رفع مارك الجهاز يحدق به قبل أن تشتد نظراته ويفتح فمه صارخًا بغيظ :

_ ابن الـ***** هذا .

ابتسم مسلم بسمة جانبية وقد نجح اسلوب الضغط الخاص به، يراقب ما يحدث أمامه، حيث أشار مارك لزكي أن يتبعه داخل غرفته ومن ثم اختفى الثلاثة في فتحة صغيرة في الجدار .

 ملجأ تمرد مارك الذي كان يحشد به أعوانه لقلب نظام المنظمة لصالحه، وهو اكتشفه صدفة ليكتشف بعدها اسرار لو علم عنها أحدهم شيئًا سيكون الموت اهون ما يتمناه مارك .

تنفس الصعداء حينما دخل الجميع للداخل،  رغم انقطاع الصوت وكل شيء إلا أنه أبصرهم _ بعد دقائق طويلة جدا جعلت صبره ينفذ_ يخرجون من المكان .

نظر في الشاشة ليبصر أن لا هاتف بيد زكي ونعم كما خمن رفضت رايانا أن تدع له الهاتف رغم أنه لا فائدة له بالداخل وسيكون قطعة حديد .

سحب حاسوبه وبدأ ينقر بعد الكلمات عليه حتى أبصر جسد مارك يتحرك صوب جهاز الاستقبال الذي يمتلكه كل شخص بالمنظمة يقرأ ما خُط عليه ومن ثم رفع عيونه صوب أجهزة المراقبة والتي كانت في مكانه لا يعلمه سوى الله ومسلم .

_ ماذا، تركتها هانئة بالداخل، ما الذي تبتغيه أكثر أنت؟!

ابتسم مسلم بسمة واسعة ومن ثم نقر بعض الكلمات ليسب مارك بصوت مرتفع وهو يخرج هاتفه ومن ثم بدأ ينقل الارقام التي كتبها مسلم على هاتفه وبعدها أعطاه لزكي الذي نزع منه الهاتف يتحدث بلهفة :

_ الو مسلم .

_ زكي اتأكدت أنها بخير ؟

_ إيه، ما تخافش. راني تأكدت من كلش لداخل. ما حبّتش تخلّيني نحتفظ بالتلفون، بصح نجيب تلفون آخر ونهدر معاك.

تنفس مسلم وهو يردد بجدية :

_ هل سأثقل عليك إن طلبت منك التأكد من سلامتها طوال الوقت، لا اثق بمارك رغم كل ما امتلكه عليه .

_ اطمئن .

_ شكرا لك زكي، لن يكون هذا مجرد دين أدين لك به، بل اقسم سأهب لك عمري القادم إن سألتني .

ابتسم زكي بسمة صغيرة :

_هذا واجبي، وما كاين حتى داعي تردّلي الجميل. 

ابتسم مسلم وهو يتحدث بشيء اخير :

_ خد رقمي من تليفون مارك خليه معاك عشان تكلمني، وزكي ...رايانا أكيد ما اكلتش ولا ....

_ لا تقلق سأهتم بهذا .

تنفس براحة نسبية وهو يودعه وقد شعر الآن براحة مؤقتة لن تكتمل إلا بخروجها من هذه الجدران النجسة .

_ مسلم جاهز لنتحرك ؟!

رفع مسلم عيونه صوب حاتم الذي جاءه أخيرًا بعدما انتهى من تجهيز كل ما يخص رحلتهم، لتتسع بسمته بقوة :

_ هو احنا طلبنا الوجهة لفين يا حاتم ؟!

_ سانت لويس ؟!

_ لا، صقلية ..........

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنفست الصعداء. هي تبصره واخيرًا بعدما بحثت عنه في كل مكان قد تعثر به عليه، ابتسمت بسمة صغيرة وهي تقترب منه تحاول أن تجلي حلقها وتتحدث بنبرة عادية .

_ أنت هربان مني يا يحيى ؟!

رفع يحيى عيونه ببطء صوب كارا التي اقتربت من البحيرة والتي أخبرتها عنها ساڤا، أنه ربما يكون ذهب هناك وقد ابصرته يسير في اتجاهها .

كان يحيى أكثر الجميع تأثرًا بما حدث، ملامحه أصبحت ذابلة لا تشبه بأي شكل ذلك الرجل الذي عرفته، لا يشبه بأي طريق يحيى الذي عشقته، لكنه ما يزال يحتفظ به داخله .

جلس أسفل الشجرة جواره وهي تضع علبة ملونة أمامه مبتسمة :

_ بتحب الفروشكا ؟

حرك يحيى نظراته عنها صوب العلبة يراقبها قبل أن يبتسم بسمة صغيرة ويهمس بصوت خرج بغصة يكبتها ونبرة لا تشبه بأي شكل يحيى :

_ لا، مسلم هو اللي بيحبها .

_ طيب أنت.... أنت بتحب ايه يا يحيى وأنا اعملهولك.

كانت تتحدث وهي تراقبه بحزن وقد بدأت عيونها تمتلئ دموعًا يائسة، ترغب فقط أن يعود لما كان عليه، أن تعود له روحه .

ويحيى نظر لها بشفقة يعلم أنه يثقل عليها هذه الفترة لذا حاول الابتسام وهو يجيب بصوت خرج خافتًا .

_ أنا بحبك أنتِ ميا كارا ..

وكارا لشدة عدم تصديقها لما قال وأنه أخيرًا بدأ يتفاعل معها، انفجرت في بكاء حار وهي تدفن وجهها بين يديها تتحدث بحزن ووجع عليه :

_ يا يحيى بالله عليك لتقولي اساعدك ازاي ؟! بالله عليك لو فيه حاجة اقدر اعملها قولها أنا مش قادرة اشوفك كده أنا حاسة أنك....انطفيت .

أبعد يحيى عيونه عنها وهو ينظر للبحيرة يتذكر اليوم الاول الذي عبروها فيه، كم كانوا مغفلين حينما ظنوا أنهم سيخرجون من هذه الأرض كما دخلوها مع فرق أنهم سيصبحون فقط أغنياء يمتلكونها .

دخلوها بأمل وبسمة واسعة، وخرجوا منها واحدًا تلو الآخر، أحدهم مجنون، والآخر تائهًا، ولا يعلم كيف سيخرج هو منها .

صوت ضحكاته ومشاكساته لعيسى وهم يعبرون الجسر ذلك اليوم ما يزال يرن في أذنه، ابتسم بوجع، وهو يفكر هل لو عاد بالزمن لذلك الوقت سيمنعهم عبور الجسر !

هل سيمنعهم دخول هذه الأرض الملعونة ؟ هل يمنع شقيقه من أن يبصر رايانا لتجنب كل ذلك ؟! 

ربما حينها كانت ستكون هي بخير في منزلها، ومسلم بخير معه في شقتهم البسيطة، لكن هل هذا كان سيغير من فكرة أن شقيقه تعذب ؟

وفي ثواني عاد بعقله لتلك اللحظة قبل سفر مسلم، ذلك اليوم الذي لو عاد له لكان سقط أسفل اقدام مسلم يتوسله باكيًا ألا يذهب ...

_ برضو هتسيبني وتمشي يا مسلم ؟!

توقفت مسلم عن سحب حقيبته خارج الغرفة يستدير صوب يحيى يبتسم له بسمة صغيرة لا يعلم ما يفعل، هل يتخذ القرار الصحيح أم لا، لكن هو يعلم أن هناك حياة أخرى ومستقبل ينتظره وراء البحار .

_ ده مش بس عشاني يا يحيى ده عشانكم، عايز ابني لينا حياة ولا أنت عاجبك حالنا ده، مش هطول صدقني أنا بس هكوّن نفسي واقف على رجلي  وهرجع ليكم مسلم تاني خالص مسلم احسن باذن الله .

التوى ثغر يحيى بضيق من هذه الفكرة، رغم حبه لفكرة أن يصبح غنيًا، إلا أن رحيل أخيه مقابل ذلك كان ثمنًا باهظًا :

_ بس أنت كده حلو يا مسلم ترجع ليه واحد تاني ؟ 

ضحك مسلم وهو يحمل الحقيبة على كتفه يسحب الأخرى وهو يضم يحيى بيده الثانية له :

_ لا مش قصدي واحد تاني اللي هو انسان تاني، لا قصدي مسلم احسن هو نفسه مسلم بس متطور، امريكا بقى .

_ وامريكا هتعملك ايه يا مسلم يعني ما هو أنت هتفضل أنت ؟

_ هتعمل كتير يا يحيى .....

_ يحيى أنت كويس ؟

استفاق يحيى على صوت كارا التي تعجبت شروده بهذا الشكل وقد بدأت دموعه تتساقط دون شعور منه .

_ عملت كتير يا مسلم ....يا ريتك ما سافرت .

_ يحيى بالله عليك ما تخوفني عليك اكتر من كده .

ابتسم بصعوبة وهو يستدير لها :

_ متخافيش يا كارا أنا...هكون بخير ..باذن الله ينتهي كل ده وكل شيء هيكون كويس .

_ طب قولي ...فيه ....فيه حاجة اقدر اساعدك بيها ؟! قولي ازاي اقدر اساعدك طيب يا يحيى بالله عليك .

ويحيى شرد بها دقائق طويلة وقد سحبته أفكاره أن كل ما حدث لهم ويتمنى هو زواله كان سببًا ليلقاها، ماذا لو لم يأتي هنا ؟ لم يكن مسلم ليعثر على روحه ولم يكن هو ليجد حياته بين عيون كارا، كان سيحيا حياته يبحث عن نصف مفقود وهو ينتظره هنا بين هذه الأرض .

ابتسم لها بعد شرود قصير وقد ارتاح لفكرة أن كل ما حدث كان لخير لهم، ربما مسلم لم يكن ليجد ما يسعده إن لم يأتي وهو لم يكن ليجد كارا .

وما اسوء حياة بلا كارا .

_ خليكِ جنبي يا كارا، دي أكبر مساعدة أنا محتاجها منك ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الساعات وما اسرعها، تركض وفوق ظهرها عمرك يركض معها، وهو رغم كل ذلك شعر أن تلك الساعات السابقة كانت أطول من العشر سنوات التي عاشها بعذاب .

ليدرك أن عذاب عقود له، ولا ثواني وجع لها .

هبط من الطائرة في مهبط داخل جزيرة صقلية يتحرك خارجها وهو يجذب حقيبته وقد كانت هناك سيارة تنتظرهما، وحاتم بدأ يفهم بعدما شرح له مسلم باختصار ما سيحدث، لترتجف كامل أوصال حاتم فما خطط له مسلم تجاوز كل حدود العقل .

_ مسلم هل ...فكرت فيما تفعل، أنت الآن لقتل دودة ستصافح حية .

ابتسم مسلم بسمة واسعة وهو يرى أحد الرجال يفتح له سيارة سوداء كبيرة ليصعد لها دون تفكير مع حاتم، الذي كان يبدو القلق واضحًا عليه، لا يصدق أن مسلم في سبيل التخلص من المنظمة ذاهب باقدامه لذلك الشيطان الذي يسكن هذه الجزيرة .

رجل حقير وأكثر مجرمي العالم خطورة، لا تأمن له بمقدار شعرة وغدار وقذر ولم يكن يومًا موضع ثقة ولم يضع هو ثقته في أحدهم .

_ إذا أردت أن تتخلص من شيء كبير احضر شيء أكبر  أو على الأقل يساويه في الحجم.

اغمض حاتم عيونه وهو يلقي برأسه للخلف على أريكة السيارة الفاخرة يراقب الجزيرة حوله والتي يعلم أن ذلك الوسخ البرازيلي " ريكاردو رفائييل " يسكنها ويحكمها من اصغر رضيع لم يكمل الدقيقة، لأكبر شيخ بها .

_ بس لو اعرف كيف اقنعته يقابلك بهالسرعة ؟

اتسعت بسمة مسلم بشكل غريب وهو يردد بغموض شديد :

_ ممكن نقول إني عملت ليه معروف قبل كده، وشيلته جميلة، فجه الوقت يرد ليا جميلي .

نظر له حاتم بعدم فهم هل يمتلك الجميع ديون لدى مسلم، هذا الرجل لا يقابل أحدهم إلا ويصنع له معروفًا، حتى مع مجرم كريكاردو ؟

ولم يكد يستفسر منه عما يقصده حتى شعر بالسيارة تتوقف فجأة، هبط مع مسلم ليجد رجل ضخم الجسد ينتظرهم عند بوابة " هليكوبتر" مبتسمًا بسمة باردة مشيرًا للباب :

_ تفضلوا ..

نظر حاتم صوب مسلم وقد بدأت ضربات قلبه تزداد، يدرك أن الأمر بدأ يتخذ منحنى اكبر وأخطر، لقد بدأ مسلم يتجاوز كل خطوطه الحمراء ويتحالف مع شخص قذر قاتل ومجرم كريكاردو، شيء لن يسمح هو أن ينغمس به مسلم .

لكن الوقت لم يكن يسمح له بالتحدث، ليس وكل هؤلاء حولهم، لكنه لم يمنع نفسه من القول وهو يستقر بالطائرة جوار مسلم :

_ عساك ما بتندم يا خوي .

نظر له مسلم نظرة صغيرة ولم يهتم بتفسير أي شيء آخر، حتى شعر الاثنان بحركة عنيفة بسبب تحرك الطائرة، ومسلم فقط شرد وكل ثانية تحط عيونه على ساعة يده وكأنه لا يطيق الانتظار ليصل لها.

وبعد ساعة تقريبًا وجد الطائرة تستقر على سطح قصر يتوسط منطقة تشبه الغابات وليست بغابة ربما هي تمويه ليخفي شيء وما الشيء الأشد خطورة من مجرد كريكاردو ؟

ولم يكد الأثنان يستقران على سطح المبنى حتى وجدا شابًا يستقبلهما ببسمة واسعة ولهجة لاتينية ثقيلة:

_ مرحبًا في صقلية يا رجال .

نظر حاتم صوب مسلم وكأنه يتساءل عما يحدث، في هذه اللحظة لم يكن يفهم ما كل هذا لا ينقصهم سوى باخرة تعبر بهم بحرًا ليصلوا صوب ذلك الريكاردو.

_ هل هذا هو ريكاردو ؟

اتسعت بسمة الشاب بقوة حينما سمع سؤال حاتم :

_ ريك ليس بهذه الوسامة، ربما أقل بمقدار درجة أو اثنتين، لكن لا بأس.

مد يده بهدوء وبسمة :

_ أنا غابرييل ابن عمه لريك .

ختم حديثه يشير لهم برأسه كي يلحقوا به صوب درج جانبي أخذهم صوب حديثة جانبية ومنها عبروا صوب ساحة خلفية يقف بها رجل يعطيهم ظهره وأمامه رجلين يمسكان بثالث وقبل أن يستوعب أحدهم ما يحدث وجدوا رأس الرجل الثالث تنفجر بعدما اقتحمتها رصاصة والدماء تتناثر في كل مكان ..

 لتتسع عيون حاتم بصدمة :

_ الله يلعن ابليسك يا شيخ .

كان مسلم يراقب ظهر الرجل والذي يعلمه، هو نفسه ريكاردو رفائيل زعيم العصابات الصقلية .

استدار الرجل ببطء حتى واجه الاثنان ليبتسم بسمة بدت لوهلة مرعبة ليتراجع حاتم خطوة وهو يطيل النظر بذلك ...المختل الذي يمتلئ وجهه بالدماء .

_ ربما تتساءلون عن سبب انتهاء ريك من أعماله في الجزء الخلفي من القصر ؟ هذا لأن زوجته تكره رؤية الدماء وتقيأت في المرة الأخيرة التي رأت بها ثوبه ملوث بالدماء واجبرته على النوم اسبوعًا كاملًا في غرفة منفردة عقابًا له .

استدار ريك صوب غابرييل وهو يرميه بنظرة باردة محذرة، لكن الأخير لم يهتم وهو يهمس بصوت خافت وكأنه يخبرهم سرًا :

_ هو يخاف زوجته و....

توقف عن الحديث في اللحظة التي شعر بها برأسه يتحطم على الصخرة أسفله وصوت صرخاته ملئت المكان .

لكن ريك لم يهتم وهو يخطو عليه بكل ما للكلمة من معنى،  لتنطلق صرخة من فم غابرييل ومن ثم أشار لمسلم أن يلحق به .

_ هيا ...

نظر حاتم صوب مسلم بريبة والاخير لم يفهم وهو يلحق بريكاردو يجذب حاتم معه بالاجبار .

وحاتم يراقب جسد غابرييل ممد ارضًا برأس شبه دامية.

 لبتأكد في هذه اللحظة أن مسلم أصابه مس من الجنون اسوء من حالته النفسية التي يعاني منها ....

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ يا شيما كلي حاجة كده هتموتي نفسك .

وشيما لم تكن تعطي اهتمام لكلمات ساڤا التي بدأت تيأس منها ومن أن تتحرك أو تأكل المرأة كانت تفقد كل ذرة حياة بها شيئًا فشيء .

_ يا شيما لو مش عشاني يبقى عشان رايانا يا ستي، الله يكرمك لتاكلي أي حاجة بلاش اللي بتعمليه ده في نفسك، رايانا لو رجعت وعرفت اللي حصلت لجدتها مين هيقف معاها لو أنتِ تعبتي ؟

وشيما بدأت دموعها تهبط وهي تحاول أن تتماسك، تنظر صوب ساڤا وكأنها تتوسلها بعيونها أن تعدها بعودة رايانا .

وهي اضطرت للكذب فقط كي تتحسن :

_ مسلم وصل ليها وهي بخير وشوية وهتلاقيها داخلة علينا اكيد مش هتحب تشوفك بالشكل ده كفاية لما تعرف خبر الجدة .

وشيما صدقتها وهي تعتدل في جلستها تمسك الطعام تتناول بلهفة شديدة، وساڤا ابتسمت تتركها وهي تتحرك صوب المطبخ كي تحضر لها بعض العصير لتبصر في المكان نورهان وهي تقف شاردة بشكل غريب .

اقتربت منها بهدوء شديد كي لا تفزعها :

_ نور أنتِ كويسة ؟

رفعت نورهان عيونها صوب ساڤا تبتسم لها بلطف شديد :

_ ايوة يا قلبي بخير ليه فيه حاجة ؟

_ شوفتك بس سرحانة بشكل غريب، ايه لحق يوحشك ؟

توترت نورهان بقوة وهي تحاول أن تظهر لا مبالاة لا تمتلك منها شيء على أية حال:

_ مين ...مين ده اللي لحق يوحشني ؟

_ هيكون مين يعني ؟! مسلم .

تنفست نورهان الصعداء وهي تبتسم لها بتوتر :

_ اه مسلم، ايوة صح هو ...وحشني مش اخويا ؟

ارتسمت بسمة خبيثة على وجه ساڨا وقد بدأت تبصر ملامح نورهان ترتخي لتلقي بكلماتها دون اهتمام ظاهري :

وصاحبه برضو اسمه ....اسمه ...تصدقي نسيت اسمه ؟

_ حاتم ؟!

والنبرة التي خرج بها اسم حاتم دون شعور كانت قاتلة إذ شعرت وكأنها تنشد اسمه وليست تنطقه .

_ الله ينور عليكِ حاتم .

_ ماله ؟!

_ ملوش بس شكله محترم وابن حلال والله.

هزت نورهان رأسها ولم تتحدث بكلمة بينما ساڤا تحدثت بجدية عندما أصرت استمرار نورهان في الإنكار .

_ ايه اللي مخوفك يا نورهان ؟!

نورهان ادعت الجهل ولم تكد تكمل فيه حتى قاطعتها ساڤا بقوة :

_ راجل كويس وبتحبيه ايه يمنعك تديله فرصة ؟

ولم تنكر نورهان الكلمة التي نطقت بها ساڤا أو ربما لم تنتبه سوى أن ترد لها الكلمة :

_ السؤال نفسه ليكِ يا ساڤا .

توترت ساڤا من ارتداد الحديث عليها، ولم تكد تبرر أو تتحجج بشيء يبعد الكلمات عنها حتى ابتسمت لها نورهان :

_ شوفتي الموضوع مش سهل ازاي ؟

_ أنا غيرك يا نورهان .

_ مش هتفرق كل واحد فينا عنده حاجز جواه مانعه يعيش بسلام .

ربتت على كتفها ثم قالت مرة أخيرة :

_ ربنا يعين كل واحد على اللي جواه يا ساڤا ومش هقدر اقولك غير أنك مش هتلاقي راجل يساعدك تعدي السور ده قد اخويا، مش عشان هو اخويا، لا عشان هو أحمد...

ختمت حديثها وهي تتحرك خارج المكان في اللحظة التي أبصرت بها أحمد يتوقف على باب المطبخ يتابع ما يحدث بهدوء فابتسمت له وهي تتجاوزه .

بينما هو تابع ظهر ساڤا بهدوء ومن دون مقدمات اقترب منها بهدوء وقبل حتى أن تستدير لتبصر القادم رغم معرفته به من رائحته التي هاجتمها وصوت خطواته التي تميزها والتي وللعجب لا تعلم متى بدأت تشعر بالراحة عند سماعها.

شعرت فجأة بيده تلتف حول خصرها بهدوء شديد وهو يجذبها للخلف بلطف له حتى أصبحت بين أحضانه ومن ثم استند بذقنه على كتفها يهمس بصوت منخفض جوار أذنها .

_ لو مقدرتش اهد السور بتاعك يا ساڤا ...هنط من فوقه المهم ادخل .

صمت ينتظر منها أي رد وهي فقط كانت تتمنى لو أن الأمر توقف على مجرد سور لكانت هي اليد الأولى التي تحطمه .

لكنها نفسها، عدوها في هذه المعادلة هي نفسها ..

تنفست ساڤا بصوت مرتفع وقد بدأ جسدها يتوتر بين أحضانه وهو لم ينتظر أكثر أو يمهد لها كما المرة السابقة يلقي بكلمته دون تفكير :

_ بحبك ...

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

_ حان وقت أن ترد لي جميلك .

كانت جملة ألقاها مسلم دون تفكير بمجرد أن استقر الجميع، رفع له ريك عيونه وهو يحمل كأسًا يمده لمسلم الذي انكمشت ملامحه بتقزز ونفور وهو يدفع الكأس عنه ليبتسم له ريك باستهزاء، ثم تراجع وهو يرتشف الكأس بهدوء شديد واضعًا قدم فوق الأخرى .

يراقبه بتفحص واهتمام قبل أن ينطق :

_ مهتم بسماع التفاصيل ..

ومسلم راقبه بالمثل وكأنه يناطح ثورًا :

_ سبق واسديت لك معروفًا تسبب في وجود زوجتك أسفل سقفك في الوقت الحالي، وبالمثل أريد ذلك ..

رفع ريك حاجبه قبل أن تتسع بسمته وهو يتحدث بصوت مسترخي كسول بعض الشيء :

_ تريد لي البحث عن زوجة لك !؟ 

صمت قبل أن ينظر صوب غابرييل بجدية كبيرة :

_ أعطه حبيبتك غابرييل.

تشنجت ملامح غابرييل بشكل مظلم، لكن ريك لم يهتم وهو يلوح بيده :

_ هي لا تعجبني على أية حال، يمكنها أن تفي بالغرض معه و....

_ ريكاردو .

توقف ريكاردو عن الحديث فجأة حينما سمع كلمة مسلم واستدار له بملامح جامدة ليس وكأنه كان يمزح للتو مع قريبه .

ومسلم أكمل دون اهتمام لشيء الآن سوى سلامة زوجته :

_ أنا امتلك زوجة بالفعل وهي بين أيديهم، وكما سبق وأخرجت لك زوجتك من بين أيديهم اريدك أن تفعل المثل معي، ليس هذا فقط بل ...

صمت ثواني قبل أن يميل مستندًا على قدمه بيديه :

_ أود أن أحيل نهار المنظمة ليلًا، حان الوقت ليتوقف هذا العبث الذي يحدث .

راقبه ريكاردو ثواني قبل أن تبدأ بسمة مخيفة في الارتسام على فمه، بسمة مظلمة وقد اسودت عيونه وتشنج كل جزء من جسده وهو يعتدل في جلسته ثم قال بصوت منخفض غريب :

_ وما ادراك أنني لا أفعل ذلك بالفعل ؟

نظر له مسلم بعدم فهم، لتتسع بسمة ريكاردو أكثر وهو يوضح له باختصار :

_ لقد وضعوا أيديهم على زوجتي، وهذا في عرفي لا غفران له سوى الموت البطئ .

ختم كلمته في اللحظة التي تحطم بها الكأس بين كفه، لم يهتم بشيء وهو يمسح الدماء بثوبه بكل برود وغابرييل يردد بعدم رضا :

_ هذا ليس جيدًا أنت ستطيح باستقرارك في المنطقة...

لكن ريك لم يكن يهتم بأي حديث الآن سوى حديث مسلم وهو يركز على نظرات الأخير وقد عثر واخيرًا على الحجر الأخير في بناءه، كان يعمل منذ اشهر طويلة ليحطم تلك المنظمة القذرة التي تجرأت يومًا ومست زوجته بسوء، ثلاثة جروح بالذراع وخدش بوجنتها، وكسر بذراعها ..

كل ذلك التئم بالفعل منذ اشهر، لكنه حفظه ولن يمحى من رأسه إلا بتحويلهم لرماد. 

هو لن يجلس وينسى ما فعلوه بها ليعطيهم فرصة أخرى ويكررونها، خاصة وقد علموا نقطة ضعفه، وربما المرة القادمة لن يكون هناك مسلم ليساعده في إخراجها، لذا الحل الوحيد هو قتلهم اجمعين، والآن بوجود شخص يعرفهم ويعرف كل شبر بهذه المنظمة بل ويمكن التحكم بها بضغطة زر سيسهل له كل شيء .

ابتسم له بسمة صغيرة :

_ إذن تزوجت ؟

ومسلم رد له البسمة بالمثل وبكل هدوء :

_ لست الوحيد هنا الذي يمكنه التحطيم لأجل امرأة ريكاردو.

ارتسمت بسمة جانبية على فم ريكاردو :

_ زوجتي ليس مجرد امرأة نكراء تذكرها بشكل عابر في حديثك موس، تذكر هذا ...

ومن ثم عاد للخلف يتنهد براحة وقد اكتملت الخطة في رأسه:

_ وعلى كل حال فناء المنظمة اقترب وبشدة، لكن وجودك سيجعل الأمر اسرع، دعنا نخرج لك زوجتك اولًا، ومن ثم نتحدث في أمر نهايتهم .

نظر جواره صوب غابرييل وهو يتحدث بجدية :

_ جهز الرجال غدًا سـ..

_ اليـــوم .

استدار له ريك بعدم فهم ليضغط مسلم على كل حرف ينطقه وهو ينظر له بشر :

_ زوجتي لن تبيت ليلة إضافية بينهم، اليوم ريك....ستخرج زوجتي اليوم من هذا المكان .......

ــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت تجلس في ذلك المكان الغريب، كان أشبه بغرفة اجتماعات فاخرة، بها طاولة كبيرة تتوسطها وارائك فخمة مريحة، وشاشة عرض كبيرة تعرض كل أجزاء المكان، منها الممرات التي تم جرها بها .

وكذلك مكان لصنع المشروبات التي لا تعلم هويتها لكنها تدرك أنها ليست بالبريئة اطلاقًا .

وهي تركت كل ذلك وجلست في ركن الغرفة، نفس جلستها في هذه الغرفة التي لا تعلم كم قضت بها تحديدًا ساعات أم أيام أم ربما شهور وسنوات، كل ما تعلمه أنها قضت بها اسوء لحظات حياتها بالكامل .

والآن ها هي لم تعد تستطيع سوى أن تبحث عن أقرب ركن لها لتحتمي به .

ظلت جالسة هكذا لساعات حتى شعرت أن جسدها بالكامل تشنج وفقدت القدرة على الحركة، فقدت القدرة على تحريك حتى اصبع، لكنها رغم ذلك ما تزال تضم الهاتف بقوة بين يديها، هذا أملها الوحيد لسماع صوته، أملها الوحيد الذي يربطها بملجأها الآمن .

ظلت جالسة دون القدرة على فعل شيء فقط تراقب الشاشات أمامها بشرود، اللون الابيض يغلب على المكان، تفكر ما الذي يفعله الجميع هنا، ولماذا هي، ولماذا مسلم ؟

مسلم العزيز الذي يبدو أنه رأى أكثر مما تخيلت، حينما أخبرها أنه عانى من شيء لا يمكن لأحد أن يتخيله لم يكن يبالغ، وليته كان .

سقطت دمعة على خدها ولم تكد تزيحها حتى سمعت صوتًا يقترب من المكان، ضمت نفسها بخوف وهي تضغط على الهاتف وجوارها أمسكت بشمعدان نحاسي حاد تستعد لقتل أي كان القادم، لتبصر نفس الضخم الموشوم ذو الحلقات المعدنية وهو يحمل صينية طعام ويراقبها بهدوء شديد .

اقترب منها خطوات لتنكمش أكثر فابتسم أكثر...

وضع الصينية على بعد منها، ثم مال برأسه بهدوء يراقبها بلا أي حركة من طرفه، ومن ثم جلس على المقعد أمامها يتحدث بجدية :

_ في أشد احلامي جموحًا لم اعتقد أن مسلم قد يهتم لأنسان بهذا الشكل، لا إهانة لكن هذا الرجل هنا كان كالصخرة لا يلين لأحد حتى اقرب الأقربين لدرجة تجعلك تظن أن لا عزيز له ولا غالي، هو حتى لم يكن يهتم لنفسه وهو يقحم نفسه في قتالات الشارع .

صمت ثم ردد مكملًا غير عالمًا أنها لا تفهم شيء من حديثه :

_ اعتقد أنه كان يفعل هذا بدافع الموت يومًا على يد خصم، لكن انظروا يبدو أنه وجد سببًا يستحق العيش .

شرد الرجل وكأنه يبصر شخص آخر أمامه قبل أن يهمس بصوت خرج ضعيفًا :

_ كم هو محظوظ ....

ورايانا كانت تنظر له بعدم فهم وتحفز لكنها لم تعلق، مسلم أخبرها ألا تثق بأحدهم سوى زكي فقط، وهذا الرجل لا يبدو حتى محل ثقة بهذه الهيئة.

ويبدو أن مارك فهم نظراتها الجاهلة أنها عدم تصديق ليبتسم ساخرًا :

_ ماذا لا تصدقين ؟! هذا الرجل الذي تحبين كان حقيرًا  لم يكن يشارك في القتل، لكنه يمكنه أن يضربك حتى الموت .

صمت قبل أن ينهض ويتحرك صوب خزانة في المكان يخرج منها شيء صغير الحجم وضعه بالشاشة أمام رايانا التي أبعدت عيونها عنه عسى أن يختفي إن تجاهلته، اخذت تنظر للهاتف في انتظار عودة صوت مسلم .

وبالفعل عاد صوته لكن ليس من الهاتف، وليس رقيقًا كما اعتادت، بل كان ....

رفعت عيونها بسرعة بحثًا عن الصوت لتبصر ما جعلها تفتح عيونها بصدمة كبيرة مسقطة الهاتف ارضًا وقد بدأ كامل جسدها ينتفض بقوة، وهذا المشهد الذي تراقبه الآن لمسلم جعلها تشعر برغبة عميقة في التقيئ .

مسلم يجلس في قفص كبير حوله الكثيرون، الدماء تغطيه وتغطي القفص والأرض أسفل اقدامه، ويديه وكامل وجهه، كان يغرق بالدماء بالكامل، لكنها لم تكن دمائه هو، بل كانت دماء جثة لشخص يرقد أمامه بلا حول ولا قوة .

وفكرة واحدة فقط استقرت في عقلها وجعلتها تفقد كامل رشدها .

هل مسلم هو من فعل هذا ؟؟؟؟؟؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

خطوات تفصلك عن النهاية فاحذر ما ينتظرك.....

تعليقات