رواية حرب سقطت راءها الفصل الخامس والثلاثون بقلم نور زيزو
بعنـــوان " "بين بشـــارةٍ وفــاجعـــــــة"
[[ ليس كل خبرٍ سعيدٍ قادرًا على إسعاد الجميع... فأحيانًا، بينما يزفُّ القدر حياةً جديدة إلى أحدهم، يكون فى الجهة الأخرى ينتزع حلمًا عاش لأجله شخصٌ آخر. وهكذا تمضى الحياة... تعطى بيدٍ، وتأخذ بالأخرى. ]] 🦋
---
أما فى مكان آخر تحديدًا داخل وكالة القماش بالأزهر
كان "الجارحي" جالسًا وحده داخل مكتبه صامتً، هادئًا على غير عادته وأمامه ملف ضخم ممتلئ بالأوراق والعقود وملفات الأملاك نظر إليها طويلًا يفكر بعمق فى القرار الذي اتخذه وقد حسم الأمر لحل الخلاف، ويتساءل عقله كثيرًا هل سيقبل الجميع بهذا القرار؟ أم سيكون للخلاف سبيل أطول مما هم عالقين به؟ أخذ تنهيدة عميقة مُعبأة بالكثير من التوتر والقلق ثم أغلق الملف ببطء ارتفعت عيناه نحو النافذة والتفكير يملأ رأسه بينما همس لنفسه بصوت لم يسمعه أحد:_
_ الليلة... كل حاجة هتتغير
_______________________
كان القصر هادئًا بصورة غريبة، هدوء واسع وممتد بين الممرات الرخامية الطويلة، نزلت "ليان" درجات السلم بخطوات بطيئة، يدها تستند إلى الدرابزين بينما ما زالت تحاول التكيف مع خبر حملها الذى قلب عالمها رأسًا على عقب، كلما لمست يدها بطنها دون وعي، ارتبك شيء داخلها من الخوف والدهشة، وفرحة صغيرة ترفض الاعتراف بها، بحثت بعينيها عن "جلال" لم تجده فى الصالة ولا فى الحديقة ولا حتى قرب المسبح فتمتمت بضيق:
_ راح فين ده؟
اتجهت نحو المكتب فور فتح الباب لاحظت أن المكان خالٍ لكن شيئًا آخر لفت انتباهها شمعة عطرية مشتعلة فوق المكتب اقتربت منها بضيق:-
_ دا لوحده هيولع المكتب
مدت يدها لتطفئها لكن قبل أن تصل إليها وقعت عيناها على ملف مفتوح بين الأوراق، لم تكن تنوي النظر لكن الصورة الظاهرة من وسط الملف جعلت الدم يتجمد داخل عروقها فكانت صورة "الجارحي" اتسعت عيناها بصدمة فالتقطت الملف بسرعة وبدأت تقلب الأوراق، كل صفحة كانت تجعل وجهها يشحب أكثر من تقارير وصور وتحركات. عناوين وأسماء كل هذه الأشياء من مراقبة كاملة وكأن شخصًا يستعد لشيء واحد فقط وخصوصًا أن كان هذا الشخص هو "الصياد" فهذا يعنى التخلص من الهدف.
ارتجفت أنفاسها ثم وصلت إلى الورقة الأخيرة توقفت عيناها فوق الكلمات كلمات قليلة، لكن معناها كان كافيًا وهي قرار تنفيذ وقبل أن يستوعب عقلها ما تقرأه تمامًا، سمعت صوت الباب خلفها، التفتت بعنف كان "جلال" وقف مكانه فور رؤيتها ورأى الملف فى يدها فعرف أنها اكتشفت كل شيء، ساد صمت ثقيل.
صمت يسبق العاصفة ثم انفجرت كالقنبلة وألقت الملف نحوه بعنف وتناثرت الأوراق فى الهواء كأسراب طيور مذعورة صارخة به:
_ أنت مجنون؟!
ارتطم الملف بصدره وسقط أرضًا لكنها لم تتوقف كانت عيناها تشتعلان بغضبٍ حقيقيٍ، ذلك النوع الذى لم يره منها إلا مرات قليلة فتابعت الحديث:-
_ بعد كل اللى وعدتني بيه؟!
تقدم خطوة وهو يقول محاولًا تبرير موقفه:-
_ ليان اسمعيني...
قاطعته بانفعال شديد وعينيها تتواعد له بالكثير من الغضب:-
_ لا! أنت اللى تسمعني!
التقطت صورة "الجارحي" من الأرض وألقتها نحوه تقول:-
_ إيه ده؟!
_ ليان...
صرخت بجنون من تفكيرها الذي استحوذ على عقلها فى هذه اللحظة:-
_ كنت ناوي تقتله؟!
صمت، وهذا الصمت كان أسوأ من أى اعتراف، تقدمت نحوه خطوة ثم أخرى والغضب يهز جسدها كله فصرخت مع انتفاض جسدها كاملًا:-
_ أنا سألتك سؤال!
رفع رأسه إليها وقال بصوت منخفض:
_ الموضوع أعقد من كدة.
ضحكت بسخرية مريرة وتمتمت:-
_ أعقد؟!
وأشارت إلى الأوراق المبعثرة ودمعة غرغرت عينيها:-
_ دى مراقبة كاملة لشخص ناوي تقتله!
لم يجب فأكملت بانفعال:
_ وعدتني!
_ ووعدك عندي أغلى من نفسي.
_ كذاب!
خرجت الكلمة كصفعة فتجمد مكانه أما هى فكانت ترتجف من شدة الغضب والدموع تتجمع داخل عينيها رغمًا عنها:-
_ أول شرط قولتهولك يوم اتجوزتك إنك تبعد عن عيلتي ومتأذيش حد منهم، إنك تسيبهم يعيشوا حياتهم وأنت وافقت، طب ليه؟ دا جوز قدس، قدس اللى فى عز تعبها وحملها كانت بتعاند وواقفة ضد الكل عشان تنقذ حياتي، دا رد الجميل اللى شايله ليها، ترد لها الجميل فى قتل جوزها وحرقة قلبها وتيتم ابنها اللى لسه متولدش للدنيا،، ليه؟ ، ليه تعمل كدة؟!
اقترب منها خطوة وقال بلهجة واهنة:-
_ عشان بحبك والله حاولت كتير ارفض الـ......
قاطعته بضحكت مرارة وقالت بحسرة:-
_ لا، الحب عمره ما كان أنانية ولا تملك ولا قتل ولا دم، الحب أمان وأنت كل يوم بتثبتلي إنك متعرفش معنى الكلمة دي، بتحبني تأذي اختى وجوزها؟ بتحبني تقهر قلبي، بتحبني تخلف وعدك ليا؟؟
ارتبكت أنفاسه لأول مرة بدا عاجزًا وحقيقيًا عاجزًا فقال بسرعة:
_ والله ما كنت هعمل حاجة قبل ما أكلمك بس فكرت.
جاء ردها كالسكين يقاطعه بحزم ولهجة صارمة تجعله يدرك أن كلماتها لا تهتز ولم تتخلى عنها:-
_ ودا لوحده كفاية، إنك فكرت دا لوحده كفاية؟
ساد الصمت وخصوصًا من تجاهه فتابعت الحديث بكدة صارمة:-
_أنا اللى غلطانة أني سبت أهلى وجريت وراء قلبي واتجوزتك من وراهم،أنا هروحلهم وأقولهم سامحوني اللى سيبتكم عشانه خذلني
أتسعت عينيه "جلال"من قرارها للرحيل وأخر كلماتها كانت قاسية جدًا، ما أقسي أن تحارب العالم لأجل شخص ويخذلك هذا الشخص فتوعد للعالم مُنكسرٍ من الخيبة، مرت من جواره لترحل فمسك يدها يمنعها من الذهاب وقال:-
_لا مش هتمشي، استنى نتكلم وهعملك اللى إنتِ عايزاه، أنا ابنى فى بطنك ودى لوحدها فرصة لكل أعدائي ومستحيل أخرجك من هنا إنتِ ولا هو
نظرت إليه بتحدٍ وعنادٍ ثم رفعت يدها نحو بطنها وكانت حركة بسيطة لكنها جعلت قلبه يتوقف وقالت بصوت أجش وقوية:
_ عندك حقك ابنك فى بطني، ومش أعدائك اللى هيؤذيه، والله يا جلال لو جربت تكسر قلب قدس أو تدخل اى حد فى عيلتي فى حساباتك، أنا اللى هيأذي ابنك مش الناس
تجمد مكانه وشعر أن الأرض تهتز تحت قدميه لكنها لم تنتهِ؛ بل أكملت بعينين دامعتين:
_ وهعتبر نفسي غلطت لما اخترتك وغلطت لما صدقت إنك ممكن تتغير.
ابتلع الغصة التى خنقته وقال بصوت مبحوح:
_ ليان...
لكنها رفعت يدها تمنعه ثم قالت:
_ اختار يا أنا، يا طريق الدم اللى أنت ماشي فيه، أما الاتنين مع بعض... فمستحيل فكر وأنا فى بيت أهلى
استدارت نحو الباب فشعر بالذعر، ذعر حقيقي أقسى من الرصاص وأشد من الموت قال بسرعة:
_ رايحة فين؟ لا متمشيش
التفتت إليه كانت عيناها ممتلئتين بالخذلان.
_ بعيد عنك
ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها وبقي "جلال" واقفًا وحده وسط المكتب الأوراق مبعثرة حوله والملف عند قدميه لكن لأول مرة لم يكن يفكر فى "الجارحي" ولا فى "مديحة" ولا فى أى شيء
كان يفكر فى شيء واحد فقط، أن المرأة الوحيدة التى استطاعت أن تدخل قلبه، قد تكون خرجت منه الآن وأن زعيم المافيا الذى أرعب الجميع وقف للمرة الأولى فى حياته خائفًا، خائفًا من الوحدة
___________________________
اجتمع الجميع حول السفرة الكبيرة داخل شقة "وصيفة" لأول مرة منذ شهور طويلة جلسوا معًا دون صراخ أو خصام أو نظرات عدائية "وصيفة" فى صدر المكان بجوارها "مديحة" التى بدت أضعف مما كانت عليه دائمًا بعد أزمتها الصحية الأخيرة "فؤاد" و"خديجة" "هادي" و"آسيا" أما "الجارحي" فجلس فى الطرف المقابل وبجواره "قدس" التى وضعت يدها فوق بطنها الصغير بحركة عفوية وعلى مقربة منهما جلس "يزيد" بينما كانت "ليل" إلى جواره فى هدوء تبادل الجميع نظرات الفضول والصمت سيد المكان منتظر كل فرد منهم أن يتحدث "الجارحي" فـ هو من دعاهم.
وكما يعرف كل شخص منهم "الجارحي" لا يفعل شيئًا دون سبب تنحنح أخيرًا وقال بهدوء:
_ أنا جمعتكم النهاردة عشان ننهي موضوع الورث نهائي.
ساد الصمت فورًا حتى الملاعق توقفت وأصبحت كل الأنظار متعلقة به فأكمل وهو ينظر إلى الجميع بنبرة هادئة:-
_ الحقيقة الشرعية واضحة... ورثة جدي الحقيقيين هم أولاده وزوجاته. يعنى عمي هادي، وأبويا فؤاد، وعمتي آسيا، وعمتي هدير، وجدتي وصيفة، وجدتي مديحة، لكن للحقيقة برضو اللى لازم نعترف بيها أنه كتب كل ما يملك ليا وهو بكامل قواه العقلية، يعنى لازم كلكم تصدقوا وتتقبلوا أن دا بعد الوصية والعقود المُسجلة قانونًا فى الشهر العقاري أن دا ملكى وماليش أنى أوزعه على حد وأن لو ليكم حق وضاع فدا حساب الأخرة مش حسابى أنا عشان تحسبوني عليه
تبادل الجميع النظرات وكلماته لا تنذر بالخير أبدًا فتنهد بهدوء شديد ثم فتح الملف أمامه وقال:
_ بس عشان الصراع والكره اللى ظهر مع الورث والوشوش اللى بانت على حقيقتها، أنا قررت أوزع كل الأصول اللى ينفع تتوزع... الأراضي، والعقارات، والشقق، والعربيات، وجزء من الأموال السائلة
بدت الدهشة واضحة على أكثر من وجه لكن "الجارحي" أكمل قبل أن يقاطعه أحد:-
_ أما الوكالة والمصانع والمحلات والمخازن فمش هتتوزع.
عقد "هادي" حاجبيه فورًا وقال بسخرية:-
حضرتك بتنقى
رمقه "الجارحي" بنظرة ثاقبة ثم إلى زوجته التى تريد الصلاح كأن نظرته تنقل لـ "قُدس" رسالة واحدة ألا وهي:-
_ والدك أول المعترضين
فأوضح "الجارحي" سبب قراره وتمسكه بهذا الجزء قائلًا:-
_ دى مش مجرد أملاك... دى باب رزق العيلة كلها، لو اتوزعت كل واحد هيبيع نصيبه ويجرى على مصلحته، وبعد كام سنة مش هيبقى فيه وكالة ولا مصانع ولا اسم للعيلة وأبو النور وأولاده أكبر تاجر ماني فاتورة فى البلد كلها مش بس الغورية مش هيبقى له أثر
هز "فؤاد" رأسه بتفهم بينما تابع "الجارحي":
_ عشان كدة وبرضو مع أنه ملكي وأنا مش عايز يبقي فى باب للكره بينا مع أن هوزع نص التركة ويمكن أكثر وهسيب حوالى الثلث واشغله بس هضمن لكل واحد أسهم ملكية بحقه الشرعي فى الباقي والأرباح الشهرية هتنزل فى حساب كل شخص باسمه مش مصروف
ثم نظر إلى الجميع وقال بحزم:
_ تاني مش مصروف، ومش صدقة ومش منة من حد على حد، كل واحد هيكون له حوالى 10٪ اسهم من الستات وكأن كل واحدة حاطة الأسهم دى فى البورصة بتشغلها وهتأخد ربحهم كتير قليل كل أول شهر وطبعا عمي وأبويا ليهم الضعف 20٪ دا الحل اللى وصلتله يرضيني أنا صاحب التركة ويرضيكم بدل ما كل واحد على السفرة دى مالهوش حاجة، أظن يبقي عندكم شقق وشالات مصيف وعربيات واراضي أحسن من أن لا يملك منكم أى حاجة
ساد الصمت لثوانٍ ثم قالت "وصيفة":-
_ وأنا موافقة.
وأردفت "آسيا" فورًا وهى تفكر فى شيء واحد، أن "الجارحي" من ستر ابنتها ويجيب أن ترد له الجميل:-
_ وأنا كمان، موافقة جدًا
أما "فؤاد" فابتسم قائلًا:
_ أنا طول عمرى ماليش فى التجارة أصلاً ومش عايز حاجة نصيبي أكتبه بأسمك زيادة على اللى معاك، أنت ابنى الوحيد وشايل التجارة من عمر وبعد عمر هيكون نصيبي ورثك فخليه معاك من الأول وكبره عشان عيالك
لكن "هادي" لم يبتسم؛ بل ظل ينظر إلى الأوراق أمامه قبل أن يقول:-
_ وبرضو بعد كل ده هفضل شغال عند ابن أخويا.
هدأ الجو فجأة وعادت التوترات القديمة لتطل برأسها من جديد، رفع "الجارحي" عينيه إليه لكن قبل أن يتحدث.. تكلمت "قدس"ولأول مرة كان صوتها يحمل رجاءً حقيقيًا:-
_ معاه يا بابا مش عنده،وكفاية يا بابا
نظر الجميع إليها بينما كانت دموعها تتجمع داخل عينيها وقالت بصوت مرتجف:-
_ أنا تعبت والله تعبت، كل يوم مشكلة، كل يوم خناقة، كل يوم حد زعلان من حد
وضعت يدها فوق بطنها بحركة عفوية ثم همست:-
_ أنا بعد كام شهر هجيب ابني للدنيا وحفيدك ومش عايزاه يفتح عينه يلاقى كل واحد فى ناحية مش عايزاه يكبر وسط الكره ولا يشوف العيلة دى متفرقة، عايزاه يشوف الحُب اللى شوفته فى العيلة، الحُب اللى محسسنيش للحظة أن يتيمة الأم ولا معنديش أب سايبني، العيلة دى هى اللى شالتني واحتوتني، عايزاه يعيش فى نفس الحُب دا
اختنق صوتها أكثر وسقطت دمعة على خدها وقال:-
_ أنا مستعدة أخسر أى فلوس فى الدنيا بس العيلة ترجع زى زمان، خلونا نخلص من موضوع الورث دا عشان كمان نفوق لليان، أختى اللى رميتهوها ونسيتوها
ساد صمت طويل صمت جعل الجميع يخفض عينيه، حتى "هادي" ظل ينظر إلى ابنته للحظات، ثم قال بهدوء:
_ أنا كنت بحاول أحافظ على حقك وحق ليان.
رفعت عينيها إليه فأكمل:
_ لأن بعد عمر طويل... الورث ده هيبقى ليكم.
هزت رأسها بالنفي وقالت بدموع صادقة:-
_ وأنا قصادك أهو وبكامل قواى العقلية وبقولك مش عايزة فلوس يا بابا، أنا عايزة أهلي.
ابتلع "هادي" غصة كبيرة ثم زفر ببطء شديد وكأن سنوات كاملة من العناد خرجت مع تلك الزفرة وأخيرًا قال:-
_ خلاص
التفت الجميع إليه فأكمل:-
_ موافق.
اتسعت عينا "قدس" بينما تابع:-
_ اكتب نصيبى باسم قدس وليان.
ظهرت الصدمة على وجوه الجميع حتى "الجارحي" نفسه لكن "هادي" أكمل بثبات:
_ كدة محدش هيقول إنى ضيعت حق بناتي وفى نفس الوقت نخلص من الوجع ده كله.
ساد الصمت ثم بدأت الرؤوس تهتز بالموافقة واحدة تلو الأخرى لأول مرة منذ شهور... بدا أن الجميع وصل إلى نقطة مشتركة.
جلس "يزيد" يدوّن الأسماء والعقود والممتلكات بهدوء ويجهز الملفات استعدادًا لإرسالها إلى المحامي فى اليوم التالي.
وبعدها بدأ العشاء وتداخلت الأحاديث وارتفعت الضحكات الخافتة وعادت بعض الذكريات القديمة حتى بدا وكأن البيت استعاد روحه من جديد لكن السعادة لم تدم طويلًا.
فجأة... رن جرس الباب التفت الجميع باستغراب فنهض "فؤاد" وفتح الباب وما إن فتحه حتى تجمد مكانه اتسعت عيناه بصدمة. وتمتم:-
_ هدير؟!
التفت الجميع نحو الباب كانت "هدير" تقف هناك مع حقيبة سفر كبيرة بجوارها ووجهها شاحب، عيناها حمراوان من كثرة البكاء وابتسامتها غائبة تمامًا، بدت وكأنها عادت من حرب طويلة
_ السلام عليكم...
قالتها بصوت مكسور فوقف الجميع دفعة واحدة وتسارعت الأسئلة عليها تهطل كالمطر
_ رجعتي؟!
_ فى إيه؟
_ مصطفى فين؟
_ حصل إيه؟
لكن قبل أن تجيب، انفتح باب الشقة مرة أخرى بعنف والتفتت كل الرؤوس فى اللحظة نفسها وكانت "ليان" لكنها لم تكن تلك "ليان" المعتادة، لا غرور ولا كبرياء ولا عناد فكانت منهارة ووجهها شاحب وعيناها غارقتان فى الدموع تعثرت خطواتها نحو الداخل حتى وقفت أمام "هادي" مباشرة، نظر إليها الجميع بدهشة أما هو فتجمد مكانه لأنها لأول مرة منذ عرفها رفعت عينيها إليه وقالت بصوت مرتجف ومكسور:
_ بابا...
سقطت الكلمة كالصاعقة وتوقف الزمن داخل الغرفة أما "هادي"فشعر أن قلبه توقف عن النبض لكن "ليان" لم تمنحه فرصة ليستوعب فقد تهاوى جسدها فجأة وسقطت مغشيًا عليها أمام قدميه لتتعالى الصرخات داخل الشقة، بينما اتسعت عينا "هادي" بصدمة لم يعرف مثلها طوال حياته.
فى تلك الليلة...
ولأول مرة منذ زمن طويل، جلس أفراد عائلة "أبو النور" حول مائدة واحدة دون حرب هدأت أصوات الخلافات وتراجعت المعارك التى استنزفت قلوبهم لأشهر طويلة وتصالحوا أخيرًا مع المال لكن الحياة كانت تبتسم بسخرية خفية من محاولتهم المتأخرة للراحة فبينما كانوا منشغلين بالورث والخصومات والحقوق، نسوا جرحين ينزفان بصمت.
"هدير"...
ابنتهم التى سافرت بعيدًا تحمل قلبها بيديها، وظنت أن الحب سيعوضها عن أهلها، لتكتشف فى غربتها أن الوحدة أقسى من البعد، وأن الإنسان قد يعيش وسط ألف شخص ويظل وحيدًا إن فقد سنده.
و"ليان"...
البنت العنيدة المتمردة التى أرهقت الجميع بغرورها وكبريائها، حتى اعتادوا التذمر منها أكثر من احتوائها، البنت التى صرخت طويلًا بطريقتها الخاطئة طلبًا للحب، فظن الجميع أنها لا تحتاج أحدًا.
بينما كانت فى الحقيقة أكثرهم احتياجًا، احتياجًا لعائلة تحتضنها حين تسقط، ولأب لا يترك يدها مهما أخطأت، ولبيت تعود إليه مهما ابتعدت، الحقيقة التى يغفل عنها البشر دائمًا وهي أن العائلة ليست مجموعة أشخاص تجمعهم الدماء فقط، العائلة هى الملجأ الأخير والكتف الذى لا يُغلق بابه والحضن الذى يسع أخطاءنا قبل نجاحاتنا وحين تضيق الدنيا كلها لا يبقى للإنسان إلا أهله، لكن يبدو أن عائلة "أبو النور" لم تنتهِ امتحاناتها بعد فما إن التأمت جراح قديمة حتى بدأت جراح جديدة تفتح أبوابها وكأن القدر يهمس لهم جميعًا:
_ بأن لم تنتهِ الحكاية بعد.. وكأن خطوة التصالح مهمة، لكنها ليست نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة تتمحور حول إنقاذ هدير وليان وإعادتهما إلى حضن العائلة.
تعالت الصرخات داخل الشقة دفعة واحدة مع سقوط جسدها أرضًا أمام الجميع:-
_ ليان!
_ الحقوها!
_ يا ساتر يا رب!
اندفع "هادي" نحوها قبل الجميع وركع على ركبتيه بجوارها وهو يشعر أن قلبه خرج من مكانه، رفع رأسها بين ذراعيه بارتباك كانت شاحبة بصورة مخيفة وعيناها مغمضتان تمامًا وجسدها بارد كلوح الثلج، هتف بصوت مرتجف لأول مرة منذ سنوات طويلة:-
_ ليان!... يا بنتي!
لكنها لم تستجب
تجمدت أنفاسه بينما اندفعت "آسيا" و"قدس" نحوها في ذعر أما "يزيد" فاقترب سريعًا يحاول إفساح المجال حولها وفجأة انحنت "قُدس" بجوار شقيقتها وضعت أصابعها على معصمها تتحسس النبض ثم رفعت رأسها بسرعة نحو الجميع:-
_ حد يتصل بالدكتور
زفر الجميع أنفاسًا محبوسة لكن القلق لم يغادر الوجوه.
وفي تلك اللحظة ركضت "هدير" نحوها هي الأخرى وجلست على الأرض بجوارها ونسيت تعبها وحزنها وكل ما جاءت تحمله معها من إنجلترا وأمسكت يد الصغيرة بقوة بذعر:-
_ ليان... افتحي عينيكي
لكن لا شيء ظل جسدها ساكنًا وكأنها استسلمت أخيرًا بعد سنوات طويلة من المقاومة أما "هادي" فكان ينظر إليها وكأنه لا يرى أحدًا سواها وتتردد الكلمة داخل رأسه بلا توقف.
"بابا..."
مرة واثنتين وعشرات المرات.
"بابا..."
الكلمة التي انتظرها كثيرًا، الكلمة التي أقنع نفسه أنه لم يعد يحتاج لسماعها والتي جاءت الآن في أسوأ لحظة ممكنة، شعر بشيء ساخن يحرق عينيه ثم سقطت دمعة واحدة فوق وجنتها ولأول مرة أمام الجميع بكى "هادي أبو النور" بكى دون أن يحاول الاختباء ودون أن يخجل وهمس بصوت مكسور:-
_ قومي يا بنتي عشان خاطري قومي أنا هنا، أنا جنبك قومي بس.
ساد الصمت داخل الشقة صمت موجع فلم ينتظر "الجارحي" هذه اللحظة الشاعرية فأنحنى يحملها عن الأرض وهو يقول بحزم:-
_كلم الدكتور يا يزيد
اخذها إلى الغرفة المجاورة ووضعها بالفراش فجلست "قُدس" بجانيها ووالدها وبعد محاولات كثيرة تحركت أصابع "ليان" قليلًا.
فحبست كل الأنفاس داخل الغرفة وببطء شديد فتحت عينيها وكانت الرؤية مشوشة والوجوه متداخلة أمامها لكن أول وجه رأته كان وجه "هادي" ما زال جالسًا أمامها وعيناه ممتلئتان بالدموع حدقت به لثوانٍ طويلة وكأنها لا تستوعب ما تراه ثم خرج صوتها ضعيفًا للغاية:-
_ بابا...
وأجهش "هادي" بالبكاء من جديد بينما ضم يدها إلى صدره وكأنها أغلى شيء يملكه في الدنيا، وتجمدت السعادة التي بدأت تتسلل إلى البيت كأن القدر أبى أن يمنحهم الراحة كاملة
وصل الطبيب مع "يزيد" بعد إفاقة "ليان" وساد التوتر أرجاء الشقة كلها بينما كان الطبيب يفحص "ليان" داخل الغرفة أما بالخارج فلم يجلس أحد كان الجميع واقفين أو يتحركون فى المكان بقلقٍ وعصبية، "هادي" يقف أمام الباب منذ دقائق طويلة وكأنه يخشى أن يبتعد خطوة واحدة و"قدس" تجلس على الأريكة واضعة يدها فوق بطنها بينما يحاول "الجارحي" تهدئتها بين الحين والآخر بطبطبة صغيرة على كتفها، أما "هدير" فكانت تجلس فى الركن البعيد بصمتٍ غريب، تحتضن حقيبتها كأنها آخر ما تبقى لها فى الدنيا وأخيرًا...
انفتح الباب خرج الطبيب يتبعه "وصيفة" فاندفع الجميع نحوه دفعة واحدة، سأل "هادي" بلهفة:-
_ بنتي كويسة يا دكتور؟
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة قائلاً:-
_ الحمد لله... مفيش حاجة خطيرة
زفر الجميع أنفاسهم دفعة واحدة لكن الطبيب أكمل وهو يفتح دفتره الصغير:-
_ الظاهر إنها تعرضت لضغط نفسي وعصبي شديد الفترة الأخيرة، مع إرهاق وعدم اهتمام بالأكل كويس.
ثم بدأ يدوّن بعض الأدوية ويقول:-
_ أنا هكتب شوية فيتامينات ومثبتات بسيطة وتحاليل مطلوبة خلال الأيام الجاية
عقد "فؤاد" حاجبيه متسائلًا:-
_ تحاليل إيه؟ ومثبتات عشان اى؟
رفع الطبيب رأسه باستغراب:-
_ مثبتات الحمل طبعًا ومتابعة الحمل عند دكتور نسا، لكن التحاليل عشان نطمن أكثر على صحتها
ساد الصمت وكأن الكلمات سقطت فوق رؤوسهم جميعًا دفعة واحدة رمشت "وصيفة" عدة مرات غير مصدقة بينما شهقت "آسيا":-
_ حمل؟!
التفت "هادي" نحو الباب المفتوح للغرفة بصدمة تحتله لا يعرف ايفرح أم أيحزن بهذا الخبر، أما "قدس" فاتسعت عيناها ثم وضعت يدها فوق فمها تلقائيًا نظر الطبيب إليهم باستغراب واضح:-
_ حضرتكم مكنتش تعرفوا؟
لم يجبه أحد فقال بهدوء:-
_ على العموم هى فى أول الحمل تقريبًا، ولازم ترتاح كويس جدًا وتبعد عن أى توتر
أنهى حديثه وغادر بعد أن سلّم الوصفة الطبية إلى "يزيد" وبمجرد أن أغلق الباب خلفه
ساد صمت آخر لكن هذه المرة لم يكن صمت خوف؛ بل صمت دهشة همست "وصيفة" وعيناها تلمعان بالدموع:-
_ ليان حامل...
أما "هادي" فظل واقفًا مكانه لا يتحرك، كل ما يدور فى رأسه أن ابنته عادت إليه فى نفس الليلة التى عرف فيها أنها ستصبح أمًا ابتلع غصته بصعوبة ثم دخل الغرفة بهدوء بينما تفرق الباقون شيئًا فشيئًا.
لكن "الجارحي" ظل واقفًا مكانه عيناه كانتا معلقتين بـ"هدير" منذ دخولها وهو يرى شيئًا مكسورًا داخلها، شيئًا أكبر من مجرد تعب سفر فاقترب منها بهدوء وقال:-
_ هدير... عمتي
رفعت رأسها إليه بضيق من تلقيبه لها وقالت:-
_ عمة دباب، نعم عايز اى
_ تعالى معايا دقيقة.
نظرت إليه باستغراب ثم نهضت بصمت خرج الاثنان إلى الشرفة الخارجية كان الليل هادئًا بصورة غريبة وأضواء القاهرة تلمع بعيدًا تحت السماء السوداء، ظل "الجارحي" صامتًا لثوانٍ قبل أن يسألها مباشرة:-
_ إيه اللى حصل؟
خفضت "هدير" عينيها فورًا باستسلام:-
_ مفيش.
نظر إليها طويلًا ثم قال بهدوء:-
_ أنا أعرفك كويس وشك بيقول إن فى حاجة كبيرة حصلت.
ارتجفت شفتاها وحاولت التماسك، حاولت كثيرًا لكنها فشلت وانهمرت دموعها فجأة، شهقة صغيرة خرجت منها قبل أن تضع يدها فوق فمها فتجمد "الجارحي" مكانه أما هى فبكت لأول مرة منذ وصلت، بكت وكأنها كانت تختنق طوال الطريق وقالت بصوت مكسور:-
_ تعبت يا جارحي...
انعقد حاجباه فورًا بإقتضاب وغضب تملكه وكان السؤال التالي مباشر جدًا:-
_ مصطفى عمل إيه؟ مد أيده عليكي؟ خانكِ؟
هزت رأسها بعجز وقال:-
_ المشكلة مش إنه ضربني... ولا خانني... ولا حتى أهانني هو معملش كل دول، المشكلة إنه مبقاش بيحبني، مبقاش زوج، مبقاش موجود يا جارحي فاهمنى
شعر "الجارحي" بأن قلبه انقبض أما هى فأكملت والدموع تنهمر على وجهها:-
_ بعد الجواز كل حاجة اتغيرت... كلامه... اهتمامه... قربه... حتى ضحكته
ابتلعت غصة مؤلمة وقلبها ينفطر من الوجع بداخل صدرها ثم قالت:-
_ بقيت قاعدة لوحدي طول الوقت مستنياه يرجع ومستنية كلمة حلوة أو حضن أو حتى سؤال بسيط وأنا كل يوم كنت بقول بكرة هيتغير.
سكتت لحظة ثم رفعت عينيها الممتلئتين بالانكسار إليه وقالت الجملة التى جعلت قلبه يهبط فى صدره:-
_ بس خلاص يا جارحي...
_ خلاص إيه؟
أغمضت عينيها للحظة ثم همست بصوت مرتجف:-
_ أنا قررت أطلب الطلاق
تجمد "الجارحي" مكانه ألم يكن هذا الرجل من اخترته من بين كل الرجال، بينما ظلت دموع "هدير" تنهمر فى صمت فضمها بحنان يربت على كتفها فتشبثت بقميصه بضعف ولأول مرة تشعر أنها تتكئ على سند حقيقي منذ زمن.
لم تكن تلك الليلة هادئة على العائلة ولم ينعم السلام عليهم حتى بعد حل مشكلة الورث ففي الداخل كانت العائلة كلها تحاول استيعاب خبر حمل "ليان" وفي الخارج كانت "هدير" تعلن نهاية زواجها
وكأن القدر قرر أن يمنح عائلة "أبو النور" فى ليلة واحدة بشارة حياة جديدة ومأتم حب يحتضر.....
