رواية ذنوب علي طاولة الغفران الجزء الثاني ( هل من سبيل للغفران) الفصل الثاني والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
يدٌ واحدةٌ لا تصلح للتصفيق، وكذلك العلاقات؛ فمدى نجاحها يتوقف على إصرار كلا الطرفين على إنجاحها. فإن لم يكن كلاهما في سباقٍ حقيقي للحفاظ عليها، كان الفشل مصيرها المحتوم.
ومما لا شك فيه أن لا شيء في هذه الحياة يحدث عبثًا، فتلك العقبات والعراقيل ليست إلا اختباراتٍ تقيس قوة العلاقات أو هشاشتها. فإما أن تجد نفسك في المكان المناسب مع الشخص المناسب، ذلك الذي يستطيع، حتى في أحلك الأوقات، أن يتجاوز حزنه وألمه من أجلك.
وحين تأتيه هاربًا من قسوة الدنيا، يكون هو ملاذك الآمن، وركنك الدافئ، الذي يعرف كيف يحتوي اضطراب قلبك، ويسكب الطمأنينة في أوردته.
وإما أن تجد نفسك غريبًا، وحيدًا في مواجهة أزماتك وخيباتك، بعدما أيقنت أن الشخص الذي ظننته سندًا في أيامك العجاف كان أوهن من أن يحمل عنك بعضًا من أثقالك، ومتخاذلًا إلى حدٍّ لا يليق بقلبك، ولا يكفي لبناء علاقةٍ سليمة.
ولأن مرارة هذا الشعور قاسية، وتجاوزها ليس بالأمر الهيّن، فأحسنوا اختيار من يسكن قلوبكم.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تفاجئت آسيا حين جذبتها يد رؤوف لتستقل السيارة وهو يقول بانفعال:
ـ المرة دي هنتكلم غصبك و عن كمال الوتيدي و عن أي حد، و يبقى يوريني هيقفلي ازاي..
حاولت جذب نفسها منه وهي تصرخ بحدة:
ـ سيبني انت أتجننت؟
رؤوف بحدة:
ـ قربت خلاص، والفضل ليكي…
لم يكد ينهي جملته حتى تدخل الحرس ليلكمه أحدهم لكمة قوية في وجهه، لتصرخ آسيا بفزع وهي تقف أمامهم:
ـ بس انت وهو بتعملوا ايه؟ ابعدوا يالا..
تراجع الحرس ليقول قائدهم:
ـ يا هانم أوامر كمال بيه…
ـ أنا هتصل على كمال…
هكذا قالت آسيا لتلتفت إلى رؤوف الذي كان متألم وغاضب إلى أقصى درجة، فقالت بجمود:
ـ خليك هنا ثواني..
خطت عدة خطوات إلى الأمام قبل أن تجذب هاتفها لتقوم بالاتصال بخالد الذي ما أن أجابها حتى قالت برجاء:
ـ مستر خالد ممكن اطلب منك خدمة؟
خالد بقلق:
ـ في أيه يا آسيا ؟ أنتِ كويسة!
آسيا بلهفة:
ـ أنا كويسة. بس رؤوف حاول يتكلم معايا والحرس ضربوه..
قاطعها خالد بغضب:
ـ و الزفت دا عايز منك ايه؟ آسيا. الموضوع دا زاد عن حده..
آسيا بلهفة:
ـ وأنا عايزة انهيه والله. عشان كدا ارجوك متخليش الحرس يبلغوا كمال عشان لو جه مليون في المية هتحصل كارثة و بردو مش هينتهي..
زفر خالد بقوة، وقال بجفاء:
ـ خليكِ معايا ثواني ..
أمسك بأحد الهواتف الآخرى و قام بمحادثة قائد الحرس المكلف بحراستها:
ـ خليك مكانك و متتصلش بحد، و متتدخلوش غير لو لقيته أي خطر على حياتها..
أنهى المكالمة مع الحارس وعاد ليحادث آسيا قائلًا بلهجة آمرة:
ـ الموضوع دا ينتهي النهاردة، وانا هكون معاكِ على التليفون لحد ما تخلصي كلام مع الزفت دا. هيكون عندك مشكلة؟
آسيا بثبات:
ـ لا خالص. هفتح المايك..
خالد باختصار:
ـ تمام..
تراجعت للخلف لتقف أمام رؤوف وهي تقول بجفاء:
ـ اتفضل قول اللي عندك…
كان الألم يلتمع بعينيه يجاوره الغضب الذي شاب نبرته حين قال:
ـ هو سؤال واحد هسألهولك، و عايز إجابة صريحة.
آسيا بهدوء:
ـ أسأل..
رؤوف بنبرة يغلب عليها القهر:
ـ أنتٓ جيتيلي اليوم دا ليه؟ جيتي تعاتبيني ليه؟
ضاق قلبها، وشعرت بأنها على وشك الصراخ، فقد سئمت من الحديث عن ذلك الخطأ اللعين الذي قلب حياتها رأسًا على عقب. كم تمنت لو يعود الزمن إلى الوراء، لتنتزع ذلك اليوم من حياتها قبل أن يولد، أو لتنتزع نفسها منه قبل أن تخطو تلك الخطوة المشؤومة. لكن من منا يملك رفاهية العودة بالزمن؟ لم يعُد الندم مجرد شعور عابرً يسكن قلبها ثم يرحل، بل كان سجنًا تعيش بين جدرانه كل يوم. يهمس في أذنها بأنها لو تصرفت بطريقة مختلفة، لما انهار كل شيء. كان يجلدها كلما ابتسمت، ويوقظها كلما حاولت نسيان ما حدث، حتى أصبحت تحمل الخطأ فوق كتفيها كصخرةٍ لا تُطاق، تتمنى لو استطاعت محو تلك اللحظة بما تبقى من عمرها. فقد وصل بها الحال أن أصبح هذا المشهد نصب عينيها طوال الوقت حتى باتت تعاقب نفسها ألف مرة على ذنبٍ لم يعد في وسعها إصلاحه.
ـ أنا تعبت من الموضوع دا. تعبت منه بشكل مش طبيعي. ياريتني مت قبل ما أجيلك اليوم دا. ياريتني. مُت.
هكذا تحدثت آسيا بنبرة يغلب عليها القهر الذي تناثر من عينيها دون أن تملك القدرة على إيقافه، ولكنها بطريقة أو بآخرى حاولت أن تكون قوية حتى ينتهي هذا الكابوس من حياتها لتتابع قائلة:
ـ حاضر. هجاوبك. أنا جتلك اليوم دا عشان مقدرتش اتحمل أن يبقى بينك وبين ميرهان حاجة. لأني بكرهها كره العمى. اتصدمت انك قدرت تحط ايدك في أيدها و تتعامل معاها عادي، وأنت عارف اللي عملته فيا انت كنت معايا شوفت بعينك قد أيه هي مجرمة. عارفة أن دا أنانية مني بس دا اللي حصل، وانا بدفع تمن أنانيتي دي لحد دلوقتي. دفعت التمن بكل الطرق. لحد لما خلاص استويت..
كان هناك أملًا أحمقًا بداخله يأبى أن يموت لذا استفهت بنبرة يكاد يقتلها الحزن:
ـ بس! جيتيلي عشان كدا بس يا آسيا؟
كانت تعلم إلاما يشير بحديثه و رغمًا عنها تعاطفت معه لكنها قالت بحزم:
ـ بس يا رؤوف. أنا عارفة انك فسرت الموضوع غلط، و انك فكرت أن جيتلك عشان ندمت على جوازي من كمال.
قاطعها بحدة و الألم يتراقص في عينيه و يحتل ملامحه بضراوة:
ـ أنا مش فكرت وبس! أنا كنت متأكد من كدا. بس كنت غبي، وأنتِ تستحقي كل اللي حصلك على فكرة..
رأت بعينيها كم يتألم لذا أجابته بنبرة مُتحشرجة:
ـ عارفة..
رؤوف بنبرة مُلتاعة:
ـ لا أنتِ مش عارفة… أنا كنت خلاص استسلمت للأمر الواقع، وبدأت اعيش حياتي. بدأت ابني مستقبلي. دانا حتى كمان كنت ابتديت اتعلق بميرهان لحد ما جيتيلي. صحيتي كل حاجة تاني، و عشان أنا غبي و معنديش دم. كان عندي استعداد اسامحك، وقولت أن دا كان مجرد انبهار، و قعدت أرصلك في أسباب… بسبب انانيتك دي كل حاجة اتهدت فوق دماغي. المكتب اللي كنت بحلم بيه فضيت شراكته مع ميرهان، و روحت جري أبرأك قدام خالد. كرهت ميرهان و احتقرتها عشان استخدمت التسجيل ضدك..
صمت لثوان قبل أن يتابع بغضب ساخر:
ـ عارفة ليه سجلتلك يوم الفرح! بسبب الست هانم امك. تخيلي أنها بعد ما كانت بتعاملني احسن معاملة عشان كان فاكرة أن احنا هنتخطب. قبل فرحك بيوم بتكلمني من طراطيف مناخيرها وبتقولي متجيش الفرح عشان البيه بيغير عليكِ. على فكرة أنتِ شبهها.
صُدِمت آسيا من حديثه ليتابع بغضب جريح:
ـ أنتوا اللتنين عندكوا القدرة انكوا تخرجوا اسوأ ما في الناس… أنا بقيت وحش وحثبر في عين نفسي بسببك. ببص في المراية مش بعرف نفسي. براجع أفعالي بحس اني زبالة، و كل دا بسببك..
تفاجئت حين رأت العبرات تتساقط من مقلتيه، لتشعر بالألم يتفشى في قلبها و سائر جسدها لتقول بحزن:
ـ أنا اسفة. بجد أنا فعلًا أسفة..
رؤوف بسخرية:
ـ لا متتأسفيش. مانا كمان غلطت في حقك…
ضيقت آسيا عينيها وهي تقول باستفهام:
ـ تقصد ايه؟
انكمشت ملامح رؤوف بندم حقيقي تجلى في نبرته حين قال:
ـ من فترة قريبة جالي كمال المكتب، بعد ما عرف باللي اخواته عملوه فيكِ الليلة دي، و اتخانقنا سوى، و اتهمني اني واطي عشان قدرت احط ايدي في ايد ميرهان بعد اللي عملته فيكِ، و انك جتيلي عشان أنا الوحيد اللي كنت جنبك في الليلة دي و شوفت اللي عملوه فيكِ..
شعرت بأن القادم سيكون سيء على نحو لم تتوقعه لذا قالت بخفوت:
ـ وأنت قولتله أيه؟
رؤوف بنبرة مشجبة:
ـ قولتله أني مشوفتش حاجة و مكنتش معاكي.
آسيا باندفاع:
ـ بس انت كنت موجود و شوفت…
قاطعها رؤوف بحدة:
ـ شوفتك بعد اللي هما عملوه. لكن مكنتش موجود وقتها، وحلفتله على المصحف على كدا. عشان يصدق..
آسيا بذهول:
ـ كمان.
رؤوف بغضب:
ـ أنا كنت عايز ازيحه من طريقنا. عشان ميرجعش يأثر عليكي تاني و ترجعيله، و حتى لو دا تصرف حقير بس أنا قولتلك أنا كنت فاكر انك بتحبيني، وانك ندمتي على جوازك منه. أنا عارف أنه تحايل واني أكيد عليا ذنب كبير، بس.. أنا..
أخفض رأسه وهو يحاول إخراج صوته المختنق حين تابع:
ـ أنا معنديش مشكلة أني أروح أقوله اني كذبت عليه، و دا مش عشانك على فكرة. دا عشان الحق آخر حاجة حلوة كانت فاضلة جوايا، و يمكن دا يكون تكفير عن الذنب العظيم اللي ارتكبته قدام ربنا…
ودت لو تصفعه بقوة على تلك فعلت النكراء، ولكنها تذكرت بأنها المخطئة الأولى، لذا لم تطيل في الأمر فقد فاق الألم حدود احتمالها لذا قالت بنبرة يفوح منها رائحة الألم:
ـ مالوش لازمة. خلاص اللي حصل حصل، و كفاية أوي علينا كدا. أنا أذيتك و انت أذتني. ياريت بقى نختفي من حياة بعض..
كان يتألم بقوة، وهو ينظر إليها، فبالرغم من كل شيء هو لايزال عاشقًا لها. هناك سيل من المشاعر العاتية تضرب داخل قلبه الغبي حتى كادت أن تفتت ضلوعه، ولكنه سينجو منها أو على الأقل سيحاول لذا قال بنبرة جافة:
ـ و أنا موافق، من اللحظة دي أنتِ انتهيتي من حياتي، و خلي بالك اوي بعد كدا. عشان أنتِ مبقالكيش وجود في حياتي. شيليني من حساباتك. اتعامل مع اللي اتعامل معاه.. أنا مش هكون ضحية لأنانيتك تاني.
كان حديثه مؤلم وجارح بالنسبة إليها لكنها أجابت بثبات قاتل:
ـ شيلاك من زمان. على الأقل من اليوم اللي عرفت انك كنت بتسجلي فيه، ومتقلقش مش هاجي أدق على بابا تاني. أنا اصلا لو شوفتك في طريق أنا ماشية فيه هغيره. خلصت كدا..
أنهت جملتها و توجهت إلى سيارتها وهي تبكي، لا تعلم سبب هذا الفيضان المتدفق من بين مقلتيها، ولكن هناك ألمًا ضاريًا يفوق الوصف يجتاح صدرها بقوة. تريد الهرب منه ولا تعرف إلى أين؟ بينما كان هو الآخر يبكي بقوة و هو يقود سيارته كالمجنون الذي يرى جميع أخطائه تعاد كشريط أمام عينيه، وهو لا يتخيل أنه وصل إلى هذه الحالة من الحقارة. كان الاثنين يجمعهما شعورًا واحداً و هو الندم، ونتيجة حتمية لهذا الشعور ذلك الألم المقيت الذي يعاني منه كليهما، ولكن بداية العلاج تكمن في معرفة المرض، و لكي تُشفى الجراح لابد من تنظيفها جيدًا حتى ولو كان الأمر مؤلمًا..
ـ سمعت كل حاجة؟
هكذا تحدثت آسيا بنبرة باكية إلى خالد الذي كان لايزال على الهاتف ليجيبها بنبرة خشنة:
ـ كدا أحسن يا آسيا. الموضوع دا لو كان اتقفل من زمان مكنتوش وصلتوا للمرحلة دي…
كانت تبكي بقوة، يكاد الألم يقتلها مما جعلها تقول من بين نهنهاتها:
ـ أنا تعبت. أنا بكرة نفسي و بكره رؤوف و بكره كمال. بكره الحياة دي كلها. أنا غلطت غلطة واحدة اتحاسبت عليها بدل المرة ألف. أنا كل يوم بحاول اقنع نفسي أن خلاص كل حاجة هتبقى أحسن، و أن خلاص الموضوع دا انتهى من حياتي. بس لا. مفيش حاجة بتنتهي..
شعر بالشفقة عليها كثيرًا لكنه حاول أن يضع الأمور في نصابها الصحيح موضحًا حقيقة وان بدت ظالمة ولكنها واقعًا لا مفر منه:
ـ اسمعيني كويس يا آسيا. أنتِ عايشة في مجتمع اسهل حاجة عنده و إطلاق الأحكام على الناس. مش هقولك أن الست مقهورة في مجتمعنا. بس غلطها مبيعديش بسهولة. حتى لو ربنا ساوى بين الراجل والست في العقاب. لكن الناس لا، و أنتِ عايشة وسط الناس دي. يبقى متحطيش نفسك في موضع شبهة.
كانت تعلم بأنه محق في حديثه، فهل ظنت أن البشر بهذه الدرجة من الإنصاف حتى يعطوها المبررات و يلتمسوا بها الأعذار ولو كانت موجودة؟
تابع خالد حديثه بنبرة أبعد ما تكون عن التأنيب:
ـ مرواحك لرؤوف كان غلط وغلط كبير. مهما كانت نيتك. أنتِ حطيتي نفسك في موضع شبهة بالنسبة لأي حد هيسمع " واحدة رايحة لابن عمها البس كان بيحبها مكتبه بدون علم جوزها " أنتِ اذكى من اني اذكرلك التكهنات و الاتهامات اللي هتتقال في حقك، و كل واحد على حسب دماغه و تفكيره، و أدي أنتِ شوفتي اللي حصل. أنا على فكرة بالرغم من غضبي من رؤوف الا اني مش قادر الومه في أفعاله الحقيرة لانه قالهالك انا فكرت انك بتحبيني لما جيتيلي. حتى هو نفسه اختار السبب اللي يناسبه وصدقه.
آسيا بنبرة واهنة:
ـ أنت عندك حق.
خالد بنبرة خشنة:
ـ الناس بتحكم على قدامهم بناءٍ على طبيعتهم هما. مش على طبيعة الشخص اللي قدامهم. يعني الخبيث شايف كل الناس خبيثة، والطيب شايف كل الناس طيبة. حطي النقطة دي في دماغك..
آسيا باقتناع:
ـ صح. أنت صح..
خالد بنقاء صبر:
ـ الموضوع دا خد وقت طويل اوي، و كويس ان المواجهة دي حصلت عشان تقفلي القصة دي خالص، وياريت تحكي لكمال. دا حقه لأنه جوزك، و دا حقك أنتِ كمان انه يعرف التمثيلية الغبية اللي عملها عليه رؤوف.
آسيا بسخرية مريرة:
ـ تخيل أنه صدق رؤوف و كدبني!
خالد باستنكار:
ـ مبدأيًا هو غبي. لكن عشان نكون منصفين اللي ساعده يصدق رؤوف أن الثقة بينكوا منعدمه. أنتِ كذبتي عليه مرة واتنين قبل كدا، و خدعتيه مش بدافع عنه. لكن بلفت انتباهك عشان دايمًا تحافظي على رابط الثقة بينك وبين اي حد، والدليل على كلامي أن ميرهان لما قالت لكمال أنك روحتي لرؤوف اليوم دا ضربها مستناش أصلًا يسألك، وحتى لما سمع الفويس وقبل ما يطلقك. راح جاب منها تسجيلات المكتب عشان يتأكد أنتِ روحتي ولا لا. كان بيدور عشان كان لسه عنده ثقة فيكِ بالرغم من كل اللي حصل.
كان مُحقًا بالرغم من كل شيء لذا قالت بحزن:
ـ عندك حق.
خالد بجفاء:
ـ انهي الحوار دا يا آسيا عشان أنا اتخنقت، احنا عندنا حاجات كتير الفترة الجاية محتاجين نركز فيها، و أنا مش هقبل بأي غلط..
أنهت مع خالد المكالمة و قامت بمحو عبراتها و هندمة مظهرها قبل أن تتوجه إلى داخل هذا المكان الكبير الذي كان ظاهريًا واحة من الجمال بينما هو في الخفاء جحيمًا يسكنه الشيطان الذي كان ينتظر قدومها بفارغ الصبرؤ فما أن خطت إلى داخل المبنى حتى عانقتها سحر مرحلة بها:
ـ أهلًا بالناس اللي مش قد مواعيدها..
حاولت آسيا رسم ابتسامة مجاملة فوق شفتيها وهي تقول:
ـ بعتذر منك حصل معايا مشكلة عطلتني..
شعره سحر بأنها ليست على ما يُرام، فحاولت تغيير دفة الحديث قائلة:
ـ طب يالا بقى عشان معندناش وقت وحابة اعرفك على حد مهم.
اومأت آسيا برأسها لتقودها سحر إلى غرفة المكتب، التي ما أن انفتحت حتى وقعت عيني آسيا على ذلك الرجل الضخم بملامحه التي كانت وسيمة ولكن بصورة خشنة ليست الوسامة المتعارف عليها بس آخرى تحمل طابعًا مخيفًا ولكم المخيف أكثر كانت نظراته التي لم تريحها أبدًا لكنها تجاهلت حدثها حين رأته يمد يده و يحادثها بنبرة رخيمة:
ـ و أخيرًا اتقابلنا يا آسيا! انا بسمع عنك بقالي كتير…
هكذا تحدث رماح بلهجة مصرية لا يشوبها شائبة لتجيبه آسيا برسمية وهي تصافحه:
ـ أهلًا بحضرتك. اتمنى يكون اللي بتسمعه عني خير..
أجابها رماح قائلًا:
ـ هو خير. بس غير منصف بصراحة..
آسيا باستفهام:
ـ ليه بتقول كدا؟
غازلها قائلًا:
ـ أصلها كانت عماله تحكيلي قد ايه أنتِ جميلة بس اتضح أن كلامها اقل بكتير من الحقيقة..
"أنها محض مجاملة" هكذا أخذت تقنع نفسها لتستطيع رسم ابتسامة مجاملة على شفتيها، فتدخلت سحر التي شعرت بتحفظ آسيا:
ـ على فكرة مهما قولت مش هغير من آسيا عشان بحبها…
سايرها رماح قائلًا:
ـ أنا كمان بحبك يا فكرة…
التفتت سحر موجهة حديثها نحو آسيا وهي تقول بتهكم:
ـ والله احنا نفسنا نعرف مفهوم الحب عند الرجالة..
تفرقت عيني آسيا بينهم، وقد شعرت بالامتعاض من هذا الثنائي السخيف لتقول بملل وهي ترسم ابتسامة صفراء على ملامحها:
ـ لا أنا الحقيقة مش عايزة اعرف. هو لو ينفع نبدأ في مراجعة التحضيرات لأن وقتي يدوب الحق أنجز الحاجات اللي باقية..
تبادل الثنائي النظرات الخفية قبل أن يقول رماح بطريقة عملية:
ـ يالا نبدأ. وريني أنتِ جهزتي أيه؟
قامت بفتح جهاز اللاب توب لتريه التحضيرات الخاصة بالحفل الكبير، فأخذوا يتبادلون وجهات النظر و وضع بعض التعديلات لتمر ساعة و نصف قبل أن ينتهي كل شيء، فتحدث رماح مُثنيًا على عملها:
ـ أنتِ بصراحة اكتشاف، و أفكارك كلها عجبتني. حقيقي أنا بحييكي..
كان الفخر يتملكها كلما أثنى شخصٌ على عملها لتبتسم وهي نجيبه:
ـ ميرسي لذوق حضرتك..
رماح بتخابث:
ـ اسمي عثمان جلال الدين. احنا نسينا نتعرف على فكرة…
آسيا برسمية:
ـ اتشرفت بمعرفة حضرتك…
رماح بإعجاب:
ـ أنا اللي حقيقي اتشرفت اني اتعرفت عليكِ، و بأذن الله شغلنا مع بعض مش هيتوقف على الحفلة دي بس.. انا بس هستنى لما اشوف شغلك على أرض الواقع، و بعد كدا هعتمدك في حاجات كتير أوي.
نصبت آسيا عودها وهي تقول بابتسامة مجاملة:
ـ ميرسي لذوق حضرتك، وان شاء الله شغلي يعجبك انت و مدام سحر..
رماح بتخابث:
ـ هيعجبني. أنا واثق..
ودعتهم وغادرت المكان بعد أن كادت تختنق في الداخل غافلة عن تلك الأعيُن التي كانت تراقبها عبر الشاشة الكبيرة بخُبث تجلى في كلمات رماح حين قالت:
ـ ابن الوتيدي واجع واجف. بت إنما أيه فرسة. تستحج الراچل يرمي نفسه في النار عشان خاطرها..
ضحكت سحر بنعومة قبل أن تقول:
ـ كدا بقى احنا عرفنا هنضرب اول ضربة منين. طب و الباقي؟
رماح بمكر:
ـ متجلجيش. كله متخططله زين، و جريب جوي هيوجعوا واحد ورا التاني، ويوبجى يوريني خالد الوتيدي وهو لحاله ان كان وحش ولا قطة؟!
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا. 🩵
★★★★★★★★
ـ بتقولي ايه يا أشجان؟ خالد عايزك تشتغلي معاه في الشركة؟
هكذا تحدثت سوزان باندهاش إلى أشجان التي تذكرت ما حدث في الصباح
عودة إلى وقتٍ سابق:
ـ بتقول ايه يا خالد؟ أنا اشتغل معاك في الشركة؟
قربها منه أكثر وهو يقول بنبرة خشنة و عينيه تطالعانها بشغف كبير:
ـ ايه المشكلة؟ احنا نطول يا باشا تشغل معانا في الشركة هنا؟
ابتسمت على غزله الرائع لتقول بخفوت:
ـ بجد يا خالد. أنا ماليش في موضوع الشغل دا، و حتى لما كنت بشتغل هنا مكنتش بحس اني بضيف حاجة يعني…
قاطعها بنبرة عابثة وهو يستند على المكتب خلفه وهي محاصره بين يديه:
ـ كل دا و مكنتيش بتضيفي حاجة! طب وحياتي اللي بقالها طعم من يوم ما دخلتيها! و قلبي اللي كان قافل بابه على الحزن و مخاصم الفرح ولما شافك رجع يعيش من تاني. رجعتيلي ضحكتي اللي كنت نسيتها لسنين.
داعب أرنبة أنفها بأنفه وهو يُضيف بنبرة خشنة جذابة:
ـ لو تشوفي نفسك بعنيا هتعرفي انك أحسن ست في الدنيا.
لم تكن كلماته مجرد عبارات إعجاب عابرة، بل كانت بلسمًا يمر على جراحها فيداويها، ويدًا حانية تجمع شتات روحها كلما بعثرتها الأيام. كان يرمم بها ما هدمه الآخرون حتى جعلها ترى نفسها بعينيه المرأة التي لم يخلق لها مثيل في هذا العالم، فقد كان يتحدث إليها وكأن الله أودع في لسانه قدرة عجيبة على شفاء الباقي من اوجاعها و بناء قلاعًا من الثقة بداخلها، ليغرس في قلبها يقينًا صادقًظ بأنها ليست امرأة بين النساء، بل المرأة التي تنتهي عندها جميع المقارنات، فهي الأولى و من بعدها يأتي البقية..
ـ أنا كدا عشان مراتك..
خالد بنبرة خشنة:
ـ وأنا راجل بحب مراتي تكون جنبي على طول. دا اولًا، ثانيًا الشغل بصفة عامة مفيد جدًا للإنسان بيخليه ينضج اكتر، و بيديله ثقة في نفسه وخبرة كبيرة هتساعده في حياته…
فهمت المعنى خلف حديثه لتبتسم بعذوبة وهي تقول بنبرة تحمل الكثير من الامتنان:
ـ أنا لو قعدت أقولك بحبك من هنا لآخر يوم في عمري مش هوصف بحبك قد ايه..
خالد بنبرة عاشقة:
ـ ربنا يخليكِ ليا. على فكرة أنا فعلًا محتاجك جنبي. الناس اللي يثق فيها في حياتي قليليين اوي، و أنتِ أولهم.
عودة إلى الوقت الحالي
ـ خالد عايز يساعدني بكل الطرق، و بيني وبينك أنا فعلًا محتاجة أحس أني ليا وجود و اثبت نفسي فعلًا. أنا عشت سنين كتير اوي ماليش أي وجود. مجرد شبح عايش يسمع كلام اللي حواليه وبس. لكن مكنش عندي فرصة غير اني اكون كدا، وربنا بعتلي خالد هدية من السما عشان يساعدني و يقف جنبي، وانا مش هخذله…
ربتت سوزان على كتفها بحنو وهي تقول بتشجيع:
ـ على فكرة خالد لو مش واثق فيكي و واثق انك هييجي منك و هتكوني قد ثقته مش هيقولك كدا. خالد رجل اعمال ناجح بكل للكلمة مع معنى، و في الشغل بالذات معندوش تهاون.. صدقي نفسك وخلي عندك إيمان بيها، و هتشوفي وقتها انك تقدري تعملي كتير اوي…
«اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك... أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي» 🩵
★★★★★★★★★
ـ انزلي عشان عايزك حالًا…
هكذا تحدث عمر بحدة إلى شروق التي قالت بلهفة:
ـ في ايه يا عمر ؟ تيتا جرالها حاجة ولا اية؟
عمر بصرامة:
ـ لما تيجي هتعرفي. أنا تحت الشركة مستنيك..
أنهى جملته واغلق المكالمة، لتجذب شروق أشيائها و تتوجه إلى الأعلى وهي تشعر بأن ضربات قلبها تدق بعُنف من فرط القلق، و من كل قلبها تمنت بألا يحدث شيء سيء لجدتها، فما أن رأته حتى هتفت بأنفاس مقطوعة:
ـ ايه يا عمر؟ أنت قلقتني جدًا.
جذبها عمر من ذراعها إلى السيارة وهو يقول بنبرة مشحونة بالغضب:
ـ تعالي معايا عشان نعرف نتكلم..
توترت كثيرًا ولكنها اتخذت منحنى الهدوء لتعرف ماذا حدث، فما أن انطلق بسيارته حتى تخلت عن هدوئها وقالت باستنكار:
ـ عمر. أنت رايح على فين؟ و ازاي أصلًا تمشي بالعربية من غير ما تستأذني! لو سمحت اقف على جنب…
التفت عمر يناظرها فهالها كم الألم في عينيه و نبرته حين قال:
ـ أنا لو متكلمتش مع حد هتجنن يا شروق. ارجوكي اسمعيني. أنا فعلًا مخنوق جدًا.
كان يقصد كل كلمة يتفوه بها مما جعلها تهدأ قليلًا وهو تقول:
ـ اتفضل اتكلم..
عمر بنبرة جريحة:
ـ طبعًا أنتِ شوفتي بابا وهو قاعد مع واحدة ست في الكافية. أنا اكتشفت أنه على علاقة بيها، و بيخطط عشان يتجوزها كمان..
صُدِمت شروق من حديثه لتقول باندهاش:
ـ عمر انت سامع بتقول ايه؟ أنت متأكد من الكلام دا؟
عمر بحزن:
ـ متأكد.. روحت امبارح عشان اتكلم معاه، و أقوله مين دي؟ و بتعمل ايه معاك؟ لقيته راكب العربية معاها، و ماشيين غصب عني مشيت وراهم، لحد ما وقفوا عند عمارة استنيت لما طلعوا و نزلت سألت البواب بتاعها مين اللي لسه طالعين دول..
صمت عمر يتذكر كلمات الحارس
ـ دول سكان جداد واحد و خطيبته، بيفرشوا شقتهم عشان هيتجوزوا آخر الأسبوع..
شهقة قوية خرجت من فم شروق التي لم تتخيل أن خالها يخون زوجته بعدما كان يعادي الجميع لأجلها ولكن مظهر عمر المُبعثر جعلها تشعر بالألم لأجله لتقول بمواساة:
ـ عمر. يعني أنا عارفة أن الموقف صعب على اي حد. بس. يعني حاول تبقي قوي.
لم تكن تعرف ماذا تقول له ليصدمها مظهره وهو يقول بألم:
ـ أنتِ مش فاهمة حاجة. أنا الراجل دا هد كل الثوابت في عنيا. خذلني بكل الطرق. خذلني بضعفه قدامها، و بظلمه للناس عشانها، و خذلني بخيانته ليها. أنا مش قادر اشوف في صورة كويسة. أنا حاسس ان أنا كارهه و كاره نفسي..
كان يعاني بطريقة بشدة. عينيه تحكيان رواية مؤلمة عن الخذلان، الدمع يتراقص في مقلتيه كبرهانٍ حي عن أي وجعٍ يعج به صدره. لم تكُن شفقه ما تشعر به نحوه بل أنها تتألم لأجله ترى مقدار عذابه ولوعته تتمنى لو أنها تعانقه حتى تخفف عنه ولو قليلًا، ولكنها لا تستطيع فعل ذلك، فحاولت بطريقة أو بآخرى التخفيف عنه قائلة بنبرة حانية:
ـ عمر. خلينا متفقين أن دا حقه. يعني أنه يتجوز تاني محدش يقدر يلومه..
عمر بانفعال:
ـ أنا مش بلومه أنه هيتجوز أو لا. أنا عايز اقوله طب ليه؟ طب لما هي مش فارقة معاك اوي وقادر ترتبط بغيرها طب كنت بتعمل كل دا ليه؟ أنا شوفت بعيني هو كان عامل ازاي قدامها. أنتِ مش فاهمة عشان معشتيش اللي عشته. طيب هي لما تعرف هتعمل ايه؟
التفت يناظرها بقهر تجلى في نبرته حين قال:
ـ أنا عارف أنها غلطت كتير، وعارف أن ربنا بيخلص و بالرغم من اني كنت ضدها بس هزعل عشانها. خبر زي دي مش هيكون سهل عليها..
أطلق جأشه مكبوتة داخل صدره قبل أن يقول بألم:
ـ عارفة يا شروق؟ أنا أوقات بحسدك انك عشتي ما بين أب و أم أسوياء. عرفوا يطلعوكي كدا. أنا بعترف أن أنا وحش. و معقد، و عندي عقد نقص كتيرة أوي كنت مفكر اني لما أخد احسن حاجة هقدر اكمل النقص اللي جوايا دا. بس أنا مبقتش عايز غير اني اقدر اهرب من الحياة دي. عايز أهرب من كل حاجة تخصهم. حاسس اني اللي جاي أصعب من اللي راح ومش هيكون خير.
رغمًا عنها تناثرت عبراتها تأثرًا بحديثه لتقول بنبرة متألمة:
ـ أنت مش وحش اوي كدا يا عمر، وكون انك عرفت مشكلتك فين دي اول خطوة انك تبتدي تتعالج منها. لكن التشاؤم دا مش حلو..
ـ دا مش تشاؤوم. بس أنا عارف ان نهاية الظلم وحشة، و اللتنين دول ظلموا كتير اوي. أنا الفترة اللي فاتت دي قربت من ربنا أوي، و بقيت حاسس اني عايز اقولهم هما كمان يقربوا بس المشكلة أن ولا حد فيهم شايف نفسه وحش أو غلطان. أنا مش عارف اساعدهم ازاي. انا نفسي الحقهم اوي، و خصوصا هي…
هكذا تحدث عمر بنبرة تقطر وجعًا، فلم تعرف كيف ترد عليه، فهو محق في حديثه لتحاول مواساته بأي طريقة ممكنة:
ـ طيب ممكن تهدى، وبعدين يعني خاطفني، ومعيطني وجايبني موقفين قدام الكافية عشان تحنسني. طيب شربني حاجة طيب. دا انت مش معقد وبس! دا انت بخيل كمان…
رغمًا عنه أضحكته كلماتها ليلتفت ناظرًا اليها بأغيُن يلتمع بهم العشق كما جاءت نبرته:
ـ عارفة يا شروق. أنتِ اجمل حاجة في الدنيا دي. أنتِ طيبة أوي و حنينة و جميلة. أنتِ خسارة فيا فعلاً، و أنا حتى لو مقدرتيش تسامحيني مش هبطل أقولك اني بحبك. أصلًا أنتِ اكتر إنسانة قابلتها في حياتي تستحق الحب..
كادت في هذه اللحظة أن تخبره بأنها تعشقه حد النخاع، ولكنها أحجمت عن ذلك، فهناك جرحًا لم يُشفى بعد لذا ابتسمت بهدوء قبل أن تقول:
ـ على فكرة بقى انت طلعت بتفهم بالرغم من كل عيوبك اللي قولتها و دي نقطة تتحسبلك.
ابتسم عمر على حديثها قبل أن يقول مازحًا:
ـ وكريم على فكرة. حتى ناوي اعزمك على عصير قصب…
شروق بسخرية:
ـ لا واضح الكرم أوي..
ترجلت معه إلى أحد المقاهي وفي هذه الأثناء
كان مصطفى جالسًا في مقعده في أحد المقاهي يغلي من شدة الغضب وهو يتذكر ما حدث البارحة:
عودة إلى وقتٍ سابق:
كان يأخذ حمامًا بعد ارتكابه كبيرة من الكبائر مع تلك الفتاة التي كانت تشبهه في حقارته، والتي باعت شرفها و دينها و عائلتها لأجل متعةٍ رخيصة، وعلاقة عابرة. ليقوم بأغلاق المياة و يجذب أحد المناشف ليجفف جسده، متوجهًا إلى الخارج، فلم يجدها في الغرفة، ولكنه سمع همسًا آتيًا من غرفة الملابس، فاقترب بخطوات هادئة ليصل إليه صوتها وهي تقول بدلال:
ـ معلش يا رؤوف رنيت عليا كنت مشغولة شوية. عامل ايه؟ ميس يوو جدًا.. امممم….. لا اكيد مش بتقل والحركات دي، بس أنا لحد دلوقتي معرفش ايه نوع العلاقة اللي أنت حابب تكون بيننا، وطبعاً في كل الأحوال. مش هيكون في بيننا طرف تالت. أنت اكيد فاهمني….. طيب خلاص هفكر و أقولك نتقابل امتى. تكون انت كمان فكرت.. باااي..
ـ بتكلمي مين؟
هكذا تحدث مصطفى وهو يدعي الجهل التام لسماعه حديثها مع ذلك الشاب لتهتف بثبات اذهله:
ـ دي مامي. كانت بتسألني هرجع امتى. هدخل أخد شاور و امشي عشان متأخرش. مش طالبة مشكلة مع عمر. من غير حاجة هو بيتلككلي..
عودة إلى الوقت الحالي
كاد أن يحطم الكوب الموضوع أمامه، فتلك الساقطة تخونه وهو الذي لغبائه كان يحبها، ولكنه لن يتهاون مع خيانتها أبدًا، فقد قرر أن يجعلها تندم أشد الندم..
ـ مصطفي. سرحان في ايه كدا؟
هكذا تحدثت هايدي وهي تجلس في المقعد أمامه ليُطالعها بغضب كبير حاول كظمه قدر المُستطاع وهو يقول بلا مبالاة:
ـ عادي. مش في حاجة معينة. اقعدي…
هايدي بدلال:
ـ شكل حاجة مضيقاك قولي مالك يا بيبي؟
لم يفلح في ردع الغضب من التشعب إلى نبرته حين قال:
ـ قولتلك مفيش. بطلي اسأله بقى..
هايدي بصدمة:
ـ أنت بتكلمني أنا بالطريقة دي؟ تصدق أنا أنا غلطانه اني بسألك.. ازعل أو اتفلق. أنا ماشية.
ما كادت أن تهب من مكانها حتى امسك مصطفى بمعصمها وهو يقول بلهفة مصطنعة:
ـ خلاص. خلاص .أنتِ زعلتي ولا ايه؟ حد يزعل من حبيبه بردو!
هايدي بحدة:
ـ دي تاني مرة تكلمني بطريقة مش حلوة، وأنا ما بحبش كدا…
ناظرها مصطفى بخُبث وهو يمد يده ليحتوي كفيها ويقربهم من فمه ليضع قبلات متفرقة فوق راحتيهما وهو يقول بحنو زائف:
ـ مقدرش أبدًا على زعل حبيبي..
جحظت عيني عمر وهو يناظر هذا المشهد لشقيقته مع صديقه مما أخرج جميع شياطينه من جحيمها لتشهق شروق بعُنف حين …..
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
بسم الله الرحمن الرحيم
ـ بالله عليك. تهدى يا عمر. الناس هتتفرج علينا، و هتبقى فضيحة..
هكذا تحدثت شروق بنبرة أشبة بالبكاء وهي تمسك بذراع عمر الذي كاد أن يُجن حين شاهد شقيقته جالسة مع صديقه وهو يمسك بيدها و يقبلها ليحاول منع نفسه من ارتكاب جريمة قتل و تقدم منهم بأنفاس محرورة دوى صداها بصدره ليضرب بيده فوق المنضدة وهو يقول بقسوة:
ـ أنتِ بتعملي أيه هنا؟
انتفض جسد هايدي حالما سمعت صوت عمر الحاد، و كذلك مصطفى الذي هب من مكانه ليهتف بصدمة:
ـ عمر.
لم يكد ينهي جملته حتى امتدت يد عمر التي حطت فوق كتفه ليدفعه حتى يعيده إلى مكانه مرة أخرى وهو يقول بشراسة أفزعته:
ـ استنى انت. دورك جاي. هروقك متقلقش.
اقتربت شروق تمسك بيده وهي تقول برجاء:
ـ عُمر الناس بتتفرج علينا. وطي صوتك.
كز على أسنانه حتى سمع صوت اصطكاكهم ببعض ليزمجر بقسوة جعلت هايدي تكاد تفقد وعيها من شدة الرعب:
ـ يالا قدامي، و حياة أمك لهعيد تربيتك من أول وجديد.
أخذت تبكي بعنف وهي ترتعب و تحاول لملمة أشيائها بيدين ترتجفان لتتقدم شروق منها تساعدها في لملمة أشيائها وهي تقول بلهفة:
ـ قومي بسرعة قبل ما يفرج علينا الناس.
كان عمر يناظر مصطفى بأعيُن بدت وكأنها مرآة للجحيم و شياطينه التي تتوق لسفك الدماء بشدة كما جاءت نبرته متوعدة حين قال:
ـ اطلعلي بره.
حاول مصطفى أن يتحلى بالشجاعة التي لم يكن يملكها يومًا ليتقدم خلف عمر وهو يحاول هندمه ملابسه متجاهلًا نظرات الجميع من حوله ليخرج إلى خارج المطعم، تزامنًا مع كلمات شروق التي هتفت في هايدي بذعر:
ـ روحي اركبي العربية بسرعة.. أما الحق المجنون دا.
قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر إلى عمر الذي قام بتوجيه لكمة قوية إلى وجه مصطفى تراجع على أثرها الأخير عدة خطوات إلى الخلف ليندفع عمر نحوه وهو يجذبه من تلابيبه مزمجرًا بشراسة:
ـ بقى بتقرطسني يا كلب.. عامل فيها صاحبي، و أنت مقضيها مع أختي من ورايا.
حاول مصطفى تخليص نفسه منه وهو يصيح بانفعال:
ـ اوعى كدا سيبني. أنا معملتش حاجة. قاعد بتكلم معاها في مكان عام.
تعاظم الغضب بصدر عمر حتى بلغ ذروته ليقوم بضربه بقوة في جبهته وهو يصرخ بوحشية:
ـ اخرس يا حيوان. بتكذب عيني عينك! دانا شايفك و انت بتبوس إيدها.
تدخلت شروق بصراخ و هي تحاول تخليص مصطفى من يد عمر:
ـ سيبه بقى فرجت علينا الناس.
عمر صارخًا وهو يلكم مصطفى في وجهه:
ـ سبيني اخلص عليه الواطي الخاين دا.
هرول الحرس تجاه عمر الذي كاد أن يُجهز على ما مصطفى، ولكنهم حالوا دون ذلك ليجذب أحدهم عمر الى الخلف و آخر قام بجذب مصطفى هو الآخر إلى الناحية الآخرى ليفلت من بينهم و يتوجه ليقوم بتوجيه ضربة قوية إلى وجه عمر الذي صاح بألم، ليحاول الإفلات من الحرس الذين كبلوه بقوة، ليزأر كالوحوش:
ـ اوعى أنت سيبوني اخلص على الكلب دا.
هنا تدخلت شروق التي صاحت بعُنف متخليه عن هدوئها المعتاد:
ـ محدش يسمع كلامه، و أنت امشي من هنا.
غادر مصطفى تحت أنظار عمر القاتلة لتقف شروق أمامه وهي تعنفه قائلة:
ـ كفاية تهور بقى، فرجت الناس علينا. أهدى شوية.
كان هدير أنفاسه مسموعًا بطريقة توحي أي صراع دائر في صدره، ليهتف بنبرة متوعدة:
ـ ههدى بس بعد ما اكسر رقبتها.. المرة دي محدش هيحوشها من إيدي.
أنهى حديثه وتوجه إلى سيارته حيث تجلس هايدي التي كان جسدها ينتفض من فرط الخوف، وهي تحادث والدتها لتستنجد بها قائلة:
ـ الحقيني يا ماما. عمر هيقتلني.
لم تكد تنهي جملتها حتى تفاجئت من عمر الذي كان يتوجه إلى السيارة بخطواتٍ سريعة كالذئب الذي ينوي الفتك بفريسته، ولكن شروق حالت دون حدوث ذلك لتقف أمام الباب الخلفي للسيارة وهي تهتف برجاء:
ـ كفاية يا عمر بقى حرام عليك. أنا تعبت. روحها البيت و اقعد افهم منها. إنما اللي انت بتعمله دا مش صح.
كان كالمجنون لا يرى أمامه سوى ذلك المشهد بينه شقيقته وصديقه الذي يعلم جيدًا أن علاقاته لا تقتصر على الحب العُذري. يشعر بأن الهواء يضيق بصدره حتى كاد أن يخنقه يود الصراخ حتى يطفيء ذلك اللهيب الذي يحرق احشائه من الداخل، فتبلور ذلك الجحيم في نظراته مما جعل شروق تقترب لتمسك بيده وهي تجره بهدوء إلى الباب الأمامي للسيارة وهي تقول بنبرة ناعمة في محاولة لتهدئته:
ـ استغفر ربنا يا عمر، و أهدى كدا. و تعالى روح البيت، عشان تعرف اتكلم معاها وتفهم منها.
كان يود لو يشكو مخاوفه التي تنزع مخالبها في صدره كالوحوش الضارية،ولكنه أحجم عن ذلك لبيتلع كلماته كالجمر، و يستقل مقعد السائق وهي بجانبه ليقود بصمت يحمل بداخله من الضجيج ما قد يقتله ليصل أخيرًا إلى المنزل وما أن صف السيارة أمام باب القصر الداخلي حتى هرولت هايدي إلى الداخل، لتسمعه يقول بصراخ افزعها:
ـ راحه جري تتحامي في اللي مقولياكي؟ مفكره أنها هتعرف تحميكي مني؟ طب أنا هوريكوا هعمل فيكوا ايه؟!
كان كل هذا يحدث أمام شروق التي أكثر ما كانت تبغضه هو المجيء إلى هذا القصر مرة آخرى، ولكن الوضع لم يسمح لها بأن تتركه في هذه الحالة لتترجل من السيارة مُجبرة خلف عمر الذي كان كالمجنون وهو يهرول الى الداخل لتصرخ فيه بفزع:
ـ يا عمر أهدى بقى.
كانت قد توقفت أمامه وهو على أعتاب باب القصر ليُجيبها عمر بنبرة مقهورة بالرغم من الغضب:
ـ سبيني يا شروق اعلمها الأدب. أنتِ مش فاهمة حاجة.
شعرت بهذا القهر في نبرته لتحاول التخفيف عنه قائلة:
ـ طيب ممكن تهدى و تقعد تفهم منها. ما يمكن بيحبوا بعض.
كاد عمر أن يصاب بجلطة دماغية في هذه اللحظة، فهو اكثر من يعلم صديقه ذلك الذي لا يعرف شيء يسمى الحب، فجميع علاقاته تقتصر على معنى واحد، وهو لا يتحمل حتى أن يفكر به. لذا صرخ بنبرة جريحة:
ـ دا ميعرفش يعني ايه حب اصلا. والله لهشرب من دمها.
ـ الله. الله. جاي و جايب الهانم بتاعتك معاك، و عايز تكسر بنتي قدامها؟!
كان هذا صوت نبيلة الحاد الذي جعل الجنون يتبلور في نظرات عمر و نبرته حين صاح:
ـ أنتِ بتقولي ايه؟ ليكِ عين تتكلمي؟ هي الزفتة مقالتلكيش كانت بتهبب أيه؟
صاحت نبيلة مُعنفة:
ـ وطي صوتك و اتكلم عن أختك بأدب.. كانت بتعمل ايه يعني؟ قاعدة مع واحد طلب أيدها مني في مكان عام، ايه كفرت!
توسعت عيني عمر من حديث والدته ليصرخ بجنون:
ـ مصطفى مين اللي طالب أيدها؟ دا لسه كان معاه واحدة زبالة في شقته من كام يوم. أنتِ مغيبة ولا حاجة؟
نهرته نبيلة بحدة:
ـ اخرس واتكلم بأدب، وبعدين انت بتتكلم على أساس انك ملاك! ما أنت كنت زيه واكتر..
عمر بسخرية مريرة نالت منها بقوة:
ـ معلش اصلي ملقتش أم تقولي عيب و حرام..
كانت أهانة بالغة لها خاصةً وهي ترى أعين شروق التي التمعت بها السخرية لتصرخ بانفعال:
ـ تصدق انك وقح..
عمر بقسوة:
ـ حصل، و لسه هتشوفي أنتِ و بنتك الوقاحة اللي على حق، و اللي حصل دا هقوله لخالد. بنتك زوغت من الحرس مرة، و اتنين، و هو كبير العيلة دي بما أن جوزك. مطحون في الشغل، و وريني هتقفيله ازاي؟
قال جملته الأخيرة بسخرية مريرة، ولكن كان صداها مرعبًا بالنسبة إلى نبيلة التى هتفت بخوف:
ـ استنى هنا. اياك تقول لخالد على حاجة..
عمر بتهديد صريح:
ـ وريني هتمنعيني ازاي؟
كاد أن يلتفت لتجذبه من يده وهي تقول بنبرة مُهتزة:
ـ تحرم عليا لو روحت قولتله حرف. أنت عايز ايه؟ تولعها حريقة. مش كفاية جايبلي دي بيتي؟
قالت جملتها الأخيرة بصراخ وهي تُشير إلى شروق باحتقار لتجابهها الأخيرة بنبرة حادة رغم عدم ارتفاعها:
ـ قصدك بيتنا. البيت دا انا ليا فيه بس أنا سيباه بمزاجي..
جن جنونها من حديث شروق لتصرخ بانفعال:
ـ سامع بتقول ايه؟
عمر بحدة:
ـ بتقول الحقيقة…
هدرت نبيلة بغل:
ـ طبعًا هستنى منك ايه غير كدا؟ انسان معندوش اي انتماء لبيته ولا لأهله..
عمر بمرارة و كأن الحياة قد سكبَت في جوفه مرارتها كلها:
ـ عشان لا دا بيت ولا انتوا أهل..
صرخت نبيلة بحدة:
ـ يبقى ملكش كلمة على أختك.
اهتاج عمر غاضبًا وهو يستنكر تجريدها له من حقوقه على شقيقته، فقد اعتاد على سماع هذه الجملة حتى ضاق ذرعًا بها:
ـ ليا..غصب عين التخين ليا، و اسمعِ انتِ و هي الكلمتين دول. مصطفى دا لو آخر واحد في الدنيا مش هتتجوزه.
أنهى جملته وهو يتوجه ناحية شروق يجذبها من يده قائلًا:
ـ يالا يا شروق.
مرت الدقائق عليها كأنها أعوام، وهي تراقبه يغرق في عذابٍ صامت لم تعرف كيف تنتشله منه. لم يكن غاضبًا، ولم يكن ثائرًا، بل كان رجلًا أثقلته الجراح حتى كادت تسحق ما تبقى من صلابته. بدا كمن يحمل جبلًا فوق صدره، يلهث أسفله بصمت، رافضًا أن يسمح لآهةٍ واحدة أن تفلت من بين شفتيه، ولكنها كانت ترى الدموع حبيسة في عينيه، تتزاحم خلفهما كما تتزاحم أمواج البحر خلف سد أوشك على الانهيار، تتوسله أن يترك لها سبيلًا، بينما كبرياؤه يقف حارسًا على بوابة انكساره، يصدها بعنادٍ موجع. عيناه كانتا معلقتين بالطريق، لكنهما لم تكونا تريان شيئًا فقد كان عقله بعيدًا، تائهًا في متاهة من والوجع.
أما يداه، فكانتا تقبضان بقوة حتى برزت عروقهما، وكأنه يخشى إن تراخت أصابعه لحظةً واحدة أن يتداعى هو نفسه، فينهار كما ينهار جدار أرهقه الزمن. بدا لها في هذه اللحظة و كأنه يقاتل في معركةً لا تُرى، معركة لم يكتب لأيًا من طرفيها النجدة، وكبرياءٍ يأبى إلا أن يدفنه حيًّا تحت أنقاض صمته، فأبى قلبها أن تتركه فريسة لهذا الصمت المقيت مما جعلها تقول بنبرة خافتة:
ـ عمر.
لم يلتفت إليها إنما أجابها بنبرة مريرة و كأنه أُجبر للتو على ابتلاع كأسًا من العلقم:
ـ نعم.
شروق بنبرة حانية:
ـ ممكن تهون على نفسك شوية.
في هذه الأثناء كان قد صف سيارته أمام الطريق العام تحديدًا أمام المخزن الخاص بسوزان ليلتفت إليها قائلًا بنبرة جريحة واهنة:
ـ مفيش حاجة هتهون عليا في الدنيا غير اني اترمي في حضنك.
و كأن الكلمة سهمًا قاتل سُدِد إلى قلبها ببراعة، فها هي أمام وجعه تقف مكتوفة الأيدي، و جرحًا بداخلها هي الآخرى ينزف، لا تعرف اتبكي عليه أو عليها، ولكنها شعرت بأن بألمٍ مُضاعف بداخلها و سؤال يتردد في ذهنها كالشوك الذي يؤلمها نصله الحاد " لما؟ " تريد أن تلومه عذابها و احتياحه لها، و شعورها بالعجز عن التخفيف عنه لتسمع الانكسار يغلف نبرته حين قال:
ـ أنا عارف اني بتعلم الأدب على اللي عملته فيكِ. عارف ان الدنيا بتقولي انت اللي فرطت فيها، و أهو دواك عندها و مش طايله..
لم تعد تستطِع احتمال ذلك الوجع لتأخذ حقيبتها و تغادر السيارة مهرولة وصوت نهنهاتها يتردد بصدره كالخناجر ليهتف بنبرة مُلتاعة:
ـ أنا عارف اني مستالكيش يا شروق.. أنا عارف والله…
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين🩵
★★★★
ـ عاش من شافك يا وتيدي.
هكذا تحدث سالم باشا الوزان " معلش مقدرش اكتب سالم بس. لازم اللقب دا باشا و باشا البشوات كلهم و خسارة في المزغودة فرح 😂😒" موجهًا حديثه إلى خالد الذي اقترب يعانقه قائلًا:
ـ عامل ايه يا وزان؟
سالم بنبرة خشنة:
ـ بخير الحمد لله.طمني عليك.
خالد بسخرية:
ـ لحد دلوقتي كويس. الحمد لله. أنت ايه مش ناوي تتجوز بقى؟ قربت على الاربعين.
سالم بلا مُبالاة:
ـ أربعين أو خمسين موضوع الجواز مش فارقلي كتير. أنا كدا كويس.
خالد مازحًا:
ـ كويس لحد ما تشوف اللي تخليك تعرف أنك عمرك ما كنت كويس.
سالم ساخرًا:
ـ أه. ما الوحش طب و جت رجليه، و عايز يجيب رجلي وراه. لا انا كدا باشا. خلينا في المهم. هات اللي عندك.
خالد بنبرة مقتضبة:
ـ في لعبة قذرة بتتلعب عليا، ولازم ابقى مركز و فايق لكل حركة بتحصل قبل ما تحصل.
سالم باختصار:
ـ الموضوع كبير؟
خالد بنبرة مغلولة:
ـ طايل عيلتي يا سالم.
سالم مُحذرًا:
ـ يبقى لازم نحسبها صح. بما أن دي لعبة قذرة، و الموضوع فيه عيلتك. يبقى لازم نحسب كل خطوة صح. الغلطة بفورة.
خالد بتفكير:
ـ بالظبط. أنا مش هسمح أن أي حد من عيلتي يتأذي.
سالم باستفهام:
ـ أنت في حد معين مقلق منه؟
خالد بجفاء:
ـ مقدرش أحدد شخص بعينه. بس أنا معنديش ثقة في حد.
أومأ سالم برأسه قبل أن يقول بنبرة خشنة:
ـ وصلت لأيه؟
خالد بنبرة متجهمة:
ـ طليق مراتي. فجأة من ولا حاجة بقى عنده شركة وفلوس، ومشارك راجل أعمال لبناني. اعماله كلها مشبوهة، و نازلين قصادي في المناقصة اللي جاية.
سالم بنبرة خشنة :
ـ ايه المشكلة ؟ ما أنت تقدر بكل بساطة تحط عليه.
خالد بحيرة:
ـ ماهي دي المشكلة. هو عارفني كويس وعارف اني باخد اللي أنا عايزة لو أيه حصل، واني سهل اوى احط عليه.. يبقى ليه يفكر يقف قصادي؟ اكيد مش عايز يهزق نفسه!
سالم بتفكير:
ـ وجهة نظر بردو، يبقى كدا في احتمالين: يا إما هو عايز يعجزك، و يعلم عليك.. لأنك بتقول طليق مراتك يبقى مغلول منك.
خالد باختصار:
ـ والاحتمال التاني؟
سالم بنبرة خشنة:
ـ أنه عايز يصعبها عليك… بس لو الاحتمال دا هو الصح. يبقى مش هيسكت على كدا.
خالد بتفكير:
ـ بالظبط… ولأن هو عارف ان الاحتمال الأول صعب، عشان أنا معلم عليه قبل كدا، وهو أجبن من أنه يقف قدامي، فأنا برجح الاحتمال التاني.
سالم باختصار:
ـ يبقى نرميله طُعم.
خالد بجمود:
ـ دا اللي بفكر فيه، و عشان كدا قررت ادخلك المناقصة مكاني، وفي نفس الوقت الشحنة هتبات في مخازني.
سالم مُفكرًا:
ـ طب ما تيجي نعكسها؟
خالد باستفهام:
ـ ازاي؟
سالم بخشونة:
ـ احضر انت المناقصة، والشحنات هتبات في مخازني.
صمت خالد لثوان قبل أن تلمع عينيه بفكرة جعلته يقول بمكر:
ـ حلو دا.. بس هنلعب لعبة.
ابتسم سالم هو الآخر بتخابُث بعد أن فطن إلى ما يقصده خالد ليقول باختصار:
ـ وماله نلعب.
استغفرك ربي وأتوب إليك 🩵
★★★
ـ ايه رأيك يا غُريبة قلبي؟
هكذا تحدث ياسر وهو ينظر إلى غنى التي كانت تنظر في المحل الكبير الذي يحتوي على أثاث فاره كانت تراه في التلفاز فقط، لتهتف بسعادة عارمة:
ـ حلو اوي يا ياسر.. أنا مش مصدقة هو أنا هشتري فرشي فعلا من هنا؟
ياسر بحب:
ـ طبعًا يا قلب ياسر. اختاري كل اللي يعجبك. عشان بعدها عندي ليكِ مفاجأة تانية.
تضاعف حماسها من حديثه و اخذت تختار كل شيء بعناية فائقة حتى أتمت المهمة بنجاح، ليأخذها ياسر إلى مكانٍ آخر و الحماس بداخلها كان يتضاعف مع كل خطوة إلى أن وقف في أحد المناطق الصناعية ليلتفت إليها قائلًا بنبرة عابثة:
ـ بقولك ايه؟ قبل المفاجأة دي مفيش قطمة غُريبة لياسر حبيبك؟
غنى بخجل:
ـ لا يا ياسر عيب الكلام دا؟
ياسر باستنكار:
ـ عيب! بت أنتِ أنا جوزك. يعني مفيش حاجة اسمها عيب.
غنى وهي تحاول قمع ضحكاتها:
ـ لا يا ريس ازاي بس؟ العيب عيب حتى لو كنت مين؟
ياسر بحدة:
ـ غنى اعمليلك قفلة.
غنى بامتعاض:
ـ ما تعملك انت. احنا في الشارع، و يالا بقى عشان اشوف المفاجأة.
ياسر باعتراض:
ـ استني. لحظة. أنا لازم اضمن حقي. قبل ما تشوفي المفاجأة دي توعديني انك تكافئيني على كم المفاجأت اللي دافع فيها دم قلبي دي.
ضيقت غنى عينيها قبل أن تقول باستنكار:
ـ نعم! مكافأة ايه؟ أنا معرفش ليه حاسة انك بقيت مادي شوية يا روحي؟
ياسر بتأكيد:
ـ حصل. أنا مادي، و مبسبش حقي.
غنى بنبرة يشوبها التوسل:
ـ طيب ما تسيبه المرادي اعتبرها صدقة. نوع من أنواع الخير يعني.
ياسر بسخرية:
ـ هو انتِ متعرفيش ؟ مش انا بطلت. يا بت دا أنا عامل كمية خير تخليكِ ترقصيلي كل يوم عشرة بلدي، ولا بشوف من وشك حاجة.
غنى بمهادنة:
ـ متقولش كدا يا روحي. دا انت ابو الخير كله. ربنا ما يجعلك تبطل تعمل خير أبدًا، و بعدين ما الخير اللي بتزرعه بتلاقيه.
ياسر بتحسُر:
ـ بلاقيه! على يدك. والله ما لاقيت حاجة. دانا لو واكل مال اليتيم مش هيبقى دا حالي. انجري انزلي.
غنى بلهفة:
ـ عيني.
قالت كلمتها و غادرت السيارة على الفور مما جعل ياسر يهتف بوعيد:
ـ عينك! بتهربي! ماشي يا بنت صابرين. أما عملتلك قفلة بدل ما أنتِ مشحتفة قلبي كدا.
هبط هو الآخر و اقترب يحيط كتفها بذراعه ليتقدم نحو أحد المباني و هي بجانبه تنظر حولها بحيرة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ هو احنا فين كدا يا ياسر؟ و أيه المعدات دي؟
ياسر بنبرة يتخللها الفخر:
ـ احنا هنا في المصنع بتاعي. أنا اشتريت المصنع دا عشان ابتدي شغلي الخاص بعد ما استلمت ورثي، و كالعادة محبتش حد يشوفه قبلك.
توسعت عينيها من هذه المفاجأة الرائعة، فهاهو القدر بعد أن اشبعها صفعًا يبدأ في الربت بحنو فوق قلبها الذي تضخم من فرط شعورها بالسعادة للحد الذي جعلها تندفع إلى أحضانه وهي تقول بعيني مغرورقان بالدموع:
ـ أنا مش مصدقة نفسي يا ياسر.. معقول احنا بنعيش حياتنا طبيعي! بنفرش بيتنا و بنبدأ مشروع و حياة جديدة؟ أنا مبحلمش صح!
طوقها بقوة وهو يقول بسعادة:
ـ صدقي يا قلب ياسر. أنتِ مبتحلميش احنا فعلًا بدأنا نعيش حياتنا طبيعي، و قد ما شوفنا ابتلاءات قبل كدا ربنا بيراضينا دلوقتي.. احمدي ربنا على نعمه عليننا
غنى بنبرة متأثرة:
ـ الحمد لله. الحمد لله يارب.
وضع قبله دافئة فوق جبهتها ليقطع لحظتهم الرائعة رنين هاتف ياسر الذي ما أن رأى اسم هيام حتى استعد لمواجهة حامية معها ليجيب بجمود:
ـ أيوا يا هيام.
هيام بنبرة ناعمة:
ـ أيه يا عيون هيام. عامل ايه طمني عليك أنت وغنى عاملين ايه؟
تفاجئ ياسر قليلًا من نبرتها ولكنه تجاهل ذلك وأجابها قائلًا:
ـ احنا بخير الحمد لله. أنتِ عاملة ايه؟
هيام بلهفة:
ـ الحمدلله. مش ناقصني غير اني اشوفكوا بس..
ياسر بجمود:
ـ أن شاء الله. الحاج جابر و حماده عاملين ايه؟
هيام بلهفة:
ـ جابر مش عاجبني اليومين دول والله يا ياسر، و خصوصًا أن روضة مش مرتاحة مع خالتها من وقت ما راحت عندها. معرفش إذا كان شايل همها ولا هو تعبان ولا ايه؟
ياسر بقلق:
ـ طيب مودتيهوش للدكتور عشان تطمني عليه ايه؟
هيام بانكسار:
ـ هروح بيه لوحدي يعني يا ياسر؟ أنا قولت استنى لما حد منكوا يفضى و ييجي معايا.
ياسر بحدة:
ـ طب مكلمتيناش ليه؟ وفين يزيد؟ مكشفش هو عليه ليه؟
هيام بخفوت:
ـ بصراحة مردتش اطلب منه حاجة. أنا اصلا متضايقة منه.
ـ ليه عملك اي؟
هيام بحزن:
ـ معملش. بس بيقعد ينغزني بالكلام، وانا بيني وبينك مبقتش متحملة. هيام كبرت يا ياسر..مبقتش زي الأول. أنا مش حديد.
شعر بالألم لحديثها، فبالرغم من كل شيء هي شقيقته وفي مكانة والدته لم يحتمل حديثها ليقول بنبرة جامدة:
ـ طيب انا هجيب غنى و أجي اطمن عليكِ أنتِ والحاج جابر.
هيام بلهفة:
ـ تيجي تنور يا حبيبي. مستنياكوا.
كانت غنى تقف إلى جواره، لكن نيران الغضب كانت تلتهمها من الداخل التهامًا، فقد كانت تلك المرأة تحفظ مفاتيح العودة إلى قلبه عن ظهر قلب؛ تعرف أي وترٍ تعزف عليه ليخبو غضبه، وأي كلمةٍ تلقيها لتعيده إلى دائرتها مهما بلغت إساءاتها. والأشد مرارة أنها كانت تُجيد اقتحام لحظاتهما الخاصة كما يُجيد اللص التسلل في جُنح الظلام، وكأن سعادتهما شوكة تستقر في حلقها، فلا تهدأ حتى تنتزعها. و كأنها تأبى أن تترك لهما مساحةً ليزدهر فيها علاقتهم، فتندس بينهما في كل مرة، كغيمةٍ سوداء لا تأتي إلا لتحجب دفء الشمس عن قلبين بالكاد وجدا طريقهما إلى النور.
ـ غنى. معلش هنروح تطمن على الحاج جابر و هيام و بعدين تبقى نكمل اللي ورانا..
هكذا تحدث ياسر بنبرة تكاد تكون آمرة لتحاول هي كظم غيظها في حروفها المختصرة حين قالت:
ـ طيب.
طوال الطريق كانت صامتة إلى أن وصلوا إلى هناك لتترجل بجانب ياسر الذي لاحظ امتعاضها ولكنه لم يستطِع ألا يكون بجانب شقيقته حين تحتاجه، فهي بحياتها لم تتخلى عنه أبدًا، ولكنها لم تكن ترى سوى أفعال هذه المرأة معها، والتي كانت كافية بجعلها تكره التواجد معها بأي مكان، ولكنها حاولت لأجله لذا رسمت ابتسامة جامدة على ملامحها حالما رأتها تقترب منها لتعانق ياسر بقوة وهي تقول بعتب:
ـ وحشتني اوي يا ياسر. كدا تغيب عني كل دا؟
ياسر بنبرة حانية:
ـ غصب عني يا هيام. طمنيني على صحتك.
أسبلت هيام عينيها وهي تطلق تنهيدة حارقة قبل أن تقول بلهجة حزينة خافتة:
ـ نحمد الله يا ياسر على كل حاجة.
للمكر لغة لا يتقن قراءتها الجميع، و خاصةً الرجال فغالبًا ما ينظرون إلى ظاهر المشهد، أما النساء فينظرن إلى اليد التي تحرك الستار في الخفاء. فما يُعد عند الرجل موقفًا عابرًا، قد تراه المرأة رسالةً مكتملة الأركان لأنها تحفظ تفاصيل تلك اللغة كما يحفظ الشاعر قصيدته. فمكر النساء فخًا يقع فيه الرجل بكل طواعية، وذلك لأنه يحكم بما يراه بعينيه، ولا يراه بعقله، بينما لا يمر على المرأة بسلاسة لأنها تعرف الخيط الأول الذي نُسجت منه الحيلة قبل أن تكتمل عقدتها، لذلك ابتسمت غنى بسخرية وهي تنظر إلى انكسار هيام المفتعل لتقول هي الآخرى بتأثر زائف:
ـ ايه يا أبله هيام يا حبيبتي مالك! أنتِ تعبانه بجد ولا ايه؟
اغتاظت هيام من رنة السخرية في صوت غنى مما جعلها تقول بغيظ مكتوم:
ـ هو في تعب بجد وتعب بهزار يا غنى؟
غنى بلهفة مصطنعة:
ـ لا طبعًا مقصدش. بس أنا فكرتك بتخزي عنك العين ولا حاجة. ما أنتِ زي الفل أهو.
لم تكن الكلمات هي ما يدور بينهما حقًا، بل كانت مجرد ستار مهذب يُخفي حربًا صامتة لا تُسمع إلا بلغة العيون. كانت كل نظرة تُطلقها إحداهما أشبه بسهمٍ مصوب بعناية، وكل ابتسامة تحمل بين طياتها رسالةً لا تفهمها سوى الأخرى. أما الأحاديث التي تهادت على الألسنة، فلم تكن سوى قشرة رقيقة تُخفي تحتها بحرًا من المعاني المسمومة والإشارات المُبطنة، حتى بدا وكأن المعركة الحقيقية تُخاض بالأعين، بينما الكلمات لم تكن إلا دخانًا يُخفي لهيبها.
ـ ماهو أصل اللي اتعود يشيل على كتافه مش سهل ينخ كدا يا غنى. بس لما بيقع مبيقومش تاني. يالا نحمد الله على كل حاجة.
ياسر بلهفة:
ـ بعد الشر عنك يا هيام. ايه الكلام دا؟
هيام بانكسار:
ـ دي الحقيقة يا ياسر. يالا بينا ندخل ليكوا وحشة والله. البيت كان مضلم من غيركوا.
دلفت إلى الداخل و كفها يعانق كفه، تأبى أن تتركه، وكأنها تعلن أن وجودها بجانبه و معه حقيقة لا يمكن إنكارها، لتأخذهم هيام إلى غرفتها حيث كان جابر يتسطح فوق مخدعه، فما أن رآهم حتى اعتدل مُرحبًا بهم:
ـ اذيك يا ياسر. عاش من شافك يا ريس.
اقترب ياسر يصافحه بحرارة وهو يقول:
ـ عامل ايه يا حاج جابر.. واحشني والله. ألف لا بأس عليك.
جابر بنبرة واهنة:
ـ تعيش يا ياسر. هنعمل ايه بس؟ الصحة مبقتش زي الأول. الحمد لله على كل حاجة.. ازيك يا غنى يا بنتي عاملة ايه؟
غنى بابتسامة جميلة:
ـ الحمد لله يا حاج جابر. ألف سلامة عليك.
ـ الله يسلمك يا بنتي. تسلمي من كل شر..
استفهم ياسر قائلًا:
ـ اومال فين حمادة ؟ دا واحشني اوي.
هيام بلهفة:
ـ جوا في أوضته، و أنت كمان واحشه والله، قوم تعالى شوفه. دا هيفرح اوي لما يلاقيك داخل عليه.
نصب ياسر عوده وتوجه لرؤية الطفل، فهو يحبه كثيرًا، و قد ظهر ذلك في معاملته له، فقد استأذنت غنى من جابر لتتوجه خلفهم، فرأت من بعيد كم يدلل الطفل، فلمعت عينيها بالحب وبداخلها تمنت لو أنها تحمل بداخلها طفلٌ منه لتسمع صوت هيام الجاف التي لاحظت نظراتها إلى ياسر وطفلها:
ـ حبيبي يا ياسر. طول عمره بيحب الأطفال. ربنا يحنن عليه بحتة عيل.
لا تعلم لما شعرت بأن حديثها يحمل معنى آخر لذا قالت باستنكار:
ـ يحنن عليه ليه؟ هو هيشحته؟
هيام بتهكم:
ـ شكله كدا، إلا قوليلي ياغنى يا حبيبتي بقالكوا داخلين في سنتين أهو و مفيش حمل، مفكرتيش تروحي للدكتور يعني تطمني على نفسك؟
شعرت بأن الكلمات مدببة كالخناجر ولكنها لم تتألم فقط بل غضبت أيضًا، فأرادت رد الصاع صاعين حين قالت بجفاء:
ـ دي حاجات خاصة يا هيام. و عيب أوي انك تدخلي فيها.
لم تتوقع هيام حديثها لذا قالت باستنكار:
ـ اخس عليكِ يا غنى. مكنش العشم. دانا قلبي على مصلحتك. تكسفيني كدا؟
وصل حديثها إلى مسامع ياسر الذي اقترب يقول باستفهام:
ـ في ايه؟
استشاطت غنى من حديث هيام التي أجابت ياسر بنبرة واجمة:
ـ ولا حاجة يا ياسر. تعالى نشرب الشاي بره.
أصر ياسر على فهم ما حدث ليقول بحدة:
ـ لما اعرف في ايه؟
لم تستطع غنى ارتداء قناع الصبر أكثر من كدا لتهتف بحدة:
ـ أبدًا هيام الظاهر انها زعلت مني عشان بتكلمني في موضوع الخلفة قولتلها أن دا موضوع خاص.
رفعت هيام رأسها إلى غنى لتقول بلهجة جريحة:
ـ ياريتك قولتي كدا وبس يا غنى، و عمومًا الحق عليا. أنا اللي جبت لنفسي الكلام و الإهانة.
توقف عقل ياسر على كلمة هيام الأخيرة وملامحها المنكسرة ليقول باستنكار:
ـ أهانة!
جن جنون غنى لتهتف بدون احتراز:
ـ أنت مصدق الكذب و دموع التماسيح دي؟!
شهقت هيام بصدمة، ليصرخ ياسر بحدة:
ـ غنى. أعمليلك قفلة. هتغلطي فيها وأنا واقف؟!
شعرت بالغضب فقد وقعت في فخ تلك المرأة المحكم، و جرتها إلى الخطأ ليهتاج الغضب بداخلها أكثر مما جعلها تنفعل وهي تقول:
ـ أنا عايزة امشي من هنا.
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ٨
★★★
ـ ايه ده يا رحيم؟
هكذا تحدثت نجاة وهي تنظر إلى هذه المحلات الكثيرة التي تعج بالملابس الفارهة التي جعلت رأسها يدور ليحتضن رحيم كفها وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ بيجولوا أن الحريم هيحبوا يشتروا خلاجات كتير جولت بما إني متچوز ستهم يوبجى ليه مچيبهاش تنجى اللي يعچبها.
اخترقت جملته عقلها مرورًا بقلبها الذي تضخم حين وصفها بأنها سيدة النساء، لتبتسم بخجل تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ ستهم مرة واحدة!
رحيم بنبرة متحشرجة:
ـ ست ستهم كمان.
ابتسمت بخجل وهي تدير رأسها إلى الجهة الأخرى ليمد يده و يدير رأسها إليه وهو يقول بنبرة عاشقة:
ـ في أسئلة كتير سألتيني عنها آخر مرة، أوعدك لما نروحوا هچاوبك عليها كلياتها.
شعرت بدقاتها تتقاذف داخلها ليزحف الخوف الى نبرتها وهي تقول:
ـ و إچاباتك دي هتطمني؟
مد كفيه يحتوي وجهها وهو يقول بحنو:
ـ سبيلي نفسك، وأني و ربنا المعبود، ما هخلي الخوف يعرفلك طريج…
لم تهديه وردة ولا إجابه كفيلة بطمأنته هو الآخر بل أعطته ابتسامة رائعة انشرح على إثرها صدره كما جاءت كلماتها العابثة لتجعل الحياة تعود إلى روحه من جديد:
ـ طب يالا بجى عشان اني هشتري كل الخلجات اللي أهنه.
رحيم بنبرة عابثة:
ـ موافج بس اعملي حسابك اني هشوف كل حاجة عليكِ جبل ما تشتريها.
نچاة بارتباك:
ـ لاه. كيف ده؟ فرضنا اني عايزة اشترى حاچات حريمي يعني!
رحيم بحدة:
ـ وه. ده هي دي الحاچات اللي أني عايز أشوفها.
نجاة باعتراض:
ـ ايه قلة الأدب دي؟
رحيم بسخرية:
ـ واحنا خدنا ايه من الأدب يعني! يالا جدامي..
تقدمته وهي تشعر بالخجل الذي سرعان ما انمحى
وهي تختار الكثير من الملابس التي لاقت بها كثيرًا إلى أن وصلت إلى أحد المحلات التي تبتاع ملابس النوم، لتشعر بالخجل الذي جعل رحيم يتعمد إحراجها أكثر حين قال:
ـ أيوا بجى چينا للحاچات المفيدة.
زحف الخجل إلى وجنتيها ليتفتح بهم الورد، فأجابته بارتباك:
ـ وه. مفيد ايه و ضار ايه؟ هو احنا هنشتري خضار ولا ايه؟ اتفضل شوف رايح فين على ما أشوف اني محتاجة ايه؟
رحيم بمكر:
ـ يا بت الناس اني رايد أساعدك.
نجاة بسخرية:
ـ جولتلي! نفسك تساعدني إياك؟ لاه كتر خيرك اني معيزاش مساعدة.
رحيم بتخابث:
ـ طب فكري زين؟
نجاة بلهجة قاطعة:
ـ فكرت. اتفضل شوف وراك ايه؟
ضيق رحيم عينيه قبل أن يقول قاصدًا أغاظتها:
ـ وماله. احنا محتاچين عنصر المفاچاة بردك..
تمتمت نجاة بخجل:
ـ شوف الراجل المكار. جال عنصر المفاجأة! هيعبر خط بارليف ولا ايه؟
وصل إلى مسامعه حديثها ليقهقه عليه قبل أن يقول بنبرته الغليظة:
ـ هاتي كل اللي نفسك فيه، وده كارت البنك و دي كلمة السر، واني هشرب جهوة في الكافية اللي في آخر الصف ده، ولما تخلصي هتلاجيني جاعد اهناك مستنيكِ.
ابتسمت نجاة قبل أن تقول بسعادة:
ـ حاضر.
غادر رماح لتدلف إلى المحل و تبدأ في اختيار كل ما تحتاجه، لتمر عشر دقائق قبل أن تسمع باب المحل يُغلق، يتلوه صوت بارد كنصل السكين:
ـ ليكِ وحشة يا بت رماح.
توقفت الدماء في أوردتها حين سمعت ذلك الصوت الذي جعل الرعب يقذف كالفيضان في أوردتها لتلتفت ببطء وكأنها ترتعب من حقيقة أنها موجود بالفعل، فإذا بها تهمس بشفاة مُرتجفة:
ـ أبوي…
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم 🩵
★★★
كانت ليلة طويلة كُليًا عليها، لم تنم بها سوى ساعتين، فقد داهمتها الكوابيس حتى أفسدت راحتها لشعر بأنها تريد الخروج إلى الهواء النقي، فهبت من مخدعها، لتشعر بالدوار يكتنفها بسبب قلة النوم و الجوع، فهي قد نسيت أن تجلب لها وجبة عشاء من أحد المطاعم وهي عائدة إلى المنزل، و بالتالي لا يوجد فطور، وهي لم تتناول أي شيء في هذا المكان، فزفرت بحدة و لملمت أشيائها لتقرر الذهاب رأسًا إلى سوزان و الارتماء في أحضانها و من ثم تناول الفطور من يدها، ولكنها قبل ذلك خطت خطوات سُلحفية إلى غرفة سيف الذي كان لا يزال نائمًا لتقترب من مخدعه و تنحني واضعه قبلة دافئة فوق جبهته وهي تهمس قائلة:
ـ صباح الفل. هتوحشني اوي طول اليوم، بس معلش بقى مش قادرة ولا عندي طاقة اشوف ابو لهب النهاردة، و خصوصًا أن في معركة هتدور بيننا. افطر كدا و اصلب طولي عشان اعرف أقفله. اه دا ممكن يبلعني. لازم أكون في كامل تركيزي.
ابتسمت حين أخذ الطفل يتمطى وكأنه على وشك الاستيقاظ، ولكم أرادت أن تبقى قليلًا معه، ولكنها لا تملك الحق في ذلك، فقد سمعت كمال يتحدث في الهاتف مع أحد الشركات ليؤمن له مربية وانهم سيرسلون إليه واحدة اليوم، لذا سحبت رائحة الطفل الجميلة داخلها و وضعت قبلة أخرى فوق رأسه وعلى كفوفه الناعمة قبل أن تذهب وهي تتمنى من كل قلبها لو أنها لا تتعثر به، وقد كان لها ما أرادت فهاهي في طريقها إلى المخبز عند سوزان لتصف سيارتها أمام الطريق العام، وهي تنظر في المرآه بامتعاض حين رأت في المرآة سيارة الحرس، ولكنها لا تملك من أمرها شيئًا.
توجهت بخطوات سريعة إلى هناك لتجد باب المخبز مفتوح، فصاحت تنادي على سوزان:
ـ سوزي. يا سوزي.
ولكن لا رد مما جعلها تشعر بالقلق، فتوجهت إلى الداخل وما إن وطئت قدماها غرفة اعداد المعجنات حتى اصطدمت عيناها بهذا المشهد المريع فتخشبت في موضعها، وكأن روحها انفصلت عنها لوهلة. كانت سوزان تفترش الأرض بلا حراك، فارتطم قلبها بأضلاعها ارتطامًا موجعًا، واندفعت الدماء هاربةً من وجهها، بينما تمدد الرعب في أوصالها كالنار في الهشيم. حتى راحت تحدق بها بعينين مرتعبتين، عاجزةً عن التقاط أنفاسها أو استيعاب ما تراه، وكأن العالم من حولها انطفأ في لحظة، ولم يبقَ فيه سوى ذلك الجسد الساكن الذي بث في قلبها خوفًا كاد يمزقها، لتسقط أرضًا بجانبها وهي تهتف هامسة:
ـ سوزي.. سوزي ردي عليا. سوزي. سوززي.
قالت جملتها صارخة حتى تقطعت احبالها الصوتية، ليصل صوتها إلى مسامع أشجان التي كانت في الشقة في الطرف المقابل للمخبز، لتهرول إلى الأسفل مدفوعة بخوفٍ مريع حين سمعت صوت آسيا الصارخ، لتتجمد الدماء في عروقها هي الآخرى ما أن رأت مشهد سوزي التي كانت تفترش الأرض ليخرج صوتها صارخًا هي الآخرى:
ـ سوزي. سوزي مالها يا آسيا؟
التفتت آسيا و الفجع يلون تقاسيم وجهها، و نبرتها حين قالت:
ـ الحقيني. جيت لقيتها واقعة و مبتردش. مبتردش يا أشجان. مابتردش.
قالت جملتها الأخيرة صارخة، تزامنًا مع قدوم الحرس مهرولين من حولهم، ليقوم أحدهم بمد يده ليتفقد نبض سوزان ليهتف بلهفة:
ـ لسه فيها النبض. لازم نوديها المستشفى حالًا.
هتفت أشجان بلهفة:
ـ أيوا أيوا. لازم ننقلها المستشفى.
في هذه الأثناء كان خالد في الشركة يبحث في الأوراق أمامه ليصل إليه اتصال هاتفي فأجاب حين وجده أحد الحرس الذي اجابه بلهفة:
ـ خالد باشا. سوزان هانم دخلنا لقيناها واقعة على الأرض و مبتنطقش، وطلبنالها الأسعاف و رايحين بيها على المستشفى دلوقتي.
وكأن أحدهم هوى فوق رأسه بمطرقة قوية جعلته يهب من مقعده مفزوعًا غير مصدق لتلك الصاعقة التي وقعت على مسامعه ليهتف بنبرة مقطوعة الأنفاس:
ـ لسه فيها النبض؟
الحارس بلهفة:
ـ أيوا يا باشا. الاسعاف خدتها، وطالعين بيها على المستشفى الوتيدي.
ما إن أبلغه الحارس بما حدث حتى اندفع من مكانه كمن أصابته صاعقة. لم تكن سوزان مجرد امرأة يعرفها، بل كانت إحدى الدعامات التي استندت إليها روحه كلما أوشكت على الانهيار؛ المنارة التي شقت بنورها عتمة السنوات التي تاه فيها، واليد التي منحت قلبه دفئًا افتقده منذ رحيل والدته، والملاذ الذي وجد فيه حنانًا لم يعرفه، وتفهُّمًا عجز عن أن يجده حتى بين أقرب الناس إليه. لم يسمع من حوله شيئًا. تلاشت أصوات الموظفين، وضاعت أسئلتهم المذعورة في ضجيج خوفه، بينما كان يركض وكأن الأرض تضيق تحت قدميه. وما إن استقل سيارته حتى انطلقت كالسهم المنفلت من وتره، يقودها بجنون رجلٍ يطارد الزمن نفسه، يخشى أن يسبقه القدر بخطوةٍ لا تُغتفر. فكان الطريق يمتد أمامه طويلًا كأنه يتعمد تعذيبه، وكل ثانية تمر كانت تغرس في صدره شوكةً جديدة، حتى بات يشعر أن أنفاسه تتسابق مع دقات قلبه، وأن خوفه يلتهمه التهام النار للهشيم، وما إن وصل إلى المشفى حتى اصطدم بالمشهد الذي جمد الدماء في عروقه.
كانت آسيا تجلس على الأرض، تضم ساقيها إلى صدرها كطفلةٍ احتمت بنفسها بعدما عجز العالم عن حمايتها، بينما كانت شروق تحتضن شقيقتها وتبكي بحرقةٍ كأن قلبها يُنتزع من بين ضلوعها انتزاعًا. أما هي... حبيبته. فكانت تقف هناك، تحتضن كتفيها بذراعيها في محاولةٍ يائسة لاحتواء ارتجاف جسدها، فيما كانت شهقاتها تتساقط في المكان كأنها شظايا زجاج محطم، وكل شهقةٍ منها كانت تخترق صدره، تحطم ضلعًا بعد آخر، حتى خُيِّل إليه أن الألم قد صار كائنًا حيًّا ينهش قلبه بأسنانه، في تلك اللحظة أدرك أن أسوأ الكوابيس ليست تلك التي نراها في نومنا، بل تلك التي نقف داخلها عاجزين، نشاهد من نحب ينهارون أمام أعيننا، ولا نملك سوى قلبٍ يرتجف خوفًا، وروحٍ تتوسل ألا يكون الأوان قد فات.
ـ خالد.
اخترق صوتها جموده كما يخترق الضوء عتمة كهفٍ موحش، فانتزعَه من صدمته على الفور. وما إن رآها تهرول نحوه حتى شعر بأنها لا تركض إليه، بل تركض نحو الأمان بين أحضانه، وكأنه الملاذ الأخير الذي أرادت الإحتماء به من ذلك الخوف الذي كان يلتف حول روحها كإعصارٍ لا يُبقي ولا يذر، ففتح ذراعيه دون تردد، فاندست بينهما، ليضمها إلى صدره بكل ما أوتي من قوة، لا يعلم أكان يحتضنها ليطمئنها، أم كان يتمسك بها حتى لا ينهار هو الآخر. فقد كان قلبه يضطرب بعنف لا يقل عن اضطرابها، والخوف ينهش روحه كما ينهش الصدأ الحديد، إلا أنه لم يكن يملك رفاهية الاستسلام له.فهو يعلم أن انهياره يعني سقوط الجميع، لذلك ابتلع فزعه كما يُبتلع الجمر، ووارى ارتجافة قلبه خلف ذراعين ثابتتين، ونظرةٍ حاول أن يكسوها بالثبات. فلطالما كان الجدار الذي يسند إليه الجميع ظهورهم حين تتهاوى الدنيا من حولهم، أما هي. فكانت آخر من يسمح لها أن ترى في ذلك الجدار شقوقًا أو تسمع صدى تصدعه.
ـ سوزان جالها أزمة قلبية و حالتها خطر، والدكاترة عندها.
كان الألم يطحن عظامه حين سمع حديثها، ولكنه حاول أن يجعل نبرته ثابتة حين قال:
ـ أن شاء الله يا حبيبي هتقوم بالسلامة.
رفعت أشجان رأسها تنظر إلى عينيه وكأنها تستمد الأمان منهم وهي تقول بنبرة خائفة:
ـ أن شاء الله.
حاول جاهدًا أن يظل على ثباته وهو يحتوي وجهها بين يديه ليقترب واضعًا قبلة محرورة فوق جبهتها ثم قال بنبرة متحشرجة:
ـ ادعيلها.
ـ يارب تقوم بالسلامة. يارب ميضرناش فيها أبدًا.
أمن على دعائها، وهو يحتويها أسفل ذراعه ليتقدم بها حيث تجلس الفتيات، فجذب أحد المقاعد و أجلسها فوقه ثم اقترب من آسيا ليمد يده إليها وهو يقول بنبرة سعى جاهدًا حتى لا ترتجف حروفها:
ـ قومي يا آسيا متقعديش كدا.
لأول مرة تكن في هذه الحالة من الوهن الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ مش قادرة اقف على رجلي.
ـ آسيا.
كان هذا صوت كمال اللاهث فقد أخبروه الحرس بما حدث ليهرول هو الآخر إلى المشفى، فتفاجيء بها تجلس أرضًا و خالد أمامها يمد لها كفه، ولكن ما أن سمع صوت كمال حتى تراجع إلى الخلف ليقترب الأخير منها و يهوى إلى جانبها وهو ينظر إلى هلعها وهذا الألم الضاري الذي افترس جمالها ليقول بنبرة مطمأنه:
ـ هتبقى كويسة. أن شاء الله هتبقى كويسة.
شخصت أنظارها إلى البعيد وهي تهتف بنبرة مُتحشرجة:
ـ هتبقى كويسة. أنا عارفة. هي وعدتني أنها مش هتتخلى عني أبدًا.
كان حديثها مؤلمًا للجميع، ليعطيهم خالد ظهره و يده تضم رأسه أشجان وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ قومها من على الأرض يا كمال.
انتبه كمال إلى جلستها فوق الأرضية الصلبة ليقوم على الفور بوضع يده أسفل ركبتها و الأخرى خلف ظهرها ليحملها وهو يعتدل واقفًا دون أن يمهلها الفرصة لاستيعاب ما يحدث، وقد كانت هي خائرة القوى لدرجة أن صوتها لم يطاوعها معلناً عن نفسه، فقط التفتت تناظره بضياع كان ثقيًلا على قلبه كثيرًا للحد الذي جعله يقرب رأسه من رأسها وهو يقول بنبرة مشجبة:
ـ هتبقى كويسة أن شاء الله. قولي يارب.
ـ يارب..
هكذا قالت همسًا قبل أن تشعر به يضعها فوق أحد الارائك تزامنًا مع وصول عمر الذي كان يرتدي ثياب العمل ليقترب قائلًا بلهفة:
ـ قالولي أن انتوا هنا، وان سوزي جاية حالتها خطر. حصل ايه؟
تحدثت أشجان بألم:
ـ معرفش أنا نزلت على صريخ آسيا وجريت لقيتها واقعة على الأرض. فاقدة الوعي.
حينذاك تحدثت آسيا بوهن:
ـ أنا دخلت لقيتها كدا و كان في إيدها تليفونها…
ضيق خالد عينيه لدى سماعه حديث آسيا ليقوم بجذب هاتفه ليرسل رسالة نصية إلى أحدهم ثم استمع الى حديث عمر الذي كانت أنظاره منصبة على شروق التي كان وجعها يختلف عن الجميع، فقد تذوقت مرارة اليُتم ذات مرة، ولا تستطيع احتمالها مرة آخرى، فكانت تبكي خوفًا و ألمًا و فقدًا ليقول عمر بلهفة:
ـ أنا هدخل أشوفها واطمنكوا عليها..
بعد وقتٍ غير معلوم لكنه ثقيل خرج الطبيب بصحبة عمر الذي قال بجمود:
ـ اهدوا يا جماعة خير ان شاء الله الدكتور هيوصف حالتها بالظبط
تنهد الطبيب بهدوء، ثم قال بصوتٍ جاد:
ـ الحمد لله. احنا قدرنا نلحقها لكن لازم تعرفوا إن اللي حصل كان خطير جدًا.
حبس الجميع أنفاسهم، ليتابع الطبيب:
ـ هي اتعرضت لأزمة قلبية حادة، والأزمة أثرت على عضلة القلب وعلى كفاءة القلب في ضخ الدم، وده أدى لهبوط شديد في الدورة الدموية، وعشان كده فقدت الوعي.
ساد صمت ثقيل، قبل أن يُكمل:
ـ بصراحة. وصولها للمستشفى في الوقت المناسب هو اللي أنقذها بعد كرم ربنا طبعًا. أي تأخير بسيط كان ممكن يخلي الأمور تبقى أسوأ بكتير.
خالد بنبرة خشنة:
ـ يعني الحالة دلوقتي بقت مستقرة؟
أجابه الطبيب بجدية أكبر:
ـ للأسف إننا لسه معدناش مرحلة الخطر. حالتها مستقرة حاليًا، لكنها لسه حرجة، وأول أربع وعشرين ساعة هما الأهم. خلال الفترة دي هنفضل متابعين القلب لحظة بلحظة، لأن أي مضاعفات أو اضطراب في ضربات القلب لازم نتعامل معاه فورًا.
تردد قليلًا، ثم أردف بنبرة مطمئنة:
ـ دلوقتي أهم حاجة إنها ترتاح تمامًا، وممنوع عنها أي انفعال أو ضغط نفسي، لأن عضلة القلب محتاجة وقت علشان تستعيد قوتها. إحنا عملنا اللي علينا، والباقي دلوقتي بإيد الله. و ان شاء الله تعدي الساعات الجاية على خير.
غادر الطبيب دون أن يبثهم من الطمأنينة ما قد يثلج صدورهم، فقد كان الجميع يتألم بصمتٍ قاتل، ليقترب عمر من شروق التي كانت تبكي بهدوء وهو يقول بنبرة مطمئنة:
ـ اهدي يا شروق هتبقى كويسة. سوزي ست قوية وان شاء الله لتقوم منها.
كانت في أمس الحاجة للإرتماء بين ذراعيه، وقد شعرت بمدى معاناته البارحة وهو يتمنى لو يعانقها حتى يهدأ ألمه، لكنه لم يتركها مثلما فعلت بل قام بامساك يدها و وضع قبلة دافئة فوق راحة كفها، وهو يقول بحنو:
ـ أول ما تستقر في العناية المركزة هخليكي تدخلي تطمني عليها بنفسك.
شروق بنبرة مُتلهفة تعج بالإمتنان:
ـ شكرًا اوي يا عمر.
عمر بنبرة عاشقة:
ـ أنا عنيا ليكِ.
في هذه الأثناء تحول الحزن و الخوف إلى ألم ينهش في معدتها التي أعلنت عن ثورتها كالعادة في أكثر الأوقات الخطأ، فقد كان كمال يحتويها بين يديه، وهو آخر من تريد أن يراها الآن، فأخذت تنظر حولها لتجد أشجان غارقة بين ذراعي خالد الذي كان واضعًا ذقنه فوق رأسها وهو يطمئنها بكلمات هادئة، و شروق التي كان عمر يجلس أمامها و هو يحاول طمأنتها، أرادت طلب المساعدة، فلم تجد سوى جميلة لتقول بنبرة متحشرجة:
ـ جميلة. ممكن تيجي معايا التويليت؟
رفعت كلا من أشجان و شروق رأسيهما لتبتسم آسيا بطمأنة لكليهما، فاقتربت منها جميلة لتقوم بمد يدها إليها، وقد شعر كمال بالحزن كونها لم تطلب مساعدته، ليكز على أسنانه ولكنه لم يستطِع منع الكلمات من التدفق من بين شفتيه:
ـ لو احتاجتي حاجة نادي عليا.
اومأت برأسها دون حديث لتستند على جميلة و تتقدم عدة خطوات لتصطدم عيني كمال بعيني خالد الغاضبة المتوعدة، ولكن سرعان ما تبددت نظراته حين سمعوا صرخة آسيا التي لم يعد في استطاعتها كتمان الألم، فقد أرادت إفراغ ما بجوفها ليسرع الجميع تجاهها وعلى رأسهم كمال الذي حال دون سقوطها أرضاً ليراها وهي تتقيء بألم، ليهتف بذعر:
ـ آسيا حبيبتي. فيكِ أيه؟
التفتت آسيا لتنظر إليه بأعيُن رأى بهم نظرات لم يراها من قبل كانت مزيج من الألم، والقهر والرفض ولكن تبدد شعوره في هذه اللحظة إلى صدمة كانت كالإعصار حين شاهد تلك الدماء التي تلت تقيؤها ليصرخ بلهفة:
ـ آسيا.
صرخت أشجان وهي تندفع نحو شقيقتها التي بدأت تفقد وعيها وكأنها أرادت الهرب من عينيه وانكشاف أمرها أمامه، ليأتيهم صوت عمر الذي صرخ بالممرضات حتى يجلبوا السرير النقال ليحملها كمال بيدين ترتجفان من هول صدمته و خوفه عليها ويضعها فوق السرير ليتم أخذها إلى غرفة الطوارئ لينظر إلى الباب المغلق بصدمة وعينيه تتفرقان ما بين قطرات دمائها فوق يديه و قميصه، و بين الباب الذي توارت خلفه ليأتيه من الخلف صوت أشجان الصارخ المليء بالمرارة:
ـ ألا قولي يا كمال. أنت قلقان على آسيا كدا زينا؟! اعذرني أصلي مستغربة الخوف اللي شيفاه على وشك دا!
اقتربت منها شروق قائلة بخفوت:
ـ أشجان مالوش لزوم الكلام دا دلوقتي!
ـ سبيها يا شروق. خليه يجاوبها..
هكذا تحدث خالد بنبرة حادة كالسيف وفي عينيه نظرات قاسية يتخللها التحدي، ليكز كمال بقوة على أسنانه في محاولة منه لكظم غيظه، فيكفيه هذا الذعر الذي يجتاح صدره لأجلها، ليقول بنبرة جافة، قوية، جريحة:
ـ خايف عليها اكتر منكوا كلكوا.
لأول مرة يغشي الغضب عينيها و تفكيرها مدفوعًا بألم حارق و خوفٍ كبير على شقيقتها لتقرر أطلاق سراح شيطاين الجحيم في وجهه حين هتفت بقسوة يُغلفها السخرية:
ـ اعذرني في السؤال. بس أصل دي مش أول مرة نتجمع كلنا كدا قدام أوضة آسيا.
ضيق عينيه وهو يقول بريبة:
ـ تقصدي ايه؟
اقترب خالد يحتضن أشجان من الخلف لتهتف بقسوة ونبرة حادة كالسيف:
ـ عشان دي مش أول مرة آسيا تترمي في المستشفى و حالتها تبقى خطر كدا. أثناء ما حضرتك كنت عايش حياتك مع أم ابنك كانت أختي بتنزف دم من قهرتها انك طلقتها و مشيت، وعشان أكون واضحة معاك. آسيا جالها قرحة في المعدة وكانت حالتها خطر بسببك. اختي هتعيش على الأدوية طول عمرها بسبب. آسيا اتكسرت و اتقهرت و مرضت بسببك.
ـ قرحة..؟
خرجت الكلمة من بين شفتيه هامسة، كأن عقله عجز عن استيعابها. ظل يحدق في الفراغ بعينين مبهوتتين وكأن الحروف فقدت معناها، في تلك اللحظة لم يشعر بقلبه ينبض، بل شعر وكأن أحدهم انتزعه من بين ضلوعه بقبضة شرسة لا تعرف الرحمة. ليجتاحه وجع لم يعرف له اسمًا، وجعٌ لم يستقر في صدره، بل اندفع في عروقه كلها حتى أثقل أطرافه، وخانته ساقاه فجأة،
