رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثالث والثلاثون بقلم ناهد خالد
"يا ليالي الحُبِّ عُودي
واعزفي النايَ وغنِّي
واذكري فَجرًا وُعُودي
كيفَ ضاعَ الصبحُ مِنِّي؟
قد بَرَتْ ذكراكِ عُودي
واشتهاكِ اليومَ حِضني!
*****
*****
دمعةٌ في سجنِ جفني
رغبةٌ في سجن صدري
قَرفَصَ الطفلُ برُكنِ
لوحُ ثلجٍ فوقَ جمرِ
ضاعَ عُمرٌ في التمني
ضاعَ عُمْرٌ فوق عُمري
"الشاعر مداد المبارك"
"يا لقسوة قلب الحياة, كيف تقدر بين فانية وأخرى أن تقلب يومنا قلبًا, من فرحة لوجع, ومن انتظار بشوق لجرح حارق, من راحة لشقاء لا نذق بعده طعمًا سوى المرارة, ألا يأخذها بِنا بعض الشفقة؟ فقط القليل...!
ونحن ماذا بيدنا؟ وماذا لو لا نملك صبرًا؟
وإن قلنا ألف مرة أن كل هذا سيمر... عاجلاً كان أم آجلاً, سيمر..
هل سيخفف هذا من وجعنا؟ سيقلل من آلمنا وإرهاقنا وتعبنا النفسي؟
ليتّ الوجع يقل بكلمة.. وليت الألم يختفي من مواساة!"
سقطت دموعه بوهن, واسنده "شاهين" بعاطفه وقد لمع الدمع في عينيهِ تأثرًا بحالة الجد, رفع كفه يحاوط وجنته وهو يكمل:
-ازاي عاوزني افرط فيك, عاوز ترجعني لوجع موت عمران من تاني؟ بس المرادي مش هيبقى فيها يا شاهين..
ابتسم "شاهين" ابتسامة صغيرة وهو ينظر له بتأثر بينما يقول:
-مهو شاهين الصغير جاي في الطريق... هتربيه من اول وجديد واعتبره شاهين وعمران من تاني...
نفى "المنشاوي" برأسه بذعر, وقد كانت هذه الفكرة هي ما تراوده طوال الفترة السابقة ونهره يقول:
-اخرس.. مش هسمح للي حصل زمان يعيد نفسه, ابنك هيتولد وانتَ اللي هتربيه وتكبره وتشوف نفسك فيه.
نظر له "شاهين" بصمت لثواني حتى خطر برأسه سؤال فالقاه بحذر:
-قولي يا جدو, لو طلع في حاجه غلط في موت ابويا وطلع عايش هيبقى احساسك إيه؟
ضحكة غريبة ظهرت على وجهه وهو يجيب:
-ده زي لما تقول لمصري بكره نكسب كاس العالم! بتبقى امنية وحلم هو متأكد إنه
مستحيل..
ابتسم بغموض وهو يجيبه:
-مبقاش فيه مستحيل يا جدي, المنتخب صعد ومين عارف يمكن...
قطب “المنشاوي” ما بين حاجبيهِ بعدم فهم:
-يمكن إيه بالضبط؟
نظر له “شاهين” ببراءة مصطنعة:
-يمكن نكسب كاس العالم!
تنهد الجد وهو ينظر بعيدًا شاردًا في تمني:
-اوقات كتير بتمنى لو كل ده حلم سخيف واطلع مخسرتش حتة من روحي.
-ولو طلع حلم, وشوفته قدامك هتعمل إيه؟
نظر له مبتسمًا بألم:
-هتلاقيني صغرت ال 100 سنة اللي كبرتهم وهو مش موجود, هتلاقي ضهري اللي اتحنى من كسرته عليه اتفرض.
-يعني مش هتزعل منه لو اكتشفت انها لعبه منه او مؤامرة؟
نظر له بتعجب:
-إيه اسئلتك الغريبة دي يا شاهين؟
وشاهين قد قرر خوض المغامرة ولكن بحنكته المعتادة...
-الحقيقة يا جدي انا مش عاوز اقولك حاجه تعشمك زيادة, بس انا شاكك في حاجه كده.
تسارعت دقات قلب "المنشاوي" وشحب وجهه قليلاً وهو يسأله بارتياب:
-حاجة إيه؟
قلق "شاهين" عليهِ فأشار لوجهه مرددًا:
-شوفت! لسه مقولتش حاجة ووشك أصفر ازاي؟
-قول يا شاهين اعصابي مش متحملة.
قالها بعصبية تظهر لأول مرة, جعل "شاهين" يتراجع وهو يقول:
-لا مانا مش هقولك حاجه وانتَ بالشكل ده.
-انا هادي اهو.
قالها وهو يحاول الاسترخاء في جلسته ليظهر هذا, واكمل:
-اخلص بقى وقول اللي عندك, عينك بتقول ان في كتير.
تنهد وهو يقرر أخذ الخطوة الأولى وقال بينما يراقب ملامح الأخير بأعين صقرية تحلل كل رد فعل سيصدر منه:
-طبعًا انتَ عارف اني في شغلي بقابل رجال اعمال كتير, سواء كانوا في مصر او بره, وفي حد قابلته شاكك فيه, خصوصًا ان موت ابويا زمان كان غامض شوية, انتَ بنفسك قولت إنك مشوفتش جثته..
ابتلع "المنشاوي" ريقه بصعوبة وهو يجيب بنظرات تائهة:
-هو انا مشفتهاش, بس الحكومة اللي لاقته وأعلنت وفاته, وعمك مختار اتعرف عليه في المشرحة, والقضية اتقفلت بعدها بموته, ازاي الحكومة هتغلط؟
علق بمراوغة:
-والله يا جدي انا سمعت كتير عن قصص شبه دي, ووارد جدًا يكون حصل غلط, او حتى يكون غلط مقصود...
-يعني إيه غلط مقصود؟
-يعني في ساعات ناس بتعمل خطط شبه دي عشان ينجوا بنفسهم من قواضي, وخصوصًا ان قضية ابويا ماكنتش سهلة, وكان ممكن ياخد فيها مؤبد.
اتسعت اعين "المنشاوي" بصدمة متسائلاً:
-قصدك يكون زيف حوار موته عشان يهرب من القضية؟
اومأ "شاهين" برأسه وهو يكمل بجدية:
-وهو عملها قبل كده وهرب فعلاً, يمكن فكر يهرب للأبد بدل ما يفضل مطارد العمر كله.. وزيف حوار موته ده.
نفى برأسه يردد بعدم تصديق:
-لا.. اكيد لا, بقولك مختار اتعرف عليه وقال انه هو.
سخر من جملته مرددًا بنزق:
-يعني هو عمي مختار كان إمام جامع! ما زي ما كدب في حوار سيف وزيفه, يقدر يعمل نفس الشيء مع اخوه.
حرك رأسه رافضًا تصديق ما يسمعه:
-وهيستفاد إيه لما يعمل كده؟ مختار ماكنش بيحب عمران لدرجة إنه يتفق معاه عشان ينقذه من السجن, ولا هو مخلص اوي للعيلة واللي حواليه.
-يمكن مصالح.. واعتقد عمي مختار صياد لأي مصلحة, خدمة قصاد خدمة.
-انتَ ليه بتتكلم كأنك متأكد؟
سأله بخوف بادي على وجهه, خوف من التعلق بأمل واهي, ورجاء في ألا يكون كذلك.
رد بهدوء وحرص لكلماته:
-تقدر تقول شكي كاسر ال50%, وقريب هوصل للحقيقة.
طغت اللهفة على ملامحه وهو يسأله بتمني:
-يعني انتَ شوفته؟ شوفته وشاكك فيه ولا إيه ما تفهمني يا شاهين.
-مش هينفع أوضح حاجه دلوقتي, سيبني بس اتأكد وهتلاقيني جاي بحكيلك, انا عايزك تهدى وتستنى كام يوم أكون اتأكدت من شكي او يكون شكي غلط.
أشار بكفه رافضًا وهو يردد بارتعاش في نبرته:
-لا لا, ان شاء الله ميكونش غلط..
ابتسم له "شاهين" يردد بمكر:
-يعني لو طلع مش غلط, وطلع عايش ودي فعلاً كانت خطة عشان يهرب من القضية, مش هتزعل منه؟
ودون تفكير كان يجيب وقد ترقرقت الدموع في عينيهِ:
-هزعل, وهكسر عضمه.. بس هكسره في حضني, هنسى وجعي كل السنين دي واعيش حلاوة رجوعه, مش هكون عايز حاجه تانية من الدنيا, يارب يا شاهين يطلع عايش.. يارب.
نهض يقترب منه يحتضنه في صمت, ليطبق الآخر عليهِ وكأنه يحتضن فقيده الغالي, وتتهاوى دموعه ببطء فوق كتف حفيده, جعلت شاهين يهمس له بتأثر أصابه هو الآخر:
-قريب قلبك هيرتاح يا جدي.
----------------------
بلغاريا...
نظرت لوالدتها التي وطدت علاقة قويه لها مع والدة "مراد" "ليلى" تلك السيدة التي يبدو على وجهها الطيبة والحنان, كما يبدو في عينيها الحزن والمعاناة في حياتها السابقة, والذي انعكس على أصابتها بالشلل, ابتسمت على ضحكة والدتها مع ليلى, وضحكت بعدها وهي تتذكر حديثهما الأخير قبل قليل...
-ياختي انتِ عامله في نفسك ليه كده؟ فيها إيه يحضر ولادة ابنه ولا ميحضرش؟ هو ابنه هينزل يدور عليه ولو مشافوش هيزعل؟ مانا معاكِ اهو ولا انا مش مالية عينك.
طالعتها "فيروز" بغيظ وقالت:
-لا ياماما انا اللي هدور عليه ولو ملقتهوش جنبي وقتها هزعل, بعدين في إيه مش كنتي خدتي صفه وبقى حبيبك؟
جحظت عينيها في صدمة وهي تسمع رد والدتها:
-ايوه مانا بتكلم كده عشانه, كفاية تنكدي وتزني على الراجل كل مكالمة! هو لو يقدر ينزلك ما كان عملها, سبيه يركز مع عمه التعبان ده ربنا يعينه عليه بلاش تشوشي أفكاره, بلاش دلع حريم.. مانا ولدتك وابوكِ كان في الشغل, بيني وبينه ساعه, ومرضيتش ابعتله عشان ميسبش شغله ويتخصمله يوم..
-قومي يا ماما... قومي انا مش ناقصة حرقة دم انا ضغطي عالي لوحده.
فرمتها "مديحة" بنظرة أخيرة بغير رضا وتركتها لتجلس مع ليلى بعيدًا عنها..
-جبتلك حاجه حلوة عشان البيبي يصحصح شوية.
قالتها "خديجة" وهي تجلس أمام "فيروز" وبيدها طبق من الحلوى الباردة, ابتسمت لها الأخيرة:
-عشان قولتلك اني مش حاسه بحركته النهاردة.
اومأت برأسها تقول:
-لازم تهتمي بحركة الطفل في اخر شهور الحمل بالذات, عشان لو لاحظتي أي حاجه مش مظبوطه لا قدر الله تتلحق.
مررت كفها على بطنها البارزة وأجابت مبتسمة:
-الحمد لله اتحرك من شوية, امي رفعت ضغطي فحركت الواد.
ضحكت معها "خديجة" وبعدها قالت وهي تمرر كفها على بطنها هي الأخرى:
-الاستاذه بقى مبتتحركش غير لما تحس بابوها, واضح التفرقة العنصرية من أولها.
سألتها "فيروز" مندهشة:
-ده بجد؟
ضحكت تجيب:
-ايوه, بتتحرك اكتر لما بيكون مراد جنبي, خصوصًا لو حط ايده على بطني واتكلم معاها, بحسها بتلعب كوره جوه مش بتتحرك حركة طبيعية.
-شكلها هتطلع في صف ابوها.
-انا كمان بقول كده, صاحبتك عملت ايه ولدت؟
ردت "فيروز" بضجر:
-برن عليها وببعتلها واتس مبتردش, يمكن تكون تعبانه من الولادة, هي اكدت عليا من يومين ان الدكتور هيولدها.
استمعت لصوت رسالة وصلتها عبر الواتس, لتبتسم مشيرة للجالسة امامها:
-سبحان الله ردت اهي.
اختفت ابتسامتها وهي تقرأ الرسالة المحزنة منها...
"فيروز معلش مش قادره ارد ولا أتكلم مع حد, انا عارفه انك عاوزه تطمني على ولادتي.. ربنا ما اردش, العيل نزل تعبان اوي ودخل الحضانه كام ساعه ومات.. ربنا يعوضنا خير"
ارتعش جسدها مع قراءة الرسالة, وتلقائيًا حاوطت بطنها بخوف زُرع بداخلها, وتهاوت دموعها بانهيار, جعل الجميع يلتف حولها محاولين فهم سبب حالتها, وما إن علموا حتى قالت:
-ازاي! الدكتور كان عامل سونار وشايفه كويس.. طب هو مات ازاي.. وازاي الدكتور مشافش انه مش كويس.. هو ده بيحصل عادي؟
كان واضحًا انها متأثره بما حدث, وقد لعبت الهواجس بعقلها حيال طفلها, ظهر الخوف جليًا على قسمات وجهها, وهي تطالعهم بتيه تسألهم وتريد الإجابة التي تطمئن قلبها, حتى تدخلت "خديجة" بهدوء:
-قدره يا حبيبتي, نصيبه كده مفيهاش ازاي.. ربنا ما ارادش له يعيش, اهدي واستغفري.
علقت "مديحة" بحزن حقيقي:
-لا إله إلا الله ربنا يصبرها ويربط على قلبها ويعوضها هي وجوزها خير.
----------------------
في القاهرة...
وقد كان المصاب عظيم....
تهاوت دموعها بعدما بعثت الرسالة, ونظرت امامها تتذكر اليومين العصيبين اللذين مروا عليها, اخبرها الطبيب بضرورة الولادة, لكنه لم يقل ان هناك شيء خطر فهذا موعد ولادتها, لتتفاجئ بعد الولادة بوضع الطفل في الحضانة في حالة صعبة, وظلت على اعصابها ودعائها وامانيها ان يصبح بخير ليوم كامل, حتى جاء صباح أمس وتلقت الخبر المفجع..
"للأسف ملحقناش الطفل ربنا يعوض عليكم"
وهل يضاهيه وجع!؟
كيف ينسلخ الإنسان فجأة من كل أحلامه وخططه التي بناها!
كيف يتجاوز لهفته وانتظاره لقطعه من قلبه؟
كيف يتقبل الحقيقة المُرة بالفقد القاسي؟
حقيقة لم يكن جاهز لها ابدًا
فرحه ولهفه.. ثم انتظار وشوق لتسعة أشهر كاملين... ثم... ثم ماذا؟
ثم وكأن كل هذا بات سراب...
ثم كسرة ووجع..
مرارة أشد من مرارة العلقم، وقاسية كجرح الصبار...
وما الحل؟
القنوط أو محاولة الرضى...؟
وجملة وحيدة خرجت منها قبل أن تغمض عينيها بحسرة ودموعها ترافقها أوشت بالحل:
"مش عاوزه اشوفه... مش عاوزه اشوفه"
لا تريد رؤيته...
لا تريد التعلق بزائل....
مسحت دموعها على دخول "مجد" للغرفة, بينما ردد هو على الفور وصينية الطعام بين يديهِ:
-على أساس اني مشوفتش دموعك؟
لم تجيبه, فجلس أمامها يضع الصينية فوق فخذيهِ ونظر لها بتنهيدة حزينة:
-وبعدين؟ من امبارح وانتِ مبتتكلميش وبتعيطي طول الوقت, ناسية ان جرحك محتاج غذا وادوية؟
حاولت الصمود, تقسم انها حاولت لكن لم تستطع, فانهارت باكية وشهقاتها تعلو تِباعًا, فوضع الصينية جانبًا يحتضنها لصدره بوجع لم يتخلص منه هو الآخر, وفي عقله يردد "أنا أيضًا أريد البكاء", وهمس بنبرة متأثرة باختناقه:
-ارضي عشان ربنا يراضينا باللي احسن منه.
ولأول مرة منذُ أمس خرج صوتها الباكي:
-راضية.. والله راضية بس موجوعة اوي, كنت مخططة لحاجات كتير جاية هو فيها, لبسه اللي جبناه والترتيبات اللي كنا مرتبينها, لهفتي وشوقي اني اشوفه واحضنه واشم ريحته, حاسه إني في كابوس, مش قادرة استوعب اني ملحقتش المسه حتى..
-انتِ اللي رفضتي تشوفيه.
-عشان ماكنتش عاوزه اعلق قلبي بيه اكتر, شكله ماكنش هيفارق خيالي, كنت هشوفه قدام عيني طول الوقت.
ابعدها عنه قليلاً لينظر لها, ومسح دموعها بكفيهِ يردد:
-مش هقولك متزعليش.. لا ازعلي, وعيطي, بس قولي يا رب اربط على قلبي, يا رب صبرني وعوضني.. ومتسبيش نفسك للزعل والحزن, الحزن بيقصف العمر وبيهد الواحد اسأليني انا...
نظرت له نظرة شك علم مغزاها فردد بمرح كي يخرج من الحزن المحيط بهما قليلاً:
-إيه! بتبصيلي كده ليه هنخيب تاني؟
سألته بصوت مبحوح من بكائها:
-يعني إيه اسألك انتَ؟
تنهد بحزن مجيبًا:
-ابويا جاله الضغط بعد موت امي من حزنه عليها, وحسيت انه بعدها كبر عمر فوق عمره, عشان كده بقولك بلاش تسيبي الحزن يكسرك.
-مش بمزاجي..
رددتها بضعف حقيقي وهي تستند على صدره, وكان هو أكثر من مرحب بها وبألآمها, ورغم وجعه وحزنه المماثل, لكنه احتواها يمرر كفه على شعرها برفق وكأنها ابنته يهمس لها بنبرة أمان:
-خليكِ عارفه ان ربنا اختار لنا الأفضل, وهيعوضنا ان شاء الله, وانا جنبك ومعاكِ لحد ما تبقي كويسة, خدي وقتك وانا معاكِ... وبحبك.
اغمضت عينيها تستكين, وحلاوة كلماته كانت بلسم لوجعها, لم يُشفى لكنه ترك أثر لطيف, وكلمته الأخيرة طيبت قلبها, وليته يعلم أنها لو أحبته قليلاً قبل زواجهما فقد أحبته أضعافًا في الآونة الأخيرة...
وكم كانت أسعد فتاة على كوكب الأرض حين نطق هذه الكلمة لأول مرة من أشهر قليلة.. نطقها بصدق, اعترفت بهِ نظراته, ولمستها في نبرته الدافئة حين قال:
"انا بحبك يا أمل.. كسبتي يا بنت اللذينة.. كسبتي والرهان كان على قلبي, حبيتك لأن ماكنش ينفع ماحبكيش بعد كل ده! كنت هبقى عبيط اوي"
والحب ليس اقوال بل أفعال.. ولقد اثبته قولاً وفعلاً, وها هو في رحلة جديدة لإثبات اعمق...
----------------
بعد يومين...
شركة العقرب...
-ها عملت اللي قولتلك عليه؟
تسائل بها "غسان" وهو ينظر ل "شاهين" بترقب, فترك الأخير الأوراق التي كان يمضيها ونظر له ببرود:
-اللي هو إيه؟
طالعه "غسان" باستغراب مجيبًا:
-يا بني اللي اتكلمنا فيه.. مش قولتلك اللي هيجبلك اول الخيط اللي هيوقع مختار هو نصر باشا, مكلموتش لسه؟!
زفر أنفاسه بضيق وهو يسترخي بظهره مجيبًا:
-لا مكلمتوش, ومش ناوي اكلمه, مش محتاج حد يجبلي اول الخيط انا هجيبه لوحدي.
سأله مستغربًا:
-وليه؟ ماحنا بقالنا شهور مش عارفين نوقعه, ونصر باشا اكيد هيعرف ينهي الموضوع ده, وانا شايف انك مهم عنده اوي ومهتم بيك, استغل ده في صالحك واطلب منه يوقعلك مختار, هو لو عرف اللي ناوي عليه مختار مش هيسمي عليه, مانتَ عارف أي واحد من البشوات الكبار بياخد حد مننا تحت دراعه مبيخليش حد يقرب منه ولو كان مين.
-ومين قالك انه واخدني تحت دراعه!
أجابه بتوقع:
-باين على فكرة, الراجل في أي مشكلة بتحصلك بيكون موجود, وبعدين الكلام داير بين الرجالة في المنظمة انه محابيلك وواخد صفك ومعجب بشغلك.
-اقفل الحوار ده يا غسان, مش هطلب انا حاجه من حد.
قالها منهيًا الحوار, ليذم "غسان" شفتيهِ بنزق:
-براحتك...
دقات فوق الباب تبعها دلوف "مازن" الذي قال بتأفف فور رؤية غسان:
-يووه انتَ هنا.
رفع "غسان" حاجبه بخطر:
-في إيه يالا مالك! كنت جاي تشتكيني ولا إيه؟
جلس أمامه يشيح بذراعه:
-اقعد يا عم انتَ حد يقدر عليك غير ربنا, انا كنت جاي ابلغ اخويا بخبر خاص, بس كالعادة انتَ بترشق في النص.
ابتسم "غسان" بسماجة:
-خبر إيه؟ نجحت في الثانوية؟ ولا متقدملك عريس؟
تدخل "شاهين" مدافعًا عن أخيه كي لا يقع في فخ غسان:
-ولاا خف غلاسة..
ثم نظر لأخيه يسأله:
-خبر إيه يا مازن؟
ابتسم "مازن" لأخيه بفرحة ظاهرة وهو يخبره:
-هتبقى عم.
تأوه بوجع حين وجد "غسان" يندفع عليهِ بغباء مرددًا:
-يالاا.. عملتها ورفعت راسنا اخيرًا.. مبروك يا حظابط.
دفعه "مازن" بغيظ مرددًا:
-يا عم وانتَ مال اهلك ارفع راسك انتَ ليه؟ بعدين إيه الغباء ده كنت هتقلبني على ضهري.
-غسان اطلع بره.
قالها "شاهين" بجدية, لينظر له "غسان" بصدمة مرددًا:
-بتطردني؟ وعشان مين؟ عشان ده! تصدق بالله انتَ وهو خسارة فيكوا معرفتي, يا شوية بقر.
ونهض منسحبًا من المكتب بسرعة قبل أن يقبض عليهِ "شاهين" بنظراته الغاضبة.
ظل "مازن" ينظر لأخيه بثبات وكأنه منتظرًا شيء ما, مما جعل "شاهين" يطالعه باستغراب متسائلاً:
-بتبصلي كده ليه؟
تنهد الأخير بضيق داخلي قبل أن يسأله:
-مش عاوز تقول حاجه؟
لم يفهم تحديدًا ما قصده, فسأله مرة ثانية:
-حاجة زي إيه؟
أعرب عن ضيقه وهو يردد بنزق:
-يعني انتَ مسمعتش اللي قولته ولا إيه؟ مفيش رد فعل؟ مفيش مبروك حتى! ده غسان البجم رغم سماجته قالها.
ابتسم له ببرود مرددًا بابتسامة صفراء:
-يعني هتفرق معاك اوي كده! ماشي مبروك يا عم.
ضيق ما بين حاجبيهِ بغضب يسأله:
-هو انتَ بجد مش فرحانلي! الخبر مفرقش معاك في حاجه للدرجادي؟ ده انتَ اول حد جريت عليه أقوله بعد ما ليلى بلغتني في التليفون, انا حتى لسه مروحتش لها.
حسنًا لقد اشعره بتأنيب الضمير, لكنه لا يفهم..
مازن لا يفهم ان شاهين حقًا يجاهد كي يعود معه لسابق عهده
لا يفهم أن الأمر لن يكن ابدًا بهذه السهولة, لا يمتلك زِر بالضغط عليهِ يعيد كل شيء كما كان...
لن ينكر أنه سامحه, ولم يعد يحمل ضغينة تجاهه كالسابق, لكن كي تعود علاقتهما بكل تفاصيلها الأمر يحتاج لوقت طويل..
لكنه لن يقولها, لن يكسر فرحته ويخبره أن الحواجز لم تُهدم بالكامل بعد..
نهض عن كرسي مكتبه واتجه له يقف أمامه بعدما نهض الآخر وربط بكفه على كتف أخيه مرددًا بابتسامة هادئة:
-إيه العبط ده مش هفرحلك ازاي يعني, مبروك إن شاء الله يوصل بالسلامة.
باغته "مازن" باحتضانه وكأنه أراد التهنئة بهذه الطريقة, عناق يأتي بعد غياب طويل, فكيف يمكن وصف حلاوته؟
تنهد بقوة وكأنه يطرد أي مشاعر سيئة عنه ويستمتع فقط بهذا العناق, وأغمض عينيهِ وهو يسمع له يهمس:
-أنا عارف إنك لسه مش صافيلي, وعارف إنك بتحاول... وهبقى بجح لو طلبت منك تعمل أكتر من كده.
ابتعد عنه محافظًا على ملامحه الهادئة ونظر له يقول:
-سيب الأيام تداوي اللي جوه كل واحد فينا, بس الأكيد اني فرحان عشانك.
اومأ "مازن" برأسه وقرر تغيير الموضوع فسأله وهو يجلس أمامه مرة أخرى:
-عملت إيه في موضوع مختار؟ ومراتك هترجع امتى؟
أجابه بتنهيدة:
-لسه.. بس يمكن قريب.
سأله بعتاب واضح:
-نفسي اعرف انتَ ليه مش عايز تدخلني في الموضوع؟ على فكرة انا اقدر اساعدك, انتَ باعد اخوك ومدخل غسان! ده هيوديك في داهية ده تفكيره كله يوصل لحبل المشنقة مرتاح.
-مش عايزك تتواجه مع مختار بأي شكل يا مازن, مختار دلوقتي مش هيفكر يعاديك إلا لو شاف منك مبادرة, واحنا مش ناقصين, خليك انتَ ومراتك وعيالك في أمان, وبعدين متقلقش انا مش مدخل غسان في الموضوع ولا حاجه, بيني وبينه حوار تاني.
نهض يجيبه بضجر:
-من امتى وانا بطلع منك بنتيجة! عمومًا أي وقت هتحتاجني اكيد عارف إني جنبك.
-عارف.
رددها بهدوء وهو ينوي أنه لن يحتاجه ابدًا, لن يدخله في دائرة الخطر, يكفي أن يظل بأمان بعيدًا عن سوداوية مختار, مختار الذي أصبح أكثر جنونًا وحقدًا من قبل, وخاصًة وهو لا يستطيع الوصول لحفيده, وما أكده رسالته التي تفاجأ بها شاهين تصله صباح اليوم عبر الواتساب ونصها
"عارف إني مش هعرف أوصل لتيم خلاص, بقالي شهور بحاول اوصله وفشلت, زي ما بحاول أوصل لمراتك وفشلت, وصبري وسكوتي خلصوا يابن اخويا, كنت ساكت عشان أوصل للي عاوزه, لكن خلاص مبقاش له داعي, ودلوقتي اللعبة بيني وبينك, اصل الدنيا مش هتسعنا احنا الاتنين"
وكما توقع سابقًا "مختار" حين لن يصل لأحد يمكنه ضربه بهِ سيتجه له هو شخصيًا للتخلص منه.. وها هو يخبره بهذا, وهو على أتم استعداد..
--------------------
مساء اليوم التالي...
كانت حفلة تضم كِبار رِجال الأعمال, تخص شركة ما في الوسط, وحضرها الجميع, وبما فيهم "شاهين" و "عمران".. و "مختار"...
وبمنتصف الحفل وجد "شاهين" أبيه يقترب منه ليشاركه طولته, فباشر هو بالحديث الساخر:
-تصرفاتك تجاهي بقت تلفت نظر الكل, بيقولوا انك منحاز ليا وواخدني تحت جناحك, مش قلقان يدور ورانا.
اجابه "عمران" مبتسمًا:
-لا مش قلقان... وميفرقش معايا حد غيرك.
لم يعقب, فقط اشاح بوجهه للجهة الأخرى فردد "عمران":
-مختار كلمني من فترة, كان عايزني ابعد عن الحرب اللي بينكوا.
-ما تبعد.
رددها "شاهين" بعدم مبالاة, ليكمل "عمران" دون الالتفات لجملته:
-قولتله ده ابني, وقبل ما تفكر توصله لازم تعدي على جثتي الأول.
علق ساخرًا:
-اول مره اشوف حد بيموت مرتين.
وللمرة الثانية لم يهتم بحديثه وقال بجدية:
-شاهين انا جنبك, ومتقلقش على مراتك وابنك, لو عايز ترجعهم رجعهم وانا قادر احميهم من عشرة زي مختار.
ردد "شاهين" بتلاعب:
-فيروز وتيم انا مطمن عليهم هناك.
وقد صدق حدسه حين انفعل "عمران":
-تيم ايه وزفت ايه, انا بتكلم على ابنك اللي في بطنها, انا اصلاً مش عارف انتَ متمسك بالواد ده ليه! ما تسيبه لجده ولا هي ناقصة مشاكل بينكوا!
نظر له "شاهين" بجانب عينيهِ نظرة تبوح بالكثير:
-متعودتش اسيب اللي مني, وتيم انا ربيته من يوم ما اتولد واعتبرته ابني, شوفت انا ممكن اعمل إيه عشان معتبره ابني.. ما بالك بقى لو ابني بجد.
وكلماته موجهه في الاتجاه الصحيح, فأحنى "عمران" رأسه قليلاً بخزي بينما يقول:
-انتَ بعدته عنك هو وابنك عشان مصلحتهم, وعندك استعداد تخليهم في المنفى ده سنين لو مشكلتك مع مختار ماتحلتش..
ردد بقتامة:
-بس على الأقل مش هقولهم اني ميت! عمومًا شكرًا لعرضك انا مش محتاج مساعدة من حد, وتقدر تطلع نفسك من الموضوع ده...
_على فكرة انا ابوك مش عدوك!
لم يعقب فورًا لكن طالعه بنظرة كانت أقسى من أي كلمة تُقال، لمح فيها وجع لا يضاهيه شيء، ولأول مرة يلتمس فيها وجعًا تجاهه، منذُ أخبره بالحقيقة وكل نظراته غير مبالية، جامدة، لكنها هذه المرة كانت مختلفة تمامًا، زُينت بحزن ممزوج بوجع وطيف عتاب مرَ من بعيد، لم يأخذ الأمر سوى لحظات حتى عادت نظراته الجامدة وهو يقول بنبرة قاسية تشبه ملامحه في هذه اللحظة:
_ياريتك كنت عدوي... وعمومًا انا بمهد الموضوع لجدي, عشان تظهرله, وده مش عشانك, ده عشانه هو لأني حسيت ان ظهورك هيفرق معاه حتى لو هيوجعه شوية...
انهى حديثه ووقف منسحبًا من الحفل, ونظرات أبيه تتابعه بدموع محبوسة, وقلب ينتفض مع استرجاع كل كلمة قالها.. والحقيقة أن الطريق مازال طويل بينهما.
---------------------------------
رنين هاتفه أوقظه بعدما طالت نومته اليوم للعاشرة صباحًا, وقد سهر لوقت متأخر يحدث زوجته ويدللها علّ ضيقها منه يزول... فتح المكالمة وقد كان مرسي هو المتصل...
-في إيه؟
أتاه صوت الآخر:
- مازن باشا عمل حادثة صعبة وهو دلوقتي في العمليات.
جملة استمع لها عبر مكالمته مع أحد رجاله ضربت حواسه كالصعقة، اهتزت دواخله بخوف حقيقي، وعقله يطوف كمن أصابه الحمى، الف شيء ضرب رأسه في نفس الثانية، لم يضع حسبان أن تكن الضربة في أخيه! والسبب واضح... مختار على علاقة طيبة بمازن، ويحاول كسبه لصفه منذُ فترة، بالإضافة إلى أنه لا يعلم أن علاقته بأخيه عادت جيدة، من يعلمون الخلاف الناشب بينهما منذُ سنوات لم يعلموا انهم صاروا على وِفاق! إذًا لِمَ الضربة أتت بهِ؟
أم أنها حادث غير مدبر كما حدث لنورهان من قبل!
نورهان؟
وهل يعني أن السيناريو يعيد نفسه؟
هل سيخسر أخيه كما خسر أخته من سنة وعدة أشهر؟
نفس الجملة يسمعها من جديد...
ولكن هل ستقود لنفس النهاية؟؟؟
لم يدري متى انتفض من نومته وارتدى ثيابه ووصل للمستشفى..
لكنه كان يركض في طرقاتها حتى يصل لغرفة العمليات التي أدلوه عليها...
وصل لباب الغرفة الذي فُتح فور وصوله واستطاع ان يبصر "ليلى" الجالسة بأحد الجوانب وتحتضن طفلها إليها منهارة في البكاء.. و "معاذ" الذي كان واقفًا أمام باب العمليات مستندًا على الحائط بقلق...
-هو كويس؟
جملة خرجت منه للطبيب فور خروجه من غرفة العمليات, والعرق عرف طريقه لوجهه من الخوف, وقلبه ينتفض فزعًا.. يتمنى لو يخبر الطبيب ألا يقول خبر سيء, وإن كان الوضع هكذا ألا يجاوب على سؤاله...
